وأول ما يلفت النظر سكوت الأمة عن استيضاح أمرهم من النبي (ص) وبخاصة وقد سمعوه منه في نوب متفرقة وأماكن مختلفة، أما كان فيهم من يقول له: أنك عصمتنا من الضلالة بالرجوع الى اهل بيتك، وجعلتهم قرناء القرآن؛ فمن هم اهل هذا البيت لنعتصم بهم؟ أترى ان عصمتهم من الضلالة من الأمور العادية التي لاتهم معرفتها والاستفسار عنها، أم ترى أنهم كانوا معروفين لديهم فما احتاجوا الى استفسار وحديث؟.
والذي يبدو ان الصحابة ما كانوا في حاجة الى استفسار وهم يشاهدون نبيهم (ص) في كل يوم يقف على باب علي وفاطمة، وهو يقرأ: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا؛ وتسعة أشهر وهي المدة التي حدث عنها ابن عباس، كافية لئن تعرف الأمة من هم اهل البيت، ثم يشاهدونه وقد خرج الى المباهلة وليس معه غير علي وفاطمة وحسن وحسين، وهو يقول: (اللهم هؤلاء أهلي(1))، وهم من أعرف الناس بخصائص هذا الكلام، وأكثرهم ادراكا لما ينطوي عليه من قصر واختصاص.
وأحاديث الكساء التي سبقت الاشارة اليها فيما سبق، بما في بعضها من اقصاء حتى لزوجته أم سلمة، ما يغني عن إطالة الحديث معه في التعرف على المراد من اهل البيت على عهده، وأحاديثه على اختلافها يفسر بعضها بعضا، ويعين بعضها المراد من البعض.
على أنا لانحتاج في بدء النظر الى أكثر من تشخيص واحد منهم يكون المرجع للقيام بمهمته من بعده، وهو بدوره يعين الخلف الذي يأتي بعده وهكذا... وليس من الضروري ان يتولى ذلك النبي بنفسه ان لم نقل أنه غير طبيعي لولا ان تقتضيه بعض الاعتبارات.
ومن هنا احتجنا الى النص على من يقوم بوظيفة الامامة، لان استيعاب السنة والاحكام الشرعية وطبيعة الصيانة لحفظها التي تستدعي العصمة لصاحبها والعاصمية للآخرين، ليست من الصفات البارزة التي يدركها جميع الناس ليتركها مسرحا لاختيارهم وتمييزهم، ولو أمكن تركها لهم في مجال التشخيص فليس من الضروري أن يتفق الناس على اختيار صاحبها بالذات
(1) يقول مسلم في صحيحه، ج7 ص121: «لما نزلت هذه الآية (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: (اللهم هؤلاء أهلي) وقد رواها بالاضافة الى صحيح مسلم كل من: الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وغيرهم؛ انظر دلائل الصدق، ج2 ص86.