ــ[1]ــ

 

 

 

 

 

مدخل التفسير

 

 

أبحاث حول إعجاز القرآن والدفاع عن صيانته من التحريف ، وحجّية القراءات ، ومناقشة القرّاء ، وقوانين اُصول التفسير

 

 

 

لمؤلّفه:

آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(دام ظلّه)

 

 

 

تحقيق و نشر : مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)

ــ[2]ــ

 

 

 

 

سفيد

ــ[3]ــ

 

 

 

 

 

ــ[4]ــ

 

 

 

 

ــ[5]ــ

 

 

ــ[6]ــ

 

 

ــ[7]ــ

 

 

 

 

كتاب

 

 

 

 

 

 

ــ[8]ــ

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

 

فضيلة الشيخ حسين أنصاريان

 

 

ــ[9]ــ

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

نزل القرآن الكريم: على صدر الرسول الأكرم ـ منجّماً ـ طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ، وهو الكتاب الذي خطّط للمجتمع الإنساني طريق الهداية والتكامل ، وتعهّده بالصيانة والأمانة ، كما شرّع له كلّ ما يتطلّبه من حاجات فردية واجتماعية سواء بسواء.

وقد نزلت آياته وسوره وفق مقتضيات الحياة ، وما تصلحها من دساتير وتوجيهات تقيم فيها العدل ، وتحقّق لها السعادة ، فإنّ هذه الآيات والمعجزات قد ناشدت خصومها محاكاة هذا الإعجاز ومعارضتها ، الأمر الذي كشف عن عجزهم واستسلامهم أمام تحدّي القرآن وقاطعيّته ، وبالتالي جلا عن عجزهم وعصبيّتهم تجاه حكومة القرآن وإعجازه.

والقرآن: هو المعجزة الإلهية الخالدة التي جاء بها أعظم الرُّسل وأكرمهم ولذلك فإنّ النهوض بحقّه هو من أعظم الحقوق وأخطرها ، كما أنّ إقامة سننه وواجباته هي من أخطر الفروض والواجبات.

والقرآن: هو الكتاب الذي يصعد بالإنسانية إلى أرفع مدارج الكمال ، ويهديها

ــ[10]ــ

إلى سواء السبيل ، وينشد لها السعادة الأبديّة ، التي تمنحها العزّة والرفعة ، وتجنّبها الذلّ والشقاء ، وهو الكتاب الذي يغدق على الإنسانية كلّ معاني القدرة والمنعة في مجالات حياته الماديّة والمعنويّة.

والقرآن: هو الكتاب الذي يهدف ـ في ذاته ـ إلى التصعيد بالقوى العقلية ، والمواهب الفطرية إلى اُفق الابداع والابتكار ، الأمر الذي يهدم في روع الإنسان رواسب الخرافات والعادات الاجتماعية السيّئة ، والتقاليد الموروثة البالية ، كما يهدف إلى دعم الروح الإنسانية في إدراكاتها وتصوّراتها السماوية المجرّدة ، وما يرتبط بها من أسرار النفس ومزاياها.

والقرآن: هو الكتاب الذي تلوح فيه المبادرات العلمية والحضارية التي تأخذ بالبشرية إلى المسير الذي يتحوّل فيها جميع إبداعاتها وإدراكاتها ، كما يأخذ بها إلى استجلاء الأسرار والكوامن التي كان يجهلها ، إلى جانب أسرار التوحيد المتمازجة في هذه الخليقة ، وهكذا يأخذ بها هذا الكتاب إلى المبدأ والمعاد ، وإلى سائر الآيات الإلهية في براهينه وقصصه ، وهداياته وأنواره.

يقول الإمام الصادق(عليه السلام):

«القرآن: هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الاحداث ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ، وما عدل أحد عن القرآن إلاّ إلى النار»(1).

والقرآن: هو الكتاب الذي يخوض حقائق كثيرة مختلفة تمثِّل الجانب الآخر من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ج1 ص439.

ــ[11]ــ

إعجازه ، إذ يكشف الستار عن أسرار الخليقة ، كما يتمثّل فيه الجانب الآخر من إعجازه ، وهو إعجاز الاسلوب ، والنظم ، والبلاغة ، وهكذا يخوض الإخبار عن الغيب ، ومستقبل العالم ، وما وراء الطبيعة ، والعالم الاُخرى التي لم تصل المعرفة إليها إلاّ عن طريقه ، كما يتميّز القرآن بالتخطيط السويّ للحياة البشرية المتأرجحة بما فيه من معالجة النوازع الوجودية التي تنتابه في عرض هذه الحياة وطولها.

وكتاب: هذا مستواه ، وهذا محتواه ، كيف يوجد فيه أدنى اختلاف وهو وحيٌ من الله يتحدّى بآياته كلّ بليغ وكلّ مبدع ، بل وكلّ عبقري مفكِّر.

وحسبنا أن يعجز عن معارضته في الاسلوب ـ فضلاً عن الحقائق ـ كلّ الأجيال المختلفة طيلة أربعة عشر قرناً. وحتّى الإنسان المعاصر ، الذي شهد عصر العلم والإبداع إنّما يريد أن يستدرّ من القرآن الكريم حضارته وثقافته ، وفتوحاته العلمية والاجتماعية المختلفة.

والكتاب الذي بين أيدينا يجسِّد لنا كلّ هذه النواحي في إعجاز القرآن بالمعايير العلمية والواقعية ، ولذلك فإنّي اُناشد الباحثين والمحقِّقين أن يتبيّنوا هذه الخطوط العلمية ، وهذه الحقائق الناصعة الأصيلة بالنظرة الدقيقة ، والإدراك النافذ.

ومؤلِّف هذا الكتاب هو الاُستاذ المحقّق الحجّة الشيخ محمّد اللنكراني «الفاضل» أحد الشخصيات العلمية المرموقة في الأوساط والحوزات.

وقد ارتشفت من مناهل علمه طيلة الأيّام الدراسيّة التي قضيتها في قم ، مكبّاً ـ عنده ـ على دراسة الفقه والاُصول. وإذا أعتزّ أن أكون أصغر تلميذ له فلا أجد في نفسي من الأهليّة أن أزن هذا الكتاب بميزان معرفتي أو إعجابي ، إلاّ أنّ الباحثين وروّاد العلم هم الذين سوف يثمِّنون هذا الكتاب ، وهم يتبيّنون فيه المنهج العلمي

ــ[12]ــ

العميق ، والأصالة والإبداع.

وقد مضى على إعداد هذا الكتاب فترة من الزمن دون أن ينتهل من معينه روّاد العلم والمعرفة ، وطلاّب القرآن. وفي مناسبة كريمة أسعدني الله أن أحظى بلثم أنامله في مدينة «يزد» وقد جرى ذكر هذا الكتاب القيِّم ، فأولاني بالاطّلاع عليه وأجازني بطبعه وإذاعته.

وممّا يبعثني على الفخر والاعتزاز أن اُولى بهذه الخصيصة والنعمة العظمى فأسأله تعالى أن يوفّقنا ـ نحن المسلمين ـ إلى أن نسترشد معارف القرآن ، وأن نقتدي بهداه ، وأن نتّبع تعاليمه وتوجيهاته.

كما أسأله تعالى أن ينشر علينا لواء الدين ، والجامعة العلمية التي تقود العالم الإسلامي إلى عظمة القرآن ومنعته ، وإلى أتباع أهل البيت الأطهار ، والتأسِّي بهم ، والأخذ بسيرتهم.

وانّي إذ أجد لزاماً على أن اُنوّه عن التوجيهات التي أسداها فضيلة الكاتب الإسلامي الكبير الاُستاذ السيِّد مرتضى الحكمي: أجد لزاماً على أن اُزجي له الشكر على ما اضطلع به من مراجعة الكتاب وتنسيقه والإشراف على إخراجه.

والله أسأل أن يوفّقنا إلى ما يحبّ ويرضى ، كما أسأله أن يقرن ذلك برضا إمامنا الغائب ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ حامل القرآن وشريكه في الهداية والعدل والإصلاح.

 

طهران: جمادى الثانية 1369هـ

حسين أنصاريان

ــ[13]ــ

 

 

الإهداء

إلى المربِّي الكبير: الوالد المعظّ:

والرجل الفذّ لا أقدر على اداء حقوقه ، ولا أستطيع شكر عناياته ، وقد بالغ في تربيتي العلميّة والدينيّة ، وأجهد في تهيئة الوسائل اللاّزمة ، وكان جامعاً للفضائل المعنويّة ، ومربيّاً بالتربيّة القوليّة والعمليّة ، وحائزاً لشرف المهاجرة ، مصداقاً لقوله تعالى:

}ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على الله{.

فالمسؤول منه تعالى أن يعطي أجره عليه ، ويحشره في زمرة من يحبّه من أوليائه الطاهرين ، وأصفيائه المكرمين صلوات الله عليهم أجمعين ، وأن يقدرني على اداء بعض حقوقه ، آمين.

 

ولدك

ــ[14]ــ

صفحة بيضاء

ــ[15]ــ

 

 

 

المقدّمة

ــ[16]ــ

صفحة بيضاء

ــ[17]ــ

المقدّمة

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، وجعله هدىً للمتّقين ، وذكرى لاُولي الألباب ، وأثبت إعجازه بقوله عزّ من قائل:

}لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً{.

كما أنّه أثبت بجعله معجزاً خلود الاعجاز ، لاستمرار الشريعة ودوام النبوّة إلى يوم القيامة ، وابتنائها على المعجزة الخالدة ، وقد صانه من التحريف والتغيير بقوله تعالى: }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له الحافظون{.

وأخبر عن عدمه بقوله تعالى:

}لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد{.

وأفضل صلواته وتسليماته على رسوله الذي أرسله }بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون{ النبيّ الذي ترك في اُمّته الثقلين ، وحصر النجاة في التمسّك بالأمرين ، وأخبر بانتفاء أيّ افتراق في البين ، حتّى يردا

ــ[18]ــ

عليه الحوض.

وعلى آله الأخيار ، المصطفين الأبرار ، الّذين هم قرناء الكتاب ، والشارحون لآياته المفسِّرون لمحكماته ومتشابهاته ، العالمون بتنزيله وتأويله ، ولا يُغني الرجوع إليه من دون المراجعة إليهم.

واللعنة الدائمة الأبديّة على الذين:

}يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون* أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين* أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون{.

وبعد: يقول العبد المفتاق إلى رحمة ربّه الغنيّ ، محمّد الموحّدي اللنكراني الشهير بـ «الفاضل» ابن العلاّمة الفقيه الفقيد آية الله المرحوم الحاج الشيخ فاضل اللنكراني(قدس سره) ، وحشر مع من يحبّه من النبيّ والأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ـ انّ من منن الله تعالى العظيمة ، وتوفيقاته الربّانية أن وفّقني برهة من الزمن ، وقطعة من الوقت للبحث حول كتابه العزيز من عدّة جهات ترجع إلى أصل إعجازه ، ووجوه الإعجاز فيه ، وكان ذلك بمحضر جماعة من الأفاضل لا يقلّ عددهم ، وعدّة من الأعلام يعتنى بشأنهم ، وكنت أكتب خلاصة البحث ، ليكون لي تذكرة ولغيري بعد مرور الأيّام تبصرة ، وقد بقى المكتوب في السواد سنين متعدّدة إلى أن ساعدني التوفيق ثانياً لإخراجه إلى البياض.

وأقرّ ـ ولا محيص عن الإقرار ـ بأنّ الإنسان يقصر باعه ـ وإن بلغ ما بلغ ، ويقلّ اطّلاعه ـ وإن أحاط بجميع الفنون ـ عن البحث التام حول كلام الكامل ، وكيف يصحّ في العقول أن يحيط الناقص بالكامل ، سواء أراد الوصول إلى معناه ،

ــ[19]ــ

والبلوغ إلى مراده ، أم أراد الوصول إلى مرتبة عظيمة واستكشاف شؤونه من إعجازه وسائر ما يتعلّق به.

ولكن لا ينبغي ترك كلّ ما لا يدرك كلّه ، ولا يصحّ الإعراض عمّا لا سبيل إلى فهم حقيقته ، خصوصاً مع ابتناء الدين الخالد على أساسه وإعجازه ، وتوقّف الشريعة السّامية على نظامه الرفيع ، فإنّه ـ في هذه الحالة ـ لابدّ من الورود في بحر عميق بمقدار ميسور ، والاستفادة منه على قدر الظرف المقدور.

ومع أنّ الكتاب ـ سيّما في هذه الأعصار التي تسير قافلة البشر إلى أهداف مادّية ، وتبتني حياتهم التي لا يرون إلاّ إيّاها على أساس اقتصادي ، وأصبحت الشؤون المعنوية كأنّه لا يحتاج إليه ، والقوانين الإلهيّة غير معمول بها ـ قد صار هدفاً للمعاندين والمخالفين ، لأنّهم يرون أنّ الاقتفاء بنوره ، والخروج عن جميع الظلمات بسببه يسدّ باب السيادة المادّية ، ويمنع عن تحقّق السلطة ، ويوجب رقاء الفكر ، وحصول الاستضاءة ، فلابدّ لهم للوصول إلى أغراضهم الفاسدة من إطفاء نوره ، وإدناء مرتبته ، وتنقيص مقامه الشامخ ، فتارة يشكّون في إعجازه ، ويوردون على الناس شبهات في ذلك ، واُخرى يتمسّكون بتحريفه ويثبتون تنقيصه.

ومن العجب: أنّ بعض من لا يطّلع على حقيقة الأمر ، ويتخيّل أنّ البحث في هذه المباحث إنّما يجري مجرى المباحث العلميّة ، التي لا يتجاوز عن البحث العلمي قد وافق معهم في هذه العقيدة الفاسدة ، غفلة عن أنّ الأيادي الخفيّة ناشرة لهذه الفكرة الخبثية ، وباعثة على رواجها بين العوام والجهلة ، وهدفها سلب الاعتصام بحبل الله المتين ، وترك الاقتداء بكلام الله المبين ، ونفي وصف الإعجاز والحجّية عن القرآن العظيم.

ــ[20]ــ

فمثل هذه الجهات أوجب البحث حول الكتاب المجيد بالبحوث التي أشرت إليها. وأظنّ أنّه لا يبقى موقع للشبهة ـ مع المراجعة إلى هذه الرسالة ـ لمن يريد استكشاف الحقيقة ، ويترك طريق الغيّ والجهالة ، فقد بالغت على أن أجمع فيها ما يكون دليلاً على المقصود ، وأجبت عن الشبهات الواردة بما هو مقبول العقول ، ومع ذلك فالنقص والخطأ فيه لو كان ، فمنشأه قصور الباع ، وعدم سعة الاطّلاع ، وأرجو من القارئ الكريم أن ينظر إليها بعين الإنصاف ، وأن يذكّرني إذا أشرف على نقص أو اشتباه.

وفي هذا الصدد اُقدِّم جزيل الشكر إلى جميع الأصدقاء الكرام ـ الذين لهم نصيب في طبع الرسالة ونشرها ، سيّما صديقي الأعز الفاضل الكامل الواعظ الشهير الشيخ حسين المعروف بـ «أنصاريان» وفّقه الله تعالى لمراضيه وجعل مستقبل أمره خيراً من ماضيه بحقّ أوليائه الطاهرين.

وأبتهل إليه تعالى أن يمدّني بالتوفيق ، ويلحظ عملي بعين القبول ، فإنّه الوليّ الحميد المجيد.

 

قم ـ الحوزة العلمية ـ جمادى الاُولى 1396هـ

محمد الموحدي الفاضل

ــ[21]ــ

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَل إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ

وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً

ــ[22]ــ

صفحة بيضاء

ــ[23]ــ

 

 

 

 

حقيقة المعجزة

ــ[24]ــ

صفحة بيضاء

ــ[25]ــ

حقيقة المعجزة

 

 

 

 

 

 

 

المعجزة ـ بحسب الاصطلاح ـ هو ما يأتي به المدّعي لمنصب من المناصب الإلهيّة: من الاُمور الخارقة للعادة النوعيّة ، والنواميس الطبيعيّة ، والخارجة عن حدود القدرة البشريّة ، والقواعد والقوانين العلميّة ، وإن كانت دقيقة نظريّة ، والرياضات العلميّة وإن كانت نتيجة مؤثِّرة ، بشرط أن يكون سالماً عن المعارضة عقيب التحدّي به ، ففي الحقيقة يعتبر في تحقّق الإعجاز الاصطلاحي الاُمور التالية:

الأوّل: أن يكون الإتيان بذلك الأمر المعجز مقروناً بالدعوى ، بحيث كانت الدعوى باعثة على الإتيان به ، ليكون دليلاً على صدقها ، وحجّة على ثبوتها.

الثاني: أن تكون الدعوى عبارة عن منصب من المناصب الإلهيّة ، كالنبوّة والسفارة ، لأنّه حيث لا يمكن تصديقها من طريق السماع عن الإله ، لاستحالة ذلك ، فلابدّ من المعجزة الدالّة على صدق المدّعي ، وثبوت المنصب الإلهي ـ كما يأتي بيان ذلك في وجه دلالة المعجزة على صدق الآتي بها ـ وأمّا لو لم تكن الدعوى منصباً إلهيّاً ، بل كانت أمراً آخر كالتخصّص في علم مخصوص ـ مثلاً ـ فالدليل

ــ[26]ــ

الذي يأتي به مدّعيه لإثبات صدقه لا يسمّى معجزة ، لعدم توقّف إثباته على الإتيان بأمر خارق للعادة ، بل يمكن التوسّل بدليل آخر كالامتحان ونحوه ، ففي الحقيقة ، المعجزة: عبارة عن الدليل الخارق للعادة الذي ينحصر طريق إثبات الدعوى به ولا سبيل لإثباته غيره.

الثالث: أن تكون الدعوى في نفسها ممّا يجري فيه احتمال الصدق والكذب وإلاّ فلا تصل النوبة إلى المعجزة ، بل لا يتحقّق الإعجاز بوجه ، ضرورة أنّه مع العلم بصدق الدعوى لا حاجة إلى إثباتها ، ومع العلم بكذبها لا معنى لدلالتها عى صدق مدّعيها وإن كان البشر عاجزاً عن الإتيان بمثلها ـ فرضاً ـ وهذا لا فرق فيه بين أن يكون الكذب معلوماً من طريق العقل ، أو من سبيل النقل ، فإذا ادّعى أحد أنّه هو الله الخالق الواجب الوجود وأتى بما يعجز عنه البشر ـ فرضاً ـ فذلك لا يسمّى معجزة ، لأنّ الدعوى في نفسها باطلة بحكم العقل ، للبراهين القطعيّة العقليّة الدالّة على استحالة ذلك ، كما أنّه إذا ادّعى أحد النبوّة بعد خاتم النبيّين(صلى الله عليه وآله وسلم)وأتى ـ فرضاً ـ بما يخرق نواميس الطبيعة والقوانين الجارية فذلك لا يسمّى معجزة بالإضافة إلى المسلم الذي لا يرتاب في صحّة اعتقاده ونبوّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه كما ثبتت نبوّته كذلك ثبتت خاتميّته بالأدلّة القاطعة النقليّة ، فالمعتبر في تحقّق المعجزة ـ اصطلاحاً ـ كون الدعوى محتملة لكلّ من الصدق والكذب.

ومن ذلك يظهر: انّ المعجزات المتعدّدة لمدّع واحد إنّما يكون اتّصافها بالإعجاز بلحاظ الأفراد المتعدّدة ، فكلّ معجزة إنّما يكون إعجازها بالإضافة إلى من كانت تلك المعجزة دليلاً عنده على صدق المدّعي ، وإلاّ فلو كان صدق دعواه ـ عنده ـ ثابتاً بالمعجزة السابقة بحيث لا يكون هذا الشخص في ريب وشكّ أصلاً ،

ــ[27]ــ

فلا تكون المعجزة اللاّحقة معجزة بالإضافة إليه بوجه ، فاتّصاف اللاّحقة بهذا الوصف إنّما هو لأجل تأثيرها في هداية غيره ، وخروج ذلك الغير من الشكّ إلى اليقين لأجلها ، وبعبارة اُخرى إنّما يكون اتّصافها بالإعجاز عند الغير لا عند هذا الشخص.

الرابع: كون ذلك الأمر خارقاً للعادة الطبيعيّة ، وخارجاً عن حدود القدرة البشرية ، وفيه إشارة إلى أنّ المعجزة تستحيل أن تكون خارقة للقواعد العقليّة ، وهو كذلك ضرورة أنّ القواعد العقلية غير قابلة للإنخرام ، كيف وإلاّ لا يحصل لنا القطع بشيء من النتائج ، ولا بحقيقة من الحقائق ، فإنّ حصول القطع من القياس المركّب من الصغرى والكبرى ـ بما هو نتيجته ـ إنّما يتفرّع على ثبوت القاعدة العقلية الراجعة إلى امتناع اجتماع النقيضين ، ضرورة أنّ حصول العلم بحدوث العالم ـ مثلاً ـ من القياس المركّب من: «العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث» إنّما يتوقّف على استحالة اتّصاف العالم بوجود الحدوث وعدمه معاً ، ضرورة أنّه بدونها لا يحصل القطع بالحدوث في مقابل العدم ، كما هو غير خفيّ.

وكذلك العلم بوجود الباري ـ جلّت عظمته ـ من طريق البراهين الساطعة القاطعة ، الدالّة على وجوده إنّما يتوقّف على استحالة كون شيء متّصفاً بالوجود والعدم معاً في آن واحد ، وامتناع عروض كلا الأمرين في زمان فارد ، بداهة أنّه بدونها لا مجال لحصول القطع بالوجود في مقابل العدم ، كما هو ظاهر.

فالقواعد العقلية خصوصاً قاعدة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، التي إليها ترجع سائر القواعد ، وعليها يبتني جميع العلوم والمعارف ، بعيدة عن عالم الانخراق والانخرام بمراحل لا يمكن طيّها أصلاً.

ــ[28]ــ

ويدلّ على ما ذكرنا من استحالة كون المعجزة خارقة للقواعد العقليّة في خصوص المقام: أنّ الغرض من الإتيان بالمعجزة إثبات دعوى المدّعي واستكشاف صدقه في ثبوت المنصب الإلهي ، فإذا فرضنا إمكان تصرّف المعجزة في القواعد العقلية وانخرامها بها ، لا يحصل الغرض المقصود منها ، فإنّ دلالتها على صدق مدّعي النبوّة ـ مثلاً ـ إنّما تتمّ على تقدير استحالة اتّصاف شخص واحد في زمان واحد بالنبوّة وجوداً وعدماً ، وإلاّ فلا مانع من ثبوت هذا الاتّصاف ، وتحقّق كلا الأمرين ، فلا يترتّب عليها الغاية من الإتيان بها ، والغرض المقصود في البين ، كما لا يخفى.

وعلى ما ذكرنا فالمعجزة ما يكون خارقاً للعادة الطبيعيّة ، التي يكون البشر عاجزاً عن التخلّف عنها ، إلاّ أن يكون مرتبطاً بمنع القدرة المطلقة المتعلّقة بكلّ شيء ، ومنه يظهر الفرق بين السحر وبين المعجزة ، وكذا بينها وبين ما يتحقّق من المرتاضين ، الذين حصلت لهم القدرة لأجل الرياضة ـ على اختلاف أنواعها وتشعّب صورها ـ على الإتيان بما يعجز عنه من لم تحصل له هذه المقدّمات ، فإنّ ابتناء مثل ذلك على قواعد علميّة ، أو أعمال رياضية توجب خروجه عن دائرة المعجزة ، التي ليس لها ظهير إلاّ القدرة الكاملة التامّة الإلهيّة ، وهكذا الإبداعات الصناعيّة ، والاختراعات المتنوّعة; والكشفيّات المتعدّدة من الطبّية وغيرها من الحوادث المختلفة العاجزة عنها الطبيعة البشرية ، قبل تحصيل القواعد العلميّة التي تترتّب عليها هذه النتائج ، وإن كان الترتّب أمراً خفيّاً يحتاج إلى الدقّة والاستنباط ، فإنّ جميع ذلك ليس ممّا يعجز عنه البشر ، ولا خارقاً لناموس الطبيعة أصلاً.

ــ[29]ــ

نعم ، يبقى الكلام بعد وضوح الفرق بين المعجزة وغيرها بحسب الواقع ومقام الثبوت ، فإنّ الاُولى خارجة عن القدرة البشريّة بشؤونها المختلفة ، والثانية تتوقّف على مبادئ ومقدّمات يقدر على الإتيان بها كلّ من يحصل له العلم بها والاطّلاع عليها ـ في تشخيص المعجزة عن غيرها ـ بحسب مقام الإثبات ، وفي الحقيقة في طريق تعيين المعجزة عمّا يشابهها صورة ، وأنّه هل هنا امارة مميّزة وعلامة مشخّصة أم لا؟

والظاهر: أنّ الأمارة التي يمكن أن تكون معيّنة عبارة عن أنّ المعجزة لا تكون محدودة من جهة الزمان والمكان ، وكذا من سائر الجهات كالآلات ونحوها ، حيث انّ أصلها القدرة الأزلية العامّة غير المحدودة بشيء ، وهذا بخلاف مثل السّحر والأعمال التي هي نتائج الرياضات ، فإنّها ـ لا محالة ـ محدودة من جهة من الجهات ولا يمكن التعدّي عن تلك الجهة ، فالرياضة التي نتيجتها التصرّف في المتحرّك وإمكانه ـ مثلاً ـ لا يمكن أن تتحقّق من غير طريق تلك الآلة ، وهكذا ، فالمحدوديّة علامة عدم الإعجاز.

مضافاً إلى أنّ الأغراض الباعثة على الإتيان مختلفة ، بداهة أنّ النبيّ الواقعي لا يكون له غرض إلاّ ما يتعلّق بالاُمور المعنويّة ، والجهات النفسانيّة ، والسير بالناس في المسير الكمالي المتكفّل لسعادتهم.

وأمّا النبيّ الكاذب فلا تكون استفادته من المعجزة إلاّ الجهات الراجعة إلى شخصه من الاُمور المادّية ، كالشهرة والجاه والمال وأشباهها ، فكيفيّة الاستفادة من المعجزة من علائم كونها معجزة أم لا ، كما هو واضح.

الخامس: أن يكون الإتيان بذلك الأمر مقروناً بالتحدّي الراجع إلى دعوة

ــ[30]ــ

الناس إلى الإتيان بمثله إن استطاعوا ، ليعلم بذلك:

أوّلاً ـ غرض المدّعي الآتي بالمعجزة ، وأنّ الغاية المقصودة من الإتيان بها تعجيز الناس ، وإثبات عجزهم من طريق لا يمكنهم التخلّص عنه ، ولا الإشكال عليه.

وثانياً ـ أنّ عدم الإتيان بمثله لم يكن لأجل عدم تحدّيهم للإتيان ، وعدم ورودهم في هذا الوادي ، وإلاّ فكان من الممكن الإتيان بمثله ، ضرورة أنّ التحدّي الراجع إلى تعجيز الناس الذي يترتّب عليه أحكام وآثار عظيمة من لزوم الإطاعة للمدّعي ، وتصديق ما يدّعيه ، ويأتي به من القوانين والحدود ، والتسليم في مقابلها يوجب ـ بحسب الطبع البشري والجبلة الإنسانية ـ تحريكهم إلى الإتيان بمثله ، لئلاّ يسجّل عجزهم ويثبت تصوّرهم ، وعليه فالعجز عقيب التحدّي لا ينطبق عليه عنوان غير نفس هذا العنوان ، ولا يقبل مجملاً غير ذلك ولا يمكن أن يلبّس بلباس آخر ولا تعقل موازاته بالأغراض الفاسدة ، والعناد والتعصّب القبيح.

السادس: أن يكون سالماً عن المعارضة ، ضرورة أنّ مع الابتلاء بالمعارضة بالمثل لا وجه لدلالته على صدق المدّعى ولزوم التصديق ، لأنّه إن كان المعارض ـ بالكسر ـ قد حصّل القدرة من طريق السحر والرياضة ـ مثلاً ـ فذلك كاشف عن كون المعارض ـ بالفتح ـ قد أتى بما هو خارق للعادة والناموس الطبيعي ـ وقد مرّ اعتباره في تحقّق الإعجاز الاصطلاحي بلا ارتياب ـ وإن كان المعارض قد أقدره الله تبارك وتعالى على ذلك لإبطال دعوى المدّعي فلا يبقى ـ حينئذ ـ وجه لدلالة معجزه على صدقه أصلاً.

وبالجملة: مع الابتلاء بالمعارضة يعلم كذب المدّعي في دعوى النبوّة ، إمّا

ــ[31]ــ

لأجل عدم كون معجزته خارقة للعادة الطبيعية ، وإمّا لأجل كون الفرض من اقدار المعارض إبطال دعواه ، إذ لا يتصوّر غير هذين الفرضين فرض ثالث أصلاً ، كما لا يخفى.

السابع: لزوم التطبيق ، بمعنى أن يكون الأمر الخارق للعادة ، الذي يأتي به المدّعي للنبوّة والسفارة كان وقوعه بيده بمقتضى إرادته وغرضه ، بمعنى تطابق قوله وعمله ، فإذا تخالف لا يتحقّق الإعجاز بحسب الاصطلاح ، كما حكي أنّ مسيلمة الكذّاب تفل في بئر قليلة الماء ليكثر ماؤها فغار جميع ما فيها من الماء ، وانّه أمرَّ يده على رؤوس صبيان بني حنيفة وحنكهم فأصاب القرع كلّ صبيّ مسح رأسه ، ولثغ كلّ صبيّ مسح حنكه ، وإن شئت فسمِّ هذه المعجزة الدالّة على الكذب ، لأنّه أجرى الله تعالى هذا الأمر بيده لإبطال دعواه ، وإثبات كذبه ، وهداية الناس إلى ذلك.

بقي الكلام: في حقيقة المعجزة في أمر ، وهو انّ الإعجاز هل هو تصرّف في قانون الأسباب والمسبّبات العاديّة ، وراجع إلى تخصيص مثل: «أبى الله أن يجري الاُمور إلاّ بأسبابها» أو انّه لا يرجع إلى التصرّف في ذلك القانون ، ولا يستلزم التخصيص في مثل تلك العبارة الآبية بظاهرها عن التخصيص ، بل التصرّف إنّما هو من جهة الزمان ، وإلغاء التدريج والتدرّج بحسبه ، فمرجع الإعجاز في مثل جعل الشجر اليابس خضراً ـ في الفصل الذي لا يقع فيه هذا التبدّل والتغيّر عادة من الفصول الأربعة السنوية ـ إلى تحصيل ما يحتاج إليه الشجر في الاخضرار من حرارة الشمس والهواء والماء ، وما يستفيده من الأرض في آن واحد ، لا إلى استغنائه عن ذلك رأساً؟ الظاهر هو الوجه الثاني وإن كان لا يترتّب على هذا البحث ثمرة كثيرة مهمّة.

ــ[32]ــ

نعم ، يظهر ممّا استظهرناه الجواب عمّا استند إليه المادّيون في دعواهم إنكار المعجزة ، من أنّ المعجزة الراجعة إلى الإتيان بما يخرق العادة يوجب انحزام أصل «العليّة والمعلوليّة» والخدشة في هذه القاعدة المسلّمة في العلوم الطبيعية ، وفي العلم الأعلى والفلسفة ، فإنّ ابتنائهما على قانون العلّية ممّا لا يكاد يخفى ، ولا يمكن للعقل أيضاً إنكاره فإنّ افتقار الممكن ـ في مقابل الواجب والممتنع ـ إلى العلّة بديهي لأنّه حيث لا يكون في ذاته اقتضاء الوجود والعدم ، بل يكون متساوي النسبة إليهما ، كما هو معنى الإمكان ، فترجيح أحد الأمرين لا يمكن إلاّ بعد وجود مرجّح في البين ، يكون ذلك المرجّح خارجاً عن ذات الممكن وماهيّته ، وذلك المرجّح إنّما هي العلّة التي تؤثّر في أحد الطرفين ، وتخرج الممكن عن حدّ التساوي.

وحينئذ يقال في المقام: إنّ المعجزة كما أنّها خارقة للعادة الطبيعية كذلك خارمة لهذه القاعدة العقلية المشتهرة بقانون العلّية والمعلوليّة ، وموجبة لوقوع التخصيص فيها ، وحيث انّها غير قابلة للتخصيص فلا محيص عن إنكارها كلاًّ ونفيها رأساً.

 

والجواب:

أوّلاً: انّ ما تقتضيه القاعدة المسلّمة إنّما هو مجرّد افتقار الممكن إلى العلّة المرجّحة ، وامّا انّ تلك العلّة لابدّ وأن تكون طبيعيّة مادّية فهو أمر خارج عن مقتضى تلك القاعدة ، والقائلون بثبوت الإعجاز لا ينكرون القاعدة أصلاً ، بل غرضهم انّ العلّة المرجّحة أمر خارج عن إدراك البشر وقدرته ، فالمعجزة لا تنافي القاعدة أصلاً ، وبعبارة اُخرى تكون العلّة أمراً غير طبيعي مرتبطاً بالقدرة الكاملة

ــ[33]ــ

الإلهيّة غير المحدودة.

وثانياً: قد عرفت أنّه لا مانع من الالتزام بثبوت العلّة الطبيعيّة في باب المعجزة ، وخرق العادة إنّما هو بلحاظ إلغاء التدريج والتدرّج ، وفي الحقيقة خروجها عن حدود القدرة البشريّة إنّما هو بلحاظ هذا الإلغاء بحسب الزمان ، لا بلحاظ قطعها عن الارتباط بالعلّة الطبيعيّة ـ كما عرفت في مثال جعل الشجر اليابس خضراً ـ فتدبّر جيّداً.

ثمّ إنّه ربما يستدلّ ببعض الآيات القرآنية على أنّه لا يلزم على النبيّ الإتيان بالمعجزة وترتيب الأثر على قول من يطلبها ، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: }وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً.. قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً{ فإنّها ظاهرة في أنّه بعد تعليقهم الإيمان على الإتيان بالمعجز لم يأت النبيّ بما هو مطلوبهم ، بل أظهر العجز بلسان كونه بشراً رسولاً ، فمنها يستفاد عدم لزوم اقتران دعوى النبوّة بما هو معجزة.

 

والجواب:

أمّا أوّلاً: فإنّ افتقار النبيّ في دعوى النبوّة وصدقها إلى الإتيان بالمعجز من المسلّمات العقلية التي لا يشوبها ريب ، ضرورة أنّه مع عدم الافتقار لا يبقى افتراق بين النبيّ الصادق والنبيّ الكاذب ، ولا يكون للأوّل مزيّة وفضيلة أصلاً ، وحينئذ فإنّ فرض دلالة الآية على خلافه ، وانّه لا حاجة إلى الإعجاز مع فرض صدق المدّعي ، فاللاّزم تأويلها كما هو الشأن في غيرها من الآيات الظاهرة في خلاف ما هو المسلّم عند العقل ، كقوله تعالى في سورة الفجر: }وجاء ربّك{.

ــ[34]ــ

وأمّا ثانياً: فإنّ الإتيان بالمعجز لا معنى لأن يكون تابعاً لطلب الناس وهوى أنفسهم ، بحيث تكون خصوصيّاته راجعة إلى تعيين الشاكّ واختياره ، ضرورة أنّ المعجزة أمر إلهي لا يكون للنبيّ فيه إرادة واختيار ، بل كان بإرادة الله تعالى على أنّه لا معنى لطلب معجزة مخصوصة بعد الإتيان بما هو معجزة حقيقة ، وظاهر الآيات المذكورة أنّ طلبهم من النبيّ تلك الاُمور المذكورة فيها كان بعد الإتيان بالقرآن الذي هو أعظم المعجزات. وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّه لا يختصّ وصف الإعجاز بمجموع القرآن ، بل يكون كلّ سورة من سوره الطويلة والقصيرة واجدة لهذا الوصف ، وحينئذ فالطلب منهم دليل على عدم كونهم بصدد الاهتداء ، بل على لجاجهم وعنادهم ، وتعصّبهم القبيح ، فإنّه لا وجه بعد الإتيان بالمعجزة لطلب معجزة اُخرى ، مع فرض كون الشخص بصدد الاهتداء وتبعيّة النبي الصادق.

وأمّا ثالثاً: فغير خفيّ على الناظر في الآيات انّ ما كانوا يطلبونه لم يكن معجزة بوجه ، إمّا لكونه من الاُمور الموافقة للعادة الطبيعيّة ، كفجر الينبوع من الأرض ، وثبوت بيت من الزخرف له ومثلهما ، وإمّا لكونه منافياً لغرض الإعجاز كسقوط السماء الموجب لهلاك طالب المعجزة ، وإمّا لكونه مستحيلاً عقلاً ، كالإتيان بالله من السماء بعنوان الشهادة ولأجلها. وقد مرّ أنّ المعجزة لا تبلغ حدّ التصرّف في المستحيلات العقليّة لعدم قابليّتها للانحزام بوجه.

وامّا رابعاً: فهذا القرآن الكريم يصرّح في غير موضع بثبوت المعجزة للأنبياء السالفين كموسى وعيسى وغيرهما وانّ تصديقهم كان لأجل الإتيان بها ، وعليه فهل يمكن أن يقال بدلالته على عدم الافتقار إلى المعجزة أو بدلالته على كذب المعجزات السالفة. نعوذ بالله من الضلالة والخروج عن دائرة الهداية.

ــ[35]ــ

 

 

 

وجه دلالة الإعجاز على الصدق

 

الظاهر: أنّ الوجه في دلالة الإعجاز على صدق مدّعي النبوّة ليس إلاّ قبح الإغراء بالجهل على الحكيم على الإطلاق ، فإنّه حيث لا يمكن التصديق بنبيّ من غير جهة الإعجاز ، ضرورة انحصار الطريق العقلائي بذلك ، مع أنّ النبوّة والسفارة من المناصب الإلهيّة التي ليس فوقها منصب ، ومن هذه الجهة يكثر المدّعي لها ، والطالب للوصول إليها ، فإذا صدر منه أمر خارق للعادة الطبيعيّة ، العاجزة عنه الطبيعة البشريّة ، فإن كان كاذباً في نفس الأمر ، ومع ذلك لم يبطله الله تعالى ، والمفروض انّه ليس للناس طريق إلى إبطاله من التمسّك بالمعارضة ، فهو لا ينطبق عليه عنوان من ناحية الله ، إلاّ عنوان الإغراء بالجهل القبيح في حقّه ، ولكن ذلك إنّما يتوقّف على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين ، كما عليه من عدى الأشاعرة ، وامّا بناء على مسلكهم الفاسد من إنكار الحسن والقبح رأساً فلا طريق إلى تصديق النبيّ من ناحية المعجزة أصلاً.

وما يقال: من أنّ فرض المعجزة ملازم لكونها من الله سبحانه ، ولا حاجة فيه إلى القول بالحسن والقبح العقليّين ، لأنّ المعجزة مفروض انّها خارجة عن حدود القدرة البشريّة فلا مناص عن كونها من الله سبحانه.

مدفوع: فإنّه ليس البحث في الاتّصاف بالإعجاز ، حتّى يقال إنّ فرضه ملازم

ــ[36]ــ

لكونه من الله سبحانه ، بل البحث ـ بعد الفراغ عن كونه معجزة ـ في دلالة الإعجاز على صدق مدّعي النبوّة في دعواها ، فمن الممكن انّ الأقدار من الله لم يكن لأجل كونه نبيّاً ، بل لغرض آخر ، فمجرّد كون المعجزة من الله لا يستلزم الصدق ، إلاّ مع ضميمة ما ذكرنا من لزوم الإغراء بالجهل القبيح ، ومع إنكار القبح والحسن ـ كما هو المفروض ـ ينسدّ هذا الباب ، ولا يبقى مجال للتصديق من ناحية الإعجاز.

وما حكي عن بعض الأشاعرة من جريان عادة الله على صدور ما يخرق العادة ، وناموس الطبيعة بيد النبيّ فقط ، يدفعه أنّ العلم بذلك من غير طريق النبيّ كيف يمكن أن يحصل ، والمفروض أنّ الشكّ في أصل نبوّته ، مضافاً إلى أنّه لا دليل على لزوم الالتزام بهذه العادة ، مع إنكار القبح رأساً.

ــ[37]ــ

صفحة سفيد

ــ[38]ــ

 

 

 

إعجاز القرآن

ــ[39]ــ

 

إعجاز القرآن

 

 

 

 

القرآن معجزة خالدة. لا يختصّ إعجاز القرآن بوجه خاصّ. التحدّي بمن أنزل عليه القرآن ، التحدّي بعدم الاختلاف والسلامة والاستقامة. التحدّي بأنّه تبيان كلّ شيء. التحدّي بالاخبار بالغيب. التحدّي بالبلاغة. القرآن ومعارفه الاعتقادية. القرآن وقوانينه التشريعية. القرآن وأسرار الخلقة.

ــ[40]ــ

 

 

 

 

 

 

ليس في الكتاب العزيز ما يدلّ بظاهره على توصيفه بالإعجاز الاصطلاحي بهذه اللفظة ، بل وقع فيه التحدّي به ، الذي هو الركن الأعظم للمعجزة ، وتتقوّم به حقيقتها ، والآيات الدالّة على التحدّي بمجموع القرآن أو ببعضه لا تتجاوز عن عدّة:

أوّلها: الآية الكريمة الواردة في سورة الإسراء: }قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً{(1).

والظاهر من الآية الكريمة الإخبار عن عدم الإتيان بمثل القرآن ، لأجل عدم تعلّق قدرتهم به ، وأنّ القرآن يشتمل على خصوصيّات ومزايا من جهة اللفظ والمعنى لا يكاد يقدر عليها الإنس والجنّ ، وإن اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً ، فاتّصاف القرآن بأنّه معجز إنّما هو من جهة الخصوصيّة الموجودة في نفسه ، البالغ بتلك الخصوصية حدّاً يعجز البشر عن الإتيان بمثله.

وعليه: فما ذهب إليه من وصف بأنّه شيطان المتكلِّمين من القول بالصرف في إعجاز القرآن ، وانّ الله صرف الناس عن الإتيان بمثله مع ثبوت وصف القدرة لهم ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1)

ــ[41]ــ

وتوفّر دواعيهم عليه; مناف لما هو ظاهر الآية الشريفة ، المعتضد بما هو المرتكز في أذهان المتشرّعة من بلوغ القرآن علوّاً وارتفاعاً إلى حدّ لا تصل إليه أيدي الناس ، ولا محيص لهم إلاّ الاعتراف بالعجز والقصور والخضوع لديه.

فهذا القول باطل من أصله ، وإن استصوبه الفخر الرازي في تفسيره ، واختاره ـ خصوصاً ـ بالإضافة إلى السور القصيرة ، كسورتي العصر والكوثر زاعماً أنّ دعوى خروج الإتيان بأمثال هذه السور عن مقدور البشر مكابرة ، والإقدام على أمثال هذه المكابرات ممّا يطرق التّهمة إلى الدين. وسيأتي البحث معه في اتّصاف السورة القصيرة بالإعجاز.

وثانيها: ما ورد في سورة يونس من قوله تعالى: }أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين{(1).

وثالثها: ما ورد في سورة هود من قوله تعالى: }أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا فاعلموا إنّما اُنزل بعلم الله وان لا إله إلاّ هو فهل أنتم إلاّ مسلمون{(2).

وهذه السور الثلاث على ما رواه الجمهور نزلت بمكّة متتابعات ، وفي رواية عن ابن عبّاس انّ سورة يونس مدنيّة ، والرواية الاُخرى عنه الموافقة لقول الجمهور ولأسلوبها ، فإنّه اسلوب السور المكّية.

وها هنا إشكال: وهو أنّ الترتيب الطبيعي في باب التحدّي يقتضي التحدّي أوّلاً بالقرآن بجملته ، ثمّ بعشر سور مثله ، ثمّ بسورة واحدة مثله ، مع أنّه على رواية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يونس: 38.

(2) هود: 13 ـ 14.

ــ[42]ــ

الجمهور وقع التحدّي بالعشر متأخّراً عن التحدّي بسورة واحدة ، نعم لا مجال لهذا الإشكال بناءً على إحدى روايتي ابن عبّاس من كون سورة يونس بتمامها مدنيّة.

وحكي عن بعض في مقام التفصّي عن هذا الإشكال أنّ الترتيب بين السورة ونزول بعضها قبل بعض لا يستلزم الترتيب بين آيات السور ، فكم من آية مكّية موضوعة في سورة مدنيّة وبالعكس ، فمن الجائز ـ حينئذ ـ أن تكون آيات التحدّي من هذا القبيل ، بأن تكون آية التحدّي بعشر سور نازلة بعد آية التحدّي بالقرآن في جملته ، وقبل آية التحدّي بسورة واحدة ، بل جعل الفخر الرازي في تفسيره مقتضى النظم والترتيب الطبيعي قرينة على هذا التقديم والتأخير.

ويرد على هذا البعض: أنّ مجرّد الاحتمال لا يحسم مادّة الإشكال ، وعلى الفخر أنّ صيرورة ذلك قرينة إنّما تتمّ على تقدير عدم إمكان التوجيه بما لا يخالف الترتيب الطبيعي ، وهو لم يثبت بعد.

وحكي عن بعض آخر في مقام الجواب عن أصل الإشكال ما حاصله ـ على ما لخّصه بعض من مفسِّري العصر ـ أنّ القرآن الكريم معجز في جميع ما يتضمّنه من المعارف ، والأخلاق ، والأحكام ، والقصص وغيرها ، وينعت به من الفصاحة والبلاغة وانتفاء الاختلاف ، وإنّما تظهر صحّة المعارضة والإتيان بالمثل عند إتيان عدّة من السور يظهر به ارتفاع الاختلاف ، وخاصّة من بين القصص المودعة فيها مع سائر الجهات ، كالفصاحة والبلاغة والمعارف وغيرها ، وإنّما يتمّ ذلك بإتيان أمثال السور الطويلة التي تشتمل على جميع الشؤون المذكورة ، وتتضمّن المعرفة والقصّة والحجّة وغير ذلك ، كسورتي الأعراف والأنعام.

والتي نزلت من السور الطويلة القرآنية ممّا يشتمل على جميع الفنون المذكورة

ــ[43]ــ

قبل سورة هود ـ على ما ورد في الرواية ـ هي سورة الأعراف ، وسورة يونس ، وسورة مريم ، وسورة طه ، وسورة الشعراء ، وسورة النمل ، وسورة القصص ، وسورة القمر ، وسورة ص ، فهذه تسع من السور عاشرتها سورة هود وهذا هو الوجه في التحدّي بأمرهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات.

واُورد عليه ـ مضافاً إلى عدم ثبوت الرواية التي عوّل عليها ـ بأنّ ظاهر الآية أنّ رميهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالافتراء قول تقوّلوه بالنسبة إلى جميع السور القرآنية ، طويلتها وقصيرتها ، فمن الواجب أن يجابوا بما يحسم مادّة الشبهة بالنسبة إلى كلّ سورة قرآنية ، لا خصوص الإتيان بعشر سور طويلة جامعة للفنون القرآنية ، مع أنّ الضمير في «مثله» الواقع في الآية الشريفة إن كان راجعاً إلى القرآن ـ كما هو ظاهر هذا القائل ـ أفاد التحدّي بإتيان عشر سور مفتريات مثله مطلقاً ، سواء في ذلك الطوال والقصار ، فتخصيص التحدّي بعشر سور طويلة جامعة; تقييد من غير مقيّد ، وإن كان عائداً إلى سورة هود كان مستبشعاً من القول ، خصوصاً بعد عدم اختصاص الرمي بالافتراء بسورة هود ، لأنّه كيف يستقيم في مقام الجواب عن الرمي بأنّ مثل سورة الكوثر من الافتراء أن يقال: ائتوا بعشر سور مفتريات مثل سورة هود كما هو واضح.

وقد تفصّى عن هذا الإشكال بعض الأعاظم في تفسيره الكبير المعروف بـ «الميزان في تفسير القرآن» بكلام طويل يرجع حاصله إلى: «انّ كلّ واحدة من آيات التحدّي تؤم غرضاً خاصّاً في التحدّي ، لأنّ جهات القرآن وما به تتقوّم حقيقته وهو كتاب إلهي ـ مضافاً إلى ما في لفظه من الفصاحة ، وفي نظمه من البلاغة إنّما ترجع إلى معانيه ومقاصده ، لا ما يقصده علماء البلاغة من قولهم: إنّ البلاغة من

ــ[44]ــ

صفات المعنى. لأنّهم يعنون به المفاهيم من جهة ترتّبها الطبيعي في الذهن ، من دون فرق بين الصدق والكذب والهزل والفحش وما جرى مجراها ، بل المراد من المعنى ما يصفه تعالى بأنّه كتاب حكيم ، ونور مبين ، وقرآن عظيم ، وهاد يهدي إلى الحقّ ، وإلى طريق مستقيم ، وما يضاهي هذه التعبيرات ، وهذا هو الذي يصحّ أن يتحدّى به بمثل قوله: «فليأتوا بحديث مثله» فانّا لا نسمّي الكلام حديثاً إلاّ إذا اشتمل على غرض هامّ يتحدّث به ، وكذا قوله: «فأتوا بسورة مثله» فإنّ الله لا يسمّي جماعة من آيات كتابه وإن كانت ذات عدد سورة إلاّ إذا اشتملت على فرض إلهي بها تتميّز عن غيرها ، ولولا ذلك لم يتمّ التحدّي بالآيات القرآنية ، وكان للخصم أن يختار من مفردات الآيات عدداً ذا كثرة ، ثمّ يقابل كلاًّ منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير أن يضمن ارتباط بعضها ببعض ، فالذي كلّف به الخصم في هذه التحدّيات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن ، مضافاً إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الإلهيّة.

والكلام الإلهي ـ مع ما تحدّى به في آيات التحدّي ـ يختلف بحسب ما يظهر من خاصّته ، فمجموع القرآن الكريم يختصّ بأنّه كتاب فيه يحتاج إليه نوع الإنسان إلى يوم القيامة من معارف أصلية ، وأخلاق كريمة ، وأحكام فرعية ، والسورة من القرآن تختصّ ببيان جامع لغرض من الأغراض الإلهيّه ، وهذه خاصّة غير الخاصّة التي يختصّ بها مجموع القرآن الكريم ، والعدّة من السور كالعشر والعشرين منها تختصّ بخاصّة اُخرى ، وهي بيان فنون من المقاصد والأغراض والتنوّع فيها ، فإنّها أبعد من احتمال الاتّفاق».

إلى أن قال: «إذا تبيّن ما ذكرنا ظهر أنّ من الجائز أن يكون التحدّي بمثل قوله:

ــ[45]ــ

«قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ» الآية وارداً مورد التحدّي بجميع القرآن لما جمع فيه من الأغراض الإلهيّة ، ويختصّ بأنّه جامع لعامّة ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة ، وقوله: «قل فأتوا بسورة مثله» لما فيها من الخاصّة الظاهرة وهي أنّ فيها بيان غرض تامّ جامع من أغراض الهدى الإلهي بياناً فصلاً من غير هزل ، وقوله: «قل فأتوا بعشر سور» تحدّياً بعشر من السور القرآنية لما في ذلك من التفنّن في البيان ، والتنوّع في الأغراض من جهة الكثرة. والعشرة من ألفاظ الكثرة كالمائة والألف ، قال تعالى: }يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة{.

إلى أن قال: «وأمّا قوله: «فليأتوا بحديث مثله» فكأنّه تحدٍّ بما يعمّ التحدّيات الثلاثة السابقة ، فإنّ الحديث يعمّ السورة والعشر سور والقرآن كلّه ، فهو تحدٍّ بمطلق الخاصّة القرآنية وهو ظاهر».

ويرد عليه: أنّ ما أفاده وحقّقه وإن كان في نفسه تامّاً لا ينبغي الارتياب فيه إلاّ أنّه يصلح وجهاً لأصل التحدّي بالواحد والكثير ، والتفنّن والتنوّع في هذا المقام وأمّا التحدّي بالعشر بعد الواحد ، المخالف للترتيب الطبيعي الذي يبتنى عليه الإشكال ، فما ذكره لا يصلح وجهاً له ، ضرورة أنّه بعد التحدّي بالواحد بما فيه من الخاصّة الظاهرة الراجعة إلى غرض تامّ جامع من الأغراض الإلهيّة ، كيف تصل النوبة إلى التحدّي بما يتضمّن التفنّن في البيان والتنوّع في الأغراض ، فإنّ العاجز من الإتيان بما فيه غرض واحد جامع كيف يتصوّر أن يقدر على ما فيه أغراض كثيرة متنوّعة بداهة أنّ التنوّع فرع الواحد ، فمجرّد اختلاف الغرض في باب التحدّي ، وكون كلّ واحدة من الآيات الواردة في ذلك الباب ـ مترتّباً عليها غرض خاصّ في مقام التحدّي ـ لا يوجب تصحيح الترتيب والنظم الطبيعي ، أترى أنّ هذا الذي

ــ[46]ــ

أفاده يسوّغ أن يكون التحدّي بمجموع القرآن متأخِّراً عن التحدّي بسورة واحدة ، مع أنّ الغرض مختلف ، فانقدح أنّ مجرّد الاختلاف لا يحسم مادّة الإشكال ، وانّ التحدّي بالعشر بعد الواحدة لا يكاد يمكن توجييه بما ذكر.

ويمكن أن يقال في مقام التفصّي عن الإشكال: إنّ تقييد العشر بكونها مفتريات ، الوارد في هذه الآية فقط يوجب الانطباق على ما يوافق النظم الطبيعي.

توضيح ذلك: انّ الافتراء المدلول عليه بقوله: «مفتريات» يغاير الافتراء الواقع في صدر الآية في قوله: «أم يقولون افتراه» فإنّ الافتراء هناك افتراء بحسب نظر المدّعى ، ولا يقبله الطرف الآخر بوجه ، وفي الحقيقة يكون الافتراء المدعى افتراءً واقعيّاً غير مطابق للواقع بوجه ، ولكن الافتراء هنا افتراء مقبول للطرفين ، والغرض ـ والله أعلم ـ انّ اتّصاف القرآن بالإعجاز وإن كان ركنه الذي يتقوّم به إنّما هي المقاصد الإلهية ، والأغراض الربوبيّة ، التي يشتمل عليها ألفاظه المقدّسة ، وعباراته الشريفة ، إلاّ انّه لا ينحصر بذلك ، بل لو فرض كون المطالب غير واقعية والقصص كاذبة لكان البشر عاجزاً عن التعبير بمثل تلك الألفاظ ، مع النظم الخاصّ ، والاسلوب المخصوص.

ففي الحقيقة: يكون التحدّي في هذه الآية ـ بعد الإغماض عن علوّ المطالب ، وسموّ المعاني ، وصدق القصص ، وواقعيّة المفاهيم ـ بخلاف التحدّي الواقع في الآية الكريمة في سورة يونس ، بالإتيان بسورة مثل سور القرآن ، فإنّ ظاهره المماثلة من جهة المزايا الراجعة إلى المعنى والخصوصيّات المشتملة عليها الألفاظ معاً.

نعم ، يبقى الكلام ـ بعد ظهور عدم كون المراد بالعشرة إلاّ الكثرة لا العدد الخاصّ ـ في حكمة العناية بالكثرة ، ولعلّها عبارة عن التنبيه على اشتمال الكتاب

ــ[47]ــ

العزيز على خصوصية مفقودة في غيره ، ولا يكاد يقدر عليها البشر ، وإن بلغ ما بلغ ، وهي الإتيان بقصّة واحدة بأساليب متعدّدة وتعبيرات مختلفة متساوية من حيث الوقوع في أعلى مرتبة البلاغة ، وبذلك ترتفع الشبهة التي يمكن أن يخطر بالبال ، بل بعض الناس أوردها على الإعجاز بالبلاغة والاسلوب ، وهي انّ الجملة أو السورة المشتملة على القصّة يمكن التعبير عنها بعبارات مختلفة تؤدّي المعنى ، ولابدّ أن تكون عبارة منها ينتهي إليها حسن البيان ، مع السلامة عن كلّ عيب لفظي ، أو معنوي ، فمن سبق إلى هذه العبارة أعجز غيره عن الإتيان بمثلها ، لأنّ تأليف الكلام في اللغة لا يحتمل ذلك ، ولكن القرآن عبّر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الاسلوب والنظم ، من مختصر ومطوّل ، والتحدّي في مثله لا يظهر في قصّة مخترعة مفتراة ، بل لابدّ من التعدّد الذي يظهر في التعبير عن المعنى الواحد والقصّة الواحدة بأساليب مختلفة وتراكيب متعدّدة.

ومن الآيات الدالّة على التحدّي قوله تعالى في سورة طه المكّية:

}أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَ يُؤْمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ{(1).

والظاهر: انّها ناظرة إلى التحدّي بمجموع القرآن ، لأنّ المنساق من «الحديث» في مثل هذه الموارد هو الكتاب الكامل الجامع ، ويؤيّده توصيفه بالمثل المضاف إلى القرآن الظاهر في مجموعه.

ولو تنزّلنا عن ذلك فثبوت الإطلاق له بحيث يشمل ما دون سورة واحدة ، كجملة ونحوها في غاية الإشكال وإن كان مقتضى ما حكيناه عن المفسّر المتقدّم ذلك ، إلاّ انّه يبعّده ـ مضافاً إلى بعده في نفسه ـ فإنّ جملة واحدة من القرآن مشتملة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطور: 33 ـ 34.

ــ[48]ــ

على معنى ومقصود ، كيف يكون البشر عاجزاً عن الإتيان بمثلها.

وقد عرفت انّ بعض المفسِّرين أنكر كون بعض السور كذلك ، وإن استظهرنا من الكتاب خلافه ـ انّ التحدّي بسورة واحدة بعد ذلك ، كما وقع في سورة البقرة المدنيّة لا يبقى على هذا الفرض له مجال ، فالإنصاف انّ تعميم «الحديث» بحيث يشمل ما دون سورة واحدة ممّا لا يرتضيه الذوق السليم ، ولا يقتضيه التأمّل في آيات التحدّي في القرآن الكريم.

ومنها: قوله تعالى في سورة البقرة المدنية:

}وإن كنتم في ريب ممّا نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين{(1).

واحتمل في ضمير «مثله» أن يكون راجعاً إلى «ما» الموصولة في قوله: «ممّا نزّلنا» وأن يكون عائداً إلى العبد الذي هو الرسول الذي نزل عليه القرآن ، فعلى الأوّل يوافق من حيث المدلول مع الكريمة المتقدّمة الواقعة في سورة يونس ، وعلى الثاني تمتاز هذه الآية من حيث ملاحظة من نزل عليه في مقام التحدّي.

والظاهر قوّة الاحتمال الأوّل; لأنّ المناسب بعد فرض الريب في الكتاب المنزل مع قطع النظر عمّن اُنزل عليه ، كما هو الظاهر من قوله تعالى: }وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا{ الدالّ على أنّ متعلّق الريب نفس ما نزل هو التحدّي بخصوص ما وقع فيه الريب ، مع عدم لحاظ الواسطة أصلاً.

ويؤيّده سائر آيات التحدّي ، حيث كان مدلولها اشتمال نفس القرآن على خصوصية معجزة للغير عن الإتيان بمثله في جملته أو بسورة مثله ، مع أنّ لحاظ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة: 24.

ــ[49]ــ

حال الواسطة الذي نزل عليه الكتاب من حيث كونه اُمّياً ليس له سابقة تعلّم ، ولم يتربى في حِجر معلِّم ومرب أصلاً ، ربّما يشعر بإشعار عرفي بأنّ الكتاب من حيث هو لا يكون بمعجز ، بحيث لا يقدر البشر على الإتيان بمثله وإن كان بالغاً في العلم ما بلغ.

وبالجملة: فالظاهر عود الضمير إلى الكتاب ، لا إلى من نزل عليه ، وعلى تقديره فالوجه في التعرّض له في هذه الآية يمكن أن يكون ـ على بعدما في بعض التفاسير ـ من أنّه لمّا كان كفّار المدينة الذين يوجّه إليهم الاحتجاج أوّلاً وبالذات هم اليهود وهم يعدّون اخبار الرسل في القرآن غير دالّة على علم الغيب ، تحدّاهم بسورة من مثل النبيّ في اُمّيته ، مع بقاء التحدّي المطلق بسورة واحدة مثله على إطلاقه غير مقيّد بكونه من مثل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن هذا الوجه مبني على كون وجه التحدّي في الآية إرادة نوع خاصّ من الإعجاز ، مع أنّه لم يثبت بل الظاهر من الآية خلافه فتدبّر جيّداً.

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا في هذا المقام: إنّ اتّصاف القرآن بأنّه معجز ممّا يدلّ عليه الآيات المشتملة على التحدّي ، وانّ مقتضاها اتّصاف كلّ سورة من سورة بذلك من دون فرق بين الطويلة والقصيرة ، وامّا ما دون السورة فلم يظهر من شيء من هذه الآيات الكريمة كونه كذلك ، وامّا وجه الإعجاز ، وانّ اعجازه عام ومن جميع الجهات ، أو خاصّ ومن بعض الجهات فسيأتي التعرّض له إن شاء الله تعالى.

ــ[50]ــ

 

 

 

القرآن معجزة خالدة

 

من الحقائق التي لا يشكّ فيها مسلم ، بل كلّ من له أدنى مساس بعالم الأديان من الباحثين والمطّلعين; أنّ الكتاب العزيز هو المعجزة الوحيدة الخالدة ، والأثر الفرد الباقي بعد النبوّة ، ولابدّ من أن يكون كذلك ، فإنّه بعد اتّصاف الدين الإسلامي بالخلود والبقاء ، وتلبّس الشريعة المحمّدية بلباس الخاتميّة والدوام لا محيص من أن يكون بحسب البقاء ـ إثباتاً ـ له برهان ودليل ، فإنّ النبوّة والسفارة كما تحتاج في أصل ثبوتها ابتداءً إلى الإعجاز ، والإتيان بما يخرق العادة وناموس الطبيعة كذلك يفتقر في بقائها إلى ذلك خصوصاً إذا كانت دائميّة باقية ببقاء الدهر.

ومن المعلوم: أنّ ما يصلح لهذا الشأن ليس إلاّ الكتاب ، ويدلّ هو بنفسه على ذلك في ضمن آيات كثيرة; منها قوله تعالى في سورة الإسراء:

}قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً{(1).

فإنّ التحدّي في هذه الآية عام شامل لكلّ من الإنس والجنّ ، أعمّ من الموجودين في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله) بل الظاهر الشمول للسابقين عليه أيضاً ، وعموم التحدّي دليل على خلود الإعجاز كما هو ظاهر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسراء: 88.

ــ[51]ــ

ومنها: قوله في سورة إبراهيم:

}كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربّهم إلى صراط العزيز الحميد{(1).

فإنّ إخراج الناس الظاهر في العموم من الظلمات إلى النور بسبب الكتاب النازل ، كما تدلّ عليه لام الغاية ، لا يكاد يمكن بدون خلود الإعجاز ، فإنّ تصدّي الكتاب للهداية بالإضافة إلى العصور المتأخّرة إنّما هو فرع كونه معجزة خالدة ، ضرورة أنّه بدونه لا يكاد يصلح لهذه الغاية أصلاً.

ومنها: قوله تعالى في سورة الفرقان:

}تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً{(2).

فإنّ صلاحية الفرقان للإنذار كما هو ظاهر الآية بالنسبة إلى العالمين ، الظاهرة في الأوّلين والآخرين لا تتحقّق بدون الاتّصاف بخلود الإعجاز ، كما هو واضح.

ودعوى انصراف لفظ «العالمين» إلى خصوص الموجودين ، كما في قوله تعالى في وصف مريم: }واصطفيناك على نساء العالمين{ ضرورة عدم كونها مصطفاة على جميع نساء الأوّلين والآخرين ، الشاملة لمن كان هذا الوصف مختصّاً بها ، وهي فاطمة الزهراء سلام الله عليها.

مدفوعة: بكون المراد بالعالمين في تلك الآية ـ أيضاً ـ هو الأوّلين والآخرين ، غاية الأمر أنّ المراد بالاصطفاء ـ فيها كما تدلّ عليه الرواية المعتبرة ـ هو الولادة من غير بعل ، ومن الواضح اختصاص هذه المزيّة بمريم ، وانحصارها بها ، وعدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إبراهيم: 1.

(2) الفرقان: 1.

ــ[52]ــ

اشتراكها فيها أحد من النساء.

وبالجملة: لا ينبغي الإرتياب في كون المراد من العالمين في آية الفرقان ليس خصوص الموجودين في ذلك العصر.

ومنها: غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يستفاد منها ذلك ، ولا حاجة إلى التعرّض لها بعد وضوح الأمر وظهور المطلوب.

 

ــ[53]ــ

 

 

 

 

وجوه إعجاز القرآن

ــ[54]ــ

 

 

 

 

تحدّيات القرآن التي عجزت عنها المعارضة. التحدّي بالاسلوب والمضمون. التحدّي بالمناهج والتشريعات ، وأسرار التكوين ، وما وراء الطبيعة وعالم الآخرة ، والمغيبات.

 

ــ[55]ــ

وجوه إعجاز القرآن

 

 

 

 

 

لا يرتاب ذو مسكة في اختلاف طبقات الناس ، وتنوّع أفراد البشر في اجتناء الكمالات العلمية المختلفة ، وحيازة الفنون المتشتّتة. والوجه في ذلك ـ مضافاً إلى افتقار تحصيل كلّ واحدة منها إلى صرف مؤونة الزمان ، وغيره من المقدّمات الكثيرة والأسباب المتعدّدة ـ اختلافهم بحسب النظر والتفكّر وتفاوتهم بلحاظ الذوق والعلاقة فترى بعضهم يشتري بعمره الطويل الوصول إلى العلوم الصناعية وبعضاً آخر يتحمّل مشقّات فوق الطاقة العاديّة لتحصيل علم الفلسفة مثلاً ، وهكذا سائر العلوم والمعارف المادّية والمعنويّة ، بل اتّساع دائرة جميع العلوم اقتضى انقسام كلّ واحدة منها إلى شعب وأقسام ، بحيث لا يكاد يوجد من حازه بجميع شعبه وناله بتمام أقسامه ، وهذا كما في علم الطبّ في هذه الأزمنة والعصور المتأخِّرة ، فإنّه لا يوجد واحد مطّلع على جميع شؤونه المتكثّرة ، وشعبه المتعدّدة ، بل بعد صرف زمان طويل وتهيئة مقدّمات كثيرة قد يقدر على الوصول إلى بعض شعبه ، وحصول المهارة الكاملة في خصوص تلك الشعبة ، كما نراه بالوجدان.

وبالجملة: ما ذكرناه في اختلاف طبقات البشر ، واتّساع دائرة كلّ واحد من العلوم ، بحيث لا يكاد يمكن الوصول إلى واحد بتمام شؤونه فكيف الجميع ، ممّا لا

ــ[56]ــ

حاجة في إثباته إلى بيِّنة وبرهان ، بل يكفي في تصديقه مجرّد ملاحظة الوجدان.

وحينئذ نقول: إنّ الكتاب العزيز ، والقرآن المجيد حيث يكون الغرض من إنزاله ، والغاية من إرساله ، اهتداء عموم الناس ، وخروجهم من الظلمات إلى النور ، كما صرّح هو بذلك في الآية المتقدّمة من سورة إبراهيم ـ آية 1.

والظاهر ـ كما عرفت ـ عدم اختصاص الناس بخصوص الموجودين في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه كما تقدّم معجزة خالدة يوم القيامة ، مضافاً إلى أنّه كتاب جامع لجميع الكمالات المعنويّة ، والفضائل الروحية ، والقوانين العمليّة ، والدستورات الكاملة الدنيوية حيث انّه يتضمّن البحث عن الاُصول الاعتقادية المطابقة للفطرة السليمة ، وعن الفضائل الأخلاقية ، والقوانين الشرعية ، والقصص الماضية ، والحوادث الآتية ، وبالتالي عن جميع الموجودات الأرضية والسماوية ، وجميع الحالات والعوالم ، وكلّ ما له دخل في سعادة الإنسان في الدار الفانية والدار الباقية ، فمثل هذا الكتاب ـ الذي ليس كمثله كتاب ـ كيف يمكن أن يكون إعجازه من وجه خاصّ ، مع كونه واقعاً قبال جميع البشر ، بل والجنّ أيضاً.

والذي ينادي بذلك بأعلى صوته قوله تعالى في سورة الإسراء:

}قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً{(1).

وجه الدلالة:

أوّلاً: فرض اجتماع الإنس والجنّ ، وفي الحقيقة دعوتهم إلى الإتيان بمثل القرآن ، مع أنّك عرفت ثبوت الاختلاف بينهم ، واختصاص كلّ طبقة وطائفة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاسراء: 88.

ــ[57]ــ

بفضيلة خاصّة من سنخ الفضائل التي يشتمل عليها الكتاب ، فكيف يمكن أن يكون وجه الإعجاز هي البلاغة والفصاحة ـ مثلاً ـ مع أنّه لم يقع التصدّي للوصول إلى هذين العلمين إلاّ من صنف خاصّ قليل الافراد ، فدعوة غيره إلى الإتيان بمثل القرآن من خصوص هذه الجهة لا يترتّب عليها فائدة أصلاً ، فتوجّه الدعوة إلى العموم دليل ظاهر على عدم اختصاص الإعجاز بوجه خاصّ.

وثانياً: قد عرفت اشتمال الكتاب العزيز على جهات متكثّرة ، وشؤون مختلفة من الاُصول الاعتقادية الراجعة إلى الإلهيّات والنبوّات وغيرهما ، والفضائل الأخلاقية والسياسات المدنيّة ، والقوانين التشريعيّة العمليّة ، وغير ذلك من القصص والحكايات الماضية والحوادث الكائنة في الآتية ، والاُمور الراجعة إلى الفلكيات ، ووصف الموجودات السماوية والأرضية ، وغير ذلك ، مضافاً إلى الجهات الراجعة إلى مقام الألفاظ والعبارات ، وحينئذ عدم ذكر وجه المماثلة في الآية الكريمة ، مع عدم الانصراف إلى وجه خاصّ من تلك الوجوه المذكورة دليل على عدم الاختصاص ، وانّ اجتماع الجنّ والإنس واستظهار بعضهم ببعض لا يكاد يؤثّر في الإتيان بمثل القرآن في شيء من الوجوه المذكورة.

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا فساد دعوى اختصاص الإعجاز بوجه خاصّ ـ أي وجه كان ـ نعم قد وقع التحدّي في الكتاب ببعض الوجوه والمزايا ، ولا بأس بالتعرّض لها ولبعض ما لم يقع التحدّي فيه بالخصوص ، تتميماً للفائدة ، وتعظيماً للكتاب الذي هي المعجزة الوحيدة الخالدة.

ــ[58]ــ

 

 

 

التحدّي

بمن اُنزل عليه القرآن

 

ممّا وقع التحدّي به في الكتاب العزيز هو: الرسول الاُمّي ، الذي اُنزل عليه القرآن ، قال الله تعالى في سورة يونس:

}وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم* قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{(1)

فإنّ قوله تعالى: «أفلا تعقلون» يرجع إلى انّ من كان له حظّ من نعمة العقل ، التي هي عمدة النعم الإلهيّة ، إذا رجع إلى عقله واستقضاه يعرف أنّ الكتاب الذي أتى به النبيّ ، الذي كان فيهم مدّة أربعين سنة ، وفي تلك المدّة مع وضوح حاله واطّلاع الناس على وضعه لم يظهر منه فضل ، ولم ينطق بعلم ، حتّى أنّه مع تداول الشعر وشيوعه بينهم ، بحيث لا يرون القدر إلاّ له ، ولا يرتّبون الأجر إلاّ عليه ، وكان هو السبب الوحيد في الامتياز والفضيلة ، لم يصدر منه شعر ، بل ولم يأت بنثر ما ، لا محالة يكون من عند الله ، فإنّه كيف يمكن أن يأتي الاُمّي بكتاب جامع لجميع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يونس: 15 ـ 16.

ــ[59]ــ

الكمالات اللفظية والمعنوية ، والقوانين والحدود الدينيّة والدنيويّة.

نعم ، حيث عجزوا عن معارضته ، وكلّت ألسنة البُلغاء دونه ، لم يجدوا بدّاً من الافتراء الظاهر ، والبهتان الواضح ، فقالوا فيه: إنّه سافر إلى الشام للتجارة ، فتعلّم القصص هناك من الرهبان ، ولم يتعقّلوا أنّه لو فرض ـ محالاً ـ صحّة ذلك ، فما هذه المعارف والعلوم ، ومن أين هذه القوانين والأحكام ، وهذه الحكم والحقائق ، وممّن هذه البلاغة في جميع الكتاب.

كما أنّه أخذوا عليه أنّه كان يقف على قين بمكّة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها ، ولقد أجابهم عن ذلك الكتاب بقوله في سورة النحل:

}ولقد نعلم انّهم يقولون إنّما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربيّ مبين{.

كما أنّه قالوا فيه: إنّه أخذ من سلمان الفارسي ، وهو من علماء الفرس ، وكان عالماً بالمذاهب والأديان ، مع أنّ سلمان إنّما آمن به في المدينة بعد نزول أكثر القرآن بمكّة ، مضافاً إلى اختلاف الكتاب مع العهدين في القصص وفي غيرها اختلافاً كثيراً مع أنّه لم يكن ـ حينئذ ـ وجه الايمان سلمان به ، مع كونه هو الأصل في الفضيلة على هذا القول ، ولعمري أنّ مثل ذلك ممّا لا مساغ للتفوّه به.

فانقدح انّ اُمّية الرسول من وجوه الإعجاز التي قد وقع التحدّي بها في الكتاب كما عرفت.

ــ[60]ــ

 

 

 

التحدّي

بعدم الاختلاف والسلامة والاستقامة

 

قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء83:

}أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{.

دلّ على ثبوت الملازمة بين كون القرآن من عند غير الله ووجدان الاختلاف الكثير فيه وجداناً حقيقيّاً ، فلابدّ من استكشاف بطلان المقدّم من بطلان التالي وحيث انّ الموضوع هو القرآن المعهود بتمام خصوصيّاته ، وجميع شؤونه ومزاياه ، فلا يكاد يتوهّم انّ كلّ كتاب لو كان من عند غير الله لكان ذلك مستلزماً لوجدان الاختلاف الكثير فيه ، حتّى يرد عليه منع الملازمة في بعض الموارد ، بل في كثيرهاو ضرورة أنّ الموضوع الذي يدور حوله اختلاف الأنظار ، من جهة كونه نازلاً من عند غيره هو شخص القرآن الكريم ، الذي هو كتاب خاصّ فالملازمة إنّما هي بالإضافة إليه.

وحينئذ فلابدّ من ملاحظة الجهات الكثيرة التي يشتمل عليها ، والخصوصيّات المتنوّعة التي يحيط بها ، والمزايا الحقيقيّة التي يمتاز بها ، وكلّ جهة ينبغي أن تلحظ ، وكلّ أمر يناسب أن يراعى.

فنقول: تارةً يلاحظ نفس القرآن ويجعل موضوعاً للملازمة ، مع قطع النظر

ــ[61]ــ

عن كون الآتي به مدّعياً ، لكونه من عند الله ، وانّه أنزل عليه من مبدأ الوحي ، واُخرى مع ملاحظة الاقتران بدعوى كونه من عند غير الممكن.

فعلى الأوّل: يكون الوجه في الملازمة الخصوصيّات التي يشتمل عليها القرآن من جهة اشتماله على فنون المعارف ، وشتّى العلوم ، كالاُصول الاعتقادية ، والقوانين الشرعية العلميّة ، والفضائل الكاملة الأخلاقية ، والقصص والحكايات التاريخية ، والحوادث الكائنة في الآتية ، والعلوم الراجعة إلى الفلكيات ، وبعض الموجودات غير المرئية ، وغير ذلك من الجهات التي لا تحيط بها يد الإحصاء ، ولا تنالها أفكار العقلاء ضرورة أنّ مثل هذا الكتاب المشتمل على هذه الخصوصيات لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ، بداهة انّ نشأة المادّة تلازم التحوّل والتكامل ، والموجودات التي هي أجزاء هذا العالم لا تزال تتحوّل وتتكامل ، وتتوجّه من النقص إلى الكمال ومن الضعف إلى القوّة ، والإنسان الذي هو ن جملة هذه الموجودات محكوم أيضاً لهذا القانون الطبيعي ، ومعرّض للتغيّر والتبدّل ، والتحوّل والتكامل في ذاته وأفعاله وآثاره وأفكاره وإدراكاته ولا يكاد ينقضي عليه أزمان ـ وهو غير متغيّر ـ ولا يتصرّم عليه أحيان وهو غير متبدّل.

أضف إلى ذلك: انّ عروض الأحوال الخارجية ، وتبدّل العوارض الحادثة يؤثّر في الإنسان أثراً عجيباً ، ويغيّره تغيّراً عظيماً ، فحالة الأمن تغاير الخوف من جهة التأثير ، والسفر والحضر متفاوتان كذلك ، والفقر والغنى والسلامة والمرض ، كلّ ذلك على هذا المنوال. وعليه فكيف يمكن أن يكون الكتاب النازل في مدّة زائدة على عشرين سنة ، الجامع للخصوصيّات المذكورة وغيرها ، من عند غير الله ، ومع ذلك لم يوجد فيه اختلاف ، فضلاً عن أن يكون كثيراً ، ولم يرَ فيه تناقض ، فضلاً

ــ[62]ــ

عن أن يكون عديداً.

وعلى الثاني: يكون الوجه في الملازمة ـ مضافاً إلى الخصوصيات المشتمل عليها الكتاب ـ الاقتران بدعوى كونه من عند الله ، نظراً إلى أنّ الذي يبني أمره على الكذب والافتراء لا محيص له عن الواقع في الاختلاف والتناقض ، ولاسيّما إذا تعرّض لجميع الشؤون البشرية والاُمور المهمّة الدنيوية والأخرويّة ، وخصوصاً إذا كانت المدّة كثيرة زائدة على عشرين سنة ، وفي المثل المعروف: «لا حافظة لكذوب». ثمّ إنّ في هذا المقام إشكالين:

أحدهما: منع بطلان التالي المستلزم لبطلان المقدّم ، لأنّه قد أخذ على القرآن مناقضات واختلافات ، وقد بلغت من الكثرة إلى حدّ ربما ألّف فيها التأليفات ، وكتب فيها الرسالات.

والجواب عنه: انّ المناقضات المذكورة كلّها مذكورة في كتب المفسِّرين ، ومأخوذة منها ، وقد أوردوها مع أجوبتها في تفاسيرهم ، وغرضهم من ذلك إزالة كلّ شبهة يمكن أن ترد ، ودفع كلّ توهّم يمكن أن يتخيّل ، لكن الأيادي الخائنة ، والعناصر الضالّة المضلّة المرصدة لاستفادة السوء من كلّ قضيّة وحادثة قد جمعوا تلك الشبهات في كتب وتأليفات ، من دون التعرّض للأجوبة الكافية ، ونعم ما قيل:

«لو كانت عين الرضا متّهمة فعين السخط أولى بالتّهمة».

ثانيهما: اعتراف القرآن بوقوع النسخ فيه ، في قوله تعالى في سورة البقرة 116: }ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها{ وفي قوله تعالى في سورة النحل 101: }وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل{ والنسخ من أظهر

ــ[63]ــ

مصاديق الاختلاف.

والجواب عنه:

أوّلاً: منع كون النسخ اختلافاً ، فضلاً عن أن يكون من أظهر مصاديقه فإنّه ـ بحسب الاصطلاح ـ يرجع إلى رفع أمر ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه ، ومن الواضح انّ ارتفاع الحكم لأجل ارتفاع زمانه لا يعدّ تناقضاً ، ولا يوجب اختلافاً.

وثانياً: فإنّ النسخ إن كان بنحو تكون الآية الناسخة ناظرة بالدلالة اللفظية إلى الحكم المنسوخ ، ومبنيّة لرفعه ، كما في آية النجوى الواقعة في سورة المجادلة 13:

}يا أيّها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإنّ الله غفور رحيم{.

حيث ذهب أكثر العلماء إلى نسخا بقوله تعالى بعد هذه الآية 14:

}ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبيرٌ بما تملون{.

فعدم كونه من مصاديق الاختلاف ممّا ينبغي فيه الشكّ والارتياب.

وإن كان بنحو يكون مقتضى الجمع بين الآيتين اللّتين يترائى بينهما الاختلاف والتنافي ، هو حمل الآية المتأخّرة على كونها ناسخة ، والمتقدّمة على كونها منسوخة ـ كما التزم به كثير من المفسِّرين ـ فثبوته في القرآن غير معلوم ، ولابدّ من البحث عنه في فصل مستقلّ ولِمَ لا يجوز الاستدلال بهذه الآية أعني قوله تعالى: }أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان...{ الآية على نفي وقوعه في القرآن وسلامته من ثبوت النسخ فيه بهذا المعنى ، كما لا يخفى.

ــ[64]ــ

 

 

 

التحدّي

بأنّه تبيان كلّ شيء

 

قال الله تبارك وتعالى في سورة النحل 89: }ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء{ فإنّ اتّصاف الكتاب ـ الذي يكون المراد به هو القرآن بملاحظة التنزيل ـ بكونه تبياناً لكلّ شيء دليل على كونه نازلاً من عند من يكون له إحاطة كاملة بجميع الأشياء ، بحيث لا يغيب عنه شيء أو لا يعزب عنه من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، امّا الموجود الذي تكون إحاطته العلمية تابعة لأصل وجوده في النفس والمحدودية ، كيف يمكن أن يكون من عنده كتاب موصوف بأنّه تبيان كلّ شيء ، فمن هذه الخصوصية التي لا يعقل أن تتحقّق في البشر ، والكتاب الذي من عنده تستكشف خصوصية اُخرى وهي نزوله من عند الله العالم القادر المحيط كما هو واضح.

نعم ، ربما يمكن أن يتوهّم انّ القرآن لا يكون تبياناً لكلّ شيء ، لأنّا نرى عدم تعرّضه لكثير من المسائل المهمّة الدينية ، والفروع الفقهية العمليّة ، فضلاً عمّا ليس له مساس بالدين ، وليس بيانه من شأن الله تبارك وتعالى بما هو شارع وحاكم ، فإنّ مثل أعداد ركعات الصلاة التي هي عمود الدين ومعراج المؤمن ـ على ما روي ـ لا يكون مذكوراً في الكتاب العزيز ، مع أنّها من الأهمّية بمثابة تكون الزيادة

ــ[65]ــ

عليها والنقص عنها قادحة مبطلة ، فضلاً عن خصوصيات سائر العبادات والأعمال من الصوم والزكاة والحج وغيرها ، وعليه فكيف يصف القرآن نفسه ويعرّفه بأنّه تبيان كلّ شيء.

والجواب:

عن هذا التوهّم ، انّ شأن الكتاب إنّما هو بيان الكلّيات ورؤوس المطالب ، وامّا الجزئيات والخصوصيات فإنّما تستكشف من طريق الرسول ، الذي فرض القرآن نفسه الأخذ بما آتاهم ، والانتهاء عن ما نهاهم بقوله تعالى في سورة الحشر 7: }وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{ ففي الحقيقة انّ كون القرآن تبياناً أعمّ من أن يكون تبياناً للشيء بنفسه ، أو بواسطة الرسول الذي نزّل عليه القرآن.

ومن الآيات التي يمكن أن يستدلّ بها على التحدّي بالعلم ، قوله تعال يفي سورة الأنعام 59: }ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين{ بناءً على كون المراد بالكتاب المبين هو القرآن المجيد ، وكون المراد بالرطب واليابس المنفيّين هو علم كلّ شيء بحيث تكون الآية كناية عن الإحاطة العلميّة ، والبيان الكامل الجامع ، فيرجع المراد إلى ما في الآية المتقدّمة من كون الكتاب جامعاً لعلم الأشياء ، وحاوياً لبيان كلّ شيء.

لكن الظاهر انّه ليس المراد بالكتاب المبين هو القرآن ، بل شيئاً آخر يكون فيه جميع الموجودات والأشياء بأنفسها ، ويؤيّده صدر الآية وهو قوله تعالى: }وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو{ وكذا تعلّق النفي بنفس الرطب واليابس الظاهرين في أنفسهما ، لا في العلم بهما ، وكذا عدم اختصاص النفي بهما ، بل تعلّقه بالحبّة التي في

ــ[66]ــ

ظلمات الأرض ، لأنّ الاستثناء يتعلّق به أيضاً ، فلابدّ من الالتزام بكون المراد بها هو العلم بالحبّة أيضاً ، وهو خلاف الظاهر جدّاً ، وعليه يكون مفاد الآية أجنبيّاً عمّا نحن بصدده ، لأنّ مرجعه إلى ثبوت الأشياء الموجودات بأنفسها في الكتاب الذي هو بمنزلة الخزينة لها.

نعم ، يبقى الكلام في المراد من ذلك الكتاب ، وانّه هل هو عبارة عن صفحة الوجود المشتملة على أعيان جميع الموجودات ، أو أمر آخر يغاير هذا الكون ، ثابت فيه الأشياء نوعاً من الثبوت ، كما يشير إليه قوله تعالى في سورة الحجر 21: }وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم{ وعلى أيّ لا يرتبط بالمقام الذي يدور البحث فيه حول الكتاب بمعنى القرآن المجيد الذي يكون معجزة.

ــ[67]ــ

 

 

 

التحدّي

بالاخبار عن الغيب

 

قد وقع في الكتاب التحدّي بالاخبار عن الغيب في آيات متعدّدة ، ونفس الاخبار بالغيب في آيات كثيرة ، ففي الحقيقة الآيات الواردة في هذا المجال على قسمين: قسم وقع فيها التحدّي بنفس هذا العنوان ، وهو الاخبار والانباء بالغيب ، وقسم وقع فيها مصاديق هذا بعنوان من دون الاقتران بالتحدّي ، وقبل الورود في ذكر القسمين والتعرّض لمدلول النوعين لابدّ من التنبيه على أمرين:

الأمر الأوّل: انّ المراد بالغيب في هذا المقام هو ما يدركه الإنسان ولا ينال إليه من دون الاستعانة من الخارج ، ولو أعمل في طريق الوصول إليه جميع ما أعطاه الله من القوى الظاهرة والباطنة ، فهو شيء بينه وبين الإنسان بنفسه حجاب ، ولابدّ من الاستمداد من الغير في رفع ذلك الحجاب ، وكشف ذلك الستار ، وعليه فالحادثة الواقعة الماضية ، والقضية الثابتة المتصرّمة تعدّ غيباً بالإضافة إلى الإنسان ، لأنّه لا يمكن له أن يطّلع عليها ، ويصل إليها من طريق شيء من الحواس والقوى ، حتّى القوّة العاقلة المدركة ، فإنّ وجود تلك الحادثة وعدمها بنظر العقل سواء; لعدم كون حدوثها موجباً لانخرام شيء من القواعد العقلية ، كما هو المفروض ، ولا كون عدمها مستلزماً لذلك كذلك ، وإلاّ لا يكاد يمكن أن تتحقّق

ــ[68]ــ

على الأوّل ، أو لا تتحقّق على الثاني ، كما أنّه بناءً على ما ذكر في معنى الغيب في المقام لا يكون ما يدركه العقل السليم ، والفطرة الصحيحة من الحقائق من الغيب بهذا المعنى الذي هو المقصود في المقام ، فوجود الصانع ـ جلّ وعلا ـ لا يعدّ من المغيبات هنا ، لأنّ للعقل إليه طريقاً بل طرقاً كثيرة ولا حاجة له في الوصول إليه تعالى والاعتقاد بوجوده إلى الاستمداد من الغير ، والاستعانة من الخارج.

وبالجملة: فالغيب في المقام ليس المراد به هو الغيب في مثل قوله تعالى في سورة البقرة 3: }الذين يؤمنون بالغيب{ بل المراد به هو الغيب في مثل قوله تعالى في سورة الأنعام 59: }وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو{ الآية.

لا أقول: إنّ للغيب معان مختلفة ، فإنّه من الواضح الذي لا يرتاب فيه عدم كون لفظ الغيب مشتركاً بين معان متعدّدة ، فإنّه في مقابل الشهود الذي لا يكون له معنى واحد ، غاية الأمر اختلاف موارد الاستعمال باختلاف الأغراض والمقاصد بحسب المصاديق والافراد ، كما لا يخفى.

الأمر الثاني: أنّ دلالة الاخبار بالغيب على الإعجاز تظهر ممّا ذكرناه في معنى الغيب ، فإنّه بعدما لم يكن للإنسان سبيل إلى الاطّلاع على المغيبات من قبل نفسه; لعدم الملائمة بينه بقواه الظاهرة والباطنة وبين الاطّلاع عليها بدون الاستعانة والاستمداد ، فإذا فرضنا إنساناً أتى بكتاب مشتمل على الاخبار بالغيب ، وعلمنا عدم اطّلاعه عليها من قبل نفسه ، والجماعة التي هو فيهم ومعهم; نعلم جزماً بانحصار طريق الوصول إليه في مبدأ الوحي ، ومخزن الغيب ، ومن عنده مفاتيحه ولا يعلمها إلاّ هو ، وبه يتحقّق التحدّي الموجب للإعجاز. إذا عرفت ما ذكرنا من الأمرين ، فنقول:

ــ[69]ــ

من القسم الأوّل: من الآيات ، قوله تعالى في سورة آل عمران في قصّة مريم 44: }ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون{ وقوله تعالى في سورة هود 49: }تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا{ وقوله تعالى في سورة يوسف بعد ذكر قصّته 102: }ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت لديهم إذا جمعوا أمرهم وهم يمكرون{.

ومن القسم الثاني: آيات كثيرة متعدّدة واقعة في موارد مختلفة:

منها: قوله تعالى في سورة الحجر 94 ـ 96: }فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين انّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون{.

فإنّ هذه الآيات نزلت بمكّة في ابتداء ظهور الإسلام ، وبدء دعوة النبيّ ، والسبب في نزولها ـ على ما حكي ـ أنّه مرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على اُناس بمكّة فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون هذا الذي يزعم أنّه نبيّ ، ومعه جبرئيل ، فأخبرت الآية عن نصرة النبي في دعوته ، وكفاية الله المستهزئين والمشركين في زمان كان من الممتنع بحسب العادة انحطاط شوكة قريش ، وانكسار سلطانهم ، وغلبة النبي والمسلمين وعلوّهم ، وقد كفاه الله أشرف كفاية ، وبان للمستهزئين ، وعلموا ما في قوله تعالى في آخر الآية: «فسوف يعلمون» ومن هذا القبيل قوله تعالى في سورة الصفّ المكّية الواردة في مثل الحال المذكور ، والشأن الذي وصفناه من طغيان الشرك ، وسلطان المشركين في بدء الدعوة الإسلامية 9: }هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون{.

ومنها: قوله تعالى في سورة القمر 44 ـ 45:

ــ[70]ــ

}أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولّون الدبر{.

وقد نزل في يوم بدر حين ضرب أبو جهل فرسه وتقدّم نحو الصفّ الأوّل قائلاً: «نحن ننتصر اليوم من محمّد وأصحابه» فأخبر الله بانهزام جمع الكفّار وتفرّقهم ، مع أنّه لم يكن يتوهّم أحد نصرة المسلمين وانهزام الكافرين مع قلّة عدد الأوّلين ، بحيث لم يتجاوز عن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، وضعف عدّتهم ، لأنّ الفارس فيهم كان واحداً أو اثنين ، وكثرة عدد الآخرين ، وشدّة قوّتهم بحيث وصفهم الله تعالى بأنّهم ذوو شوكة ، وكيف يحتمل انهزامهم ، وقمع شوكتهم وانكسار سلطانهم؟ وقد أخبر الله تعالى بذلك ، ولم يمض إلاّ زمان قليل بأن صدق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيما حكاه وأخبره.

ومنها: ما ورد في رجوع النبيّ ، ودخول المسلمين إلى معاده ، والمسجد الحرام من قوله تعالى في سورة القصص 85: }انّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد{ وقوله تعالى في سورة الفتح 27: }لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم لا تخافون{.

ومنها: قوله تعالى في سورة الروم 2 ـ 5: }ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله{ فإنّ فيه خبرين عن الغيب ظهر صدقهما بعد بضع سنين من نزول الآية ، فغلبت الروم فارس ، ودخلت مملكتها قبل مضيّ عشر سنين ، وفرح المؤمنون بنصر الله.

وقوله تعالى في سورة المائدة 70: }والله يعصمك من الناس{.

ومنها: قوله تعالى في شأن القرآن في سورة الحجر 9: }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا

ــ[71]ــ

له لحافظون{ فإنّ القدر المتيقّن من مدلوله هو حفظ القرآن وبقائه ، وعدم عروض الزوال والنسيان له ، وإن كان مفاد الآية أوسع من ذلك ، وسيأتي في بحث عدم تحريف الكتاب الاستدلال بهذه الآية عليه بنحو لا يرد عليه إشكال ، فانتظر.

ومنها: قوله تعالى في سورة تبّت.

في شأن أبي لهب وامرأته: }سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمّالة الحطب في جيدها حبلٌ من مسد{ وهو إخبار بأنّهما يموتان على الكفر ، ويدخلان النار ، ولا نصيب لهما من سعادة الإسلام الذي يكفِّر آثام الشرك ، ويوجب حطّ آثاره ، ويجبُّ ما قبله ، وقد وقع ذلك في الخارج ، حيث بقيا على الكفر إلى أن عرض لهما الموت.

ومنها: قوله تعالى في سورة النور 55: }وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً{.

وقد تنجز بعض هذا الوعد ، ولابدّ من إتمامه بسيادة الإسلام في العالم كلّه ، وذلك عند ظهور المهدي وقيام القائم ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً ، وبه تتحقّق الخلافة الإلهية العالميّة ، والسلطنة الحقّة العامّة في جميع أصقاع الأرض ، ونواحي العالم.

ومنها: غير ذلك من الآيات الواردة في هذا الشأن ، الدالّة على نبأ غيبي كقوله تعالى في سورة الأنعام 65: }قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض{ فإنّ المروي عن عبدالله بن مسعود قال: «إنّ الآية نبأ غيبي عمّن يأتي بعد» وغير ذلك كالآيات

ــ[72]ــ

الدالّة على أسرار الخليقة ، ممّا لا يكاد يمكن الاطّلاع عليها في ذلك الزمان ، وسيأتي التعرّض لشطر منها إن شاء الله تعالى.

نعم يبقى في المقام إشكال ، وهو أنّ الاخبار بالغيب كثيراً ما يقع من الكهّان والعرّافين والمنجِّمين ، وكذب هؤلاء ، وإن كان أكثر من صدقهم ، إلاّ أنّه يكفي في مقام المعارضة ، وتحقّق الإشكال ثبوت الصدق ولو في مورد واحد ، فضلاً عمّا إذا كانت الموارد متعدّدة ، فإنّه ـ حينئذ ـ ينسدّ باب المصادفة أيضاً ، لأنّه مع وحدة المورد ، أو قلّة الموارد باب احتمال المصادفة مفتوح بكلا مصراعيه ، وامّا مع التعدّد والكثرة لا يبقى مجال لجريان هذا الاحتمال ، وعليه فكيف يصير الاخبار بالغيب من دلائل الإعجاز ومسوّغاً للتحدّي.

والجواب عن هذا الإشكال يظهر ممّا ذكرناه في تعريف الغيب المقصود بالبحث هنا ، فإنّه ـ كما عرفت ـ عبارة عمّا لا يكاد يدركه الإنسان بسبب قواه الظاهرة والباطنة مع عدم الاستمداد من الغير والخارج ، وعليه فما له سبيل إليه ، وطريق إلى وصوله بسبب القواعد التي بأيديهم التي تلقّوها ممّن علّمهم ، لا يعدّ من الغيب هنا ، فإنّ الاخبار بالغيب الذي يكون من دلائل الإعجاز ، وموجباً لتسويغ التحدّي هو الذي لم يكن لمخبره واسطة إلى استكشافه ، وطريق إلى الوصول إليه ، غير طريق الوحي والاتّصال بمركز الغيب.

وأمّا أخبار هؤلاء فمستندة إلى القواعد التي بأيديهم ، والأوضاع والخصوصيات التي يتخيّلون كونها علائم وإفادات للحوادث الآتية ، مع أنّ التخلّف كثير ، وادّعاء العلم منهم قليل.

ــ[73]ــ

 

 

 

التحدّي بالبلاغة

 

من جملة ما وقع به التحدّي في الكتاب العزيز: البلاغة ، وهي وإن لم يصرّح بها فيه ، إلاّ أنّه يمكن استفادة التحدّي بها من بعض الآيات ، مثل قوله تعالى في سورة يونس 38: }أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين{ وقوله في سورة هود 13 ـ 114: }أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا فاعلموا إنّما اُنزل بعلم الله{ ودلالتهما على التحدّي بالبلاغة إنّما تظهر بعد ملاحظة أمرين:

الأوّل: أنّ العرب في ذلك العصر ـ أي عصر طلوع القرآن ـ وبدء الدعوة الإسلامية ـ قد كانت بعيدة عن الفضائل العلميّة بمراحل ، وعن الكمالات العلمية الإنسانيّة بفراسخ ، بل ـ كما يشهد به التاريخ ـ كانت لهم أعمال وأفعال لا يكاد يصدر من الحيوانات ، فضلاً عن المرتبة الدنيا في نوع الإنسان ، والطبقة البعيدة عن التمدّن من هذا النوع ، نعم قد انحصرت فضيلتهم في البلاغة ، وامتازوا بالفصاحة ، بحيث لم يروا لغيرها قدراً ولا رتّبوا عليه أجراً ، وبلغ تقديرهم للشعر إلى أن عمدوا السبع قصائد من خيرة الشعر القديم ، وكتبوها بماء الذهب ، وعلّقوها على الكعبة ، واشتهرت بالمعلّقات السبعة ، وكان هذا الأمر رائجاً بينهم ، مورداً لاهتمام رجالهم

ــ[74]ــ

ونسائهم ، وكان النابغة الذبياني هو الحكم في الشعر ، يأتي سوق عكاظ في الموسم فتضرب له قبّة ، فتأتيه الشعراء من كلّ ناحية ، وتعرض عليه الأشعار ليحكم فيها ، ويرجّح بعضها على بعض.

الثاني: انّ مثل هذا التعبير ، وهو الإتيان بالمثل في مقام المعارضة ، والاحتجاج إنّما يحسن توجيهه إلى المخاطب ، الذي كان له نصيب وافر من سنخ مورد الدعوى وخلاق كامل مناسب لما وقع فيه النزاع ، فلا يقال ـ مثلاً ـ لمن يعترض على كتاب فقهي ـ ككتاب التذكرة للعلاّمة الحلّي ـ ائت بمثله إلاّ إذا كان له حظّ وافر من الفقه ، وسهم كامل من ذلك العلم ، فتوجيه هذا النحو من الخطاب إنّما ينحصر حسنه في مورد خاصّ ، وعليه فدعوة الناس إلى الإتيان بسورة مثل القرآن ، أو بعشر سور مثله ، مع انحصار فضيلتهم في البلاغة إنّما يكون الغرض منها الدعوة إلى الإتيان بمثله في البلاغة ، التي كانت العرب تمتاز بها ، فوجه الشبه في الآيتين وإن لم يصرّح به فيهما ، ولم يقع التعرّض له إلاّ انّه بملاحظة ما ذكرنا ينحصر بالبلاغة ليحسن توجيه مثل هذا الخطاب كما عرفت.

بل قد مرّ سابقاً انّه يمكن أن يقال: إنّ توصيف العشر سور بوصف كونها مفتريات لا يكاد ينطبق ظاهراً إلاّ على المزايا الراجعة إلى الألفاظ ، من دون ملاحظة المعاني وعلوّها ، وعلى الخصوصيات التي تشتمل عليها العبارات ، من دون النظر إلى المطالب وسموّها ، وبهذا الوجه قد تفصّينا عن اشكال مخالفة الترتيب الطبيعي الواقعة في آيات التحدّي بمقتضى النظر البدوي ، كما عرفته مفصّلاً.

وبالجملة: لا ينبغي الارتياب في أنّ العناية في الآيتين إنّما هي بموضوع البلاغة فقط ، مع أنّ كون البلاغة من أعظم وجوه الإعجاز لا يحتاج إلى التصريح به في

ــ[75]ــ

الكتاب ، بل يحصل العلم به بالتدبّر في كون الكتاب معجزة عظيمة للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وانّه لماذا بعث الله موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء ، وعيسى بن مريم بآلة الطبّ ، ومحمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكلام والخطب ، مع أنّ المعتبر في حقيقة الإعجاز هو كون المعجز أمراً خارقاً للعادة البشرية ، والنواميس الطبيعيّة ـ كما عرفت تفصيل الكلام فيه ـ وعليه فتخصيص كلّ واحد منهم بقسم خاصّ ونوع مخصوص إنّما هو لأجل نكتة ، وهي رعاية الإعجاز الكامل ، والمعجزة الفاضلة ذات المزيّة الزائدة على ما يكون معتبراً في الحقيقة والماهية ، فإنّ المعجزة إذا كانت مشابهة للكمال الرائج في عصرها ، ومسانخة للفضيلة الراقية في زمانها ، تصير بذلك خير المعجزات ، وتتلبّس لأجله بلباس الكمال والفضيلة الزائدة على ما يعتبر في الحقيقة.

والسرّ في ذلك: انّ المعجزة المشابهة توجب سرعة تسليم المعارضين العالمين بالصنعة ، التي تشابه ذلك المعجز لأنّ العالم بكلّ صنعة أعرف بخصوصياتها ، واعلم بمزاياها وشؤونها ، فإنّه هو الذي يعرف انّ الوصول إلى المرتبة الدانية منها لا يكاد يتحقّق إلاّ بتهيئة مقدّمات كثيرة ، وصرف زمان طويل ، فضلاً عن المراتب المتوسّطة والعالية ، وهو الذي يعرف الحدّ الذي لا يكاد يمكن أن يتعدّى عنه بحسب نواميس الطبيعة ، والقواعد الجارية.

وامّا الجاهل فلأجل جهله بمراتب تلك الصنعة ، وبالحدّ الذي يمتنع التجاوز عنه لا يكاد يخضع في قبال المعجز إلاّ بعد خضوع العالم بتلك الصنعة المشابهة ، وبدونه يحتمل انّ المدّعي قد أتى بما هو مقدور للعالم ، ويتخيّل انّه اعتمد على مبادئ معلومة عند أهلها ، وعليه فإذا كانت المعجزة مشابهة للصنعة الرائجة ، والفضيلة

ــ[76]ــ

الشائعة يوجب ذلك أي التشابه والمسانخة سرعة تسليم العالمين بتلك الصنعة ، وبتبعهم الجاهلين ، فيتحقّق الغرض من الإعجاز بوجه أكمل ، وتحصل النتيجة المطلوبة بطريق أحسن.

إذا ظهر لك ذلك يظهر الوجه في اختصاص كلّ نبيّ بمعجزة خاصّة ، وقسم مخصوص ، وانّه حيث كان الشائع في زمان موسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ السحر ، وكان القدر والفضيلة إنّما هو للعالم العارف بذلك العلم ، وبلغ ارتقاؤهم في هذا العلم إلى مرتبة وصف الله تعالى سحرهم بالعظمة ، لأنّه كاشف عن بلوغهم إلى المراتب العالية ، والدرجات الكاملة ، بعث الله تبارك وتعالى رسوله بمعجزة مسانخة للعلم الشائع الرائج وعبّر الكتاب العزيز عن تأثير تلك المعجزة بمجرّد الرؤية والمشاهدة ، بأنّه ألقى السحرة ساجدين ، فخضعوا قبالها لمّا رأوها ورأوا أنّ ذلك فائق على القدرة البشرية ، وخارق للقواعد والنواميس الجارية.

وحيث كان الشائع في زمان عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ ومحلّ دعوته الطبّ ، ومعالجة المرضى ، وتوجّه الناس إلى هذا العلم توجّهاً كاملاً وصار هذا ملاكاً للقدر والفضيلة ، ومناطاً للكمال والمزيّة بعث الله نبيّه بمعجزة مشابهة فائقة ، وهو ابراء الاكمه والأبرص ، وإحياء الموتى.

وحيث كان الرائج في محيط الدعوة الإسلامية علم البلاغة ـ على ما عرفت ـ في الأمر الأوّل ، بعث الله نبيّه الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب جامع كامل ، مسانخ للعلم الرائج ، فائق على جميع المراتب التي في إمكانهم ، وتمام المدارج المقدورة لهم ، ليخضعوا دونه بعد ملاحظة تفوّقه عن المستوى المقدور ، وخروجه عن دائرة الإحاطة البشريّة والعلم الإنساني.

ــ[77]ــ

فانقدح من جميع ذلك: أنّ العناية بخصوص البلاغة لا تحتاج في الاستدلال عليها إلى وقوع التحدّي بها في نفس الكتاب العزيز ، كسائر المزايا التي وقع التحدّي بها فيه ، بل تظهر بالتأمّل في تخصيص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه المعجزة ، مع ملاحظة معجزات سائر الأنبياء المتقدّمين.

نعم ، لا ينحصر وجه التخصيص فيما ذكر ، لأنّ له وجهاً آخر يعرف ممّا تقدّم ، وهو أنّ معجزة الخاتم لابدّ وأن تكون باقية إلى يوم القيامة ، لأنّه كما أنّ الحدوث يحتاج إلى الإثبات من طريق الإعجاز كذلك البقاء يفتقر إليه أيضاً ، لا بمعنى أنّ الحدوث والبقاء أمران يحتاجان إلى المعجزة ، ولابدّ من الإتيان بها لكلّ منهما ، بل بمعنى أنّ النبوّة الباقية لابدّ وأن يكون في بقائها ، غير خال عن الإعجاز ليصدقها من لم يدرك النبيّ ، ولم يشاهده.

ومن الواضح: أنّ ما يمكن أن يكون باقياً إنّما هو من سنخ الكتاب ، ضرورة انّ مثل انشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، وما يشابههما من المعجزات ـ ممّا لا يتّصف بالبقاء بل يوجد وينعدم ـ لا يمكن أن يكون معجزة بالإضافة إلى البقاء ، إلاّ إذا بلغ إلى حدّ التواتر القطعي بالنسبة إلى كلّ طبقة ، وكلّ فرد ، ومع ذلك لا يكاد يترتّب عليه الغرض المهمّ ، فالكتاب المستظهر بقوله تعالى في سورة الحجر 9: }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون{ معجزة وحيدة بالإضافة إلى البقاء والخلود ، كما مرّ البحث في ذلك في توصيف القرآن بخلود الاعجاز.

ثمّ انّ ها هنا إشكالاً ، وهو أنّ البلاغة لا يمكن أن تكون من وجوه الإعجاز ، ولا ينطبق عليها المعجز ـ بما اعتبر في معناه الاصطلاحي المتقدّم في أوائل البحث ـ لأنّه كما عرفت يتقوّم بكونه خارقاً للعادة ، فائقاً على ناموس الطبيعة ، والبلاغة

ــ[78]ــ

ليس فيها هذه الخصوصية التي بها قوام الإعجاز. وتوضيح ذلك يتوقّف على أمرين:

أحدهما: انّ دلالة الألفاظ على المعاني وأماريتها لها ، وكشفها عنها ليس لأمر يرجع إلى الذات ، بحيث يكون الاختصاص والدلالة ناشئاً عن ذات الألفاظ بلا مدخلية جاعل وواضع ، بل هذه الخاصّة اعتبارية جعليّة ، منشأها جعل الواضع واعتبار المعتبر ، والغرض منه سهولة تفهيم الإنسان ما في ضميره ، والاستفادة منه في مقام الإفادة ، فالاختصاص إنّما ينشأ من قبل وضع الواضع ، وبدونه لا مسانخة بين الألفاظ والمعاني ولا دلالة لها عليها ، وتحقيق هذا الأمر في محلّه.

ثانيهما: انّ الواضع ـ على ما هو التحقيق ـ هو الإنسان لا خالقه وبارئه ، فإنّه هو الذي جعل اللفظ علامة دالّة على المعنى ، لضرورة الحاجة الاجتماعية ، وسهولة الإفادة والاستفادة ، والتفهيم والتفهمّ.

إذا ظهر لك هذان الأمران: يندقح الإشكال في كون البلاغة من وجوه الإعجاز ، فإنّه إذا كان الوضع راجعاً إلى الإنسان ، مجعولاً له ، مترشّحاً من قريحته ، فكيف يمكن أن يكون التأليف الكلامي بالغاً إلى مرتبة معجزة للإنسان ، مع أنّ الدلالة وضعية اعتبارية جعليّة ولا يمكن أن يتحقّق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة!.

مضافاً إلى أنّه على تقدير ثبوته وتحقّقه ، كيف يمكن تعقّل التعدّد والتنوّع للنوع البالغ مرتبة الإعجاز. والرتبة الفائقة على قدرة البشر؟ مع أنّ القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد ، والمقصود الفارد عبارات مختلفة ، وبيانات متعدّدة ، وتراكيب متفرّقة ، سيّما في باب القصص والحكايات الماضية.

ــ[79]ــ

والجواب:

عن هذا الإشكال: انّ حديث الوضع ، ودلالة الألفاظ على معانيها ـ وإن كان كما ذكر ـ إلاّ أنّ استلزام ذلك لعدم كون البلاغة من وجوه الإعجاز ممنوع ، فإنّ الموضوع في باب الألفاظ ووضعها للمعاني إنّما هو المفردات ، وامّا البلاغة فهي لا تتحقّق بمجرّد ذلك ، فإنّه من أوصاف الجملة والكلام ، والاتّصاف بها إنّما هو فيما إذا كانت الجملة التي يركبها المتكلّم ، والكلمات التي يوردها ، حاكية عن الصورة الذهنية المتشكِّلة في الذهن ، المطابقة للواقع ، ومن الواضح أنّ تنظيم تلك الصورة ، وإيراد الألفاظ الحاكية لها من الاُمور التي لا ترجع إلى باب الوضع ، ودلالة مفردات الجمل وألفاظ الكلمات ، بل يحتاج إلى مهارة في صناعة البيان ، وفنّ البلاغة ، ونوع لطف في الذهن يقتدر به على تصوير الواقع ، وخصوصيّاته ، وإيجاد الصورة المطابقة له في الذهن.

فانقدح انّ اتّصاف الكلام بالبلاغة يتوقّف على جهات ثلاث ، يمكن الانفكاك بينها ، ومسألة الوضع والدلالة إحدى تلك الجهات ، ولا ملازمة بينها وبين الجهتين الاُخريين.

نعم ، لو قلنا بثبوت وضع للمركّبات ، زائداً على وضع المفردات التي منها الهيئة التركيبية ، بأن كان في مثل: «زيد قائم» وضع آخر زائداً على وضع «زيد» ووضع «قائم» بمادّته وهيئته ، ووضع هيئة الجملة الاسميّة ، وكان الموضوع في الوضع الزائد مجموع هذه الجملة بما هو مجموعها ، ولا محالة يصير الوضع ـ حينئذ ـ شخصيّاً لا نوعيّاً ، كما هو ظاهر ، لكان لهذا الإشكال مجال ، إذ كلّ جملة مؤلّفة لابدّ وأن تنتهي إلى وضع الواضع.

ــ[80]ــ

إلاّ أن يقال بثبوت الإعجاز على هذا القول أيضاً ، امّا بالإضافة إلى تركيب الجملات وتأليفها ، لأنّ انتهاء كلّ جملة إلى وضع الواضع لا يستلزم الاستناد إلى الوضع في مجمع الجملات المؤلّفة ، خصوصاً بعد ملاحظة ما ذكرنا سابقاً من عدم كون الإعجاز وصفاً لكلّ آية من الآيات ، بل غاية ما تحدّى به في الكتاب هو السورة المؤلَّفة من الجملات المتعدّدة ، فالالتزام بالوضع في كلّ جملة لا ينافي الاتّصاف بالإعجاز في المجموع المركّب من الجملات ، كما هو ظاهر ، وامّا بالإضافة إلى الاستعمالات المجازية التي لا يلزم الانتهاء فيها إلى الوضع ـ بشخصها ـ كما لا يخفى.

لكن الذي يسهّل الخطب: انّه لا مجال لأصل هذا القول ، لعدم كون المركّب أمراً زائداً على مفرداتها ، التي منها الهيئة التركيبية ، حتّى يتعقّل فيه الوضع ، وليس هنا من سنخ المعاني معنى أيضاً ، حتّى يفتقر إلى وضع لفظ بإزائه ، وإن نسب هذا القول ابن مالك في بعض كتبه إلى بعض ، ولكنّه أجاب عنه بنفسه وأجاد في مقام الجواب والتحقيق الزائد في محلّه.

ثمّ إنّه قد ظهر من جميع ما ذكرنا: انّه قد وقع التحدّي في الكتاب العزيز ببعض وجوه الإعجاز ، وقد مرّ تفصيله ، وهاهنا وجوه اُخر كثيرة صالحة لأن تكون من وجوه الإعجاز ، وإن لم يقع التحدّي بها فيه ، ولكنّه لا مجال للنقاش في اتّصافها بذلك ، ولا بأس بالتعرّض لبعضها:

ــ[81]ــ

 

 

 

القرآن ومعارفه الاعتقادية

 

من جملة وجوه الإعجاز: اشتمال القرآن على الاُصول الاعتقادية ، والمعارف القلبيّة الراجعة إلى وجود الباري وصفاته الجماليّة والجلاليّة ، وإلى ما يرجع إلى الأنبياء وأوصافهم الكماليّة ، وفضائلهم الاختصاصيّة ، بنحو ينطبق على ما هو مقتضى حكم العقل السليم ، والذوق المستقيم ، مع أنّ المحيط الذي نزل فيه الكتاب لم يكن له سنخيّة مع هذه المعارف والاُصول ، ووجه شباهة مع هذه الحقائق والمطالب فإنّ هؤلاء الذين نشأ النبيّ بينهم ، وفيهم على طائفتين: طائفة كثيرة كانت وثنيّة معتقدة بالخرافات والأوهام ، وطائفة من أهل الكتاب كانت معتقدة بما في كتب العهدين المحرّفة المنسوبة إلى الوحي ، ولو فرضنا انّ النبيّ لم يكن اُمّياً ـ مع أنّه من الوضوح بمكان وقد ادّعاه لنفسه مكرّراً ولم يقع في قباله إنكار وإلاّ لنقل كما هو ظاهر ـ وقد أخذ تعاليمه ومعارفه من تلك الكتب ، وكانت هي المصدر لكتابه ، والمأخذ لقرآنه ، لكان اللاّزم أن ينعكس على تقواله ومعارفه ظلال هذه العقائد الموجودة في المصادر المذكورة ، مع انّا نرى مخالفه القرآن لتلك الكتب في جميع النواحي ، واشتماله على المعارف والاُصول الحقيقيّة المغايرة لما في تلك الكتب ، من الخرافات التي لا ينبغي أن يشتمل عليها كتاب البشر ، فضلاً عن الكتاب المنسوب إلى الوحي والنبيّ ، وهذا الذي ذكرناه له مجال واسع ، وعليه شواهد كثيرة ،

ــ[82]ــ

وأمارات متعدّدة ، ولكنّا نقتصر على البعض خوفاً من التطويل فنقول:

غير خفيّ على من لاحظ القرآن ، انّه وصف الله تبارك وتعالى بما ينطبق على العقل السليم ويتمشّى مع البرهان الصريح ، فأثبت له تعالى ما يليق بشأنه من الصفات الجماليّة ، ونزّهه عمّا لا يليق به من لوازم النقص والحدوث ، فوصفه بأنّه تعالى خالق كلّ شيء ، وانّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وانّه الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء ، وانّه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وانّه الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وانّه سخّر الشمس والقمر وانّه عالم الغيب والشهادة وهو العزيز الحكيم ، وانّه هو الذي ينزل الغيث ، ويعلم ما في الأرحام ، وغير ذلك من الصفات الكماليّة اللاّئقة بشأنه تبارك وتعالى ، وكذا نزّهه عن أن يكون له ولد ، وعن أخذ السنة والنوم له ، وغير ذلك ممّا يلازم النقص والإمكان.

وكذلك وصف الأنبياء بما ينبغي أن يوصفوا به ، وما يناسب ويلائم مع مقام النبوّة ، وقدس السفارة في آيات كثيرة ، وإن وقع من بعض المعاندين جمع ما يشعر بصدور ما لا يلائم مع مقام النبوّة ، وقدس السفارة من الآيات الظاهرة بدواً في ذلك ، ولكنّه قد اُجيب عنه بأجوبة شافية ، ونزّه الأنبياء من طريق نفس الكتاب ، وبيّن أنّ التأويل في تلك الآيات ، وضمّ البعض يرشد إلى خلافه.

وبالجملة: لا مجال للارتياب في أنّ الكتاب قد وصف الأنبياء بكلّ جميل ، ونزّههم عن كلّ ما لا يليق ، مع قداسة النبوّة.

وامّا كتب العهدين: فتراها في مقام توصيف الله تبارك وتعالى ، وتوصيف الأنبياء السفراء مشتملة على ما لا يرضى به العقل أصلاً ، وما لا ينطبق على

ــ[83]ــ

البرهان قطعاً ، وقد تعرّض لكثير من هذه الموارد الشيخ العلاّمة البلاغي(قدس سره) في كتابي الهدى إلى دين المصطفى والرحلة المدرسيّة.

ومن جملة ذلك ما وقع في محكيّ الاصحاح الثاني والثالث من سفر التكوين من كتاب التوراة ، في قصّة آدم وحواء ، وخروجهما من الجنّة ، حيث ذكرت:

«إنّ الله أجاز لآدم أن يأكل من جميع الأثمار إلاّ ثمرة شجرة معرفة الخير والشرّ ، وقال له لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت ، ثمّ خلق الله من آدم زوجته حوّاء ، وكانا عاريين في الجنّة لأنّهما لا يدركان الحسن والقبيح ، وجاءت الحيّة ودلّتهما على الشجرة وحرّضتهما على الأكل من ثمرها وقالت: إنّكما لا تموتان ، بل انّ الله عالم انّكما يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما ، وتعرفان الحسن والقبيح ، فلمّا أكلا منها انفتحت أعينهما وعرفا انّهما عاريان ، فصنعا لأنفسهما مئزراً فرآهما الربّ وهو يتمشّى في الجنّة ، فاختبأ آدم وحوّاء منه ، فنادى الله آدم أين أنت؟ فقال آدم: سمعت صوتك فاختبأت ، لأنّي عريان ، فقال الله: من أعلمك بأنّك عريان؟ هل أكلت من الشجرة؟ ثمّ إنّ الله بعدما ظهر له أكل آدم من الشجرة فقال: هو ذا آدم صار كواحد منّا ، عارف بالحسن والقبيح ، والآن يمدّ يده فيأكل من شجرة الحياة ، ويعيش إلى الأبد فأخرجه الله من الجنّة ، وجعل على شرقيها ما يحرس طريق الشجرة».

وذكر في العدد التاسع من الاصحاح الثاني عشر: انّ الحيّة القديمة هو المدعوّ بإبليس ، والشيطان الذي يضلّ العالم كلّه. وفي محكي الاصحاح الثاني عشر من التكوين:

«إنّ إبراهيم ادّعى أمام فرعون: أنّ سارة اُخته ، وكتم أنّها زوجته ، فأخذها

ــ[84]ــ

فرعون لجمالها ، وصنع إلى إبراهيم خيراً بسببهاو وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد واماء واتن وجمال ، وحين علم فرعون أنّ سارة كانت زوجة إبراهيم وليست اُخته قال له: لماذا لم تخبرني انّها امرأتك؟! لماذا قلت: هي اُختي حتّى أخذتها لي زوجة؟! ثمّ ردّ فرعون سارة إلى إبراهيم».

انظر إلى القصّة الاُولى المشتملة على نسبة الكذب إلى الله جل وعلا ، ومخادعته لآدم في أمر الشجرة التي كانت ثمرة الأكل منها حصول المعرفة بالحسن والقبح وإدراكهما ، وفي مقابله نصح الحيّة والشيطان لآدم ، وهدايته إلى طريق المعرفة والإدراك والخروج من الظلمة إلى النور ، مضافاً إلى نسبة الخوف إليه تعالى من أكل آدم شجرة الحياة ، ومعارضته إيّاه في سلطانه ومملكته ، وإلى نسبة الجهل بمكانهما إليه تعالى حين اختبأ ، وإلى إثبات الجسمية له تعالى بحيث يمكن له أن يتمشّى في الجنّة ، ويرى على نحوها ما يرى الجسم ، وبعد ذلك فهو صريح في عدم ثبوت الوحدانية له تعالى ، فإنّ قوله: «صار كواحد منّا» صريح في عدم انحصار الإلوهية في فرد ، وعدم اختصاص مفهوم الواجب بوجود واحد ، مع أنّ نفس هذه القصّة ـ مع قطع النظر عن هذه الإشكالات ـ لا يقبل العقل والذوق مطابقتها للواقع ، فهي بالوضع أشبه.

وانظر إلى القصّة الثانية الدالّة على أنّ إبراهيم ـ وهو من أكرم الأنبياء وأعظمهم ـ صار سبباً لأخذ فرعون زوجته ، ولعلّ الوجه فيه هو الخوف مع أنّه لا يتصوّر فيه خوف ، لأنّ اتّصافها بزوجة إبراهيم لا يكاد يترتّب عليه أثر سوء حتّى يخاف منه ويسوغ لأجله الكذب في دعوى الاُختيّة ، مع أنّه على تقديره كيف يرضى الفرد العادي في هذه الحال ـ وهي شدّة الخوف بذلك ـ فضلاً عن مثل

ــ[85]ــ

إبراهيم ، الذي هو الأساس ، والركن العظم في باب التوحيد والشريعة ، وقصّته في المعارضة مع عبدة الأصنام مشهورة.

فانقدح من ذلك: أنّ ملاحظة القرآن من جهة المعارف الاعتقادية ، والاُصول الراجعة إلى المبدأ وأوصافه ، والأنبياء وخصائصهم ، ممّا يرشد إلى اتّصافه بالإعجاز ، مع قطع النظر عن الجهات الكثيرة الاُخر ، الهادية إلى هذا الغرض المهمّ ، والمقصد العظيم.

ــ[86]ــ

 

 

 

القرآن وقوانينه التشريعيّة

 

من جملة وجوه الإعجاز الكثيرة: رعاية القرآن في نظامه وتشريعه ، سيّما في المقايسة مع المقرّرات الرائجة في عصر نزول القرآن ، وورود قوانينه وشرائعه ، وتلك المقرّرات أعمّ من القوانين الشائعة بين الطائفة الوثنية ، التي تكون العمدة فيها عبادة الآلهة المصنوعة ، واتّخاذها شفعاء إلى الله تعالى ، وبعد ذلك شيوع النهب والغارة بينهم ، وابتهاجهم بإقامة الحروب والمعارك ، وقتل الأنفس واغتنام الأموال ، وشيوع الاستقسام بالأنصاب والأزلام ، واعتيادهم لشرب الخمر ، واللعب بالميسر ، وافتخارهم بذلك ، والتزويج بنساء الآباء ، ودسّ البنات في التراب ، كما حكاه القرآن بقوله تعالى: }وإذا بشّر أحدهم بالاُنثى ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب{(1).

ولكنّ البناء العملي غالباً إنّما كان على الدسّ والدفن في حال الحياة.

ومن القوانين الشائعة بين أهل الكتاب التابعين لكتب العهدين المحرّفة; فإنّ التوراة ـ مع كبر حجمها ـ لا يكون فيها مورد تعرّضت فيه لوجود القيامة ، وعالم الجزاء على الأعمال أصلاً ، مع أنّه من الواضح أنّ الغرض الأقصى والمطلوب الأوّلي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النحل: 59.

ــ[87]ــ

في باب الأديان هو تأمين عالم الآخرة ، والدعوة إلى الأعمال الحسنة التي يترتّب عليها الثواب والراحة ، ودخول الجنّة ، وعليه فكيف يمكن أن يكون كتاب الوحي خالياً عن التعرّض لمثل ذلك العالم ، الذي لا تدركه الحواس ، ويحتاج إلى التعرّض والهداية ، وإرائة الطريق إليه ، فضلاً عن الدعوة إلى الأعمال النافعة في ذلك العالم ، الرابحة في سوقه.

نعم ، حرّضت التوراة الناس إلى الطاعة ، والتجنّب عن المعصية من جهة تأثير الطاعة في حصول الغنى في الدنيا ، والتسلّط على الناس باستعبادهم ، وتأثير المعصية في تحقّق السقوط من عين الربّ ، وسلب الأموال والشؤون المادّية ، ولأجل عدم دلالة التوراة على وجود عالم الآخرة والدعوة إلى ما يؤثر فيه; نرى التابعين لها في مثل هذه الأزمنة غير متوجّهين إلاّ إلى الجهات الراجعة إلى عالم المادّة والغنى والمكنة ، ولا نظر لهم أصلاً إلى عالم الآخرة ، ولهم في هذا المجال قصص مضحكة مشهورة.

وفي مقابلها: شريعة إنجيل ، ناظرة إلى الآخرة فقط ، ولا تعرّض فيها لصلاح حال الدنيا وشؤونها بوجه من الوجوه.

امّا القرآن الكريم: فقد نزل في عصر كان الحاكم عليه القوانين الرائجة بين الوثنية من ناحية ، وقوانين التوراة والإنجيل المحرّفة من ناحية اُخرى ، وملاحظة نظامه وتشريعه من حيث هو ـ سيّما مع المقايسة لتلك القوانين الحاكمة في ذلك العصر ـ ترشد الباحث إرشاداً قطعيّاً إلى كونه نازلاً من عند الله تبارك وتعالى.

امّا من جهة اشتماله على نظام الدنيا ، ونظام الآخرة ، وتضمّنه لما يصلح في كلا العالمين ، وتكفّله لما يؤثر في السعادتين; فلا موقع للإرتياب في البين ، ويكفي في

ــ[88]ــ

الدعوة إلى عالم الآخرة ، الذي قد عرف انّه الغرض الأقصى والمطلوب الأهمّ في الأديان والشرائع الإلهيّة ، مثل قوله تعالى في سورة القصص: 77:

}وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا{.

بل أنّ هذه الآية تدلّ على كلا النظامين ، وعلى أهمّية النظام الاُخروي ورجحانه على النظام الدنيوي ، وقوله تعالى في سورة الزلزلة 7 ـ 8:

}فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره{. خصوصاً مع ملاحظة ما حكي في شأن هذه الآية عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) من أنّها تحكم آية في القرآن ، ومع ظهورها في أنّ المرئي في عالم الآخرة نفس عمل الخير والشرّ ، الظاهر في تصوّرهما بأنفسهما بالصور الخاصّة المرئية في ذلك العالم ، كما يدلّ عليه بعض الآيات الاُخر ، وكثير من الروايات ، وذلك لرجوع الضمير إلى نفس العمل ، كما هو ظاهر ، فتدبّر!

وامّا من جهة انطباق قوانينه وشرائعه مع البراهين الواضحة ، والفطرة السليمة ، والأخلاق الفاضلة ، بحيث لا تبقى مع رعايتها بأجمعها وتطبيق العمل عليها ، والالتزام بعدم التخطّي عنها في الأعمال القلبية والخارجية ، والأفعال الجانحيّة والجارحيّة مجال لشائبة النقص والقصور ، وموقع لاحتمال عروض الضعف والفتور ، وبها يمكن التوسّل إلى السعادة المطلوبة ، والوصول إلى الراحة المقصودة في النشأة المادّية والمعنوية.

فتراه في مواضع متعدّدة يأمر الناس بسلوك العدل ، الذي هي الجادّة الوسطى التي لا انحراف عنها يميناً وشمالاً كما في قوله تعالى في سورة النحل 90:

}إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى{.

ــ[89]ــ

وكذا يأمرهم بأن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم ، كما في قوله تعالى في سورة الفاتحة: }اهدنا الصراط المستقيم{.

وكذا ملاحظة سائر قوانينه المؤثرة في تحصيل السعادة الدنيويّة ، أو الأخرويّة ، والخالية عن وصف الكلفة والحرج ، بحيث أخبر الله تعالى بأنّ ما يكون حرجيّاً لم يكن مجعولاً في الدين والشريعة ، وانّه تعلّقت إرادته باليسر ولم تتعلّق بالعسر.

وبالجملة: ملاحظة نظام القرآن وتشريعه ترشد الباحث ـ غير المتعصّب ـ إلى عدم كونه مصنوعاً للبشر ، فإنّه كيف يمكن له الإحاطة بجميع الخصوصيّات الدخيلة في سعادة الدارين ، حتّى يضع قانوناً منطبقاً عليها ، فضلاً عن القوانين الكثيرة الثابتة في جميع الوقائع والحوادث المبتلى بها.

ومن باب المثال: انظر إلى قانوني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الذين هما من الواجبات المسلّمة في الشريعة الدالّ عليها الكتاب العزيز ، والسنّة الشريفة ، وقايس هذا القانون مع التشكيلات العصريّة الكاملة تدريجاً ، التي يكون الغرض من تأسيسها ، والغاية الباعثة على جعلها حفظ القوانين البشرية ولزوم تطبيق العمل عليها ، فإنّها ـ مع سعتها المحيّرة ، وعظمتها المعجبة ، واستلزامها لصرف مؤونة كثيرة ـ لا تقدر على تحصيل هذا الغرض كما نراه بالوجدان ، فلا تكاد تقدر على الردع عن مخالفتها ، وسدّ باب نقضها مع جعل عقوبات عجيبة ، وتعذيبات شديدة ، لفرض صورة المخالفة ، والفرار عن الموافقة.

وامّا قانون القرآن فمضافاً إلى عدم افتقاره إلى تشكيلات مخصوصة ، ومؤونة زائدة ما يتضمّن لحفظ القوانين من طريق لزوم مراقبة كلّ فرد بالإضافة إلى آخر

ــ[90]ــ

وكونه عيناً عليه ، ناظراً له فهو ـ أي كلّ واحد من المسلمين ـ يتّصف بأنّه مراقب ـ بالكسر ـ ومراقب ـ بالفتح ـ ولا يتصوّر فوق هذا المعنى شيء ، ضرورة أنّ أعضاء تلك التشكيلات محدودة لا محالة ، وهي لا تتّصف إلاّ بعنوان المراقبة ـ بالكسر ـ بخلاف قانون القرآن.

والإنصاف: انّ التدبّر في كلّ واحد من القوانين الثابتة في القرآن ـ فضلاً عن جميعها ـ لا يبقى للمرتاب شكّ ولا للمريب وهم ، ويقضي إلى الحكم الجازم ، والتصديق القطعي ، الذي لا ريب فيه بأنّه كتاب نازل من عند الله العالم الخبير ، والحكيم البصير ، كما قال الله تعالى في سورة البقرة 2: }ذلك الكتاب لاريب فيه هدىً للمتّقين{ ولكن الاهتداء بهدايته ، والاستضاءة بنوره يحتاج إلى تقوى القلب ، وسلامته عن مرض العناد والتعصّب واللجاج ، وبقائه على الفطرة الأصلية السليمة القابلة لنور الهداية ، غير المنحرفة عن الجادّة المستقيمة ، التي يكون السالك فيها مطيعاً للفعل ، ومجتنباً عن الضلالة والجهل.

ــ[91]ــ

 

 

 

القرآن وأسرار الخلقة

 

من جملة وجوه الإعجاز الهادية إلى أنّ القرآن قد نزل من عند الله تبارك وتعالى; اشتماله على التعرّض لبعض أسرار الخلقة ، ورموز عالم الكون ، ممّا لا يكاد يهتدي إليه عقل البشر في ذلك العصر ، سيّما من كان في جزيرة العرب ، البعيدة عن التمدّن العصري بمراحل كثيرة ، وهذه الأنباء في القرآن كثيرة ، ولعلّ مجموعها يتجاوز عن كتاب واحد ، وكما أنّ جملة ممّا أخبر به القرآن لم تتّضح إلاّ بعد توفّر العلوم ، والاكتشافات ، وتكثر الفنون والاختراعات ، كذلك يمكن أن يكون وضوح البعض الآخر متوقّفاً على ارتقاء العلم ، وتكامل البشر في هذا المجال الحاصل بالتدريج ، ومرور الأزمنة.

ومن المناسب إيراد بعض الآيات الواردة في هذا الشأن فنقول:

1 ـ ما ورد في شأن النبات ، وثبوت سنّة الزواج بينها ، كما في الحيوانات ، وانّ اللقاح الذي يفتقر إليه في انتاج الزوجين إنّما يحصل بسبب الرياح ، وهو قوله تعالى في سورة يس 36:

}سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون{.

وقوله تعالى في سورة الحجر 22: }وأرسلنا الرياح لقواقح{.

ــ[92]ــ

فإنّ الكريمة الاُولى: دلّت على عدم اختصاص سنّة الزواج بالحيوانات ، بل نعم النباتات وما لا يعلمه الإنسان من غيرها أيضاً ، بل قدّم ذكر النبات على الإنسان في هذه السنّة ، ولعلّه إشعار بكون هذه السنّة في النباتات قهريّة بخلاف الإنسان ، الذي يكون الأمر فيه على طبق الاختيار والإرادة.

والآية الثانية: تدلّ على أنّ اللقاح الذي يتوقّف عليه إنتاج الشجر والنبات إنّما يتحقّق بسبب الرياح ، وهذا هو الذي اكتشفه علماء معرفة النبات ، ولم يكن يدرك هذا الأمر غير المحسوس وأفكار السابقين ، ولذا التجأوا إلى حمل اللقاح في الآية عل معنى الحمل الذي هو أحد معانيه وفسّروا الآية الشريفة بأنّ الرياح تحمل السحاب الممطرة إلى المواضع التي تعلّقت المشيّة بالأمطار فيها.

وأنت خبير; بأنّه لا وجه للحمل على ذلك ، مضافاً إلى عدم صحّته ، لعدم كون الرياح حاملة للسحاب ، بل دافعة لها من مكان إلى آخر ، مع أنّ هذا المعنى ليس فيه اهتمام كبير ، وعناية خاصّة ، وهذا بخلاف الحمل على ما هو الظاهر فيه.

وحكي انّه لمّا اهتدى علماء أوربا إلى هذا ، وزعموا انّه ممّا لم يسبقوا إليه من العلم; صرّح بعض المطّلعين على القرآن منهم بسبق العرب إليه ما قال بعض المستشرقين: إنّ أصحاب الإبل قد عرفوا أنّ الريح تلقح الأشجار قبل أن يعلمه علماء أوربا بثلاثة عشر قرناً. نعم أنّ أهل النخيل من العرب كانوا يعرفون التلقيح إذ كانوا ينقلون بأيديهم اللقاح من طلع ذكور النخل إلى إناثها ، ولكنّهم لم يعلموا أنّ الرياح تفعل ذلك ، وانّه لا تختصّ الحاجة إلى اللقاح بخصوص النخيل فقط.

2 ـ وما ورد في شأن النبات من جهة أنّ له وزناً خاصّاً ، وهو قوله تعالى في سورة الحجر 19: }وأنبتنا فيها من كلّ شيء موزون{ فإنّ علماء معرفة النبات قد

ــ[93]ــ

أثبتوا أنّ العناصر التي يتكوّن منها النبات مؤلفة من مقادير معيّنة في كلّ نوع من أنواعه ، بدقّة غريبة لا يمكن ضبطها إلاّ بأدقّ الموازين المقدّرة ، ولو زيد في بعض أجزائها أو نقص لا يمكن حصول ذلك النبات ، بل يتحقّق مركّب آخر غير هذا النبات.

3 ـ وما ورد في شأن الأرض ، وانّها متّصفة بوصف الحركة ، غاية الأمر انّه حيث كان سكون الأرض من الاُمور المسلّمة في ذلك العصر ، بل وبعده إلى حدود القرن العاشر من الهجرة ، ولذا صار الحكيم المعروف بـ «غاليلو» الكاشف لحركة الأرض والمثبت لها مورداً للإهانة والتعذيب والتحقير ، مع جلالته العلميّة ، ومقامه الشامخ ، لم يصرّح القرآن بذلك حذراً من ترتّب النتيجة المعكوسة عليه ، وحصول نقض الفرض بسببه ، بل أشار إلى ذلك بإشارات لطيفة ، وإيماءات بليغة ليهتدي إليها البشر في عصر توفّر العلم والاكتشاف ، فيعتقد بأنّ هذا الكتاب نازل من عند الله المحيط بحقائق الأشياء ، والعالم بأسرار الكون ، ورموز الخليقة ، وقد تحقّقت هذه الإشارة في ضمن آيات كثيرة:

كقوله تعالى في سورتي طه والزخرف 53 ، 10: }الذي جعل لكم الأرض مهداً{ فإنّه تعالى قد استعار لفظ «المهد» للأرض ، ومن البيّن أنّ الخصوصية المترقّبة من المهد ، المعدّ للرضيع ، والمصنوع لأجله ، والجهة الملحوظة التي بها يتقوّم عنوان المهدية ليست هي الوضع الخاصّ ، والشكل المخصوص الحاصل من تركيب مواد مختلفة ، وضمّ بعضها إلى بعض ، بل الخصوصية هي حركة المهد وانتقاله من حال إلى حال.

ففي الآية الشريفة إشارة لطيفة إلى حركة الأرض ، من جهة استعارة لفظ المهد

ــ[94]ــ

لها وانّه كما أنّ حركة المهد لغاية تربية الطفل واستراحته ، كذلك حركة الأرض تكون الغاية لها تربية الموجودات من الإنسان وغيره.

وقوله تعالى في سورة الملك 15:

}وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها{.

فإنّه تعالى قد استعار لفظ «الذلول» للأرض ، مع أنّه عبارة عن نوع خاصّ من البعير ، ويكون امتيازه بسهولة انقياده ، ففيه إشارة إلى أنّ الخصوصية الموجودة والذلول ، التي ليست لغيره ثابتة في الأرض ، فهي أيضاً متحرّكة بحركة ملائمة للراكب عليها ، الماشي في مناكبها. ومن البين أنّه مع قطع النظر عن هذه الخصوصية ـ وهي خصوصية الحركة ـ يكون إطلاق لفظ الذلول على الأرض واستعارته لها ليس له وجه ظاهر حسن ، خصوصاً مع تفريع الأمر بالمشي عليه ، وإطلاق لفظ المنكب كما هو غير خفيّ.

وقوله تعالى في سورة النمل 88:

}وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كلّ شيء{.

فإنّه بقرينة وقوعها في سياق الآيات الواردة في القيامة وأهوالها ، ربما يقال ـ كما قيل ـ بأنّ هذه الآية أيضاً ناظرة إلى أحوال القيامة وأهوالها ، مع أنّه لا وجه للحمل على ذلك المقام ، خصوصاً مع قوله تعالى في الذيل: «صنع الله...» الظاهر في ارتباط الآية بشؤون الخلقة وابتدائها ، وحسنها وجمالها ، مع أنّها في نفسها أيضاً ظاهرة في أنّ المرور والحركة ثابت للجبال فعلاً ، كما أنّ حسبان كونها جامدة أيضاً كذلك ، فالآية تدلّ على ثبوت المرور والحركة للأرض من بدو خلقتها

ــ[95]ــ

ومصنوعيّتها وانّ الحركة دليل بارز على إتقانها ، وفيها إشارات لطيفة ودقائق ظريفة.

من جهة: أنّه تعالى جعل الدليل والأمارة على حركة الأرض حركة الجبال التي هي أوتاد لها ، ولم يثبت الحركة في هذه الآية لنفس الأرض من دون واسطة. ولعلّه للإشارة إلى أنّ حركة الجسم الكروي بالحركة الوضعية دون الانتقاليّة ، حيث لا تكون محسوسة إلاّ بسبب النقوش والألوان ، أو الارتفاعات الثابتة عليه وفي سطحه ، فلذا يكون الدليل على حركته حركة ذلك النقش واللون أو الارتفاع.

ومن جهة: التعبير عن حركتها بالمرور الذي فيه إشارة إلى بطء حركة الأرض وملائمتها. حسب القانون الطبيعي الذي أودعه الله فيها.

ومن جهة: انّ التشبيه بالسحاب ، مع كون حركتها مختلفة ، فإنّها قد تمرّ إلى جانب المشرق ، وقد تتحرّك إلى سائر الجوانب من الجوانب الأربعة;ى دلّ على عدم اختصاص حركة الأرض بحركة خاصّة ، بل لها حركات مختلفة ربما تتجاوز عن عشرة أنواع ومن غير تلك الجهات.

4 ـ ما ورد في شأن كرويّة الأرض ، مثل قوله تعالى في سورة الزمر 5:

}يكوّر الليل على النهار ويكوّر النهار على الليل{.

تقول العرب: «كار العمامة على رأسها إذا أدارها ولفّها ، وكوّرها بالتشديد صيغة مبالغة وتكثير» فالتكوير في اللغة إدارة الشيء عل الجسم المستدير كالرأس بالإضافة إلى العمامة ، فتكوير الليل على النهار ظاهر في كرويّة الأرض ، وفي بيان حقيقة الليل والنهار على الوجه المعروف في الجغرافية الطبيعيّة. وقوله تعالى في سورة الرحمن 17: }ربّ المشرقين وربّ المغربين{.

ــ[96]ــ

وتوضيح المراد من هذه الآية الشريفة: أنّ الكتاب العزيز قد استعمل فيه لفظ المشرق والمغرب ـ تارةً ـ بصيغة الافراد ، كقوله تعالى في سورة البقرة 11: }ولله المشرق والمغرب{ ـ واُخرى ـ بصيغة التثنية كهذه الآية التي نحن بصدد التوضيح للمراد منها ، وقوله تعالى في سورة الزخرف 28:

}ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين{.

وثالثة ـ بصيغة الجمع ، كقوله تعالى في سورة الأعراف 137:

}وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها{.

وقوله تعالى في سورة المشارق 40:

}فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ{.

أمّا ما ورد فيه هذان اللفظان بصيغة الافراد: فهو مع قطع النظر عن الآيات الظاهرة في التعدّد يلائم مع وحدتهما ، وامّا بعد ملاحظتها فلا محيص عن أن يكون المراد منه هو النوع المنطبق على المتعدّد من أفرادهما.

وامّا ما ورد فيه هذان اللفظان بصيغة المثنّى: فقد اختلف المفسِّرون في معناه فقال بعضهم: المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغربهما ، وحمله بعضهم على أنّ المراد منه مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما ، ولكن بعد اهتداء البشر إلى كرويّة الأرض وانّها فلك مستدير كروي ، واستكشافهم لوجود قارّة اُخرى على السطح الآخر للأرض يكون شروق الشمس عليها غروبها عن قارّتنا; ظهر أنّ المراد بالآية هو تعدّد المشرق بالإضافة إلى الشمس في كلّ يوم وليلة ، لا أنّ التعدّد بلحاظ الشمس والقمر ، ولا بالنظر إلى اختلاف الفصول ، بل لها في كلّ أربع وعشرين ساعة مشرقان مشرق بالإضافة إلى قارّتنا ، ومشرق بلحاظ القارّة

ــ[97]ــ

الاُخرى المكتشفة «وياليتها لم تُكتَشف».

وربّما يؤيِّد ذلك بالآية الشريفة المتقدّمة المقتصر فيها على تثنية المشرق فقط نظراً إلى أنّ الظاهر منها أنّ البُعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن حملها على مشرقي الشمس والقمر ، ولا على مشرقي الصيف والشتاء ، لأنّ المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة ، فلا يمكن حملها على مشرق الشمس والقمر ، ولا على مشرق الصيف والشتاء ، لأنّ المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة ، فلابدّ من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب ، ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقاً لجزء آخر من الكرة الأرضية ليصحّ هذا التعبير.

ولكن في التأييد نظر; لاحتمال أن يكون لفظ «المشرقين» في هذه الآية تثنية للمشرق والمغرب ، لا تثنية للمشرق فقط ، ليدلّ على تعدّد المشرق ، مع قطع النظر عن المغرب ، ولعلّ هذا الاحتمال أقوى من جهة أنّ البُعد والفصل إنّما يناسب مع الشروق والغروب ، لا مع تعدّد المشرق كما هو غير خفيّ.

هذا ولكن ذلك لا يضرّ بدلالة الآية المتقدّمة المشتملة على تثنية المشرق والمغرب معاً ، فإنّ ظهورها فيما ذكرنا من تعدّد المشرق والمغرب لخصوص الشمس في كلّ يوم وليلة ممّا لا ينبغي أن ينكر ، فدلالتها على كرويّة الأرض ووجود قارّة اُخرى واضحة لا ريب فيها.

وأمّا ما ورد فيه ذلك بصيغة الجمع; فدلالته على كرويّة الأرض واضحة ، فإنّ طلوع الشمس على أيّ جزء من أجزاء كرة الأرض يلازم غروبها عن جزء آخر فيكون تعدّد المشارق والمغارب واضحاً لا تكلّف فيه ولا تعسّف.

ــ[98]ــ

والمحكي عن بعض المفسِّرين حمل ما ورد فيه ذلك على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيّام السنة وتعدّد الفصول ، ولكّه مع أنّه تكلّف لا ينبغي أن صار إليه ـ لا يلائم مع التأمّل في الآيات الدالّة على ذلك ، فإنّ الظاهر من الآية الاُولى: أنّ مشارق الأرض ومغاربها كناية عن مجموع الأرض وأجزائها ، فإنّه الذي ينبغي أن يكون القوم المستضعفون وارثين له ، وامّا مجرّد المشارق والمغارب المختلفة باختلاف الفصول وأيّام السنة فلا يلائم مع الوراثة أصلاً ، كما أنّها لا تلائم مع الحلف والقسم فتدبّر. ويؤيّد ذلك: ما ورد في أخبار الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

وممّا يدلّ على كرويّة الأرض مثل ما رواه في الوسائل ، عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: «صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر ، وكنت أنا اُصلّي المغرب إذا غربت الشمس واُصلّي الفجر إذا استبان الفجر ، فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع ، فإنّ الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنّا ، وهي طالعة على قوم آخرين بعد؟ فقلت: إنّما علينا أن نُصلّي إذا وجب الشمس عنّا ، وإذا طلع الفجر عندنا ، وعلى أولئك أن يصلّوا إذا غربت الشمس عنهم»(1).

ومثله قوله(عليه السلام) في رواية اُخرى: «إنّما عليك مشرقك ومغربك»(2).

فإنّهما ظاهران في اختلاف المشرق والمغرب إنّما هو باختلاف أجزاء الأرض الناشئ عن استدارتها وكرويّتها ، غاية الأمر أنّه يجب على كلّ قوم رعاية مشرق أرضه ومغربها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، ب16 ص22.

(2) نفس المصدر.

ــ[99]ــ

ومنها ـ أي من الأسرار التي دلّ عليها الكتاب العزيز ـ تعدّد السماوات والأرضين مع أنّ الحسّ الذي كان هو الطريق المنحصر للبشر في ذلك العصر لا يكاد يهدي إلاّ إلى وحدتهما ، ولذا كان جمهور المتقدّمين متّفقين على وحدة الأرض ، وأنّه ليس غير هذه الأرض التي نحن نعيش فيها ونمشي في مناكبها أرض اُخرى. لكنّه قد استقرّ رأي الفلاسفة ـ بعد القرن العاشر من الهجرة ـ على تعدّد الأرضين وعدم اختصاص الأرض بهذه الكرة المحسوسة لنا ، نعم المحكي عن الشيخ الرئيس أبي علي أنّه حكى القول بكثرة الأرضين ، وتعدّدها عن حكماء قديم الفرس ، وأشار إلى ذلك الشاعر المعروف الفارسي المشهور بـ «نظامي» في قوله:

شنيدستم كه هر كوكب جهانيست جداگانه زمين و آسمانيست

وكيف كان ، فالثابت عند المتأخّرين أنّ كلّ كوكب سيّار أرض مستقلّ ، مشتمل على ما في أرضنا من الجبال والبحار والسحاب والحيوانات وغيرها ، وقد دلّ الكتاب على تعدّد السماوات والأرضين ، بقوله تعالى في سورة الطلاق 12:

}الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ{.

فإنّ ظاهرة تعدّد الأرضين ، كالسماوات ، وبلوغها سبعاً مثلها ، وقد وقع التصريح بالأرضين السبع في الدعاء المعروف: «سبحان الله ربّ السماوات السبع وربّ الأرضين السبع وما فيهنّ وما بينهنّ وربّ العرش العظيم».

ويؤيّد ما رواه جماعة عن الرضا ـ صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المنتجبين ـ في جواب السؤال عن ترتيب السماوات السبع والأرضين السبع ممّا مرجعه إلى أنّ الأرض التي نحن فيها ، أرض الدنيا وسماءها سماء الدنيا ،

ــ[100]ــ

والأرض الثانية فوق سماء الدنيا ، والسماء الثانية فوقها ، وهكذا.

وبالجملة: دلالة الكتاب على مثل هذا الأمر غير المحسوس ، الذي كان مخالفاً لآراء البشر في عصر النزول تهدي الباعث هداية واضحة ، وترشد الطالب إرشاداً بيّناً إلى نزوله من عند الله الخالق للسماوات السبع ، ومن الأرض مثلهنّ.

ومن تلك الأسرار ما بيّنته الآيات الدالّة على حركة الشمس أوّلاً ، وكونها أصلاً في الحركة ثانياً ، وعلى تعدّدها ثالثاً ، وانّها بمرور الدهور يعرض لها التكوير ويبلغ إلى حدّ يصدق قوله تعالى في سورة الشمس: }إذا الشمس كوّرت{(1) الموافق للرأي الجديد في باب الشمس ونقصان نورها وحرارتها تدريجاً ، وغير ذلك من الأسرار التي دلّ عليها الكتاب تصريحاً أو تلويحاً ، التي ينبغي أن يؤلّف في كتاب واحد ، مع أنّ العلم بتوفّره ، والاكتشاف بتكثّره لم يبلغ إلى مرتبة يحيط لأجلها بجميع الأسرار الكونيّة ، والرموز الخلقيّة المذكورة في الكتاب العزيز. نسأل الله تبارك وتعالى لأن يهدينا سبيل الرشاد ، وهو الهادي إلى ما يتعلّق بالمبدأ والمعاد.

ثمّ إنّ هنا وجوهاً اُخر في باب إعجاز القرآن ، ولكن ما ذكرنا من النواحي التي كانت أعمّ ممّا أشار إليها الكتاب ، وما لم يشِر يكون فيه غنى وكفاية للطالب غير المتعصِّب ، والباحث غير العنود ، ولا يبقى بعد ملاحظة ما ذكرنا شكّ وارتياب في أنّ القرآن وحي إلهي ، وكلام الله الخارج عن حدود القدرة البشريّة.

ولكن هنا أوهام وشبهات حول إعجاز القرآن ، لا بأس بالإشارة إليها بأجوبتها وإن كان بعضها ـ بل كلّها ـ من السخافة والبطلان بمكان لا ينبغي إضاعة الوقت ، وإعمال القوّة العاقلة في دركها وإبطالها ، إلاّ أنّه لأجل إمكان إيرائها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشمس: 1.

ــ[101]ــ

الإرتياب في بعض العقول الناقصة ، والنفوس غير الكاملة لا مانع من التعرّض لمهمّاتها.

ــ[102]ــ

 

 

 

 

 

 

 

شبهات حول إعجاز القرآن

ــ[103]ــ

 

 

 

 

 

شبهة غموض الإعجاز. شبهة التناقض والاختلاف. شبهة وجود العجز عن الإتيان بغير القرآن أيضاً. شبهة العجز عن المعارضة بسبب الخوف والتطبّع على القرآن. شبهة الخلط والتداخل بين الموضوعات القرآنية. شبهة احتقار المعارضة وعدم الإعلان بها. شبهة وقوع المعارضة وتعداد من عارض بلاغة القرآن والجواب عن كلّ ذلك بالتفصيل.

ــ[104]ــ

وجوه إعجاز القرآن

 

 

 

 

 

 

1 ـ منها: انّ المعجز لابدّ وأن يعرف إعجازه جميع من يراد بالاعجاز إقناعه ، وكلّ من كان المهمّ اعتقاده بصدق مدّعي النبوّة ليخضع في مقابل التكاليف التي يأتي به ، والوظائف التي هو الواسطة في تبليغه وإعلامه ، ضرورة أنّ كلّ فرد منهم مكلّف بتصديق مدّعي النبوّة ، فلابدّ أن تتحقّق المعرفة ـ معرفة الاعجاز ـ بالإضافة إلى كلّ واحد منهم ، مع أنّه من المعلوم أنّ معرفة بلاغة القرآن تختصّ ببعض البشر ولا تعمّ الجميع ، من دون فرق في ذلك بين زمان النزول وسائر الأزمنة إلى يوم القيامة ، فكيف يكون القرآن معجزاً بالإضافة إلى جميع البشر ، ويكون الغرض منه هداية الناس من الظلمات إلى النور كما بيّنه نفسه.

والجواب:

عن ذلك: أنّه لا يشترط في المعجز أن يدرك اعجازه الجميع ، بل المعتبر فيه هو ثبوت المعجز عندهم ، بحيث لا يبقى لهم ارتياب في ذلك ، وأنّه قد أتى النبيّ بما يعجز الناس عن الإتيان بمثله ، وإن لم يكن حاضراً عن الإتيان به ، أو لم يكن ممّن يحتمل في حقّه الإتيان بالمثل ، لعدم اطّلاعه على اللغة العربية ، أو لقصور معرفة

ــ[105]ــ

بخصائصها ، فإذا ثبت لنا بالنقل القطعي تحقّق الانشقاق للقمر بيد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تتمّ الحجّة علينا عقلاً ، وإن لم نكن حاضرين عند تحقّقه ، مشاهدين ذلك بأبصارنا وكذا إذا ثبت إخضرار الشجر بأمره ، أو تكلّم الحجر بإشارته.

وفي المقام نقول: بعدما لاحظنا أنّ القرآن نزل في محيط بلغت البلاغة فيه الغاية القصوى ، والعناية بالفصاحة وشؤونها الدرجة العليا ، بحيث لم يروا لغيرها قدراً ، ولا رتّبوا عليه فضيلة وأجراً ، ولعلّ السرّ في ذلك واقعاً هو أنّه عند نزول القرآن لا يكاد يبقى مجال للارتياب في تفوّقه ، واتّصافه بأنّه السلطان والحاكم في الدولة الأدبيّة ، والحكومة العلميّة ، وبعد ملاحظة أنّ القرآن تحدّاهم إلى الإتيان بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة مثله ، ولم يقع في جواب ذلك النداء إلاّ إظهار العجز ، والاعتراف بالقصور ، ولذا اختاروا المبارزة بالسنان على المعارضة بالبيان ، ورجّحوا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف ، وآثروا بذل الأبدان على القلم واللسان ، مع أنّه كان من الجدير للعرب إذا كان ذلك في مقدرتهم أن يجيبوه ، ويقطعوا حجّته ويأتوا ولو بسورة واحدة مثل القرآن في البلاغة ، فيستريحوا بذلك عن تحمّل مشاق كثيرة ، وإقامة حروب مهلكة ، وبذل أموال خطيرة ، وتفدية نفوس محرّمة ، ولكنّهم ـ مع أنّه كان فيهم الفصحاء النابغون والبلغاء المتبحِّرون ـ خضعوا عند بلاغة القرآن ، وأذعنوا بقصورهم ، بل قصور من لم يكن له ارتباط إلى مبدأ الوحي ، ومنبع الكمال من جميع أفراد البشر ، فعند ملاحظتنا ذلك تتمّ الحجّة علينا عقلاً ، وإن لم نكن من تلك الطبقة النابغة في الفصاحة ، والجماعة الممتازة في الفصاحة بل وإن لم نكن عارفين باللغة العربية أصلاً ، كما هو واضح من أن يخفى.

2 ـ منها: انّ القرآن مع أنّه قد وصف نفسه بعدم وجود الاختلاف فيه ، وعدم

ــ[106]ــ

اشتماله على المناقضة بوجه ـ ولابدّ من أن يكون كذلك ـ فإنّ الاختلاف لا يناسب مع كونه من عند الله ، الذي لا يغيب عنه شيء ، والمناقضة لا تلائم مع كونه من عند من هو عالم بكلّ شيء ـ قد وقعت فيه المناقضة في موردين:

أحدهما: قوله تعالى في سورة آل عمران 41:

}قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزاً{.

فإنّه يتناقض مع قوله تعالى في سورة مريم 10:

}قال آيتك ألا تكلّم الناس ثلاث ليال سويّاً{.

والجواب:

عن هذه الشبهة واضح ، فإنّ لفظ «اليوم» قد يستعمل ويراد منه اليوم في مقابل الليل ، وقد يطلق ويراد به المجموع منهما ، وكذلك لفظ «الليل» فإنّه أيضاً قد يطلق ويراد به ما يقابل اليوم ، وقد يستعمل ويراد منه المجموع من اليوم والليلة ، ولا يختصّ هذا الإطلاق والاستعمال بالكتاب العزيز ، بل هو استعمال شائع في العرب ، بل لا ينحصر بتلك اللغة ، فإنّ ما يرادف اليوم في الفارسيّة ـ مثلاًـ قد يطلق ويراد به بياض النهار ، وقد يطلق ويراد به المجموع منه ومن مدّة مغيب الشمس وإشراقها على القارّة الاُخرى ، وكذلك ما يرادف الليل.

ومن الموارد التي استعمل فيها لفظ «اليوم» وكذا «الليلة» واُريد بكلّ واحد ما يقابل الآخر ما جمع فيه بين اللّفظين ، كما في قوله تعالى في سورة الحاقّة 7:

}سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوماً{.

وممّا استعمل فيه لفظ اليوم واُريد به المجموع قوله تعالى في سورة هود 56: }تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام{ وكذا الآية المبحوث عنها في المقام المشتملة على لفظ

ــ[107]ــ

«اليوم».

وممّا استعمل فيه لفظ الليل واُريد به المجموع قوله تعالى في سورة البقرة 51: }وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة{ وكذا الآية المبحوث عنها في المقام المشتملة على كلمة «الليل».

فانقدح أنّه لا منافاة بين الآيتين ، ولا مناقضة بين الكريمتين ، فلا موقع للشبهة في البين.

ثانيهما: أنّ الكتاب كثيراً ما يسند الفعل إلى العبد واختياره ، فيدلّ ذلك على عدم كونه مجبوراً في أفعاله ، وقد يسنده إلى الله تبارك وتعالى وهذا ظاهر في أنّ العبد مجبور في أفعاله ، وأنّه ليس له اختيار إلاّ اختياره تعالى.

فمن الأوّل: قوله تعالى في سورة الكهف 29: }فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر{ وقوله تعالى في سورة الإنسان 3: }انّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً{.

ومن الثاني: قوله تعالى في سورة الإنسان ـ 3: }وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله {قالوا: وهذا تناقض صريح وتهافت محض.

والجواب:

أمّا كون الإنسان مختاراً في أفعاله الاختياريّة ، غير مجبور بالإضافة إليها ، قادراً على الفعل والترك فمّما يدركه الإنسان بالفطرة السليمة ، ولا يشكّ فيه عند استقامتها ، وعدم الانحراف عنها ، وهذا الأمر ـ أي كون العبد مختاراً غير مجبور ـ ممّا أطبق عليه العقلاء كافّة ، وبنوا عليه اُموراً كثيرة ، فإنّ القوانين الوضعية عندهم لغرض التنفيذ والموافقة لا يكاد يمكن فرض صحّتها وواجديتها للشرائط المعتبرة

ــ[108]ــ

في التقنين إلاّ مع مفروغيّة اختيار الإنسان في أفعاله وأعماله ، ضرورة أنّه لا معنى لسنّ القانون بالإضافة إلى غير المختار ، فإنّ القانون إنّما يكون الغرض منه الانبعاث والموافقة ، وهو لا يعقل تحقّقه بدون الإرادة والإختيار.

وكذا الأوامر والنواهي الصادرة من الموالي العرفيّة بالنسبة إلى عبيدهم ، إنّما تتفرّع على كون اتّصاف العبيد بالقدرة والاختيار أمراً ضروريّاً عند العقلاء ، ولا ارتياب فيه عندهم أصلاً.

وكذا التحسين والتقبيح العقلائيّان اللّذان هما من الموضوعات المسلّمة عند العقلاء ، والأحكام الضروريّة لديهم ، إنّما يتفرّعان على هذا الأمر الذي ذكرناه ، بداهة أنّه لا وجه لاتّصاف العمل غير الاختياري بالحسن أو القبح ، ومن عدم الاتصاف لا يبقى موقع للمدح أو الذمّ.

وبالجملة: لا ينبغي الارتياب في أنّ اتّصاف الإنسان بالاختيار في أفعاله الإرادية وصحّة اسنادها إليه ـ لأنّه فاعل مختار ـ من الاُمور البديهيّة عند العقلاء ، الذين هم الحكّام في باب التقنين ، وجعل الأحكام ، وما يتفرّع عليه من الإطاعة والعصيان واستحقاق المدح أو الذمّ ، والجنان أو النيران ، وما هو بمنزلتهما من المثوبات والعقوبات الدنيويّة.

ومع قطع النظر عن جميع ما ذكرنا أنّ العاقل يرى الفرق الواضح بين حركة يد المرتعش ، والحركة الاختيارية الصادرة من غيره ، ولا يرتاب في المغايرة البيّنة بين سقوط الإنسان من شاهق إلى الأرض قهراً ، وبين إسقاطه نفسه منه إليه اختياراً ، فيرى أنّه مختار في الثانية دون الاُولى ، ويستحقّ الذمّ فيها دونها.

فانقدح أنّ اتّصاف الإنسان بالاختيار ـ الذي هو المصحّح لاسناد الأفعال

ــ[109]ــ

الاختيارية الصادرة منه إليه ـ ممّا لا ريب فيه عند العقل والعقلاء ، ولا شكّ فيه عند الوجدان أصلاً.

وأمّا صحّة إسناد هذه الأفعال ـ التي تسند إلى الإنسان حقيقة ـ إلى الله تبارك وتعالى بالاسناد الخالي عن العناية والمسامحة ، فلأنّ واجب الوجود لم ينعزل عن خلقه بعد الإيجاد ، لما ثبت في محلّه ـ من العلم الأعلى ـ من أنّ الممكن كما يفتقر في حدوث وجوده ، وتلبّسه بلباس الوجود إلى العلّة ، كذلك يحتاج في البقاء والاستمرار إليها ، لأنّ الافتقار والحاجة من لوازم ذات الممكن وماهيّته ، قال الله تبارك وتعالى في سورة فاطر 15:

}يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد{.

وقال الشاعر الفارسي:

سيه روئى ز ممكن در دو عالم جدا هر گز نشد و الله أعلم

فمثل الموجودات الممكنة إلى خالقها وبارئها ليس كمثل البناء والكتاب إلى البنّاء والكاتب ـ حيث لا حاجة في بقائهما إلى بقاء صانعهما ـ أو مثل الولد إلى والده ـ حيث يستغني الولد في بقائه عن بقاء والده ـ بل مثلها إليه تبارك وتعالى مثل شعاع الشمس ونورها إليها ، فإنّه يحتاج إليها حدوثاً وبقاءً ، كما أنّ نور الوجود لا يعقل بقاؤه بدون علّته الواجبة ، وكذا مثل الضوء بالإضافة إلى القوّة الكهربائية المؤثِّرة في إيجاده ، فإنّه لا يزال يفتقر في بقائه إلى الاستمداد من تلك القوّة ، كما أنّه كان في حدوثه محتاجاً إلى اتّصال سلكه بمصدر تلك القوّة.

وبالجملة: من البديهيّات الواضحة الثابتة في العلم الأعلى ، أنّ الممكن ـ كما أنّه يحتاج حدوثاً إلى إفاضة الوجود عليه من المبدع الأوّل ـ كذلك يفتقر في بقائه

ــ[110]ــ

إلى الاستمداد منه واتّصاله بالمبدأ الأعلى ، بل قد ثبت في ذلك العلم أنّ الممكن ليس شيئاً له الارتباط الذي مرجعه إلى وصف زائد على حقيقته ، بل ذاته عين الربط وحقيقته محض الاتّصال ، فكيف يعقل ـ حينئذ ـ غناؤه وخلوّه عن الربط الذي هو ذاته وحقيقته؟!.

إذا عرفت ذلك; يظهر لك صحّة إسناد الأفعال الاختيارية الصادرة من الممكنات إلى خالقها أيضاً ، ضرورة أنّه من جملة مبادئ الفعل الاختياري ، الذي هو الركن العظيم في صدوره وتحقّقه ، هو نفس وجود الفاعل بداهة أنّه مع عدمه لا يعقل صدور فعل اختياري منه ، فوجوده أوّل المبادئ ، وأساس المقدّمات.

ومن المعلوم أنّ هذه المقدّمة خارج عن دائرة قدرة الفاعل واختيار الإنسان ضرورة أنّه يكون باختيار العلّة المؤثِّرة التي يحتاج إليها الإنسان ـ حدوثاً وبقاءًـ فالفعل الاختياري الصادر من الإنسان بما أنّ بعض مباديه خارج عن تحت قدرته واختياره ، بل يكون باختيار العلّة الموجدة يصحّ إسناده إليها.

وبما أنّ بعض مباديه كالإرادة الحاصلة بخلاّقيّة النفس وإفاضتها ـ التي هي أيضاً عناية من العلّة صاحبة المشيئة والإرادة ، وإفاضة حاصلة من ناحيتها ، وعطيّة واصلة من جانبها ومظهر للخلاّقيّة الموجودة فيها ـ باختياره وإرادته يصحّ اسناده إلى نفسه ، ضرورة أنّ صحّة الاسناد لا تلازم الاستقلال فإنّ مرجع وصف الاستقلال ـ بمعناه الحقيقي ـ إلى أن يكون سدّ جميع الاعدام الممكنة ، حتّى العدم الجائي من قبل عدم الفاعل باختياره وإرادته ، مع انّا فرضنا عدم ثبوت الاستقلال بهذا المعنى ، لأنّ وجود الفاعل ـ الذي قد عرفت أنّه الركن العظيم في صدور الفعل الاختياري ـ خارج عن حريم اختياره ، لكن هذا الأمر ينافي الاستقلال ، لا صحّة

ــ[111]ــ

الاسناد إلى الفاعل المختار.

والظاهر: وقوع الخلط بين هذين العنوانين بحيث توهّم أنّ صحّة الاسناد إلى الفاعل ملازمة لاختصاص الاسناد به ، الذي مرجعه إلى استقلاله في صدور الفعل ، مع أنّ الغرض مجرّد صحّة الاسناد بنحو الحقيقة.

وبعبارة اُخرى: المقصود إثبات الاسناد إليه فقط ، لا نفي اسناده إلى غيره أيضاً.

فانقدح ممّا ذكرنا أنّ الفعل الاختياري الصادر عن الإنسان ، كما أنّه منسوب إلى فاعله ومريده ، كذلك منسوب إلى الواجب الذي هي العلّة الموجدة للفاعل ، وهو يحتاج إليها حدوثاً وبقاءً ، وهذا هو الأمر بين الأمرين ، والطريقة الوسطى المأخوذة من إرشادات أهل البيت ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ والأمران هما التفويض الذي مرجعه إلى استقلال الممكن في أفعاله ، والقائل به أخرج من الممكن عن حدّه إلى حدّ الواجب بالذات فهو مشرك ، والجبر الذي مرجعه إلى سلب التأثير عن الممكن ومزاولته تعالى للأفعال والآثار مباشرة من دون واسطة والقائل به حطّ الواجب عن علوّ مقامه إلى حدود الممكن ، فهو كافر ، ولقد سمّى مولانا الرضا ـ عليه آلاف التحيّة والثناء ـ على رواية الصدوق في العيون ـ القائل بالجبر كافراً ، والقائل بالتفويض مشركاً.

واذن فلا محيص عن القول بالأمر بين الأمرين الذي هو الطريقة الوسطى لمن كان على دين الإسلام الحنيف ، وإليه يرشد قول الله تبارك وتعالى في بعض المواضع من كتابه العزيز كقوله في سورة الأنفال 17: }وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى {فأثبت الرمي من حيث نفاه ، ومرجعه إلى صدور الرمي اختياراً من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

ــ[112]ــ

وعدم استقلاله في ذلك.

وكقوله تعالى في الآية التي هي محلّ البحث:

}وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله{ فإنّ مفادها ثبوت المشيّة لله من حيث كونها لهم ، فمشيّة الممكن ظهور مشيّة الله ، وعين الارتباط والتعلّق بها ، وبذلك ظهر الجواب عن إشكال المناقضة المتقدّم ، ولكن لتوضيح ما ذكرنا ينبغي إيراد أمثلة فنقول:

منها: انّ الأفعال الصادرة من الإنسان بسبب اليد والرجل والسمع والبصر وغيرها من الأعضاء تصحّ نسبتها إلى نفس تلك الأعضاء ، فيقال: رأت العين وسمعت الاُذن ، وضربت اليد ، وتحرّكت الرجل مثلاً ، وأيضاً تصحّ نسبتها إلى النفس الإنسانيّة التي هي المنشأ لصدور كلّ فعل وهي التي يعبَّر عنها بـ «أنا» فيقال: رأيت وسمعت ، وضربت ، وتحرّكت ونحوها ، ومثل الموجودات الممكنة إلى باريها وخالقها ـ والمثال يقرب من وجه ـ مثل تلك الأعضاء إلى النفس.

ومنها: النور الحاصل في الجدار ، المنعكس من المرآة الواقعة في محاذاة الشمس وإشراقها ، فإنّ هذا النور كما أنّه يرتبط بالشمس ـ لأنّ المرآة ليس لها بذاتها نور ، لعدم نور لها كذلك ليس من الشمس المطلق أي من دون وسط وقيد ، بل هو نور شمس المرآة فيصحّ انتسابه إلى كلّ واحد منهما ، لدخالته في تحقّقه ، وارتباطه بكلّ واحد.

ومنها: ما فرضه بعض الأعلام من أنّه لو كان إنسان يده شلاّء لا يستطيع تحريكها بنفسه ، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادة وقتيّة بواسطة قوّة الكهرباء ، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك المشتمل على تلك القوّة ،

ــ[113]ــ

وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده ومباشرة الأعمال بها فلا شبهة في أنّ هذا التحريك من الأمر بين الأمرين ، لأنّه لا يكون مستنداً إلى الرجل مستقلاًّ ، لعدم القدرة عليه بدون إيصال القوّة إلى يده ، ولا يكون مستنداً إلى الطبيب مستقلاًّ ، لأنّ صدوره كان من الرجل بإرادته واختياره ، فالفاعل لم يجبر على فعله لأنّه مريد له ، ولم يفوّض إليه الفعل بجميع مباديه ، لأنّ المدد من غيره ، والأفعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلّها من هذا القبيل.

وقد انقدح ـ بحمد الله ـ ممّا ذكرنا مع إجماله واختصاره بطلان مسلكي الجبر والتفويض ، وانّ غاية ما يقتضيه التحقيق الفلسفي هو ما أرشدنا إليه الأئمّة المعصومون ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ من ثبوت الأمر بين الأمرين ، وصحّة اسناد الأفعال الاختيارية إلى الإنسان وإلى موجده ، والملاك في صحّة توجّه التكليف ، وترتّب المثوبة والعقوبة على الإطاعة والمعصية هو هذا المقدار ، وهو صحّة الاسناد حقيقة من دون أن يكون الاستقلال أيضاً معتبراً فيه ، ضرورة أنّ المناط هو صدور الفعل اختياراً ، ووجوده مسبوقاً بالإرادة بمباديها ، وهو موجود.

ويرشد إلى ما ذكرنا الجملة المعروفة: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله» فإنّها تفيد أنّ الحول ولاقوّة على إيجاد الأفعال إنّما ينتهي إلى الله ، ويستمدّ منه ، ولا يمكن أن يتحقّق مع قطع النظر عن الله والارتباط إليه ، فالحول والقوّة المصحّح لإيجاد الفعل ، والاقتداء عليه موجود ، ولكن الأساس هو الاتّصال به تعالى ، وهذا كما إذا كان إنساناً عاجزاً عن إيجاد فعل وأقدره الآخر عليه ، فأوجده بإرادته واختياره ، كما إذا كان الفعل متوقّفاً على صرف مال ، وهو لا يكون متمكِّناً منه بوجه ، فبذل الآخر إيّاه ذلك المال ، فقدر على إيجاده فأوجده ، فإنّه مع كون الفعل صادراً بإرادة

ــ[114]ــ

الفاعل واختياره لا مجال لإنكار كون القدرة على إيجاده ناشئة من صاحب المال الباذل له إيّاه ، ومع ذلك لا يكون التحسين والتقبيح متوجّهاً إليه أصلاً ، لأنّ الملاك فيها هو صدور العمل الحسن أو القبيح بالمباشرة ، ولا يتعدّى عن الفاعل بالإرادة إلى غيره ممّن كان دخيلاً في صدور الفعل ، وتحقّق القدرة عليه إلاّ إذا انطبق عليه عنوان مباشري ، كالإعانة على الإثم ، أو على البرّ والتقوى ، فيصير ذلك العنوان لأجل كونه مباشريّاً ، موجباً لتوجّه التحسين أو التقبيح إليه ، فتأمّل جيّداً.

3 ـ ومنها: أي من الشبهات المتعلّقة بإعجاز القرآن: انّ عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن لا دلالة فيه على كونه معجزاً مرتبطاً بمبدأ الوحي ، خارقاً للعادة البشريّة والنواميس الطبيعيّة ، فإنّ مثل كتاب «اقليدس» وكتاب الشاعر والأديب الفارسي المعروف: «سعدي» يكون البشر عاجزاً عن الإتيان بمثله ، فلا محيص ـ حينئذ ـ عن اتّصافه بكونه معجزاً ، لعدم الفرق بينه وبين القرآن ، فلا وجه لاتصافه بكونه كذلك ، كما هو ظاهر.

والجواب:

انّا قد ذكرنا في بحث حقيقة المعجزة: انّ للمعجز الاصطلاحي شروطاً متعدّدة ، وكثير منها مفقود في مثل الكتابين المذكورين ، فانّا قد حقّقنا فيما تقدّم انّه يعتبر في المعجز أن يكون مقروناً بدعوى منصب إلهي ، وأن يكون الإتيان به في مقام التحدّي الراجع إلى دعوة الناس إلى الإتيان بالمثل ، نظراً إلى أنّ توصيف البشر بالعجز الذي هو من النقائص التي يتنفّر عن الاتّصاف بها ، وينزجر عن الاقتران به يوجب صرف جميع ما باختيارهم من القوى والإمكانات في الإتيان بالمثل ، لرفع هذه النقيصة وإبطال هذه التّهمة ، مضافاً إلى أنّ البشر يأبى بالطبع عن

ــ[115]ــ

أن يلقى طوق إطاعة الغير ، الذي هو من جنسه على عنقه وأن يعتقد بتفوّقه عليه ، ولزوم إطاعته له ، فيسعى في إبطال دعوى المدّعى لذلك إذا كان الإبطال في مقدرته وإمكانه.

وكذا ذكرنا فيما تقدّم: انّه يعتبر في المعجز أن يكون خارجاً عن نواميس الطبيعة ، وخارقاً للعادة البشريّة ، ومن المعلوم عدم ثبوت هذه الاُمور في الكتابين وأمثالهما ، امّا عدم ثبوت الأمرين الأوّلين فواضح ، ضرورة عدم ثبوت دعوى منصب إلهي ، وعدم وقوع التحدّي بالإضافة إلى الكتابين ، وامّا عدم ثبوت الأمر الأخير فلأنّ الإتيان بمثل الكتابين لا يكون بممتنع عادةً أصلاً ، خصوصاً لو اُريد الامتناع ولو اجتمع أزيد من واحد ، كما هو ظاهر.

4 ـ ومنها: أنّ ما نراه ونقطع به هو أنّ العرب لم تعارض القرآن ، ولم تأت بما هو مثله ولو سورة منه ، إلاّ انّه لم يعلم أنّ عدم الإتيان كان مسبّباً عن عدم القدرة ، وعدم الاستطاعة على الإتيان بمثله حتّى يتّصف القرآن معه بالإعجاز ، فلعلّ عدم الإتيان كان معلولاً لجهات اُخرى لا تعود إلى الإعجاز ، ولا ترتبط به ، بل الاعتبار والتاريخ يساعدان ذلك نظراً إلى أنّ العرب الذين كانوا معاصرين للدعوة ، أو متأخّرين منها بقليل ، فلقد كانت تمنعهم عن التصدّي لذلك ، والورود في هذا المجال الخوف الناشئ من سيطرة المسلمين واقتدارهم ، المانع عن تجرّي العرب على القيام بمعارضة القرآن الذي هو الأساس في الإسلام ، وصدق النبوّة ، وبعد انقراض الخلفاء الأربعة وتصدّي الأمويّين للزعامة الإسلامية صار القرآن مأنوساً لجميع الأذهان ، راسخاً في القلوب ، ولم يبق معه للقيام بالمعارضة مجال.

والجواب:

ــ[116]ــ

انّ عدم الإتيان بمثل القرآن في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحياته لا يتصوّر له وجه ، ولا يعقل له سبب غير العجز وفقدان القدرة من دون فرق بين الزمان الذي كان في مكّة المكرّمة والزمان الذي أقام(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة المشرّفة.

أمّا البرهة الاُولى ـ مع وقوع التحدّي فيها ـ فواضح من أنّه لم يظهر للإسلام في تلك البرهة شوكة ، ولا للمسلمين مع قلّة عددهم اقتدار وسيطرة ، بل كان الخوف ثابتاً لهم عمّا يشهد به التاريخ ويساعده الاعتبار ، فما الذي منع الكفّار من العرب في هذه البرهة من الزمن عن الإتيان بمثل القرآن ، مع أنّهم تشبّثوا بكلّ طريق إلى إطفاء نور النبوّه ، وإرضاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) برفع اليد عن الدعوة ، والإغماض عن الكلمة ، ولو بتفويضهم إليه الزعامة والحكومة ، وتمكينه من الأموال والثروة ، والأبكار من النساء الجميلات ، ومن المعلوم أنّه لو كان فيهم من يقدر على الإتيان بسورة مثل القرآن لما احتاجوا إلى الخضوع في مقابله بمثل ذلك الخضوع ، الكاشف عن الاضطرار والعجز الذي يتنفّر كلّ إنسان بطبعه عن الاتّصاف به.

ويدلّ على ما ذكرنا ما قاله الوليد بن المغيرة حينما سأله أبو جهل ، وأصرَّ عليه أن يقول في القرآن قولاً ممّا هذا لفظه المحكيّ: «فما أقول فيه فوالله ما منكم رجل أعلم في الأشعار منّي ، ولا أعلم برجزه منّي ، ولا بقصيدته ، ولا بأشعار الجنّ ، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا ، والله انّ لقوله لحلاوة ، وانّه ليحطّم ما تحته ، وانّه ليعلو ولا يُعلى عليه» قال أبو جهل: والله لا يرضى قومك حتّى تقول فيه ، قال الوليد: فدعني حتّى أفكّر فيه ، فلمّا فكّر قال: «هذا سحر يؤثره من غيره».

اُنظر إلى هذا الاعتراف الصادر عمّن يدّعي الأعلميّة في الجهات الأدبيّة ، الراجعة إلى الفصاحة والبلاغة ، ويصدّقه فيه المخاطب ، ولأجله تشبّث به ، ورجع

ــ[117]ــ

إليه ، وأصرّ عليه أن يقول في القرآن قولاً ، فمع مثل هذا الاعتراف هل يتوهّم عاقل أن تكون العلّشه لعدم الإتيان بمثل القرآن غير العجز ، وعدم القدرة ، خصوصاً مع تصريحه بأنّه يحطّم ما تحته ، وانّه يعلو ولا يُعلى عليه.

وامّا البرهة الثانية التي كان الرسول فيها مقيماً بالمدينة المشرّفة فالدليل على عجزهم عن الإتيان بما يماثل القرآن في تلك البرهة ما أشرنا إليه من اختيارهم المبارزة بالسنان ، والمقابلة بالسيوف على المعارضة بالبيان ، والمقابلة بالحروف ، مع أنّه ليس من شأن العاقل ـ مع القدرة والاستطاعة ـ على إسقاط دعوى المدّعي والتحفّظ على عقيدته ومرامه ، وصون جاهه ومقامه ، من طريق البيان ، وتلفيق الحروف ، وتأليف الكلمات أن يدخل من باب المحاربة ، ويعدّ نفسه للمنازعة المستلزمة للخطر والمهلكة ، وصرف أموال كثيرة ، وتحمّل مشاق غير عديدة. وإذن فالدليل الظاهر على عجزهم في تلك المدّة وقوع الغزوات الكثيرة بينهم وبين المسلمين!.

وأمّا بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وزمن الخلفاء ، وسيطرة المسلمين فقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها ، وكانوا لا يخافون من إظهار مرامهم ، وإنكارهم لدين الإسلام ، وعدم اعتقادهم به ، فكيف يحتمل خوفهم من الإتيان بما يعارض القرآن ويماثله ، لو كانوا قادرين على ذلك.

وأمّا ما ذكره المتوهّم أخيراً من أنّه بعد انقراض عهد الخلفاء الأربعة ، ووصول النوبة إلى الأمويّين صار القرآن مأنوساً لجميع أذهان المسلمين ، بحيث لم يبق مجال لمعارضته بعد رسوخه وتكرّره.

فالجواب عنه: أنّ مقتضى الطباع البشرية أن يكون التكرار للكلام وإن بلغ ما

ــ[118]ــ

بلغ من البلاغة وارتفع مقامه من الفصاحة ـ موجباً لنزوله وهبوطه عن ذلك المقام المرتفع ، بحيث ربما يبلغ إلى حدّ التنفّر والاشمئزاز ، هذا لا يختصّ بالكلام ، بل يجري في جميع ما يوجب التذاذ الإنسان من المحسوسات ، فإنّ اللّذة الحاصلة منها في الإدراك الأوّل لا ينبغي أن تقاس مع ما يحصل منها في الثاني والثالث ، وهكذا بل تنقص في كلّ مرّة إلى حدّ تبلغ العدم ، بل تتبدّل إلى الضدّ.

وأمّا القرآن فلو لم يكن معجزاً صادراً من مبدأ الوحي ، ومعدن العلم لكان اللاّزم جريان ما لسائر الكلمات فيه أيضاً ، مع أنّا نرى بالوجدان أنّ القرآن على كثرة تكراره وترديده لا يزداد إلاّ حسناً وبهجة ، ويحصل للإنسان من العرفان واليقين والايمان والتصديق واللذّة الروحانيّة ما لم يكن يحصل له من قبل.

قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف القرآن وشأنه: «فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فإنّه شافع مشفع ، وماحل مصدق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، مصابيح الهدى ومنار الحكمة ، ودليل على المغفرة لمن عرف الصفة ، فليجل جالي بصره ، وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ، ويتخلّص من نشب ، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص».

ولعمري انّ هذا لا يفتقر إلى توصيف من النبيّ والأئمّة المعصومين ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ بل نفس الملاحظة الخالية عن التعصّب والعناد تهدي

ــ[119]ــ

الباحث المنصف إلى ذلك ، من دون حاجة إلى البيان ، وتوضيح وتبيان.

كما أنّ الإنصاف أنّ هذا وجه مستقلّ من وجوه إعجاز القرآن ، فإنّ الكلام الآدمي ولو وصل إلى مراتب الفصاحة والبلاغة يكون تكرّره موجباً لنزوله وسقوطه وهبوطه عن تلك المرتبة ، وأمّا القرآن فكما يشهد به الوجدان لا يؤثِّر فيه التكرار إلاّ التذاذاً ، ولا يوجب ترديده إلاّ بهجة وحسناً ، وليس ذلك إلاّ لأجل كونه كلام الله النازل لهداية البشر إلى يوم القيامة ، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، فنفس هذه الجهة ينبغي أن تعدّ من وجوه الإعجاز ، كما لا يخفى.

5 ـ ومنها: انّ اسلوب القرآن يغاير اسلوب الكتب البليغة المعروفة ، لأنّه قد وقع فيه الخلط بين المواضيع المتعدّدة ، والمطالب المتنوّعة فبينا هو يتكلّم في اُصول العقائد والمعارف الحقّة إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد ، أو إلى الحكم والأمثال ، أو إلى بيان بعض الأحكام الفرعيّة ، وهكذا ، كما أنّه في أثناء نقل التاريخ مثلاً ينتقل إلى المعارف ، ولو كان القرآن مشتملاً على أبواب وفصول وكان كلّ باب متعرّضاً لجهة خاصّة وناحية معيّنة لكانت الفائدة أعظم والاستفادة أسهل ، ضرورة إنّ المراجع إليه لغرض المعارف فقط يلاحظ الباب المخصوص به ، والفصل المعقود له ، والناظر فيه لغرض الأحكام لم يكن متحيّراً ، بل كان يراجع إلى خصوص ما عقد له من الفصل أو الباب ، وهكذا.

ففي الحقيقة انّ القرآن مع اسلوبه الموجود المغاير لأسلوب الكتب المنظّمة المشتملة على فصول متعدّدة حسب تعدّد مطالبها ، وأبواب متنوّعة حسب تنوّع أغراضها وإن لم يكن البشر العادي قادراً على الإتيان بمثله والقيام بمعارضته إلاّ أنّه مع ذلك لا يكون حائزاً للمرتبة العليا من البلاغة ، والدرجة القصوى من المتانة

ــ[120]ــ

والتنسيق لعدم كونه مبوّباً كما عرفت.

والجواب:

انّه لابدّ من ملاحظة أنّ الغرض الأصلي من القرآن ونزوله ماذا؟ فنقول: ممّا لا يرتاب فيه كلّ باحث وناظر أنّ القرآن اُنزل لهداية البشر ، وسوقهم إلى السعادة في الدارين ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، قال الله تبارك وتعالى في سورة إبراهيم 1:

}كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور{.

وليس هو كتاب فقه ، أو تاريخ ، أو أخلاق ، أو كلام ، أو فلسفة ، أو نحوها ومن المعلوم انّ الاسلوب الموجود أقرب إلى حصول ذلك الغرض من التبويب ، وجعل كلّ من تلك المطالب في باب مستقلّ ، فإنّ الناظر في القرآن ـ مع الوصف الفعلي ـ يطلع عى كثير من أغراضه ، ويحيط بجلّ من مطالبه الدخيلة في حصول الغرض المقصود في زمان قصير ، فبينما يتوجّه إلى المبدأ والمعاد ـ مثلاً ـ يطّلع على أحوال الماضين المذكورة للتأييد والاستشهاد ، ويستفيد من أخلاقه ، وتقع عينه على جانب من أحكامه ، كلّ ذلك في وقت قليل ، ففي الحقيقة يقرب قدماً بل أقداماً إلى ذلك الهدف ، ويرتقي درجة إلى تلك الغاية فهو ـ أي القرآن ـ كالخطيب الذي يكون الغرض من خطابته دعوة المستمعين وهدايتهم ، وسوقهم إلى السعادة المطلوبة في الدنيا والآخرة ، فإنّه يفتقر في الوصول إلى غرضه إلى الخلط بين المطالب المتنوّعة ، وايراد فنون متعدّدة ، لئلاّ يملّ المستمع أوّلاً ، ويقع في طريق السعادة من جهة تأييد المطلب بقصّة تاريخية ، أو حِكَم أخلاقية ، أو مثلهما ثانياً.

فانقدح انّ الاسلوب الموجود إحدى الجهات المحسنة ، والفضائل المختصّة

ــ[121]ــ

بالقرآن الكريم ، ولا يوجد مثله في كتاب ، والسرّ فيه ما عرفت من امتيازه من حيث الغرض ، وخصوصيّته من جهة المقصود ، الذي يكون اسلوبه هذا أقرب إلى الوصول إليه.

6 ـ ومنها: انّه قد مرّ في بيان حقيقة المعجزة ، والاُمور المعتبرة في تحقّقها أنّ من جملتها السلامة من المعارضة ، وهذا الأمر لم يحرز في القرآن ، فإنّه من الممكن أنّه كان مبتلى بالمعارضة ، وانّه قد أتى بما يماثل القرآن ، وقد اختفى علينا ذلك المماثل ، ولعلَّ سيطرة المسلمين واقتدارهم اقتضت خفاءه وفناءه ولولا ذلك لكان إلى الآن ظاهراً.

والجواب عنه:

أمّا أوّلاً: فقد أثبتنا في مقام الجواب عن بعض الشبهات السابقة عجزهم ، وعدم اقتدارهم على الإتيان بمثل القرآن ، ومعلوم انّه مع ثبوت عجزهم لا يبقى موقع لهذا الوهم ، لأنّه يتفرّع على عدم الثبوت ، كما هو واضح.

وامّا ثانياً: فالدليل على عدم الإتيان بالمعارض ، انّ المعارضة لو كانت حاصلة لكانت واضحة ظاهرة ، غير قابلة للاختفاء ، ولو طال الزمان كثيراً ، ضرورة انّ المخالفين لهذا الدين القويم ، والمعاندين لهذه الشريعة المستقيمة ، كانوا من أوّل اليوم كثيرين ـ كثرة عظيمة ـ وكانوا مترصّدين لما يوجب ضعف الدين ، وسلب القوّة عن المسلمين ، فلو كانت المعارضة ولو بسورة واحدة مثل القرآن موجودة لكانت تلك لهم حجّة قويّة ، ليس فوقها حجّة ، وسلاحاً مؤثّراً ليس فوقه سلاح ، وسيفاً قاطعاً لا يتصوّر أقطع منه ، فكيف يمكن أن يرفعوا أيديهم عن مثل ذلك ، بل المناسبة تقتضي شهرتها ، وظهورها بحيث لا يخفى على أحد.

ــ[122]ــ

مع أنّه لم يكن ـ حينئذ ـ وجه لبقاء المسلمين على إسلامهم ، فإنّهم لم يكونوا ليتديّنوا بالدين الحنيف تعبّداً ، ولم يخضعوا دون النبي الصادع للشرع تعصّباً ، بل كان ذلك لاجتماع شروط المعجزة في القرآن الكريم ، وعدم اقتدار أحد على المعارضة مع الكتاب المجيد ، كما هو ظاهر.

فانقدح: انّ المعارض لو كان لبان ، ولم يبق تحت سترة الخفاء والكمون ، فاحتمال وجود المانع عن تحقّق الإعجاز ممّا لا يتحقّق من الباحث غير المتعصّب ، والطالب غير العنود أصلاً.

7 ـ ومنها: انّ التاريخ قد ضبط جماعة تصدّوا الإتيان بما يماثل القرآن ، وأتوا بسورة أو أزيد ، بل بكتاب يزعمون أنّه لا فرق بينه وبين الفرقان ، ولعلّ ملاحظة ظاهره تقضي بصحّة ما يقولون ، واذن فلا يبقى موقع لاتّصاف القرآن بالإعجاز ، لوجود المعارض ، بل المعارضات المتعدّدة. وقد مرّ أنّ من شروط الإعجاز سلامة المعجزة عن المعارضة.

والجواب:

انّه لابدّ من ملاحظة حالات تلك الجماعة ، وخصوصيات حياتهم ، والنظر فيما أتوا به ـ بعنوان المماثلة ـ ليظهر الحال ، وانّ ما أتي به هل كان لائقاً بأن يتّصف بهذا العنوان ، وصالحاً لأن ينطبق عليه المعارضة للقرآن ، أو أنّ ذلك مجرّد تخيّل وحسبان.

فنقول ـ وعلى الله التكلان ـ : إنّ هذه الجماعة القليلة ، والطائفة اليسيرة بين من كانت له داعية النبوّة والسفارة ، وكان كتابه الذي جاء به بعنوان المعجزة وبين من لم يكن له تلك الداعية ، بل كان يزعم انّه يقدر على الإتيان بالمعارض من جهة

ــ[123]ــ

اطّلاعه على الجهات الراجعة إلى البلاغة ، والمميّزات الأدبيّة ، وبين من لم يكن له هذه العقيدة أيضاً ، بل كان له كتاب قد استفاد منه المعاندون ، زعماً منهم انّه في رتبة القرآن ، من حيث البلاغة والفصاحة ، أو اغراءً وإضلالاً من دون زعم واعتقاد.

ولابدّ من النظر في حالاتهم ، وإن كان نفس مخالفة مثل هؤلاء ، وقيامهم في مقام المعارضة ممّا يؤيّد إعجاز القرآن ، ويثبت تفوّقه ووقوعه في المرتبة التي لا تكاد تصل إليها أيدي البشر ، بداهة أنّ الكتاب الذي اعترف بالعجز في مقابله البلغاء المشهورون ، والفصحاء المعروفون ، والاُدباء الممتازون ، وخضع دونه المحقّقون والمتبحِّرون ، تكون مخالفة أمثال تلك الجماعة دليلاً على قصور باعهم ، أو انحرافهم وضلالهم ، وهذا شأن كلّ حقيقة ، وآية كلّ واقعية فإنّ عدم خضوع أفراد قليلة غير ممتازة في مقابلها ، وعدم تسليمهم لها يؤيّد صدقها ، ويدلّ على النقص فيهم ، ولكن مع ذلك لا بأس بالنظر في حالات تلك الجماعة ، وفيما أتوا به بعنوان المعارضة. فنقول:

1 ـ مسيلمة بن حبيب المعروف بالكذّاب:

كان من أهل اليمامة ، وقد ادّعى النبوّة في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في اليمامة في طائفة بني حنيفة ، وكان ذلك بعد تشرّفه بمحضر النبيّ وقبوله للإسلام ، وكان يصانع كلّ أحد ويتألفه ، ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح ، لأنّه لم يكن له غرض إلاّ الزعامة والرئاسة ، وكان يرى انّ ادّعاء النبوّة طريق إلى الوصول إليها ، وإلاّ فليس لها حقيقة وواقعية ، بل هي نوع من الكهانة الرائجة في تلك الأعصار ، ولذا استدعى من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشركه في النبوّة ، أو يجعله خليفة له بعده ، وقد كتب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) في العاشر من الهجرة: «أمّا بعد فانّي قد شوركت في الأرض معك ، وانّ لنا

ــ[124]ــ

نصف الأرض ، ولقريش نصفها ، ولكن قريشاً قوم يعتدون» فقدم عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)رسولان بهذا الكتاب فقال لهما حين قرأ كتاب مسيلمة: فما تقولان أنتما؟ قال: نقول كما قال. فقال: أما والله لولا انّ الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما ، ثمّ كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب ، سلام على من اتّبع الهدى امّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين».

وكانت معه نهار الرجال بن عنفوة ، وكان قد هاجر إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرأ القرآن وفقّه في الدين ، فبعثه معلِّماً لأهل اليمامة ، وليشغب على مسيلمة ، وليشدّد من أمر المسلمين ، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ، شهد له انّه سمع محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: إنّه قد أشرك معه ، فصدّقوه ، واستجابوا له ، وأمره بمكاتبة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ووعده إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه ، فكان نهار الرجال لا يقول شيئاً إلاّ تابعه عليه ، وكان ينتهي إلى أمره ، وكان يؤذن للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويشهد في الأذان انّ محمّداً رسول الله ، وكان الذي يؤذِّن له عبدالله بن النواحة ، وكان الذي يقيم له حجر بن عمير ويشهد له ، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة قال صرح حجير فيزيد في صوته ، ويبالغ لتصديق نفسه وتصديق نهار ، وتضليل من كان قد أسلم فعظم وقاره في أنفسهم.

وكان له باعتقاده معجزات وخوارق عادات شبيهة بمعجزات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وكراماته ، ومن جملة ذلك انّه أتته امرأة من بني حنيفة تكنّى باُمّ الهيثم ، فقالت: انّ نخلنا لسحق ، وانّ آبارنا لجزر ، فادع الله لمائنا ولنخلنا ، كما دعا محمّد لأهل هزمان ، فقال: يا نهار ما تقول هذه؟ فقال: إنّ أهل هزمان أتوا محمّداً فشكوا بعد

ــ[125]ــ

مائهم ، وكانت آبارهم جزراً ، ونخلهم انّها سحق ، فدعا لهم فجاشت آبارهم ، وانحنت كلّ نخلة قد انتهت ، حتّى وضعت جرانها لانتهائها ، فحكت به الأرض حتّى انشبت عروقاً ، ثمّ عادت من دون ذلك فعادت فسيلاً مكمماً ينمى صاعداً قال: دعا بسجل فدعا لهم فيه ، ثمّ تمضمض بفم منه ، ثمّ مجّه فيه فانطلقوا به حتّى فرغوه في تلك الآبار ، ثمّ سقوه نخلهم ففعل المنتهى ما حدثتك ، وبقي الآخر إلى انتهائه ، فدعا مسيلمة بدلو من ماء ، فدعاهم فيه ، ثمّ تمضمض منه ، ثمّ مجّ فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم ، فغارت مياه تلك الآبار ، وخوى نخلهم وانّما استبان ذلك بعد مهلكه.

ومن جملة ذلك انّه قال له نهار: برّك على مولودي بني حنيفة فقال له: وما التبريك؟ قال: كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمّداً فحنّكه ، ومسح رأسه ، فلم يؤت مسيلمة بصبيّ فحنّكه ومسح رأسه إلاّ قرع ولثغ.

ومنها: انّه دخل يوماً حائطاً من حوائط اليمامة فتوضّأ ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقى به حائطك حتّى يروى ، وينيل كما صنع بنو المهريّة ـ أهل بيت من بني حنيفة ـ وكان رجل من المهريّة قدم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة ، فأفرغه في بئره ، ثمّ نزع وسقاه ، وكانت أرضه تهوم ، فرويت وجزأت ، فلم تلف إلاّ خضراء مهتزة ، ففعل فعادت يباباً لا ينبت مرعاه.

ومنها: ما في كتاب «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا بن محمّد بن محمود القزويني من أنّهم طلبوا منه المعجزة ، فأخرج قارورة ضيّقة الرأس ، فيها بيضة فآمن به بعضهم وهم بنو حنيفة أقلّ الناس عقلاً ، فاستخف قومه فأطاعوه ، وبنو

ــ[126]ــ

حنيفة اتّخذوا في الجاهلية صنماً من العسل والسمن يعبدونه ، فأصابتهم في بعض السنين مجاعة ، فأكلوه فضحكت على عقولهم الناس وقالوا فيهم:

أكلت حنيفة ربّها زمن التقحم والمجاعة

لم يحذروا من ربّهم سوء العواقب والساعة

وحكي انّه رأى حمامة مقصوصة الجناح ، فقال: لِمَ تعذِّبون خلق الله ، لو أراد الله من الطير غير الطيران ما خلق لها جناحاً ، وانّي حرّمت عليكم قصّ جناح الطائر ، فقال بعضهم: سل الله الذي أعطاك آية البيض أن ينبت له جناحاً ، فقال: إن سألت فأنبت له جناحا فطار تؤمنون بي؟ قالوا: نعم ، فقال: إنّي اُريد أن اُناجي ربِّي ، فادخلوه معي هذا البيت حتّى أخرجه وافي الجناح ، حتّى يطير فلمّا خلا بالطير أخرج ريشاً كان معه وأدخل في قصبة كلّ ريشة مقطوعة ريشة ممّا كان معه ، فأخرجه وأرسله فطار وآمن به جمع كثير.

وحكي انّه قال في ليلة منكرة الرياح مظلمة: إنّ الملك ينزل إليَّ الليلة ، ولأجنحة الملائكة صلصلة وخشخشة ، فلا يخرجن أحدكم فإنّ من تأمّل الملائكة اختطف ببصره ، ثمّ اتّخذ صورة من الكاغذ لها جناحان وذنب ، وشدّ فيها الجلاجل والخيوط الطوال ، فأرسل تلك الصورة وحملتها الريح والناس بالليل يرون الصورة ، ويستمعون صوت الجلاجل ، ولا يرون الخيط ، فلمّا رأوا ذلك دخلوا منازلهم خوفاً من أن تختطف أبصارهم ، فصاح بهم صائح من دخل منزله فهو آمن ، فأصبحوا مطبقين على تصديقه.

ومنها: غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب التواريخ كالطبري وغيره.

وقد ورد في شأن الرجال بن عنفوة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رواه بعض الرواة: من

ــ[127]ــ

انّه جلست مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً في رهط ، معنا الرجال بن عنفوة فقال: إنّ فيكم لرجلاً ضرسه في النار ، أعظم من احد ، فهلك القوم ، وبقيت أنا والرّجال. فكنت متخوّفاً حتّى خرج الرجال مع مسيلمة ، فشهد له بالنبوّة فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة.

وبالجملة فكان مسيلمة يزعم أنّ له قرآناً ينزل عليه بسبب ملك اسمه «الرحمن» وكان كتابه مشتملاً على فصول وجملات ، بعضها مرتّب ، وبعضها مشتمل على الحوادث الواقعة له. والقضايا المتضمّنة لأحواله وأوضاعه ، وبعضها جواب عن السؤالات ، ولكن الجميع مشترك في أمر واحد وهو الدلالة على قصور عقل صاحبه ، وضعف مرتبته العلميّة. وجهله بحقيقة النبوّة ، وعدم اعتقاده بعالم الآخرة وما وراء الطبيعة ، ولذا قال في حقّه عمّ أحنف بن قيس ـ بعد ملاقاته إيّاه وسؤال أحنف عنه ـ انّه كيف رأيته ، ما مرجعه إلى أنّه ليس بنبيّ صادق ، ولا كاذب حاذق.

وحكي انّه جاء أبو طلحة اليمامة فقال: أين مسيلمة؟ فقالوا: مه رسول الله ، فقال: لا ، حتّى أراه ، فلمّا جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم ، قال: من يأتيك؟ قال: رحمن ، قال: في نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة ، فقال: أشهد انّك كذّاب ، وانّ محمّداً صادق ، ولكن كذّاب ربيعة أحبّ إليّ من صادق مضر.

ومن جملة قرآنه: «والمنذرات زرعاً ، والحاصدات حصداً ، والذاريات قمحاً ، والطاحنات طحناً ، والخابزات خبزاً ، والثاردات ثرداً ، واللاقمات لقماً ، اهالة وسمناً ، لقد فضلتم على أهل الوبر ، وما سبقكم أهل المدر ، ريفكم فامنعوه والمعتر فاووه ، والباغي فناووه».

ــ[128]ــ

وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع ، نقى ما تنقين ، أعلاك في الماء ، وأسفلك في الطين ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين.

وحكى عن كتاب «الحيوان» للجاحظ انّه قال: ما أدري ما الذي دعا مسيلمة إلى أن يذكر اسم الضفدع ، ويجعله من جملة قرآنه الذي يزعم انّه قد أوحى به.

وكان يقول: «والشاء وألوانها ، وأعجبها السود وألبانها ، والشاة السوداء ، واللبن الأبيض ، انّه لعجب محض ، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون».

وكان يقول: «الفيل وما الفيل ، وما أدريك ما الفيل ، له ذنب وثيل ، وخرطومٌ طويل».

وأيضاً يقول: «لقد أنعم الله على الحملى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى».

وغير ذلك من الكلمات التي دلالتها على قصور صاحبها أقوى من دلالتها على معنى مقصود ، وحكايتها عن صدورها عن المبتلى بمرض حبّ الجاه والرياسة أوضح من حكايتها عن صدورها عمّن يريد كشف الحقيقة ، وبيان الواقعية ، كما هو ظاهر لمن يطلب الهداية ، ويجتنب طريق الضلالة.

وبالجملة: فقد حكي عن ابن عبّاس انّه قال: «كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد ضرب بعث اُسامة فلم يستتبّ لوجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولخلع مسيلمة والأسود ، وقد أكثر المنافقون في تأمير اُسامة حتّى بلغه ، فخرج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك من الشأن ، وانتشاره لرؤيا رآها في بيت عائشة ، فقال: إنّي رأيت البارحة فيما يرى النائم أنّ في عضدي سوارين من ذهب ، فكرهتهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما هذين الكذّابين: صاحب اليمامة وصاحب اليمن ، وقد بلغني أنّ أقواماً

ــ[129]ــ

يقولون في امارة اسامة ، ولعمري لإن قالوا في امارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبل ، وإن كان أبوه لخليقاً للامارة ، وانّه لخليق لها فانفذوا بعث اُسامة» إلى آخر الحكاية.

وفي تاريخ الطبري نقلاً عن أبي هريرة: «انّه بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إلى أهل اليمامة أبو بكر خالداً ، فسار حتّى إذا بلغ ثنية اليمامة ، استقبل مجاعة بن مرارة ـ وكان سيِّد بني حنيفة ـ في جبّل من قومه ، يريد الغارة على بني عامر ، ويطلب دماءهم ثلاثة وعشرون فارساً ركباناً قد عرسوا ، فبيّتهم خالد في معرسهم ، فقال: متى سمعتم بنا؟ فقالوا: ما سمعنا بكم ، إنّما خرجنا لنثأر بدم لنا في بني عامر ، فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم ، واستحيا مجاعة ثمّ سار إلى اليمامة ، فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد ، فنزلوا بعقرباء ، فحلّ بها عليهم وهي طرف اليمامة دون الأموال ، وريف اليمامة وراء ظهورهم ، وقال شرحبيل بن مسيلمة: اليوم يوم الغيرة ، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات ، وينكحنّ غير خطيّات ، فقالتوا عن أحسابكم ، وامنعوا نسائكم ، فاقتلوا بعقرباء ، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا: نخشى علينا من نفسك شيئاً ، فقال: بئس حامل القرآن أنا اذاً ، وكانت راية الأنصار مع ثابت بن شماس ، وكانت العرب على راياتها ، ومجاعة أسير مع اُمّ تميم ـ امرأة خالد ـ في فسطاطها ، فجال المسلمون جولة ، ودخل اُناس من بني حنيفة على اُمّ تميم فأرادوا قتلها فمنعها مجاعة ، وقال: أنا لها جار ، فنعمت الحرّة هي فدفعهم عنها ، وترادّ المسلمون ، فكرّوا عليهم فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكم بن الطفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة ، فانّي سأمنع أدباركم ، فقاتل دونهم ساعة ثمّ قتله الله ، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر ، ودخل

ــ[130]ــ

الكفّار الحديقة ، وقتل وحشي مسيلمة وضربه رجل من الأنصار فشاركه فيه.

إذا عرفت ما حكيناه من قصّة مسيلمة ، وما جاء به مضاهياً للقرآن بزعمه يظهر لك أنّ النكات الجالبة في تلك القصّة الماسّة بما نحن بصدده من إبطال ما يدّعيه ، وعدم لياقة ما أتى به بذلك العنوان بأن يتّصف بالمعارضة والمماثلة للقرآن ، وإن كان وضوح ذلك بمكان لا يفتقر معه إلى التوضيح والبيان أمور تالية:

أحدها: انّه كان يزعم انّ النبوّة متقوّمة بالادّعاء ، وانّه ليس لها حقيقة وواقعيّة ، راجعة إلى الارتباط الخاصّ بمبدأ الوحي والبعث من قبله ، وذلك لاستدعائه من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التشريك ، وجعله دخيلاً في نبوّته سهيماً فيها ، ويدلّ عليه أيضاً خلو كتابه عن التحدّي الذي هو الركن في باب تحقّق المعجزة.

ثانيها: اعترافه في مكتوبه الذي أرسله إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في العام العاشر من الهجرة بأنّه أيضاً مثله نبي ورسول ، حيث يقول فيه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله فإنّي قد أشركت الخ» مع أنّ من الواضح أنّ رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن محدودة من حيث الزمان والمكان ، بل كانت رسالة مطلقة عامّة ثابتة إلى يوم القيامة ، ولذا أخبر بأنّه مع اجتماع الإنس والجنّ على الإتيان بمثل القرآن لا يكاد يتحقّق ذلك ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وحينئذ فإنّا أن يكون مسيلمة مصدقاً لهذه الداعية ، ومعتقداً لها فلازمه التصديق بعدم وجود رسول آخر ، وبعجزه عن الإتيان بما يماثل القرآن ، وانّ ما أتى به لا ينطبق عليه هذا العنوان ، فكيف يدّعي النبوّة لنفسه أيضاً ، مع اعترافه بالقصور والعجز ، وامّا أن يكون مكذِّباً لتلك الداعية ، ومعتقداً بجواز الإتيان بمثله ، وانّه قد أتى به فلِمَ صدّق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالرسالة ، ووصفه بأنّه أيضاً نبي مثله في مكتوبه الذي أرسل إليه ، ولعمري انّ هذا

ــ[131]ــ

أيضاً دليل واضح على أنّه كان يزعم أنّ النبوّة نوع من السلطنة الظاهرية ، والزعامة الدنيويّة ، وليس لها حقيقة وواقعيّة.

ثالثها: انّ ما أتى به بعنوان الوحي ـ الذي قد اُوحي به إليه بزعمه من الله السبحان ، بواسطة ملك اسمه الرّحمن ، وقد تقدّم نقل جملة منه ـ إن كان الباحث الناظر قادراً على مقايسته مع القرآن ، وتشخيص عدم كونه في مرتبته بوجه ـ كما هو الظاهر لمن له أدنى اطّلاع من فنون الأدب واللغة العربيّة ـ وإلاّ فالديل على عدم اتّصافه بوصف المماثلة والمعارضة ما يستفاد ممّا ذكرنا سابقاً ، وهو انّه لو كانت تلك الجملات المضحكة والكلمات السخيفة قابلة للمعارضة للقرآن لاستند بها المعاندون ـ على كثرتهم ـ وفيهم البلغاء ، والمخالفون ـ مع عدم قلّتهم ـ ، وفيهم الفصحاء ، ولما كان وجه لبقاء المسلمين على عقيدتهم لوضوح عدم كونها ناشئة عن التعصّب القومي ، بل كانت مستندة إلى الدليل والبرهان ، ومن المعلوم انّ قوام الدليل بعدم وجود المعارض ، فمع وجوده لا يبقى له مجال.

فإذن: الدليل الواضح على نقصان مرتبة تلك الكلمات عدم اعتناء المخالف والمؤالف بها ، مع أنّ المعاندين كانوا يتشبّثون بكلّ حشيش لإطفاء نور النبوّه ، وسلب وصف الإعجاز عن المعجزة الباقية الوحيدة ، وتضعيف الاُمّة الإسلامية بكلّ حيلة ، وترويج الملّة الباطلة بكلّ طريقة ، كما هو غير خفي على من له أدنى بصيرة.

 

2 ـ سجاح بنت الحارث بن سويد:

تنبأت بعد موت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجزيرة في بني تغلب فاستجاب لها هذيل ،

ــ[132]ــ

وترك التنصّر ، وهؤلاء الرؤوساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر ، فلمّا انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ، ودعته إلى الموادعة ، فأجابها وفثاها عن غزوها ، وحملها على أحياء من بني تميم قالت: نعم فشأنك بمن رأيت ، فانّي إنّما أنا امرأة من بني يربوع ، وإن كان ملك فالملك ملككم.

وكانت راسخة في النصرانيّة قد علمت من علم نصارى تغلب ، وأمرت متابعيه بالتوجّه إلى اليمامة ، والمنازعة مع مسيلمة ، فقالوا: إنّ شوكة أهل اليمامة شديدة ، وقد غلظ أمر مسيلمة ، فقال: عليكم باليمامة ودفّوا دفيف الحمامة ، فانّها غزوة صرامة ، لا يلحقكم بعدها ملامة ، فنهدت لبني حنيفة ، وبلغ ذلك مسيلمة فهابها ، وخاف إن هو شغل بها أن يغلبه مخالفوه فأهدى لها ، ثمّ أرسل إليها يستأمنها على نفسه ، حتّى يأتيها فنزلت الجنود على الأمواه ، وأذنت له وأمنته فجاءها وافداً في أربعين من بني حنيفة.

وفي رواية اُخرى: انّ مسيلمة لمّا نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها ، فقالت له سجاح انزل ، قال: فنحّي عنك أصحابك ، ففعلت ، فقال مسيلمة اضربوا لها قبّة ، وجمّروها لعلّها تذكر الباه ، ففعلوا فلمّا دخلت القبّة نزل مسيلمة فقال: ليقف هاهنا عشرة ، وهاهنا عشرة ، ثمّ دارسها فقال: ما اُوحي إليك؟ فقالت: هل تكون النساء يبتدئن ولكن ائت ما اُوحي إليك ، قال: ألم تر إلى ربّك كيف فعل بالحملى ، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشي ، قالت: وماذا أيضاً؟ قال: أوحي إليّ أنّ الله خلق النساء أفراجاً ، وجعل الرجال لهنّ أزواجاً ، فنولج فيها قعساً إيلاحاً ، ثمّ نخرجها إذا نشاء إخراجاً ، فينتجن لنا سخالاً إنتاجاً ، قالت: أشهد أنّك نبيّ ، قال: هل لك أن أتزوّجك فآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم ، إلى أن قال

ــ[133]ــ

بذلك اُوحي إليّ ، فأقامت عنده ثلاثاً ثمّ انصرفت إلى قومها ، فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحقّ فاتّبعته فتزوّجته ، قالوا: فهل أصدقك شيئاً؟ قالت: لا ، قالوا: ارجعي إليه فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق ، فرجعت فلمّا رآها مسيلمة أغلق الحصن ، وقال: ما لكِ؟ قالت: اصدقني صداقاً ، قال: من مؤذّنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي قال: عليَّ به فجاء فقال: ناد في أصحابك أنّ مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين ممّا أتاكم به محمّد: صلاة العشاء الآخرة ، وصلاة الفجر ، فانصرفت ومعها أصحابها.

وعن الكلبي انّ مشيخة بني تميم حدّثوه أنّ عامّة بني تميم بالرمل لا يصلّونها.

وفي رواية: صالحها على أن يحمل إليها النصف من غلاّت اليمامة ، وأبت إلاّ السنة المقبلة ، يسلفها فباح لها بذلك ، وقال: خلّفي على السلف من يجمعه لك ، وانصرفي أنت بنصف العام فرجع فحمل إليها النصف ، فاحتملته وانصرفت به إلى الجزيرة ، وخلّفت جماعة لينجز النصف الباقي.

وكان من جملة ما تدّعي انّه الوحي قولها: «يا أيّها المؤمنون المتّقون لنا نصف الأرض وتعريش نصفها ولكن قريشاً قوم يبغون». ولكنّها أسلمت آخر الأمر وارتدّت عن دعواها النبوّة وأثبتت أنّ دعواها كانت لغرض الزواج من مسيلمة الكذّاب.

والإنصاف: إنّ اجتماع الكذّابين ، وازدواج المنحرفين فيه من الكفاءة في البين ما لا يخفى ، وحال الثمرة الحاصلة أوضح.

 

عبهلة بن كعب المعروف بالأسود «كذّاب الغسي ذي الخمار»

ــ[134]ــ

لأنّه كان يدّعي الوحي إليه بسبب ملك له خمار ، كان كاهناً شعباذاً ، وكان يريهم الأعاجيب ، ويسبي قلوب من سمع منطقه ، وهو الذي عبّر عنه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصّة الرؤيا المتقدّمة بصاحب اليمن.

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جمع لباذام ـ حين أسلم وأسلمت اليمن ـ عمل اليمن كلّها وأمّره على جميع مخالفيها ، فلم يزل عامل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أيّام حياته ، فلم يعزله عنها ولا عن شيء منها ، ولا أشرك معه فيها شريكاً حتّى مات باذام ، فلمّا مات فرّق عملها بين جماعة من أصحابه ، وكان من تلك الجماعة ابن باذام المسمّى بـ «شهر» إلى أن توجّه الأسود نحو صنعاء اليمن ، وكان معه سبعمائة فارس سوى الركبان ، وقد خرج إليه شهر بن باذام الذي كان عاملاً على صنعاء ، وقاتل معه وقتل ابن باذام ، وغلب الأسود على صنعاء ، وتزوّج امرأته شهر وهي ابنة عم فيروز الذي اسند الأسود أمر الانباء إليه وإلى دازويه ، وفي هذا الزمان كتب إليهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب يأمرهم فيه بالقيام على دينهم ، والنهوض في الحرب والعمل في الأسود ، امّا غيلة وامّا مصارمة. فعزموا على قتله ، وأخبروا بعزيمتهم امرأته ، ووافقتهم على ذلك ، وهدتهم على كيفية الوصول إليه بقولها: هو متحرّز متحرّس ، وليس من القصر شيء إلاّ والحرس محيطون به غير هذا البيت ، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه ، فإنّكم من دون الحرس ، وليس دون قتله شيء ، وقالت: إنّكم ستجدون فيه سراجاً وسلاحاً.

قالوا: ففعلنا مثل ما قالت فنقبنا البيت من خارج ، ثمّ دخلنا وفيه سراج تحت جفنته ، وإذا المرأة جالسة فعاجله واحد وخالطه وهو مثل الجمل ، فأخذ برأسه فقتله فدقّ عنقه ، ووضع ركبته في ظهره ، فدقّه ثمّ قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه ،

ــ[135]ــ

وهي ترى انّه لم يقتله.

فقالت: أين تدعني؟ قال: أخبر أصحابي بمقتله ، فأتانا فقمنا معه ، فأردنا حزّ رأسه ، فحرّكه الشيطان فاضطرب ، فلم يضبطه فقلت: اجلسوا على صدره ، فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره وسمعنا بربرة فألجمته بمئلاة ، وأمرّ الشفرة على حلقه ، فخار كأشدّ خوار ثور سمعته قط ، فابتدر الحرس الباب ـ وهم حول المقصورة ـ فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبيّ يوحى إليه فخمد ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا ، فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا وبين أشياعنا ، ثمّ ينادى بالأذان ، فلمّا طلع الفجر نادى دازويه بالشعار ، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمّع الحرس فأحاطوا بنا ، ثمّ ناديت بالأذان وتوافت خيولهم إلى الحرس فناديتهم: أشهد أنّ محمّداً رسول الله وانّ عبلهة كذّاب وألقينا إليهم رأسه.

 

4 ـ طليحة بن خويلد الأسدي:

وقد نزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة التاسعة مع وفد أسد بن خزيمة ، وأسلم ثمّ رجع وارتدّ ، فادّعى النبوّة ، فوجّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ضارر بن الأزور إلى عمّاله على بني أسد في ذلك ، وأمرهم بالقيام في ذلك على كلّ من ارتدّ ، فاشجوا طليحة وأخافوه ، ونزل المسلمون بواردات ، ونزل المشركون بسميراد ، فما زال المسلمون في نماء ، والمشركون في نقصان ، حتّى همَّ ضرار بالمسير إلى طليحة فلم يبق إلاّ أخذه سلماً إلاّ ضربة كان ضربها بالجراز فنبا عنه ، فشاعت في الناس فأتى المسلمون ـ وهم على ذلك ـ بخبر موت نبيّهم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال ناس من الناس لتلك الضربة انّ السلاح لا يحيك في طليحة ، فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتّى عرفوا النقصان ،

ــ[136]ــ

وارفض الناس إلى طليحة واستطار أمره.

فلمّا مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام عينية بن حصن في غطفان ، فقال: ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد ، وانّي لمجدّد الحلف الذي كان بيننا في القديم ، ومتابع طليحة ، والله لأن نتّبع نبيّاً من الحليفين أحبّ إلينا من أن نتّبع نبيّاً من قريش ، وقد مات محمّد وبقى طليحة فطابقوه على رأيه ففعل وفعلوا.

ثمّ إنّ أبا بكر لمّا رجع إليه اُسامة ، ومن كان معه من الجيش أمر خالداً أن يصمد لطليحة وعينية وهما على بزاحة ماء من مياه بني أسد ، وخرج إليه عينية مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة ، ووقع بينهم قتال شديد ، وطليحة متلفّف في كساء له بفناء بيت له من شعر ، يتنبّأ لهم والناس يقتتلون ، فلمّا هزّت عينية الحرب وضرس القتال كرّ على طليحة ، فقال: هل جاءك جبرئيل بعد؟ قال: لا ، فرجع فقاتل حتّى إذا ضرس القتال ، وهزّته الحرب كرّ عليه فقال: لا أبا لك أجاءك جبرئيل بعد؟ قال: لا والله ، ثمّ رجع فقاتل حتّى إذا بلغ كرّ عليه فقال: هل جاءك جبرئيل بعد؟ قال: نعم ، قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إنّ لك رحاً كرحاه ، وحديثا لا تنساه ، فقال عينية: أظنّ أن قد علم الله انّه سيكون حديث لا تنساه ، يا بني فزارة هكذا فانصرفوا فهذا والله كذّاب ، فانصرفوا وانهزم الناس ، فغشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا ، وقد كان أعدَّ فرسه عنده ، فلمّا أن غشوه يقولون ماذا تأمرنا ، قام فوثب على فرسه وحمل امرأته ثمّ نجا بها ، وقال من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت ، وينجو بأهله فليفعل ، فلمّا أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع ، أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا.

ــ[137]ــ

وقد أسلم طليحة بعد ذلك حين بلغه أنّ أسداً وغطفان وعامر قد أسلموا ، ثمّ خرج نحو مكّة معتمراً في إمارة أبي بكر ، ومرّ بجنبات المدينة ، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة ، فقال: ما أصنع به خلّوا عنه ، فقد هداه الله للإسلام ، ومضى طليحة نحو مكّة فقضى عمرته ثمّ أتى عمر إلى البيعة حين استخلف ، فقال له عمر: أنت قاتل عكاشة وثابت ، والله لا أحبّك أبداً ، فقال: ما تهمّ من رجلين أكرمهما الله بيدي ، ولم يهنّي بأيديهما ، فبايعه عمر ثمّ قال له: يا خدع ما بقي من كهانتك؟ قال: نفخة أو نفختان بالكير ، ثمّ رجع إلى دار قومه فأقام بها حتّى خرج إلى العراق.

وبالجملة: فيزعم في زمان ادّعائه للنبوّة انّ ملكاً ينزل الوحي عليه واسمه «ذوالنون» أو «جبرائيل» ولكنّه لم يدّع كتاباً لنفسه وكان من جملة ما يدّعي الوحي عليه ما حكاه عنه في معجم البلدان من قوله: «إنّ الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئاً فاذكروا الله قياماً فإنّ الرغوة فوق الصريح». والرغوة ـ مثلثة الراء ـ من اللبن ما عليه من الزّبد.

وما حكاه الطبري عن رجل من بني أسد حين أتى به خالداً وسأل عنه عمّا يقول طليحة لهم من قوله: «والحمام واليمام ، والصرد الصوّام ، قد ضمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام» واليمام الحمام البرّي.

 

النضر بن الحارث بن كلدة:

هو ، وعقبة بن أبي معيط ، والعاص بن وائل السهمي هم الذين بعثتهم قريش إلى نجران ليتعلّموا مسائل يسألونها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وعن المناقب عن الكلبي كان النضر بن الحارث يتّجر فيخرج إلى فارس ،

ــ[138]ــ

ويشتري أخبار الأعاجم ، ويحدِّث بها قريشاً ، ويقول: «إنّ محمّداً يحدّثكم بحديث عاد وثمود وأنا اُحدّثكم بحديث رستم واسفنديار فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن فنزل: }ومن الناس من يشتري لهو الحديث{(1).

ونقل انّ في أيّام الشعب كان من دخل مكّة من العرب لا يجرأ أن يبيع من بني هاشم شيئاً ، ومن باع منهم شيئاً انتهبوا ماله ، وكان النضر ورفيقاه وأبو جهل يخرجون من مكّة إلى الطرقات التي تدخل مكّة ، فمن رأوه معهم ميرة نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئاً ، ويحذِّرون إن باع منهم شيئاً أن ينهبوا ماله.

هذا ولكن الرجل لم يكن له داعية النبوّة ، ولكنّه يزعم إمكان المعارضة مع القرآن ، ولأجل حماقته لم يعتن به المؤرِّخون والاُدباء ، ولم يقع شيء ممّا أتى به بهذا العنوان مورداً لتوجّه من له أدنى خبرة بالبلاغة والفصاحة ، فضلاً عن غيرهما من الشؤون المختلفة الموجودة في القرآن المثبتة لإعجازه ، كما عرفت شطراً منها فيما تقدّم.

 

أبو الحسن عبدالله بن المقفع الفارسي:

الفاضل المشهور الماهر في صنعة الإنشاء والأدب ، كان مجوسياً أسلم على يد عيسى بن عليّ عمّ المنصوب بحسب الظاهر ، وكان كابن أبي العوجاء ، وابن طالوت ، وابن الأعمى على طريق الزندقة ، وهو الذي عرّب كتاب «كليلة ودمنة» وصنّف الدرّة اليتيمة ، وكان كاتباً لعيسى المذكور.

وقد زعم بعض انّه عارض القرآن مدّة ، ثمّ ندم عن ذلك ومزّق ما كتبه في هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لقمان: 6.

ــ[139]ــ

الجهة ، ونقل انّ السبب في ندامته ، ورجوعه عن عزيمته انّه حينما كان يعارض القرآن وصل إلى هذه الآية الشريفة: }يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي{ فقال: إنّ المعارضة مع هذه الآية خارجة عن الاستطاعة البشريّة ، فرفع اليد عنها ومزّق ما كتبه في ذلك.

قال الرافعي صاحب كتاب «اعجاز القرآن» في تعريف الرجل: «زعموا أنّه اشتغل بمعارضة القرآن مدّة ، ثمّ مزّق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره» ثمّ قال: «وهذا عندنا إنّما هو تصحيح من بعض العلماء ، ولما تزعمه الملحدة من أنّ كتاب «الدرّة اليتيمة»(1) لابن المقفع ، هو في معارضة القرآن فكان الكذب لا يدفع إلاّ بالكذب ، وإذا قال هؤلاء انّ الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوّته وفصاحته ، وانّه في ذلك من وزن القرآن وطبقته ، وابن المقفع هو من هو في هذا الأمر قال أولئك: بل عارض ومزّق واستحيا لنفسه.

امّا نحن فنقول: إنّ الروايتين مكذوبتان جميعاً ، وانّ ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة ، لا لشيء من الأشياء إلاّ لأنّه من أبلغ الناس ، وإذا قيل لك: إنّ فلاناً يزعم إمكان المعارضة ، ويحتجّ لذلك ، وينازع فيه فاعلم أنّ فلاناً هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين : إمّا جاهل يصدق في نفسه ، وامّا عالم يكذب على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتب في الذيل في شأن الكتاب: «طبع هذا الكتاب مراراً وهو من الرسائل المنتعة ، يعدّ طبقة من طبقات البلاغة العربية ، ولكنّه في المعارضة ليس هناك لا قصداً ولا مقاربة ، ونحن لا نرى فيه شيئاً لا يمكن أن يؤتى بأحسن منه ، وما كلّ ممتع ممتنع.

وقال الباقلاني: إنّه منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة ، وهذا هو الرأي ، فإنّ ابن المقفع لم يكن إلاّ مترجماً ، وكان ينحط إذا كتب ، ويعلو إذا ترجم ، لأنّ له في الأولى عقله ، وفي الثانية كل العقول ، وفي «اليتيمة» عبارات وأساليب مسروقة من كلام الإمام علي(عليه السلام).

ــ[140]ــ

الناس ، وأن يكون (فلان) ثالث ثلاثة ، وانّما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس ، لأنّ فتنة الفرق الملحدة إنّما كانت بعده ، وكان البلغاء كافّة لا يمترون في اعجاز القرآن ، وإن اختلفوا في وجه اعجازه ، ثمّ كان ابن المقفّع متّهماً عند الناس في دينه ، فدفع بعض ذلك إلى بعض ، وتهيّأت النسبة من الجملة ، ولو كانت الزندقة فاشية أيّام عبد الحميد الكاتب ، وكان متّهماً بها ، أو كان له عرق في المجوسيّة لما اخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة ، لا لأنّه زنديق ، ولكن لأنّه بليغ يصلح دليلاً للزنادقة .

وزعم هؤلاء الملحدة أيضاً انّ حكم قابوس بن وشمگير ، وقصيصه هي من بعض المعارضة للقرآن ، فكأنّهم يحسبون أنّ كلّ ما فيه أدب وحكمة وتاريخ واخبار فتلك سبيله ، وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا ومثل قولهم : إنّ القصائد السبعة المسمّاة بالمعلّقات هي عدم معارضة للقرآن بفصاحتها» (انتهى كلامه) وحديث قتله معروف مذكور في التواريخ والسير .

 

7 ـ أبو الحسين أحمد بن يحيى «المعروف بابن الراوندي»(1) :

وقد وقع الخلاف في ترجمة الرجل بين العامّة والخاصّة ، بحيث إذا قصرنا النظر على خصوص الطائفة الاُولى ، وما ترجموه به الرجل لكان اللاّزم الحكم عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في هامش اعجاز القرآن : «توفى سنة 293 على رواية أبي الفداء ، وفي كشف الظنون سنة 301 ، وفي وفيات ابن خلكان سنة 345 وقيل 350 ولعلّ الأولى أقرب ، وكان هذا الرجل من المعتزلة ، ثمّ خالفهم فنبذوه ، واشتدّوا عليه ، فحمله الغيظ على أن مال إلى الرافضة ، قالوا : لأنّه لم يجد فرقة من فرق الاُمّة تقبله ، ثمّ ألحد في دينه ، وجعل يصنّف الكتب لليهود والنصارى وغيرهم في الطعن على الإسلام ، وهلك في منزل رجل يهودي اسمه أبو عيسى الأهوازي ، وكان يؤلِّف له الكتب» .

ــ[141]ــ

بأنّه من الملاحدة ، والطاعنين على الإسلام ، بل على جميع الأديان ، وإذا لاحظنا ما قاله الخاصّة في شأنه ـ سيّما بعض الأعلام الأقدمين ـ لكان اللاّزم الرجوع عن ذلك ، والحكم بخلافه ، بل بأنّه من خواصّ الشيعة وأعلامهم ، ولا بأس بإيراد كلام الفريقين ، ونقتصر ممّا قاله العامّة على ما أورده الرافعي في كتابه «اعجاز القرآن» متناً وهامشاً بعين ألفاظه ، قال بعد العنوان المذكور :

«كان رجلاً غلبت عليه شقوة الكلام ، فبسط لسانه في مناقضة الشريعة ، وذهب يزعم ويفتري ، وليس أدلّ على جهله ، وفساد قياسه ، وانّه يمضي في قضية لا برهان له بها من قوله في كتاب «الفريد»(1) : إنّ المسلمين احتجّوا لنبوّة نبيّهم بالقرآن الذي تحدّى به النبيّ ، فلم تقدر على معارضته ، فيقال لهم : اخبرونا لو ادّعى مدّع لمن تقدّم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن ، فقال : الدليل على صدق بطلميوس واقليدس : انّ اقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه أكانت نبوّته تثبت؟» .

ثمّ أجاب الرافعي عنه بما ليس بجواب بل الجواب عنه ما ذكرناه في ردّ بعض الأوهام السابقة . ثمّ قال : «وقد قيل إنّ الرجل عارض القرآن بكتاب سمّاه «التاج» ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب ، مع أنّ أبا الفداء نقل في تاريخه انّ العلماء قد أجابوا عن كلّ ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من كفرياته ، وبيّنوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة ، والذي نظنّه أنّ كتاب «ابن الراوندي» إنّما هو في الاعتراض على القرآن ومعارضته على هذا الوجه من المناقضة ، كما صنع في سائر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه أيضاً : «وفي تاريخ أبي الفداء «الفرند» وهو تصحيف وهذا الكتاب وضعه ابن الراوندي في الطعن على النبي ، وقد ردّوا عليه ونقضوه» .

ــ[142]ــ

كتبه كالفريد ، والزّمردة ، وقضيب الذهب ، والمرجان(1) فإنّهما فيما وصفت به ظلمات بعضها فوق بعض ، وكلّها اعتراض على الشريعة والنبوّة بمثل تلك السخافة التي لا يبعث عليها عقل صحيح ولا يقيم وزنها علم راجح(2) وقد ذكر المعرّي هذه الكتب في رسالة الغفران ، ووفي الرجل حسابه عليها ، وبصق على كتبه مقدار دلو من السجع . وناهيك من سجع المعرّي الذي يلعن باللفظ قبل أن يلعن بالمعنى ، وممّا قاله في التاج : «وامّا تاجه فلا يصلح أن يكون نعلاً ، وهل تاجه إلاّ كما قالت الكاهنة : «أفّ وتفّ ، وجورب وخفّ ، قيل وما جورب وخفّ؟ قالت : واديان بجهنّم» وهذا يشير إلى أنّ الكتاب كذب واختلاق ، وصرف لحقائق الكلام كما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في هامش الاعجاز : «يخيّل إلينا أنّ ابن الراوندي كان ذا خيال ، وكان فاسد التخيّل وإلاّ فما هذه الأسماء ، وأين هي ممّا وضعت له؟ والخيال الفاسد أشدّ خطراً على صاحبه من الجنون ، لأنّه فساد في الدماغ ، ولأنّه حديث متوثب ، فما يملك معه الدين ولا العقل شيئاً ، وأظهر الصفات في صاحبه الغرور» .

(2) فيه أيضاً : «كتبنا هذا للطبعة الاُولى ، ثمّ وقفنا بعد ذلك على أنّ كتاب التاج يحتجّ فيه صاحبه لقدم العالم ، وانّه ليس للعالم صانع ولا مدبِّر ولا محدث ولا خالق ، امّا كتابه الذي يطعن فيه على القرآن فاسمه «الدامغ» قالوا إنّه وضعه لابن لاوي اليهودي ، وطعن فيه على نظم القرآن ، وقد نقضه عليه الخيّاط وأبو علي الجبائي قالوا : ونقضه على نفسه ، والسبب في ذلك انّه كان يؤلّف لليهود والنصارى الثنوية ، وأهل التعطيل بأثمان يعيش منها ، فيضع لهم الكتاب بثمن يتهدّدهم بنقضه وإفساده إذا لم يدفعوا له ثمن سكوته .

قال أبو العبّاس الطبري : إنّه صنّف لليهود كتاب «البصيرة» ردّاً على الإسلام ، لأربعمائة درهم أخذها من يهود سامراء ، فلمّا قبض المال رام نقضه حتّى أعطوه مائة درهم اُخرى ، فأمسك عن النقض . امّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها إلاّ ما نقله صاحب «معاهد التخصيص» قال : اجتمع ابن الراوندي هو وأبو علي الجبائي يوماً على جسر بغداد ، فقال له : يا أبا علي ألا تسمع شيئاً من معارضتي للقرآن ونقضي له؟ قال الجبائي : أنا أعلم بمخازي علومك ، وعلوم أهل دهرك ، ولكن اُحاكمك إلى نفسك فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة ، وتشاكلاً وتلاؤماً ونظماً كنظمه ، وحلاوة كحلاوته؟ قال : لا والله ، قال : قد كفيتني فانصرف حيث شئت . ويقال : إنّ ابن الراوندي كان أبوه يهوديّاً فأسلم ، والخلاف في أمره كثير وبلغت مصنّفاته مائة كتاب وأربعة عشر كتاباً» .

ــ[143]ــ

فعلت الكاهنة ، وإلاّ فلو كانت معارضته لنقض التحدّي ـ وقد زعم انّه جاء بمثله ـ لما خلت كتب التاريخ والأدب والكلام من الإشارة إلى بعض كلامه في المعارضة ، كما أصبنا من ذلك لغيره(1) (انتهى ما في كتاب الاعجاز) .

ونقل انّ الكتب التي صنّفها هي :

1 ـ التاج في قدم العالم .

2 ـ الزمرد في إبطال الرسالة .

3 ـ نعت الحكمة في الاعتراض بالباري تبارك وتعالى من جهة تكليفه للعباد .

4 ـ الدامغ في الطعن على نظم القرآن .

5 ـ القضيب في حدوث علم الباري .

6 ـ الفريد في الطعن على النبيّ .

7 ـ المرجان في اختلاف أهل الإسلام .

وحكى أنّه قد نقض على أكثر كتبه ، وردّه أبو الحسن الخيّاط وأبو علي الجبائي ، هذا حال الرجل في محيط العامّة .

وأمّا أصحابنا فقد ذكر المحدِّث القمّي(قدس سره) في كتاب «الكنى والألقاب» الرجل ووصفه بالعالم المقدّم المشهور ، له مقالة في علم الكلام ، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام ، وله من الكتب المصنّفة نحو من مائة وأربعة عشر كتاباً ، قال : «وكان عند الجمهور يرمى بالزندقة والإلحاد ، وحكى عن الروضات انّه قال : وعن ابن شهرآشوب في كتابه المعالم انّ ابن الراوندي هذا مطعون عليه جدّاً ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فيه أيضاً : في ص111 ج2 من هامش الكامل أسماء الذين كانوا يطعنون على القرآن ، ويصنعون الأخبار ويبثّونها في الأمصار ، ويضعون الكتب على أهله .

ــ[144]ــ

ولكنّه ذكر السيِّد الأجلّ المرتضى في كتابه الشافي في الإمامة انّه إنّما عمل الكتب التي قد شنع بها عليه مغالطة للمعتزلة ليبيّن لهم عن استقصاء نقصانها ، وكان يتبرّأ منها تبرّءً ظاهراً ، وينتحى من علمها وتصنيفها إلى غيره ، وله كتب سداد ، مثل كتاب الإمامة ، والعروس ثمّ قال : ساق صاحب الروضات الكلام في ترجمته وفي آخره انّ صاحب رياض العلماء قال : ظنّي أنّ السيّد المرتضى نصّ على تشيّعه وحسن عقيدته في مطاوي الشافي أو غيره» انتهى .

ومن ذلك يظهر أنّ رمي الجمهور له بالزندقة والإلحاد إنّما كان لأجل استبصاره ، واتّباعه لمذهب الحقّ ، واختياره التشيّع والعقيدة الصحيحة ، ولذا طعنوا عليه بأنّ اختياره لذلك إنّما هو لأجل انّه لم يجد فرقة من فرق الاُمّة تقبله ، تلويحاً بأنّه ليست الشيعة من فرق الاُمّة الإسلامية والحكم هو العقل والوجدان ، والحاكم هو الدليل والبرهان .

 

8 ـ كاتب رسالة «حسن الايجاز» :

وهو كتيِّب صدر من المطبعة الانكليزية الامريكانيّة ببولاق مصر سنة 1912 الميلاديّة ، فإنّه ذكر في رسالته انّه يمكن معارضة القرآن بمثله ، وأتى بهذا العنوان جملاً اقتبسها من القرآن ، مع تغيير بعض ألفاظه ، وحذف بعض آخر ، مثل ما ذكر في معارضة سورة الكوثر من قوله : «انّا أعطيناك الجواهر ، فصلِّ لربِّك وجاهر ، ولا تعتمد قول ساحر» وما ذكر في معارضة سورة الفاتحة من قوله : «الحمد للرحمن ، ربّ الأكوان ، الملك الديّان ، لك العبادة وبك المستعان ، اهدنا صراط الايمان» وزعم أنّ هذا القول واف لجميع مقاصد سورة الفاتحة ، ويمتاز عنها

ــ[145]ــ

بكونه أخصر منها .

أقول : لابدّ قبل المقايسة بين جمله ـ التي أتعب بها نفسه ، مع كونها مقتبسة من الكتاب ـ وبين السورتين من بيان معنى المعارضة ، وتعليم هذا الكاتب الجاهل وهدايته إلى حقيقة هذه اللفظة ، وتوضيح مفهومها ، وانّ المألوف في معارضة كلام من نثر أو نظم ماذا؟ أفيصدق معنى معارضة الشعر ـ مثلاً ـ بأن يأتي المعارض بذلك الشعر ، مع تغيير في بعض ألفاظه بوضع لفظ آخر يتّحد معناه معه مكانه ، فإذا كانت حقيقة المعارضة متحقّقة بذلك ، فلا يكون من له أدنى اطّلاع من لغة ذلك الشعر عاجزاً عن الشعر والإتيان بالمعارض ، وإن لم يكن له القريحة الخاصّة الشعرية الباعثة له على ذلك بوجه أصلاً ، بحيث لا يكاد يقدر على الإتيان ببيت من عند نفسه ، وهل تكون المعارضة مع الكاتب بتبديل بعض الألفاظ ، وحذف البعض الآخر ، فإذن تكون معارضة كلّ كلام بهذه المثابة ممكنة جدّاً ، أكانت المعارضة بهذا النحو غير مقدورة لمعاصري نزول الكتاب من الفصحاء البارعين ، والبلغاء المتبحِّرين .

وكان مضيّ ثلاث عشر قرناً من حين النزول لازماً لأن يعلو مستوى العلم ويدرج البشر مراتب الكمال ، ليظهر كاتب هذه الرسالة ، ويقدر على الإتيان بالمعارض بمثل ما ذكر ، بعدما لم يكن في تلك القرون من كان قادراً على الإتيان بمثله ، وإذا كان الأمر كذلك فكان ينبغي له ادّعاء النبوّة والتحدّي بما أتى به من الكلمات ، لأنّ المفروض عدم قدرة غيره على الإتيان بمثله وإلاّ لأتى به .

فمتى ينزل البشر عن مركب الهوى والعصبية المهلكة ، ومتى يلقى زمام اُمور عقائده وأفعاله على العقل السليم ، ومتى ينكشف له انّ إضلال الناس بما لا يعتقد به

ــ[146]ــ

من أشدّ المعاصي وأعظم الجرائم ، وممّا لا يستأهل لأن يعفى عنه ، ويغضّ منه ، ولكن الأسف ـ كماله ـ من جهل الناس ، وبعدهم عن الحقائق ، وتخيّلهم أنّ مثل كاتب الرسالة ممّن له حظّ وافر من العلم ، ولا يقصد من نشر رسالته إلاّ نشر العلم ، وكشف الحقيقة ، مع أنّه من الواضح كون مثله أجيراً لعمّال الاستعمار ، ناشراً لأفكارهم السخيفة ، ونواياهم السيّئة التي لا تنتهي إلاّ إلى خذلان المسلمين ، وتضعيف عقائدهم ، ونهب أموالهم ، والسلطة عليهم ، كما هو ظاهر .

ولعمري انّ مثل ذلك ممّا يوجب الطمأنينة للنفس بأنّ البشر مع ادّعائه السير الكمالي ، والرقي العلمي لا يكون إلاّ في القوس النزولي ، والسير الانحطاطي ، فإنّ العرب في الجاهلية ـ مع شدّة تعصّبهم ، وبعدهم عن الحقائق والمدنيّة ـ قد عرفوا حقيقة المعارضة ، واعترفوا بعجزهم عن الإتيان بما يماثل القرآن ، مع كون امتيازهم في ذلك العصر ، من حيث البلاغة والفصاحة فقط ، فلذا آمن به بعض ، وقال غيره : «إن هذا إلاّ سحرٌ يؤثر» ، وامّا في هذا العصر فلا معرفة لمثل الكاتب بهذه الحقيقة ، فتراه يأتي بمثل ما ذكر بعنوان المعارضة ، ويفتخر بهذا المبلغ العلمي ، وهذه الدرجة من الإدراك .

وبالجملة : فمعنى المعارضة الراجعة إلى الإتيان بما في عرض الكلام الأوّل ، وفي رتبته ودرجته عبارة عن الإتيان بكلام مستقلّ في جهاته الراجعة إلى ألفاظه وتركيبه واسلوبه ، ومع ذلك كان متّحداً مع الكلام الأوّل في جهة من الجهات ، أو غرض من الأغراض ، وهذا المعنى لا يكون موجوداً في الجمل المذكورة .

مع أنّه سرق قوله في معارضة سورة الكوثر من مسيلمة الكذّاب الذي يقول : «انّا أعطيناك الجماهر ، فصلِّ لربك وجاهر ، إنّ مبغضك رجلٌ كافر» وكم من

ــ[147]ــ

المماثلة والسنخية بين السارق والمسروق منه ، من جهة اعتقاد كليهما ببطلان مدّعاهما ، ووقوعهما مغلوبين لهوى النفس وحبّ الجاه والطمع في مطامع الدنيا الزائلة غير الباقية ، والغفلة عن عالم الآخرة ، والعقوبات المعدّة لمضلّي النّاس . وامّا المقايسة بين ما ذكره وبين الكتاب الذي لا يقايس عليه شيء ، وليس كمثله كتاب ، فنقول :

إنّ تبديل كلمة «الكوثر» بلفظ «الجواهر» ممّا لا مسوّغ له ، فإنّ إعطاء الجواهر التي هي من شؤون هذه الدنيا الدنية وزخرفها ، ومن الاُمور المادّية المحضة لا يناسب مع التأكيد والإتيان بكلمة «انّ» ثمّ الاسناد إلى ضمير الجمع ، فإنّ العطية الإلهيّة والعناية الربّانية لا تلائم هذا النحو من الذكر ، والتعبير الكاشف عن العظمة والأهمّية ، إذا كانت من الاُمور المادّية الفانية غير الباقية ، وهذا بخلاف لفظ «الكوثر» الذي معناه هو الخير الكثير العام الشامل للجهات الدنيوية والأخرويّة معاً ، امّا في الدنيا فشرف الرسالة والهداية والزعامة وكثرة الذريّة من البضعة الطاهرة(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة ، الموجبة لبقاء الاسم ، وعدم النسيان ما دامت الدنيا باقية ، وامّا في الآخرة فلا تعدّ ولا تحصى من الشفاعة والجنان وحوض الكوثر ، وغيرها من نعم الله تعالى .

ثمّ ما المناسبة بين إعطاء الجواهر وبين إيجاب الصلاة المتفرّع عليه ، فإنّ الصلاة ـ التي هي معراج المؤمن ، وعمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردّت ردَّ ما سواها ، وهي التي أثرها النهي عن الفحشاء والمنكر ، وهي التي تناسب مقام التقوى ، وتكون قربان كلّ تقيّ ، وهي التي خير موضوع من شاء استقلّ ، ومن شاء استكثر ـ لا ملائمة بينها وبين إعطاء الجواهر ، التي هي من النعم الدنية الفانية ،

ــ[148]ــ

وهذا بخلاف ترتّب الصلاة على الكوثر بالمعنى الذي عرفت ، فإنّ شدّة الملائمة بين الأمرين ، وكمال المناسبة بين المعنيين غير خفيّ ، كما أنّ ترتّب النحر بناء على أن يكون المراد به هو النحر بمنى ، أو نحر الأضحية في الأضحى واضحة ، ضرورة أنّ ذلك إنّما هو لأجل كون الكمال النفساني كما يتوقّف على الخضوع في مقابل الرب ، والخشوع دونه ، كذلك يتوقّف على صرف المال الذي هو الغاية المهمّة ، والغرض المقصود ، ورفع اليد عنه ، والبذل للناس ، كما أنّه على تقدير كون المراد به هو رفع اليدين إلى النحر في تكبير الصلاة ، أو استقبال القبلة بالنحر تكون المناسبة وصحّة التفرّع واضحة أيضاً .

وامّا قوله : «لا تعتمد قول ساحر» فيرد عليه ـ مضافاً إلى عدم ارتباط معناه بالجملتين الاوّليتين بخلاف قوله تعالى في الكتاب العزيز : «إنّ شانئك هو الأبتر» فإنّ ارتباطه مع الخير الكثير ، الذي من أعظم مصاديقه الصدِّيقة الكبرى ـ سلام الله عليها ـ التي منها تكثّر ذريّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتبقى ما بقيت الدهر ظاهر ، وامّا هذا القول السخيف فعدم ارتباطه واضح ـ انّ المراد من قول ساحر ، ومن لفظ ساحر هل هو قول مخصوص من أقواله ، أو ساحر معيّن من السّحرة ، أو جميع أقوال كلّ ساحر مع تقييده بما يرجع إلى جهة سحره ـ لا كلّ أقواله حتّى في الاُمور العادية غير المرتبطة بوصفه العنواني الذي هو السّحر ـ ؟ فلا سبيل إلى الأوّل لعدم قرينة على التعيين لا في ناحية القول ، ولا من جهة القائل .

وامّا الثاني الذي يساعده وقوع النكرة في سياق النهي ـ وهو يدلّ على العموم كوقوعها في سياق النفي ـ فلا مجال له أيضاً ، لأنّ الساحر من حيث هو ساحر لا قول له ولا كلام ، وإنّما يسحر بأعماله وأفعاله ، فلا معنى للنهي عن الاعتماد على

ــ[149]ــ

قوله كما هو غير خفيّ .

وامّا معارضة سورة الفاتحة بمثل ما ذكر فيرد عليها ـ مضافاً إلى ما عرفت من بعدها عن حقيقة المعارضة ، ومعناها بمراحل غير عديدة ـ انّه لابدّ من ملاحظة كلّ جملة منها مع آيات الفاتحة ، وجملها الشريفة فنقول :

امّا تبديل قوله تعالى : «الحمد لله» بقوله : «الحمد للرحمن» فمن الواضح انّه يوجب تفويت المعنى المقصود ، فإنّ لفظ الجلالة علم للذات المقدّسة الجامعة لجميع الصفات الكماليّة ـ من دون فرق بين القول بكونه موضوعاً لمعنى عام ينحصر مصداقه في فرد خاص ، وبين القول بكونه علماً لشخص الباري جلّ جلاله ، ضرورة انّه على القول الأوّل يكون ذلك المعنى العام عبارة عن الذات المستجمعة لجميع تلك الصفات ، كما أنّه على القول الثاني تكون تسميته بهذه اللفظة الجميلة إنّما هي باعتبار وصف الاستجامع ، وأين هذا من «الرحمن» الذي هي صفة واحدة من الصفات الكمالية غير العديدة؟ فالغرض من هذه الجملة الكريمة من القرآن اختصاص الحمد بمن كانت جامعة لجميع الصفات الكماليّة ، فكيف يصحّ التبديل بكلمة «الرحمن» مدّعياً كونه وافياً بذلك الغرض ، ومفيداً فائدته كما هو غير خفيّ .

وامّا تبديل قوله تعالى : «ربّ العالمين ، الرحمن الرحيم» بقوله : «ربّ الأكوان» فيرد عليه ـ مضافاً إلى عدم صحّة إضافة كلمة «الربّ» إلى الأكوان ، التي هي جمع الكون بالمعنى المصدري من دون فرق بين أن يكون معناه الحدوث ، أو الوقوع ، أو الصيرورة ، أو الكفالة ـ كما حكي عن بعض كتب اللغة المفصّلة ـ فإنّ معنى الربّ هو المالك المربّي ، ولا معنى لإضافته إلى المعنى المصدري ـ انّ هذا التبديل صار موجباً لتفويت الغرض ، فإنّ توصيف الله تعالى بكونه ربّ العالمين

ــ[150]ــ

الرحمن الرحيم يدلّ على أنّه المالك المربّي لجميع العوالم ، وانّ رحمته الواسعة شاملة لها بأجمعها ، رحمة مستمرّة غير منقطعة ، وأين هذا من توصيفه بأنّه ربّ الأكوان .

وكذلك تبديل قوله تعالى : «مالك يوم الدين» بقول هذا القائل الذي أغواه الشيطان : «الملك الديّان» فالجواب عنه : انّ قوله تعالى يكون المعنى المقصود منه انّ هنا يوماً يسمّى يوم الجزاء ، وعالماً استعدّ لمكافأة الأعمال ، إن خيراً فخير ، وإن شرّاً فشرّ ، وانّ مالك ذلك اليوم ، والمتصرّف النافذ فيه هو الله تبارك وتعالى ، وأين هذا من قول هذا القائل لعدم دلالته على وجود ذلك اليوم المعدّ للجزاء والمكافأة .

وكذلك تغيير قوله تعالى : «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين» بقوله : «لك العبادة وبك المستعان» يوجب فوات المعنى المقصود منه الراجع إلى إظهار المؤمن التوحيد في العبادة ، والافتقار إلى الاستعانة بالله فقط ، وانّه لا يخضع لغير الله ، ولا يعبد إلاّ إيّاه ، ولا يستعين إلاّ به ، ففي الحقيقة مرجعه إلى بيان وصف المؤمن ، وانّه في مقام العبادة والاستعانة لا يرى ما سوى الله مستأهلاً لذلك ، صالحاً لأن يعبد أو يستعان به ، وأين هذا المعنى اللطيف الراجع إلى التوحيد في مقام العبادة والاستعانة ـ سيّما مع ملاحظة ابتلاء عرب الجاهلية في ذلك العصر بالشرك في مقام العبادة والاستعانة ، وخضوعهم في مقابل الأوثان ، وطلب الإعانة منهم ، واعتقادهم انّهم يقرّبونهم إلى الله زلفى ، وانّهم الشفعاء عند الله ـ من قول هذا القائل الراجع إلى انحصار العبادة والاستعانة به تعالى ، من دون نظر إلى حال المؤمن ، وإظهاره التوحيد ، وامتيازه عن العرب في ذلك العصر ، كما لا يخفى .

وكذلك إبدال قوله تعالى : «اهدنا الصراط المستقيم» بقول هذا القائل الجاهل «اهدنا صراط الايمان» ـ مضافاً إلى عدم كونه موجباً للاختصار إلاّ من ناحية

ــ[151]ــ

الألف واللام فقط ، ومن المعلوم عدم دخالتهما في معنى الكلمة ـ يستلزم تضييق معنى وسيع ، فإنّ الصراط المستقيم الذي هو أقرب الطرق المتصوّرة إلى المعنى المقصود لا ينحصر بوجه خاصّ ، ولا يختصّ بجانب مخصوص ، بل يعمّ جميع الوجوه والجوانب من العقائد الصحيحة ، والملكات الفاضلة ، والأعمال الحسنة المطلوبة ، وأين هذا من التخصيص بصراط الايمان الذي هو أمر قلبي اعتقادي ، ولا يشمل غيره أصلاً ، كما لا يخفى .

وقد زعم الكاتب الجاهل ، والأجير العامل ، حيث اقتصر في مقام المعارضة مع سورة الفاتحة على هذه الجمل ، ولم يعقّبها بشيء ، إنّ بقيّة السورة المباركة مستغن عنها لا حاجة إلى إضافتها أصلاً ، لعدم إفادتها شيئاً زائداً على ما هو مفاد الجملات التي ذكرها ، مع أنّها تدلّ على مطلب أساسي ، وهو انقسام الناس من جهة الوصول إلى السعادة المطلوبة ، وسلوك الطريق إلى الكمال المعنوي إلى أقسام ثلاثة :

قسم : هم الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ، وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم ، ووصلوا إلى الغرض الأغلى والغاية القصوى ، وينبغي أن يطلب من الله الهداية إليه ، والدخول في زمرتهم ، وسلوك طريقهم ، والكون معهم .

وقسم : وقع غضب الله عليهم ، وهم الذين أنكروا الحقّ بعد وضوحه ، وعاندوه بعد ظهوره ، ونهضوا لإطفاء نوره ، وقاموا في مقابلته وجاهدوا في طريق الباطل .

والقسم الثالث : هم الضالّون الذين ضلّوا عن طريق الهدى ، وانحرفوا عن

ــ[152]ــ

الصراط المستقيم بجهلهم وتشبّثهم بما لا يتشبّث به العاقل من تقليد الآباء والأجداد ، وغيره من الطرق المنحرفة غير المستقيمة .

ولعلّ اقتصار الكاتب على الجملات التي ذكرها ، وعدم تعرّضه لمعارضة بقيّة السور كان لأجل وضوح كونه غير القسم الأوّل ، بل من القسم الثاني نعوذ بالله من متابعة الشيطان ، والقيام في مقابل الرحمن ، مع وضوح الحقّ ، وهداية البرهان .

وهنا نختم البحث في إعجاز القرآن ونستمدّ منه الخروج من الظلمات إلى النور .

ــ[153]ــ

صفحة بيضاء

ــ[154]ــ

 

 

 

 

 

 

حول القُرّاء والقراءات

ــ[155]ــ

 

 

 

 

 

 

دعوى تواتر القراءات . من هم القرّاء السبع . أدلّة منكري التواتر . أدلّة القائلين بالتواتر والجواب عنها . حجّية القراءات . جواز القراءة بها في الصلاة

ــ[156]ــ

حول القرّاء والقراءات

 

 

 

 

والكلام فيها يقع في مقامات :

 

المقام الأوّل ـ دعوى تواتر القراءات

نسب إلى المشهور بين علماء أهل السنّة القراءات السبع المعروفة بين الناس متواترة ، ومقصودهم ـ ظاهراً ـ هو التواتر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى أنّه قد ثبت بالتواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قرأ على وفق هذه القراءات ، وحكى عن بعضهم القول بتواتر القراءات العشر ، بل عن بعضهم أنّ من قال : إنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر : فقوله كفر .

والمعروف بين الشيعة الإماميّة انّها غير متواترة ، بل هي بين ما هو اجتهاد من القارئ ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد ، واختار هذا القول جماعة من المحقّقين من العامّة ، ولا يبعد دعوى كونه هو المشهور بينهم ، وسيأتي نقل بعض كلماتهم في هذا المقام .

وقبل الخوض في المقصود لابدّ من تقديم مقدّمة تنفع لغير المقام أيضاً وهي : إنّ ثبوت القرآن واتّصاف كلام بكونه كذلك أي قرآناً ينحصر طريقه بالتواتر كما أطبق عليه المسلمون بجميع نحلهم المختلفة ومذاهبهم المتفرّقة .

ــ[157]ــ

بيان ذلك : انّه ربّما يمكن أن يتوهّم في بادئ النظر انّه ما الفرق بين كلام الله الذي ادّعى عدم ثبوته إلاّ بالتواتر ، وبين كلام المعصوم ـ نبيّاً كان أو إماماًـ حيث لا ينحصر طريق ثبوته به ، بل يثبت بخبر الواحد الجامع لشرائط الاعتبار والحجّية ، فكما أنّ خبر زرارة وحكايته يثبت صدور القول الدالّ على وجوب صلاة الجمعة ـ مثلاً ـ من الإمام(عليه السلام) فما المانع من أن يكون خبر الواحد مثبتاً أيضاً لكلام الله تبارك وتعالى ، بل ربما يمكن أن يزاد بأنّ ثبوت القرآنية لا طريق له إلاّ قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واخباره بأنّه قرآن وكلام إلهي . وعليه يتوجّه سؤال الفرق بين كلام النبي المتضمّن لثبوت حكم من الأحكام الشرعية وبين إخباره بأنّ الآية الفلانية من القرآن فكما أنّه يثبت الأوّل بخبر الواحد كذلك لا مجال للمناقشة في ثبوت الثاني به أيضاً ، وعدم انحصاره بالتواتر ، هذا غاية ما يمكن أن يتوهّم في المقام .

ويدفعه :

ما عرفت من إطباق المسلمين بأجمعهم على ذلك ، حتّى ذكر السيوطي : انّ القاضي أبا بكر قال في الانتصار : «ذهب قوم من الفقهاء والمتكلِّمين إلى إثبات القرآن حكماً لا علماً بخبر الواحد ، دون الاستفاضة ، وكره ذلك أهل الحقّ وامتنعوا منه» .

وهذا الأصل الذي مرجعه إلى عدم ثبوت وصف القرآنية إلاّ بالتواتر كان مسلّماً عندهم ، بحيث بنى المالكيّة وغيرهم ممّن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل ، وقد ردّه بأنّها لم تواتر في أوائل السور ، وما لم تتواتر فليس بقرآن ، ولكنّهم أجابوا عنه بمنع كونها لم تتواتر ، ويكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة ، فمن بعدهم بخط المصحف ، مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه ، كأسماء

ــ[158]ــ

السور ، وآمين ، والاعشار ، فلو لم تكن قرآناً لما استجازوا إثباتها بخطّه من غير تمييز ، لأنّ ذلك يحمل على اعتقادها قرآناً ، فيكونون مغررين بالمسلمين ، حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً ، وهذا ممّا لا يجوز اعتقاده في الصحابة .

ونقلوا في إثبات كون البسملة قرآناً روايات كثيرة : أخرجها أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم ، كلّها تدلّ على كونها من الآيات القرآنية ، بل في بعضها : «أعظم آية من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم» وفي بعضها عن ابن عبّاس قال : «أغفل الناس آية من كتاب الله لم ينزل على أحد سوى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أن يكون سليمان بن داود : بسم الله الرحمن الرحيم» وفي بعضها : «انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين لا يعلمون فصل الصورة وانقضائها حتّى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت علموا أنّ السورة قد انقضت» .

ولأجل تسلّم هذا الأصل قال السيوطي في الاتقان : «من المشكل على هذا الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي ، قال : نقل في بعض الكتب القديمة انّ ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوّذتين من القرآن . وهو في غاية الصعوبة ، لأنّا إن قلنا إنّ النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة يكون ذلك من القرآن ، فإنكاره يوجب الكفر ، وإن قلنا لم يكن حاصلاً في ذلك الزمان ، فيلزم أنّ القرآن ليس بمتواتر في الأصل ، والأغلب على الظنّ أنّ نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل ، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة» .

ثمّ نقل السيوطي أقوالاً مختلفة في هذه الحكاية راجعة إلى تكذيبها ، وانّه موضوع على ابن مسعود أو إلى بطلان ما ذكره ، وعدم صحّته بوجه ، أو إلى تأويله بحيث لا ينافي كونها من القرآن بنحو التواتر .

ــ[159]ــ

وبالجملة : ثبوت هذا الأصل بينهم ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ، وهو يكفي في مقام الجواب عن ذلك التوهّم ، والفرق بين القرآن وغيره مضافاً إلى أنّه لا محيص عن انحصار ثبوت القرآن بالتواتر ، وذلك لتوفّر الدواعي على نقله ، ضرورة أنّه من أوّل نزوله لم ينزل بعنوان بيان الأحكام فقط ، بل بعنوان المعجزة الخالدة ، الذي يعجز الإنس والجنّ إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل سورة منه ، وقد مرّ في بحث الإعجاز دلالة القرآن بنفسه على كونه معجزة خالدة ، وفي مثل ذلك يتوفّر الدواعي على نقله وضبطه ، ليحفظ ويبقى ببقائه الدين الحنيف ، الذي هو أكمل الأديان ، وأتمّ الشرائع ، وعليه فما نقل بطريق الآحاد لا يكون قرآناً قطعاً ، وإلاّ لكانت الدواعي على نقله متوفّرة ، وبذلك يخرج عن الآحاد ، فالمشكوك كونه قرآناً يقطع بعدم كونه منه ، وخروجه عن هذا الوصف الشريف ، نظير ما ذكروه في الاُصول من أنّ الشكّ في حجّية أمارة مساوق للقطع بعدم الحجّية ، وعدم ترتّب شيء من آثار الحجّة عليه .

والمقام نظير ما إذا أخبر واحد بدخول ملك عظيم في البلد ، مع كون دخوله فيه ممّا لا يخفى على أكثر أهله ، لاستلزامه ـ عادة ـ اطّلاعهم وتهيّؤهم للاستقبال ونحوه من سائر الاُمور الملازمة لدخوله كذلك ، ففي مثل ذلك يكون اخبار واحد فقط موجباً للقطع بكذبه أو اشتباهه ، لاستحالة اطّلاعه فقط ـ عادةً ـ فكيف يكون الكتاب الذي هو الأساس للدين الإسلامي ، ولابدّ من أن يرجع إليه إلى يوم القيامة كلّ من يريد الأخذ بالعقائد الصحيحة ، والملكات الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، والدساتير العالية ، والاطّلاع على القصص الماضية ، وحالات الاُمم السالفة ، وغير ذلك من الشؤون والجهات اتي يشتمل عليها الكتاب العزيز ، ممّا

ــ[160]ــ

يكفي في ثبوته النقل بخبر الواحد ، وليس ذلك لأجل مجرّد كونه كلام الله تبارك وتعالى ، بل لأجل كونه كلام الله المتضمّن للتحدّي والإعجاز ، والهداية والإرشاد ، وإخراج جميع الناس من الظلمات إلى النور إلى يوم القيامة ، وإلاّ فمجرّد كلام الله تعالى إذا لم يكن متضمّناً لما ذكر ، كالحديث القدسي لا يلزم أن يكون متواتراً .

فقد ظهر الفرق بين مثل الكتاب الذي ليس كمثله كتاب ، وبين كلام المعصوم ـ نبيّاً كان أو إماماً ـ الذي لا ينحصر طريق ثبوته بالتواتر ، فإنّ دليل حجّية خبر الواحد الحاكي لكلام المعصوم إنّما هو ناظر إلى لزوم ترتيب الآثار عليه ، والأخذ به في مقام العمل ، ولا يلزم فيه الاعتقاد بصدوره عنه ، وانّه كلامه ، لأنّ الغرض مجرّد تطبيق العمل في الخارج عليه ، لا صدوره واسناده إليه ، وهذا بخلاف كلام الله المنزل المقرون بالتحدّي والاعجاز ، ويكون هو الأساس للدين والأصل للهداية والميزان ، للخروج من ظلمات الجهل والانحراف إلى عالم نور العلم والمعرفة ، فإنّه لابدّ في مثل ذلك من وضوح كونه كلام الله ، وظهور صدوره عنه تبارك وتعالى .

أضف إلى ذلك أنّ القرآن ـ كما مرّ في بحث الإعجاز مفصّلاً ـ نزل في محيط البلاغة والفصاحة ، وكان واقعاً في المرتبة التي عجز البلغاء عن النيل إليها ، والفصحاء عن الوصول إلى مثلها ، ولأجله خضع دونه البعض ، ونسب البعض الآخر إليه السحر ، ومن هذه الجهة كان موضعاً لعناية المتخصّصين في هذا الفنّ الذي كان هو السبب الوحيد عندهم للفضيلة والشرف ، وبه يقع التفاخر بينهم .

ومن الواضح أنّه مع هذه الموقعية يكون كلّ جزء من أجزائه ملحوظاً لهم ، منظوراً عندهم ، من دون فرق في ذلك بين من آمن به ، ومن لم يؤمن ، فكيف يمكن أن ينحصر نقل مثل ذلك بخبر الواحد ، كما هو غير خفيّ على من كان بعيداً عن

ــ[161]ــ

التعصّب والعناد ، متّبعاً لحكم العقل والنظر السداد .

ثمّ انّه ظهر ممّا ذكرنا : انّ اتصاف نقل القرآن بالتواتر ، وانحصاره به إنّما هو على سبيل الوجوب واللزوم ، بمعنى أنّ تواتره لا يكون مجرّد أمر واقع في الخارج ، من دون أن يكون وقوعه لازماً ، والاتّصاف بذلك واجباً ، بل الظاهر لزوم اتّصافه به ، وكون وقوعه في الخارج إنّما هو لأجل لزوم وقوعه فيه كذلك ، لعين ما تقدّم من أصل الدليل على تواتره ، ومناقشة المحقّق القمّي(قدس سره) في هذه الجهة حيث قال : «إنّه ـ يعني وجوب التواتر ـ إنّما يتمّ لو انحصر طريق المعجزة وإثبات النبوّة لمن سلف وغبر فيه ، ألا ترى أنّ بعض المعجزات ممّا لم يثبت تواتره ، وأيضاً يتمّ لو لم يمنع المكلّفون على أنفسهم اللطف ، كما صنعوه في شهود الإمام(عليه السلام)» ليس في محلّها ، فإنّك عرفت أنّ الكتاب هو المعجزة الخالدة الوحيدة ، وانّ نفسه يدلّ على اتّصافه بهذا الوصف ، وانّه الذي لو اجتمع الإنس والجنّ ـ إلى يوم القيامة ـ على الإتيان بمثله لا يأتون به ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، وهو الذي يخرج به جميع الناس إلى ذلك اليوم من الظلمات إلى النور ، وانّه الذي يكون نذيراً للعالمين ، فمثل ذلك لو لم يلزم تواتره يلزم عدم حصول الغرض المقصود ، وهو السرّ في عدم ثبوت بعض المعجزات بالتواتر ، لأنّ تواتر القرآن ـ ولزومه كذلك ـ يغني عن اتّصاف غيره من المعجزات بالتواتر ، ومقايسة الكتاب الذي يتّصف بما وصف بمثل شهود الإمام(عليه السلام)الذي منع المكلّفون على أنفسهم اللطف فيه ، غير صحيحة جدّاً ، فهل يمكن أن يصير منع اللطف سبباً لأن تخلو الاُمّة من الإمام رأساً ، فكيف يمكن أن يصير سبباً لعدم لزوم اتّصاف القرآن بالتواتر ، مع إيجابه نقض الغرض ، واستلزامه عدم تحقّق المعنى المقصود من إنزاله .

ــ[162]ــ

وممّا ذكرنا انقدح انّه كما لا تثبت القرآنية واتّصاف كلام بكونه كلام الله المنزل على الرسول الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) بعنوان الإعجاز إلاّ بالتواتر ، كذلك اتّصافه بكونه آية لسورة فلانية ، دون السور الاُخرى ، فمثل اتّصاف قوله تعالى : }فبأي آلاء ربّكما تكذّبان{ بكونه جزء لسورة «الرحمن» دون غيرها من السور القرآنية ، لا طريق له إلاّ التواتر لعين ما ذكر في أصل الاتّصاف بالقرآنية ، وكذا اتّصاف الآية الفلانية بكونها في محلّها ، وفي موضعها من السورة التي هي جزء لها لا يثبت إلاّ بالتواتر أيضاً ، فاتّصاف قوله تعالى : }اهدنا الصراط المستقيم{ بوقوعه بعد قوله تعالى : }مالك يوم الدين{ وقبل قوله تعالى : }صراط الذين أنعمت عليهم{ لا يثبت إلاّ بالتواتر لما ذكر ، وكذا من جهة الاعراب فقوله : «والأرحام» في آية }واتّقوا الله الذي تسائلون به والأرحام{ لابدّ وأن تثبت مفتوحيّته أو مجروريّته بالتواتر ، لاختلاف المعنى بمثل ذلك .

نعم ربما يقال : إنّ مثل الامالة والمدّ واللين لا يلزم فيه التواتر لأنّ القرآن هو الكلام ، وصفات الألفاظ ليس كلاماً ، ولأنّه لا يوجب ذلك اختلافاً في المعنى ، فلا تتعلّق فائدة مهمّة بتواتره ، ولكنّه محلّ نظر ، بل منع ، فتأمّل .

ــ[163]ــ

 

 

 

من هم القرّاء؟

 

إذا تمهّدت لك هذه المقدّمة الشريفة النافعة فإنّه يقع الكلام في دعوى تواتر القراءات السبع ، كما عليه جماعة من علماء أهل السنّة ، بل نسب إلى المشهور بينهم ، بل قيل : إنّه الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن .

ونذكر أوّلاً ترجمة هؤلاء القرّاء بنحو الإجمال فنقول :

1 ـ عبدالله بن عامر الدمشقي ، ولد سنة ثمان من الهجرة وتوفّي سنة 118 ، وله راويان رويا قراءته بوسائط ، وهما : هشام ، وابن ذكوان .

2 ـ عبدالله بن كثير المكّي ، ولد بمكّة سنة 45 ، وتوفى سنة 120 ، وله راويان بوسائط أيضاً هما : البزّي ، وقنبل .

3 ـ عاصم بن بهدلة الكوفي ، مات سنة 127 أو 128 ، وله راويان بغير واسطة هما : حفص ، وأبو بكر .

4 ـ أبو عمرو البصري ، ولد سنة 68 ، وقال غير واحد : مات سنة 154 ، وله راويان بواسطة يحيى بن المبارك اليزيدي هما : الدوري ، والسوسي .

5 ـ حمزة الكوفي ولد سنة 80 ، وتوفى سنة 156 ، وله راويان بواسطة ، هما : خلف بن هشام ، خلاّد بن خالد .

6 ـ نافع المدني ، مات سنة 169 ، وله راويان بلا واسطة هما : قالون ،

ــ[164]ــ

وورش .

7 ـ الكسائي الكوفي ، واختلف في تاريخ موته ، وأرّخه غير واحد من العلماء والحفّاظ سنة 189 ، وله راويان بغير واسطة هما : الليث بن خالد ، وحفص بن عمر .

وامّا الثلاثة المتمِّمة للعشرة :

1 ـ خلف بن هشام البزار ، الذي هو أحد الراويّين عن حمزة الكوفي ، ولد سنة 150 ، ومات سنة 229 ، وله راويان هما : إسحاق ، وإدريس .

2 ـ يعقوب بن إسحاق ، مات في ذي الحجّة سنة 205 ، وله ثمان وثمانون سنة ، وله راويان هما : رويس ، وروح .

3 ـ أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، مات بالمدينة سنة 130 ، وله راويان هما : عيسى ، وابن جماز .

إذا عرفت ما ذكرنا نقول : إنّ المراد بتواتر القراءات السبع أو العشر ، إن كان هو التواتر عن مشايخها وقرّائها ، بحيث كان إسناد كلّ قراءة إلى شيخها وقاريها ثابتاً ، بنحو اليقين الحاصل من أخبار جماعة يمتنع ـ عادةً ـ تواطؤهم على الكذب ، وتوافقهم على خلاف الواقع ، وكان هذا الوصف موجوداً في جميع الطبقات ، لوجود الوسائط المتعدّدة ، ـ على ما عرفت ـ من تاريخ حياتهم ومماتهم ، ومن الواضح انّ التواتر في مثل هذا الخبر لابدّ وأن تكون رواته في جميع الطبقات كذلك ، أي كانوا جماعة يستحيل عادة اتّفاقهم على الكذب ، فالجواب عنه أمران :

الأوّل : انّك عرفت في تراجمهم : انّ لكلّ من القرّاء السبع ، أو العشر راويين رويا قراءته ـ من دون واسطة أو معها ـ ومن المعلوم انّه لا يتحقّق التواتر بمثل ذلك ،

ــ[165]ــ

ولو ثبت وثاقتهما ، فضلاً عمّا إذا لم تثبت الوثاقة كما في بعض الرواة عنهم .

الثاني : انّه على تقدير ثبوت قراءة كلّ منهم بنحو التواتر عنهم ، فهذا لا يترتّب عليه أثر ، ولا فائدة فيه بالإضافة إلينا ، ضرورة أنّهم ليسوا ممّن يكون قوله حجّة علينا ، ولا دليل على اعتبار قولهم أصلاً ، كما هو واضح من أن يخفى .

وإن كان المراد ـ بتواتر القراءات ـ هو التواتر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو الظاهر من قولهم بحيث كان المراد انّ النبيّ بنفسه الشريفة قرأ على وفق تلك القراءات المختلفة ، بمعنى انّه قرأ على طبق قراءة عبدالله بن عامر ـ مثلاً ـ مرّة ، وعلى وفق قراءة عبدالله بن كثير تارةً اُخرى ، وهكذا ، وكان ذلك ثابتاً بنحو التواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) فيردّه اُمور :

الأوّل : ما عرفت من عدم ثبوت تلك القراءات عن مشايخها وقرّائها بنحو التواتر ، فضلاً عن ثبوتها عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك .

الثاني : انّه على تقدير ثبوتها بنحو التواتر عنهم ـ أي عن المشايخ والقرّاءـ فاتّصال أسانيد القراءات بهم أنفسهم ، أو انقطاعها مع الوصول إليهم ، بداهة انتهاء السند إلى الشيخ والقارئ في كلّ قراءة اجتهاديّة ، وعدم التجاوز عنه إلى غيره يمنع عن تحقّق التواتر ، إمّا لأجل انقطاع السند ، وعدم التجاوز عن الشيخ إلى من قبله ، وإمّا لأجل أنّه يلزم ـ في تحقّق التواتر ـ اتّصاف الرواة في جميع الطبقات بكونهم ممّن يمتنع ـ عادةً ـ تواطؤهم على الكذب ، واخبار خلاف الواقع ، وفي رتبة القرّاء أنفسهم لا يكون هذا الشرط بمتحقّق أصلاً ، لأنّه في هذه الرتبة لا يكون الراوي إلاّ واحداً ، أو هو الشيخ والقارئ وحده ، فلا يبقى حينئذ مجال لاتّصاف القراءات بالتواتر عن النبيّ ، كما هو المفروض .

ــ[166]ــ

الثالث : استدلال كلّ واحد منهم واحتجاجه ـ في مقام ترجيح قراءته على قراءة غيره وإعراضه عن قراءة غيره ـ مع أنّه لو كانت بأجمعها متواترة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحتجّ إلى الاحتجاج ، ولم يكن وجه للإعراض عن قراءة غيره ، بل لم يكن وجه ترجيح قراءته على قراءة الغير ورجحانها عليها ، فإنّه بعد ثبوت انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ على وفق جميعها لا يكون مجال للمقايسة ، ولا يبقى موقع لاحتمال رجحان بعضها على الآخر أصلاً ، كما هو واضح لا يخفى .

الرابع : إضافة هذه القراءات إلى خصوص مشايخها وقرّائها ، فإنّه على تقدير كونها ثابتة بنحو التواتر عن النبي ، الذي نزل عليه الوحي لما كان وجه لإضافة هذه القراءات إلى هؤلاء الأشخاص ، بل كان اللاّزم إضافة الجميع إلى الواسطة بين الخلق والخالق ، ومن نزل عليه كلام الله المجيد ، بل اللاّزم الإضافة إلى الله تبارك وتعالى ، لأنّ قراءة النبي لم تكن من عند نفسه ، بل حكاية لما هو في الواقع ، ووحي يوحى إليه وبالتالي لا يكون لهؤلاء القرّاء على هذا التقدير المفروض امتياز ، وجهة اختصاص موجبة للإضافة إليهم دون غيرهم ، ومجرّد وقوعهم في طريق النقل المتواتر لا يوجب لهم مزيّة وخصوصية ، واختيار كلّ واحد منهم لقراءة خاصّة ـ مع أنّه لم يكن وجه ـ كما عرفت في الأمر الثالث ـ لا يصحّح الاسناد والإضافة أصلاً ، فلابدّ من أن يكون لهذه الإضافة وجه وسبب ، وليس ذلك إلاّ مدخلية اجتهادهم واستنباطهم في قراءتهم .

وبالجملة : نفس إضافة القراءات إلى مشايخها ، دون من نزل عليه الوحي دليل قطعي على عدم ثبوتها بنحو التواتر عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) وإلاّ فلا مجال لهذا الاسناد ، وهذه الإضافة .

ــ[167]ــ

الخامس : شهادة غير واحد من المحقّقين من أعلام أهل السنّة على عدم تواتر القراءات ، وإنكار بعضهم على جملة من القراءات والإيراد عليه ، وعلى فرض صدق التواتر وتحقّقه مع شرائطه لا يرى وجه للاعتراض والإيراد على شيء من القراءات ، وهل هو حينئذ إلاّ إيراد على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واعتراض عليه ـ نعوذ بالله منه ـ .

ــ[168]ــ

 

 

 

أقوال منكري التواتر

 

ولا بأس بنقل كلمات بعض من الأعلام ممّن صرّح بعدم تواتر القراءات :

1 ـ ابن الجزري ـ الذي وصفه السيوطي في «الاتقان» بأنّه شيخ مشايخ القرّاء في زمانه ، وانّه أحسن من تكلّم في هذا المقام ، قال ـ على ما حكي عنه ـ «كلّ قراءة وافقت العربيّة ولو بوجه ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً ، وصحّ سندها ، فهي القراءة الصحيحة ، التي لا يجوز ردّها ، ولا يحلّ إنكارها ، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، ووجب على الناس قبولها ، سواء كانت عن الأئمّة السبعة ، أم عن العشرة ، أم عن غيرهم من الأئمّة المقبولين ، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة ، أو شاذّة ، أو باطلة سواء كانت عن السبعة ، أم عمّن هو أكبر منهم ، هذا هو الصحيح عند أئمّة التحقيق من السلف والخلفو صرّح بذلك الداني ، ومكّي ، والمهدويّ ، وأبو شامة ، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه» وقد نقل بقيّة كلامه الطويل أيضاً السيوطي في الاتقان ، ثمّ وصفه بأنّه أتقن هذا الفصل جدّاً .

2 ـ أبو شامة : في كتابه «المرشد الوجيز» قال ـ على ما حكاه عنه ابن الجزري في ذيل كلامه المتقدّم ـ «فلا ينبغي أن تغترّ بكلّ قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمّة السبعة ، ويطلق عليها لفظ الصحّة ، وانّها هكذا انزلت . إلاّ إذا دخلت في ذلك

ــ[169]ــ

الضابط ـ وحينئذ ـ لا ينفرد بنقلها مصنّف عن غيره ، ولا يختصّ ذلك بنقلها عنهم ، بل ان نقلت عن غيرهم من القرّاء فذلك لا يخرجها عن الصحّة ، فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف ، لا على من تنسب إليه ، فإنّ القراءات المنسوبة إلى كلّ قارئ ، من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه ، والشاذّ ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» .

3 ـ الزركشي حيث قال : «إنّ التحقيق أنّ القراءات السبع متواترة عن الأئمّة السبعة ، امّا تواترها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ففيه نظر ، فإنّ اسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات ، وهي نقل الواحد عن الواحد» .

ومن الغريب بعد ذلك ما وقع من بعض الاُصوليّين وكذا بعض من أعلام فقهاء الشيعة الإماميّة كالشهيدين(قدس سرهما) في محكيّ «الذكرى» و«روض الجنان» من دعوى تواتر القراءات السبع .

قال في الثاني ـ بعد نقل الشهرة من المتأخّرين وشهادة الشهيد على ذلك ـ : «ولا يقصر ذلك عن ثبوت الإجماع بخبر الواحد فيجوز القراءة بها ، مع أنّ بعض محقّقي القرّاء من المتأخّرين أفرد كتاباً في أسماء الرجال الذين نقلوها في كلّ طبقة ، وهم يزيدون عمّا يعتبر في التواتر ، فيجوز القراءة بها إن شاء الله تعالى» .

ونقتصر في مقام الجواب على أمر واحد ، وهو أنّ أهل الفنّ أخبرْ بفنّهم ، والحكم في ذلك ليس من شأنهم ، مع أنّه يمكن أن يقال إنّ مراده(قدس سره) هو ثبوت التواتر عنهم ، لا عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو وإن كان ممنوعاً أيضاً ـ على ما عرفت في الاحتمال الأوّل في معنى تواتر القراءات ـ إلاّ أنّ ادّعاءه أسهل من دعوى التواتر عن

ــ[170]ــ

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مضافاً إلى أنّه لا يترتّب على ما ثبت تواتره عنهم أثر أصلاً ، لما مرّ من عدم حجّية قولهم وفعلهم وتقريرهم ، كما أنّ الظاهر انّ غرض الشهيد من إثبات التواتر مجرّد جواز القراءة بكلّ من تلك القراءات ، لتفريع جواز القراءة على ذلك في موضعين من كلامه ، ولو كان المراد ثبوت تواترها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) لكان الأثر الأهمّ والغرض الأعلى الاتّصاف بوصف القرآنية ، وجواز الاستدلال بها ، والاستناد إليها في مقام استنباط حكم من الأحكام الشرعية الإلهية ، ومن الواضح انّه لا يقاس بذلك في مقام الأهمّية مجرّد جواز القراءة ، كما هو ظاهر .

وهنا احتمال ثالث في معنى تواتر القراءات ، ذكره المحقّق القمّي(قدس سره) في كتاب القوانين ، وأذعن به حيث قال : «إن كان مرادهم تواترها عن الأئمّة(عليهم السلام) بمعنى تجويزهم قراءتها ، والعمل على مقتضاها فهذا هو الذي يمكن أن يدّعى معلوميّتها من الشارع ، لأمرهم بقراءة القرآن كما يقرأ الناس ، وتقريرهم لأصحابهم على ذلك ، وهذا لا ينافي عدم علمية صدورها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووقوع الزيادة والنقصان فيه ، والإذعان بذلك والسكوت عمّا سواه أوفق بطريقة الاحتياط» .

ومرجع هذا الاحتمال ـ وإن كان بعيداً في الغاية لأنّ مسألة تواتر القراءات من المسائل المهمّة المبحوث عنها عند العامّة ، ويبعد أن يكون مرادهم التواتر عن الأئمّة التي يختصّ اعتقاد حجّية أقوالهم بالفرقة المحقّة ـ إلى تواتر مجرّد جواز القراءة بتلك القراءات ، والعمل على مقتضاها ، من الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .

وسيأتي البحث عن ذلك بعد ذكر أدلّة القائلين بالتواتر في المقام الثالث الممهّد للبحث عن جواز القراءة بتلك القراءات السبع المختلفة ، بعد عدم ثبوت تواترها بوجه ، وعدم جواز الاستدلال بها ، والاستناد إليها في مقام الاستنباط ،

ــ[171]ــ

واستكشاف أحكام الله تبارك وتعالى ، إن شاء الله ، فانتظر .

ــ[172]ــ

 

 

 

أدلّة القائلين بالتواتر

 

وامّا القائلون بالتواتر فمستندهم في ذلك وجوه :

الأوّل : دعوى قيام الإجماع عليه من السلف إلى الخلف .

والجواب :

إنّ ملاك حجّية الإجماع ـ عند المستدلّ ـ يتقوّم باتّفاق كلّ من يتّصف بأنّه من الاُمّة المحمّدية ، وبدون ذلك لا يتحقّق الإجماع الواجد لوصف الحجّية والاعتبار عنده ، وقد مرّ عدم تحقّق هذا الاتّفاق بوجه ، فإنّه كما تحقّق إنكار تواتر القراءات من الطائفة المحقّة الإماميّة ـ وهم جماعة غير قليلة من الاُمّة النبويّة ـ كذلك أنكره كثير من المحقّقين من علماء أهل السنّة ، وقد تقدّم نقل بعض كلماتهم ، فدعوى قيام الإجماع ـ والحال هذه ـ ممّا لا يصدر ادّعاؤها من العاقل غير المتعصّب .

الثاني : انّ اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءاته ، وهذا واضح لمن سلك سبيل الإنصاف ، ومشى طريق العدالة .

والجواب :

أوّلاً : انّ هذا الدليل لا ينطبق على المدّعى بوجه ، فإنّ المدّعى هو تواتر القراءات السبع أو العشر ، والدليل يقتضي تواتر قراءة القرآن ، ومن الواضح أنّ تواتر القراءة ـ على تقديره ـ لا يثبت تواتر القراءات السبع أو العشر .

ــ[173]ــ

وثانياً : انّ مقتضى هذا الدليل تواتر نفس القرآن ، لا تواتر كيفيّة قراءته ، خصوصاً مع ما نعلم من كون مستند بعض المشايخ والقرّاء هو الاجتهاد والنظر أو السماع ولو من الواحد .

مع أنّ حصر القراءات في السبع إنّما حدث في القرن الثالث من الهجرة ، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر .

وحكى أنّ مسبّعها هو أبو بكر أحمد بن موسى بن العبّاس بن مجاهد ، كان على رأس الثلاثمائة ببغداد ، فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمّة الحرمين والعراقين والشام ، وحكى أنّه قد لامه كثير من العلماء لما فيه من الإيهام ، وإشكال الأمر على العامّة بإيهامه كلّ من قلّ نظره أنّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ـ يعني رواية نزول القرآن على سبعة أحرف .

وحكي عن أبي محمّد مكّي قوله : «قد ذكر الناس من الأئمّة في كتبهم أكثر من سبعين ممّن هو أعلى رتبة ، وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة ، فكيف يجوز أن يظنّ ظانّ أنّ هؤلاء السبعة المتأخّرين قراءة كلّ واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوصة عليها هذا تخلّف عظيم ، أكان ذلك بنصّ من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أم كيف ذلك؟! أو كيف يكون ذلك؟! والكسائي إنّما ألحق بالسبعة بالأمس في أيّام المؤمنون وغيره ، وكان السابع يعقوب الحضرمي ، فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة ونحوها الكسائي موضع يعقوب» .

ومع هذا الشأن فهل يكون اهتمام الصحابة والتابعين موجباً لتواتر هذه القراءات السبع خاصّة؟! فاللاّزم امّا القول بتواتر جميع القراءات من دون تبعيض ، وامّا القول بعدم تواتر شيء منها في مورد الاختلاف ، وحيث انّه لا سبيل إلى الأوّل

ــ[174]ــ

فلا محيص عن الثاني ، كما لا يخفى .

الثالث : دعوى الملازمة بين تواتر أصل القرآن وبين تواتر القراءات المختلفة ، نظراً إلى أنّ القرآن إنّما وصل إلينا بتوسّط حفّاظه والقرّاء المعروفين ، ولم تكن القراءة منفكّة عن القرآن ، بحيث كان أصل القرآن واصلاً مستقلاًّ ، والقراءة واصلة مرّة اُخرى كذلك ، بل كانتا واصلتين معاً ، بتوسّط الحفّاظ والقرّاء ، وحينئذ فتواتر القرآن الذي لا ريب فيه ، ولا شيهة تعتريه ملازم لتواتر القراءات ، لما عرفت .

والجواب :

أوّلاً : منع الملازمة ين تواتر أصل شيء وبين تواتر خصوصيّاته وكيفيّاته ، ضرورة أنّ الاختلاف فيها لا ينافي الاتّفاق على أصله ، وهذا واضح جدّاً فإنّ غالبية الحوادث والوقائع والمسائل والاُمور ، أصلها مسلّم متّفق عليه ، وخصوصيّاتها مشكوكة مختلف فيها ، وذلك كواقعة الطف الكبرى ، فإنّ حدوثها ووقوعها من الواضحات البديهيّة ، وكيفيّتها مختلف فيها ، وكهجرة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ تواتر أصلها لا يسلتزم تواتر خصوصيّاتها .

وبالجملة : فدعوى الملازمة بين اتّصاف أصل الشيء بالتواتر وبين اتّصاف خصوصيّاتها به أيضاً ممنوعة جدّاً .

وثانياً : منع كون أصل القرآن واصلاً إلينا بتوسّط خصوص أولئك الحفّاظ والقرّاء ، بحيث لو لم يكونوا لما كان القرآن واصلاً إلى الخلف ، فإنّ ذلك مستلزم لعدم اتّصاف الأصل بالتواتر أيضاً ، بل من الواضح انّ وصول القرآن إلينا كان بالتواتر بين المسلمين ، ونقل الخلف عن السلف ، والتحفّظ على ذلك في صدورهم وكتاباتهم ، وذكرها اُمورهم وشؤونهم ، ولم يكن للقرّاء بأجمعهم فضلاً عن السبعة

ــ[175]ــ

أو العشرة دخل في ذلك أصلاً ، وحينئذ فتواتر القرآن الثابت بنقل المسلمين بهذا النحو كيف يكون ملازماً لتواتر القراءات السبع أو العشر ، وكيف يقاس أصل القرآن بخصوصيّات القراءات؟! .

ثمّ على تقدير كون مراد المستدلّ تواتر خصوص القراءات السبع أو العشر ـ كما هو الظاهر ـ يكون بطلان الدليل أوضح ، لأنّ دعوى الملازمة بين تواتر أصل القرآن وبين تواتر خصوص هذه القراءات ـ مع وضوح عدم كون القرآن واصلاً إلى الخلف ، بتوسّط خصوص هؤلاء القرّاء المعدودين ، والنفر المحصورين ـ ممّا لا يكاد يصدر ادّعاؤها ممّن له أدنى حظّ من العلم ، وأقلّ نصيب من الإنصاف والعدالة ، كما لا يخفى على اُولي النّهى والدراية .

الرابع : انّ اختلاف القراءات قد يرجع إلى الاختلاف في أصل الكلمة كالاختلاف الواقع بينهم في قراءة «ملك» و«مالك» وحينئذ لو لم تكن القراءات متواترة فيلزم أن يكون بعض القرآن غير متواتر ، فإنّ الاختلاف في إعراب مثل كلمة «والأرحام» وإن لم يكن مستلزماً لعدم تواتر القرآن على فرض عدم تواتر القراءات ، إلاّ أنّ الاختلاف في مثل كلمة «مالك» و«ملك» يستلزم ذلك على التقدير المذكور وفرض عدم تواتر القراءات ، ضرورة أنّ تخصيص أحدهما بالاتّصاف بوصف القرآنية تحكم ، فلا محيص عن الالتزام بتواتر كليهما ، حذراً عن خروج بعض القرآن عن كونه غير متواتر .

وهذا الدليل محكي عن ابن الحاجب ، وارتضاه جماعة ممّن تأخّر عنه .

والجواب :

انّه إن كان المدّعي هو تواتر خصوص القراءات السبع ـ كما هو الظاهر ـ فيرد

ــ[176]ــ

عليه عدم اقتضاء الدليل ذلك ، فإنّ مقتضاه ـ على فرض تماميّته ـ تواتر جميع القراءات ، خصوصاً مع ما عرفت من تصريح بعض المحقّقين من علماء أهل السنّة بأن فيمن عدى القرّاء السبعة من هو أعلى رتبة وأجلّ قدراً من السبعة ، بل قد عرفت في كلام أبي محمّد مكّي المتقدّم انّه قد ذكر الناس من الأئمّة في كتبهم أكثر من سبعين ، ممّن هو أعلى رتبة ، وأجلّ قدراً من هؤلاء السبعة . ومن الواضح انّه لا دخل للأوثقية والأرجحيّة في ذلك .

وبالجملة : الدليل ـ على فرض صحّته ـ يقتضي تواتر جميع القراءات ، من دون رجحان ومزيّة لبعضها على البعض الآخر .

وإن كان المراد هو تواتر جميع القراءات ، فيرد عليه ـ مضافاً إلى وضوح بطلان هذه الدعوى ، بحيث لم يصرّح بها أحد من القائلين بتواتر القراءات ، بل ولم يظهر من أحد منهم ـ منع الملازمة ، فإنّ الاختلاف إن كان في الكلمة مطلقاً ـ مادّة وهيئة ـ لكان لها سبيل ، وامّا في مثل المثال ممّا يكون الاختلاف راجعاً إلى الكيفيّة والهيئة فقط ، فتواتر القرآن إنّما تتّصف به المادّة فقط ، والاختلاف لا ينافي تواترها . نعم يكون موجباً لالتباس ما هو القرآن بغيره ، وعدم تميّزه من حيث الهيئة كعدم التميّز من حيث الإعراب في مثل كلمة «والأرحام» .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا عدم اتّصاف شيء من القراءات السبع أو العشر بالتواتر ، فضلاً عن غيرها ، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل .

ــ[177]ــ

 

 

 

المقام الثاني ـ حجّية القراءات

 

المقام الثاني : في حجّية القراءات وجواز الاستدلال بها على الحكم الشرعي وعدمها فنقول :

حكي عن جماعة حجّية هذه القراءات وجواز استناد الفقيه إليها في مقام الاستنباط ، فيمكن الاستدلال على حرمة وطء الحائض بعد نقائها من الحيض ، وقبل أن تغتسل بقوله تعالى : }ولا تقربوهنّ حتّى يطهّرن{ على قراءة الكوفيين ـ غير حفص ـ بالتشديد ، وظاهر تلك الجماعة حجّيتها على فرض عدم التواتر أيضاً ، بمعنى أنّ الحجّية على فرض التواتر ممّا لا ريب فيه عندهم أصلاً ، فيجوز الاستدلال بكلّ واحدة منها حسب اختيار الفقيه وإرادته ، وعلى فرض عدم التواتر أيضاً يجوز الاستدلال بها ، فلا فرق بين القولين من هذه الجهة ، غاية الأمر أنّ الجواز على الفرض الأوّل أوضح .

والدليل على الحجّية ـ على فرض التواتر ـ هو القطع بأنّ كلاًّ من القراءات قرآن منزل من عند الله ، فهي بمنزلة الآيات المختلفة النازلة من عنده تعالى ، وعلى فرض عدم التواتر يمكن أن يكون هو شمول الأدلّة القطعية الدالّة على حجّية خبر الواحد ، الجامع للشرائط لهذه القراءات أيضاً ، فإنّها من مصاديق خبر الواحد على هذا التقدير ، فتشملها أدلّة حجّيته .

ــ[178]ــ

والجواب :

امّا على التقدير الأوّل : انّ التواتر وإن كان موجباً للقطع بذلك ـ على فرض كون المراد به هو التواتر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ إلاّ انّه :

إن كان المراد بالحجّية هي الحجّية في نفسها ، بمعنى كون كلّ واحدة من القراءات صالحة للاستدلال بها ، مع قطع النظر عن مقام المعارضة ، فلا مانع من الالتزام بها على هذا الفرض ، إلاّ أنّ الظاهر عدم كونها بهذا المعنى مراداً للقائل بالحجّية ، وجواز الاستدلال .

وإن كان المراد بها هي الحجّية المطلقة الراجعة إلى جواز الاستدلال بها ، ولو مع فرض المعارضة والاختلاف ، فيرد عليه عدم اقتضاء التواتر لذلك ، فإنّ مقتضاه القطع بها من حيث السند والصدور ، وامّا من حيث الدلالة فيقع بينهما التعارض ولا مجال للرجوع إلى أدلّة العلاج الدالّة على الترجيح والتخيير ، فإنّ موردها الأخبار التي يكون سندها ظنّياً ، ولا تعمّ مثل الآيات والقراءات التي يكون صدورها قطعيّاً على ما هو المفروض ، فاللاّزم مع فرض التعارض للعلم الإجمالي بعدم كون الجميع مراداً في الواقع الرجوع إلى الأظهر لو كان في البين ، وكان قرينة عرفية على التصرّف في غيره الظاهر ، ومع عدمه يكون مقتضى القاعدة التساقط والرجوع إلى دليل آخر .

وامّا على التقدير الثاني ـ أي تقدير عدم التواتر :

أوّلاً : انّ شمول أدلّة حجّية خبر الواحد للقراءات غير ظاهر لعدم ثبوت كونها رواية ، بل يحتمل أن تكون اجتهادات من القرّاء ، واستنباطات منهم ، وقد صرّح بعض الأعلام بذلك فيما تقدّم ، ولا محيص عن الالتزام بذلك ، ولو بالإضافة

ــ[179]ــ

إلى بعضها ، والدليل عليه إقامة الدليل على تعيّنها ، ورجحانها على الاُخرى ، كما لا يخفى .

وثانياً : انّه على تقدير ثبوت كونها رواية لم تثبت وثاقتهم ، ولم يحرز كونها واجدة لشرائط الحجّية ، كما يظهر من التتبّع في أحوالهم ، وملاحظة تراجمهم .

وثالثاً : انّه على تقدير كونها رواية جامعة لشرائط الحجّية ، إلاّ انّه مع العلم الإجمالي بعدم صدور بعضها عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقع بينها التعارض ، ولابدّ من إعمال قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير ، فلا يبقى مجال لدعوى الحجّية ، وجواز الاستدلال بكلّ واحدة منها ، كما هو ظاهر .

 

 

 

المقام الثالث ـ جواز القراءة بها

 

المقام الثالث; في جواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات وعدمه فنقول :

المشهور بين علماء الفريقين جواز القراءة بكلّ واحدة من القراءات السبع في الصلاة ، فضلاً عن غيرها ، وقد ادّعى الإجماع على ذلك جماعة منهم .

وحكي عن بعضهم تجويز القراءة بكلّ واحدة من العشر ، وقد عرفت تصريح ابن الجزري في عبارته المتقدّمة : «بأنّ كلّ قراءة وافقت العربية ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ـ ولو احتمالاً ـ وصحّ سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحلّ لأحد إنكارها ومقتضى ذلك جواز القراءة بكلّ قراءة جامعة لهذه

ــ[180]ــ

الأركان الثلاثة ، ولو لم تكن من السبعة أو العشرة .

والدليل على الجواز في أصل المقام ـ على فرض تواتر القراءات ـ واضح لا خفاء فيه ، وامّا على تقدير العدم ـ كما هو المشهور والمنصور ـ فهو انّه لا ريب في أنّ هذه القراءات كانت معروفة في زمان الأئمّة المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ولم ينقل إلينا انّهم ردعوا القائلين بإمامتهم عن القراءة بها ، أو عن بعضها ، ولو ثبت لكان واصلاً إلينا بالتواتر ، لتوفّر الدواعي على نقله ، مع أنّه لم ينقل بالآحاد أيضاً ، فتقريرهم(عليهم السلام) شيعتهم على ذلك ـ كما هو المقطوع ـ دليل على جواز القراءة بكلّ واحدة منها .

بل ورد عنهم(عليهم السلام) إمضاء هذه القراءات بقولهم : «اقرأ كما يقرأ الناس» وبقولهم : «اقرأوا كما تعلّمتم» ومثلهما من التعابير .

وقد تقدّم من المحقّق القمّي(قدس سره) في كتاب القوانين تفسير تواتر القراءات بتجويز الأئمّة(عليهم السلام) القراءة على طبقها ، ودعوى القطع بذلك وثبوت ذلك منهم(عليهم السلام) بنحو التواتر والإذعان به .

نعم مقتضى ذلك الاقتصار على خصوص القراءات المعروفة في زمانهم(عليهم السلام)من دون اختصاص بالسبع أو العشر ، ومن دون عموميّة لجميعها ، بل خصوص ما هو المعروف منهما ، أو ن غيرهما ، كما لا يخفى .

ولولا الدليل على الجواز لكان مقتضى القاعدة عدم جواز الاقتصار على قراءة واحدة في الصلاة ، لأنّ الواجب فيها هي قراءة القرآن .

وقد عرفت عدم ثبوته إلاّ بالتواتر ، فلا تكفي قراءة ما لم يحرز كونه قرآناً ، بل مقتضى قاعدة الاحتياط الثابتة بحكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ

ــ[181]ــ

والبراءة اليقينيّة ، تكرار الصلاة ، حسب اختلاف القراءات ، أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة ، فيجمع بين قراءة «مالك» و«ملك» أو يأتي بصلاتين ، وهكذا الحال بالإضافة إلى السورة الواجبة بعد قراءة الفاتحة وحكايتها ، إلاّ أن يختار سورة لم يكن فيها الاختلاف في القراءة أصلاً .

هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالقراءات .

ــ[182]ــ

 

 

 

 

 

 

 

أُصول التفسير

ــ[183]ــ

 

 

 

 

 

 

الأمر الأوّل : ظواهر الكتاب . الأمر الثاني : قول المعصوم ، الأمر الثالث : حكم العقل .

ــ[184]ــ

اُصول التفسير

 

 

 

 

 

التفسير الذي مرادنا به هو : كشف مراد الله تبارك وتعالى من ألفاظ كتابه العزيز ، وقرآنه المجيد ، كاستكشاف مراد سائر المتكلِّمين من البشر من كتبهم الموضوعة ، لإفهام مقاصدهم ، وبيان مراداتهم ـ سواء أكان التفسير بمعناه اللغوي مساوياً لهذا المعنى المقصود ، أو أخصّ من ذلك ، باعتبار كونه عبارة عن كشف الغطاء ، إذ ليس البحث في معناه ، بل في إيضاح مراد الله من القرآن المجيد ، والتعبير بالتفسير للدلالة على ذلك لا لإراءة معناه اللغوي ، والخصوصية المأخوذة فيه ، بناء على مدخليتها ـ لا يجوز أن يعتمد فيه إلاّ على ما ثبت اعتباره وحجّيته فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنّ غير الحجّة ، ولا على الاستحسان ، ولا على غيرهما ممّا لم تثبت حجّيته كقول المفسِّر ـ قديماً كان أم حديثاً ، موافقاً كان أم مخالفاً ـ وذلك للنهي عن متابعة الظنّ .

قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء : }ولا تقف ما ليس لك به علم{(1) ، ولحرمة الاسناد إلى الله تعالى بغير اذنه لأنّه افتراء عليه ، قال الله تبارك وتعالى في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاسراء : 36 .

ــ[185]ــ

سورة يونس : }قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون{(1) وغيرهما من الآيات والروايات الدالّة على النهي عن القول أو العمل بغير العلم والناهية عن التفسير بالرأي ـ بناءً على عموم معنى التفسير ـ مضافاً إلى حكم العقل بذلك .

وبالجملة : لا محيص عن الاتّكاء في ذلك على ما ثبت اعتباره ، وعلمت حجّيته من طريق الشرع ، أو من حكم العقل ، فإذن لابدّ للمفسّر في استكشاف مراد الله تبارك وتعالى من اتّباع ظواهر الكتاب ، التي يفهمها العارف بالعربيّة الفصيحة ، ويلائمها اللغة الصحيحة ، فإنّ ظواهر الكتاب حجّة على ما سنبيّن ، أو يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح ، الذي هو المرجع لإثبات أساس التوحيد ، واتّصاف الكتاب بالإعجاز المثبت للرسالة ، فإنّه لا ريب في حجّيته ، أو يستند إلى ما ثبت عن المعصوم من النبيّ ، أو الإمام في بيان مراد الله تبارك وتعالى .

ولابدّ لنا من التكلّم في هذه الاُمور الثلاثة التي هي اُصول التفسير ومداركه ، فنقول :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يونس : 59 .

ــ[186]ــ

 

 

 

الأمر الأوّل : ظواهر الكتاب

 

والمراد من ظاهر القرآن الذي هو حجّة على قولنا ـ في قبال جماعة من المحدّثين المنكرين لاعتباره ـ هو الظاهر الذي يفهمه العارف باللغة العربية الصحيحة الفصيحة من اللفظ ، ولم يقم على خلافه قرينة عقلية أو نقلية معتبرة ، فمثل قوله تعالى : }وجاء ربّك والملك صفّاً صفّاً{ و}الرحمن على العرش استوى {و}واسئل القرية التي كنّا فيها{ ممّا قامت القرينة العقلية القطعية على خلاف ظواهره خارج عن محلّ البحث .

وكذا الظواهر التي دلّت القرائن النقليّة المعتبرة على خلافها ، كالعمومات المخصّصة بالروايات بمقدار ورود التخصيص عليها ـ وإلاّ فهي حجّة في غير مورد التخصيص ـ والمطلقات المقيّدة بها كذلك ـ أي بذلك المقدار ـ وسائر الظواهر التي وقعت القرينة على خلافها في النقل المعتبر خارج عنه أيضاً ، وحينئذ نقول : إنّ الدليل على حجّية هذه الظواهر التي هي مورد البحث اُمور :

أدلّة حجّية ظواهر الكتاب :

الأوّل : انّه لا ينبغي الارتياب في أنّ القرآن إنّما اُنزل وأتى به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليفهم الناس معانيه ، ويتدبّروا آياته ، ويجعلوا أعمالهم مطابقة لأوامره ونواهيه ، وعقائدهم موافقة للعقائد الصحيحة التي يدلّ عليها .

ــ[187]ــ

ومن المعلوم انّ الشارع لم يخترع لنفسه طريقة خاصّة لإفهام مقاصده ، بل تكلّم مع الناس بالطريقة المألوفة المتداولة في فهم المقاصد والأغراض من طريق الألفاظ والعبارات ، وحينئذ فلا محيص عن القول باعتبار ظواهر الكتاب كظواهر سائر الكتب الموضوعة للتفهيم وإراءة المقاصد والأغراض ، كيف وقد حثّ الكتاب بنفسه الناس على التدبّر في آياته ، واعترض على عدم التدبّر بلسان التخصيص ، فقال : }أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{(1) ، وقال في سورة محمّد 24 : }أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها{ .

وقد وصف نفسه بما لا محيص بملاحظته عن الالتزام بظواهره من الأوصاف والخصوصيّات ، كتوصيفه بأنّه المخرج للناس من الظلمات إلى النور ، وانّه بيان للناس ، وانّه هدىً وموعظة للمتّقين ، وانّه قد ضرب فيه للناس من كلّ مثل لعلّهم يتذكّرون ، وغير ذلك من الأوصاف والمزايا والخصوصيّات الملازمة لاعتبار ظواهر الكتاب .

الثاني : انّه قد مرّ في بعض المباحث : انّ القرآن هي المعجزة الوحيدة الخالدة على النبوّة والرسالة إلى يوم القيامة ، وقد تحدّى البشر من الأوّلين والآخرين ، بل والجنّ على أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة واحدة مثله أو من مثله ، ولو لم تكن العرب عارفة بمعاني القرآن ، ولم تكن تفهم مقاصده من ألفاظه وآياته ، بل لو كان القرآن من قبيل الألغاز ـ وهو غير قابل للفهم والمعرفة ـ لم يكن وجه لاتّصافه بالإعجاز ، ولا مجال لطلب المعارضة والتحدّي أصلاً .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النساء : 83 .

ــ[188]ــ

الثالث : حديث الثقلين المعروف بين الفريقين ، الدالّ على لزوم التمسّك بهما ، وانّه الطريق الوحيد للخروج عن الضلالة ، والسبيل المنحصر لعدم الابتلاء بها أبداً .

وجه الدلالة في المقام : انّه من الواضح انّ معنى التمسّك بالكتاب ـ الذي هو أحد الثقلين ـ ليس مجرّد الاعتقاد بأنّه قد نزل من عند الله حجّة على الرسالة ، ودليلاً على النبوّة ، وبرهاناً على صدق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بل معنى التمسّك به الموجب لعدم الاتّصاف بالضلالة أصلاً هو الأخذ به ، والعمل بما فيه من الأوامر والنواهي وسائر ما يشتمل عليه ، والاستناد إليه في القصص الماضية ، والقضايا السالفة .

وبعبارة اُخرى ، التمسّك به معناه يرجع إلى ما بيّنه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في كلامه الشريف المتقدّم ـ من جعل القرآن إماماً وقائداً ، ليسوقه إلى الجنّة ، وهذا لا يجتمع مع عدم حجّية ظاهرة ، وافتقاره إلى البيان في جميع موارده ، وكونه بنفسه غير قابل للدرك والمعرفة ، كما هو غير خفيّ على أهله .

الرابع : الروايات الكثيرة المتواترة ، الدالّة على عرض الأخبار الواصلة ، على الكتاب ، وطرح ما خالف منها ، بتعبيرات مختلفة ، وألفاظ متنوّعة ، مثل انّه يضرب ـ أي المخالف ـ على الجدار ، أو انّه زخرف ، أو انّه باطل ، أو انّه ليس منهم(عليهم السلام)ونظائره .

فإنّه من الواضح انّ تعيين «المخالف» عن غيره ، وتمييزه عمّا سواه قد أوكل إلى الناس ، فهم المرجع في التشخيص ، ولازم ذلك حجّية ظواهر الكتاب عليهم ، وإلاّ فكيف يمكن لهم تشخيص «المخالف» عن غيره .

ومن هذا القبيل الروايات الواردة في الشروط ، وانّ كلّ شرط جائز وماض

ــ[189]ــ

إلاّ شرطاً خالف كتاب الله ، فإنّ المرجع في تعيين الشرط المخالف ، وتمييزه عن غيره هو العرف ، وهو لا يعرف ذلك إلاّ بعد المراجعة إلى الكتاب ، وفهم مقاصده من ألفاظه ، ودرك أغراضه من آياته .

ودعوى انّ المراد بـ «المخالف» في الموردين يمكن أن يكون هو المخالف لمصرّحات الكتاب ، دون ظواهره التي يجري فيها احتمال الخلاف ، وتكون محلّ البحث في المقام ، فسادها : غنيّ عن البيان .

الخامس : الروايات الكثيرة الدالّة على استدلال الأئمّة(عليهم السلام) بالكتاب في موارد كثيرة :

1 ـ قوله(عليه السلام) بعدما سأله زرارة بقوله : «من أين علمت انّ المسح ببعض الرأس : لمكان الباء»(1) فنّ مرجعه إلى أنّه لو كان السائل توجّه إلى هذه النكتة في آية الوضوء لما احتاج إلى السؤال أصلاً ، لأنّ ظهور «الباء» في التبعيض ، وحجّية الظهور كليهما ممّا لا يكاد ينكر .

إن قلت : لعلّ السؤال إنّما هو لأجل عدم ظهور آية الوضوء في المسح ببعض الرأس ، لعدم كون «الباء» ظاهرة في التبعيض ، وعليه لا تكون الرواية دالّة على حجّية الظاهر .

قلت : اقتصاره(عليه السلام) في الجواب على قوله : «لمكان الباء» دليل على أنّ ظهور «الباء» في التبعيض ممّا لا يكاد يخفى ، وإلاّ لما تمّ الاقتصار كما هو ظاهر .

2 ـ قوله(عليه السلام) لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء ، لاستماع الغناء اعتذاراً بأنّه لم يكن شيئاً أتاه برجله : «أما سمعت قول الله عزّوجلّ : }انّ السمع والبصر والفؤاد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ، أبواب الوضوء ، ب23 ح1 .

ــ[190]ــ

كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً{» وقول المخاطب : كأنّي ما سمعت هذه الآية أصلاً(1) .

3 ـ قوله(عليه السلام) في تحليل نكاح العبد للمطلّقة ثلاثاً : قال الله عزّوجلّ : }حتّى تنكح زوجاً غيره{ وقال هو أحد الأزواج(2) .

4 ـ قوله(عليه السلام) في أنّ المطلّقة ثلاثاً لا تحلّ بالعقد المنقطع : «إنّ الله تعالى قال : }فإن طلّقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا{» ولا طلاق في المتعة(3) .

5 ـ قوله(عليه السلام) فيمن عثر فوقع ظفره فجعل على اصبعه مرارة : يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله : }وما جعل عليكم في الدين من حرج{ ثمّ قال : امسح عليه(4) .

6 ـ عن تفسير العيّاشي عن ابن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : قضى أمير المؤمنين(عليه السلام) في امرأة تزوّجها رجل ، وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأة ، أو هجرها أو أتى عليها سريّة فإنّها طالق ، فقال(عليه السلام) : «شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه ، وإن شاء أمسك امرأته وتزوّج عليها ، وتسرّى وهجرها إن أتت بسبب ذلك ، قال الله تعالى : }فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع{ وقال : }أو ما ملكت أيمانكم{ وقال : }واللاّتي تخافون نشوزهنّ{ الآية .

7 ـ وما عن الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر عن أبي عبدالله(عليهما السلام) قال :

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل الشيعة ، أبواب الوضوء ، ب23 ح1 .

(2) وسائل الشيعة ، أقسام الطلاق وأحكامه ، ب12 ح12 .

(3) وسائل الشيعة ، أقسام الطلاق وأحكامه ، ب9 ح4 .

(4) وسائل الشيعة ، أبواب الوضوء ، ب39 ح5 .

ــ[191]ــ

«المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلاّ بإذن سيِّده قلت : فإن كان السيِّد زوجة بيده من الطلاق؟ قال : بيد السيِّد ـ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ـ فشيء الطلاق» .

8 ـ وغير ذلك من الموارد الكثيرة المتفرّقة في أبواب الفقه التي قد استدلّ فيها الإمام(عليه السلام) بالكتاب سيّما في قبال المخالفين المنكرين لإمامتهم ، فإنّه لو كان مذاقهم عدم حجّية ظاهر الكتاب لغيرهم لما كان للاستدلال به في مقابلهم وجه أصلاً .

 

أدلّة منكري حجّية ظواهر الكتاب

وامّا المنكرون لحجّية ظواهر الكتاب الذين هم جماعة من المحدِّثين فاستندوا في ذلك إلى اُمور :

أحدها : انّه قد ورد في الروايات المتواترة بين الفريقين ، النهي عن تفسير القرآن بالرأي ، وفي بعضها : «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» أي فليتّخذ مكاناً من النار لأجل القعود ولا محيص له عنهاو والأخذ بظواهر القرآن من مصاديق التفسير بالرأي ، فإنّه وإن لم يكن مصداقه منحصراً بذلك لشموله ـ قطعاً ـ لحمل المتشابه والمبهم على أحد معنييه أو معانيه مستنداً إلى الظنّ أو الاستحسان ، إلاّ أنّ الظاهر شموله لحمل الظواهر على ظاهرها ، والعمل بما تقتضيه .

والجواب :

أوّلاً : انّ التفسير بحسب اللغة والعرف بمعنى : كشف القناع وإظهار أمر مستور ، ومن المعلوم انّ الأخذ بظاهر اللفظ لا يكون من التفسير بهذا المعنى ، فلا يقال لمن أخذ بظاهر كلام من يقول ـ مثلاً ـ  : رأيت أسداً ، وأخبر بأنّ فلاناً قد رأى

ــ[192]ــ

الحيوان المفترس انّه فسّر كلامه ، وقد شاع في العرف انّ الواقعة أمر وتفسير الواقعة أمر آخر .

وبالجملة : لا ينبغي الارتياب في أنّ «التفسير» لا يشمل حمل اللفظ على ظاهره ، فالمقام خارج عن مورد تلك الروايات موضوعاً .

وثانياً : انّه على فرض كون الأخذ بالظاهر تفسيراً ، فلا يكون تفسيراً بالرأي حتّى تشمله الروايات المتواترة الناهية عن التفسير بالرأي .

وبعبارة اُخرى : يستفاد من تلك الروايات انّ التفسير يتنوّع إلى نوعين وينقسم إلى قسمين : تفسير بالرأي وتفسير بغيره ، ولابدّ للمستدلّ بها للمقام من إثبات أنّ الأخذ بظاهر اللفظ من مصاديق القسم الأوّل ، ومع عدمه يكفي مجرّد الشكّ لعدم صلاحية الروايات الناهية للشمول للمقام ، لعدم إحراز موضوعها ، وعدم ثبوت عنوان «التفسير بالرأي» .

مع أنّه من الواضح عدم كونه من مصاديقه ـ على فرض كونه تفسيراً ـ فإنّ من يترجم خطبة من خطب «نهج البلاغة» مثلاً بحسب ما يظهر من عباراتها ، وعلى طبق ما يفهمه العرف العارف باللغة العربيّة ، مع مراعاة القرائن الداخلية والخارجية لا يعدّ عمله هذا تفسيراً بالرأي بوجه من الوجوه أصلاً .

فالتفسير بالرأي معناه الاستقلال في المراجعة إلى الكتاب ، من دون السؤال عن الأوصياء الذين هم قرناء الكتاب في وجوب التمسّك ، ولزوم المراجعة إليهم :

إمّا بحمل المتشابه على التأويل الذي تقتضيه آراؤهم كما يشير إلى ذلك قول الصادق(عليه السلام) : «إنّما هلك الناس في المتشابه لأنّهم لم يقفوا على معناه ولم يعرفوا حقيقته فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم ، واستغنوا بذلك عن مسألة

ــ[193]ــ

الأوصياء فيعرِّفونهم» .

وإمّا بحمل اللفظ على ظاهره من العموم أو الإطلاق أو غيرهما ، من دون الأخذ بالتخصيص ، أو التقييد ، أو القرينة الواردة عن الأئمّة(عليهم السلام) وقد عرفت انّ محلّ النزاع في حجّية ظواهر الكتاب غير ذلك .

وثالثاً : انّه على فرض كون الأخذ بظاهر القرآن من مصاديق التفسير بالرأي لتشمله الروايات الناهية عنه نقول : لابدّ من الجمع بين هذه الطائفة والروايات المتقدّمة الظاهرة بل الصريحة في حجّية ظواهر الكتاب بحمل التفسير بالرأي الوارد في الروايات الناهية على غير هذا المصداق من المصاديق الظاهرة الواضحة كحمل المتشابه على التأويل الذي يقتضيه الرأي ، أو حمل الظاهر عليه من دون المراجعة إلى القرينة على الخلاف ، ولا مجال لغير هذا النحو من الجمع بعد ظهور الروايات المتقدّمة ، بل صراحتها في حجّية ظواهر الكتاب كما هو غير خفيّ .

ثانيها : دعوى اختصاص فهم القرآن بأهل الكتاب الذين اُنزل عليهم ، وهم الأئمّة المعصومون ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ ومنشأ هذه الدعوى الروايات الظاهرة في ذلك مثل :

مرسلة شعيب بن أنس عن أبي عبدالله(عليه السلام) انّه قال لأبي حنيفة : «أنت فقيه أهل العراق؟! قال : نعم ، قال(عليه السلام) : فبأيّ شيء تفتيهم؟ قال : بكتاب الله وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقّ معرفته ، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟! قال : نعم ، قال : يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ويلك ما جعل الله ذلك إلاّ عند أهل الكتاب الذين اُنزل عليهم ، ويلك ما هو إلاّ عند الخاصّ من ذرّية نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) وما ورَّثك الله تعالى من كتابه حرفاً» .

ــ[194]ــ

ورواية زيد الشحّام قال : «دخل قتادة على أبي جعفر(عليه السلام) فقال له : أنت فقيه أهل البصرة؟! فقال : هكذا يزعمون ، فقال : بلغني أنّك تفسِّر القرآن؟ قال : نعم ، إلى أن قال : يا قتادة إن كنت فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت قد فسّرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، يا قتادة ويحك إنّما يعرف القرآن من خُوطِبَ به» وغيرهما من الروايات الدالّة على هذا النحو من المضامين .

والجواب :

انّه إن كان المدّعى اختصاص معرفة القرآن حقّ معرفته ، الراجع إلى معرفة القرآن بجميع شؤونها وخصوصيّاتها من الناسخ والمنسوخ ، والمحكم والمتشابه ، والظاهر والباطن ، وغير ذلك من الجهات ، بالأئمّة الذين اُنزل عليهم الكتاب فهو حقّ ولكن ذلك لا ينافي حجّية الظواهر بالنحو الذي عرفت انّه محلّ البحث ومورد النزاع على سائر الناس .

وإن كان المدّعى عدم استفادة سائر الناس من القرآن ولو كلمة ، حتّى يكون القرآن بالإضافة إلى من عدى الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من الألغاز ، وغير قابل للفهم والمعرفة بوجه ، فالدعوى ممنوعة والروايتان قاصرتان عن إثبات ذلك :

امّا الرواية الاُولى : فظاهرة في أنّ اعتراض الإمام(عليه السلام) على أبي حنيفة إنّما هو لأجل ادّعائه معرفة القرآن حقّ معرفته ، وتشخيص الناسخ من المنسوخ وغيره ممّا يتعلّق بالقرآن ، وليس معنى قوله(عليه السلام) : «وما ورّثك الله تعالى من كتابه حرفاً» انّه لا تفهم شيئاً من القرآن ولا تعرف ـ مثلاً ـ معنى قوله تعالى : }انّ الله على كلّ شيء قدير{ ضرورة انّه لو كان المراد ذلك لكان لأبي حنيفة ـ مضافاً إلى وضوح بطلانه ـ الاعتراض على الإمام وإن لا يخضع لدى هذا الكلام مع أنّ الظاهر من الرواية

ــ[195]ــ

خضوعه لديه وتسليمه دونه .

فالمراد منه : انّ الله تعالى قد خصّ أوصياء نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرث الكتاب ، وعلم القرآن بجميع خصوصيّاته ، وليس لمثل أبي حنيفة حظّ من ذلك ، ولو بالإضافة إلى حرف واحد ، فهذا القول مرجعه إلى قوله تعالى في سورة فاطر : 32 }ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا{ فالرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه من البحث والنزاع .

وامّا الرواية الثانية فالتوبيخ فيها إنّما هو على تصدّي قتادة لتفسير القرآن ، وقد عرفت انّ الأخذ بظاهر القرآن لا يعدّ تفسيراً أصلاً ، ولا تشمله هذه الكلمة بوجه ، وعلى تقديره فمن الواضح انّ قتادة إنّما كان يفسّر القرآن بالرأي أو الآراء غير المعتبرة ، والتوبيخ إنّما هو على مثل ذلك . وقد مرّ أنّ حمل اللفظ على ظاهره لا يكون من مصاديق التفسير بالرأي قطعاً ، وعلى فرض احتماله لابدّ للمستدلّ من الإثبات وإقامة الدليل على الشمول ، ويكفي في إبطاله مجرّد احتمال العدم ، وقد شاع وثبت انّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال .

ثالثها : انّ القرآن مشتمل على المعاني الشامخة ، والمطالب الغامضة ، والعلوم المتنوّعة ، والأغراض الكثيرة التي تقصر أفهام البشر عن الوصول إليها ودركها ، كيف ولا يكاد يصل افهامهم إلى درك جميع معاني «نهج البلاغة» الذي هو كلام البشر ـ ولكنّه كيف بشر ـ بل وبعض كتب العلماء الأقدمين إلاّ الشاذّ من المطّلعين ، فكيف بالكتاب المبين الذي فيه علم الأوّلين والآخرين ، وهو تنزيل من ربّ العالمين نزل به الروح الأمين على من هو سيِّد المرسلين صلّى الله عليه وآله الطيّبين المعصومين ، على مرور الأيّام وكرور الدهور ، وبقاء السماوات والأرضين .

ــ[196]ــ

والجواب :

إنّ اشتمال القرآن على مثل ذلك ، وإن كان ممّا لا ينكر ، واختصاص المعرفة بذلك بأوصياء نبيّه تبعاً له ، وإن كان أيضاً كذلك ، إلاّ أنّه لا يمنع عن اعتبار خصوص الظواهر التي هي محلّ البحث ـ على ما عرفت ـ بالإضافة إلى سائر الناس ، فهذا الدليل أيضاً لا ينطبق على المدّعى .

رابعها : انّا نعلم إجمالاً بورود مخصّصات كثيرة ومقيّدات غير قليلة لعمومات الكتاب وإطلاقاته ، وكذلك نعلم إجمالاً بأنّ الظواهر التي يفهمها العارف باللغة العربية الفصيحة بعضها غير مراد قطعاً ، وحيث انّه لا تكون العمومات والإطلاقات وهذه الظواهر معلومة بعينها لفرض العلم الإجمالي ، فاللاّزم عدم جواز العمل بشيء منها قضية للعلم الإجمالي ، وحذراً عن الوقوع في مخالفة الواقع ، كالعلم الإجمالي في سائر الموارد ، بناءً على كونه منجزاً كما هو مقتضى التحقيق .

والجواب :

امّا أوّلاً : فبالنقض بالروايات ، ضرورة وجود هذا العلم الإجمالي بالإضافة إليها أيضاً ، لأنّه يعلم بورود مخصّصات كثيرة لعموماتها ، ومقيّدات متعدّدة لمطلقاتها فاللاّزم ـ بناءً عليه ـ خروج ظواهرها أيضاً عن الحجّية ، مع أنّ المستدلّ لا يقول به .

وامّا ثانياً : فبالحلّ ، بأنّ هذا العلم الإجمالي إن كان متعلّقاً بورود مخصّصات كثيرة ، ومقيّدات متعدّدة ، وقرائن متكثّرة على إرادة خلاف بعض الظواهر ووقوعها في الروايات ، بحيث لو فحصنا عنها لظفرنا بها ، فوجود هذا العلم الإجمالي وإن كان ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ، إلاّ أنّه لا يمنع عن حجّية الظاهر الذي

ــ[197]ــ

لم يظفر على دليل بخلافه بعد الفحص التام ، والتتبّع الكامل ، لخروجه عن دائرة العلم الإجمال حينئذ على ما هو المفروض ـ وقد عرفت أنّ محلّ البحث في باب حجّية الظواهر إنّما هو هذا القسم منها . وإن كان متعلّقاً بورودها مطلقاً ، بحيث كانت دائرة المعلوم أوسع من هذه الاُمور الواقعة في الروايات ، فنمنع وجود هذا النحو من العلم الإجمالي ، فإنّ المسلّم منه هو النحو الأوّل الذي لا ينافي حجّية الظواهر بوجه أصلاً .

خامسها : انّ الكتاب بنفسه قد منع عن العمل بالمتشابه ، فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران 7 : }منه آيات محكمات هنّ اُمّ الكتاب واُخر متشابهات فامّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله{ .

وحمل اللفظ على ظاهره من مصاديق اتباع المتشابه ، ولا أقلّ من احتمال شموله للظاهر ، فيسقط عن الحجّية رأساً .

والجواب :

انّه إن كان المدّعى صراحة لفظ «المتشابه» في الشمول لحمل الظاهر على معناه الظاهر فيه ، بمعنى كون الظواهر من مصاديق المتشابه قطعاً ، فبطلان هذه الدعوى بمكان من الوضوح ، بداهة أنّه كيف يمكن ادّعاء كون أكثر الاستعمالات المتداولة المتعارفة في مقام إفهام الأغراض ، وإفادة المقاصد من مصاديق المتشابهات ، نظراً إلى كون دلالتها على المرادات بنحو الظهور دون الصراحة .

وإن كان المدّعى : ظهور لفظ «المتشابه» في الشمول للظواهر ، فيرد عليه ـ مضافاً إلى منع ذلك لما ذكرنا من عدم كون الظواهر لدى العرف واللغة من مصاديق المتشابه ـ انّه كيف يجوز الاستناد إلى ظاهر القرآن ، لإثبات عدم حجّية ظاهره ،

ــ[198]ــ

فإنّه يلزم من فرض وجوده العدم ، ولا يلزم على القائل بحجّية الظواهر رفع اليد عن مدّعاه ، نظراً إلى ظهور الآية في المنع عن اتباع المتشابه الشامل للظواهر أيضاً ، فإنّك عرفت عدم ظهوره عنده في الشمول لغةً ولا عرفاً بوجه أصلاً .

وإن كان المدّعى : احتمال شمول «المتشابه» للظواهر ، الموجب للشكّ في الحجّية ، المساوق لعدم الحجّية رأساً ، لما تقرّر في علم الاُصول من أنّ الشكّ في حجّية المظنّة يستلزم القطع بعدمها ، وعدم ترتّب شيء من آثار الحجّية عليها .

فيرد عليه ـ مضافاً إلى منع الاحتمال أيضاً ـ انّه لو فرض تحقّق هذا الاحتمال لما كان موجباً لخروج الظواهر عن الحجّية ، بداهة انّه مع قيام السيرة القطعية العقلائية على العمل بالظواهر والتمسّك بها ، واحتجاج كلّ من الموالي والعبيد على الآخر بها لا يكون مجرّد احتمال شمول لفظ «المتشابه» للظواهر موجباً لرفع اليد عن السيرة .

بل لو كان العمل بظواهر الكتاب غير جائز لدى الشارع ، وكانت طريقته في المحاورة في الكتاب مخالفة لما عليه العقلاء في مقام المحاورات ، وإبراز المقاصد والأغراض ، لكان عليه الردع الصريح عن اعمال السيرة في مورد الكتاب ، والبيان الواضح الموجب للفرق البيّن بين الكتاب ، وبين الروايات ، وانّه لا يجوز في الأوّل الاتّكال على الظواهر دون الثاني ، ومجرّد احتمال شمول لفظ المتشابه لا يجدي في ذلك .

وبعبارة اُخرى : لو كان للكتاب من هذه الجهة الراجعة إلى مقام الافهام والإفادة خصوصية ومزيّة لدى الشارع ، مخالفة لما استمرّت عليه السيرة العقلائية في محاوراتهم ، هل يكفي في بيانه مجرّد احتمال شمول لفظ «المتشابه» الذي نهى عن

ــ[199]ــ

اتّباعه ، أو انّه لابدّ من البيان الصريح ، وحيث انّ الثاني منتف ، والأوّل غير كاف قطعاً ، فلا محيص عن الذهاب إلى نفي الخصوصية وعدم ثبوت المزية ، كما هو واضح .

سادسها : وقوع التحريف بالنقيصة في الكتاب العزيز المانع عن حجّية الظواهر واتباعها ، لاحتمال كونها مقرونة بما يدلّ من القرائن على إرادة خلافها ، وقد سقطت من الكتاب ، فالتحريف الموجب لتحقّق هذا الاحتمال يستلزم المنع عن الأخذ بظواهر الكتاب كما هو ظاهر .

والجواب :

منع وقوع التحريف المدّعى في الكتاب وعدم تحقّقه بوجه . وسيأتي البحث عنه مفصّلاً في حقل مستقلّ نختتم به أبحاث الكتاب بإذن الله تعالى بعنوان : عدم تحريف الكتاب وشبهات القائلين بالتحريف .

ــ[200]ــ

 

 

 

الأمر الثاني : قول المعصوم

 

لا إشكال في أنّ قول المعصوم ـ نبيّاً كان أو إماماً ـ حجّة في مقام كشف مراد الله تبارك وتعالى من ألفاظ كتابه العزيز ، وآيات قرآنه المجيد ، لما ثبت في محلّه من حجّية قوله; امّا النبي فواضح ، وامّا الإمام فلأنّه أحد الثقلين الذين اُمرنا بالتمسّك بهما ، والاعتصام بحبلهما ، فراراً عن الجهالة ، واجتناباً عن الضلالة ، فمع ثبوت قوله في مقام التفسير ، ووضوح صدوره عنه(عليه السلام) لا شبهة في لزوم الأخذ به ، وإن كان مخالفاً لظاهر الكتاب ، لأنّ قوله ـ في الحقيقة ـ بمنزلة قرينة صارفة ، ولكن ذلك مع ثبوت قوله امّا بالتواتر ، أو بالخبر المحفوف بالقرينة القطعية .

وقد وقع الإشكال والخلاف في أنّه هل يثبت قوله من طريق خبر الواحد ، الجامع للشرائط ، المعتبر في ما إذا أخبر عن المعصوم بحكم شرعي عمليّ ، لقيام الدليل القاطع على حجّيته ، واعتباره أم لا؟

ربما يقال بعدم الثبوت في مقام التفسير ، وإن كان يثبت به في مقام بيان الأحكام الفقهية ، والفروع العمليّة ، ففي الحقيقة إذا كان قوله المنقول بخبر الواحد في تفسير آية متعلّقة بالحكم يكون حجّة معتبرة ، وأمّا إذا كان مورد التفسير آية لا تتعلّق بحكم من الأحكام العمليّة ، فلا يكون خبر الواحد الحاكي له بحجّة أصلاً وذلك لأنّ معنى حجّية خبر الواحد ، وكذا كلّ أمارة ظنّية يرجع إلى وجوب ترتيب

ــ[201]ــ

الآثار عليه في مقام العمل .

وبعبارة اُخرى : الحجّية عبارة عن المننجزية في صورة الموافقة ، والمعذرية في فرض المخالفة وهما ـ أي المنجزية والمعذّرية ـ لا تثبتان إلاّ في باب التكاليف المتعلّقة بالأعمال ـ فعلاً أو تركاً ـ فإذا كان مفاد الخبر حكماً شرعيّاً أو موضوعاً لحكم شرعي يكون الخبر حجّة ، لاتّصافه في هذه الصورة بوصف المنجزيّة والمعذّرية ، وامّا إذا لم يكن كذلك ـ كما في المقام ـ فهذا المعنى غير متحقّق ، لعدم تعقّل هذا الوصف في غير باب الأحكام ، إذن فلا محيص عن الالتزام بعدم حجّية خبر الواحد في تفسير آية لا تتعلّق بحكم عملي أصلاً .

والتحقيق : انّه لا فرق في الحجّية والاعتبار بين القسمين ، لوجود الملاك في كلتا الصورتين .

توضيح ذلك : انّه ـ تارةً ـ يستند في باب حجّية خبر الواحد إلى بناء العقلاء واستمرار سيرتهم على ذلك ، كما هو العمدة من أدلّة الحجّية ـ على ما حقّق وثبت في محلّه ـ واُخرى إلى الأدلّة الشرعية التعبّدية من الكتاب والسنّة والإجماع ، لو فرض دلالتها على بيان حكم تعبّدي تأسيسي .

فعلى الأوّل ـ بناء العقلاء ـ لابدّ من ملاحظة انّ اعتماد العقلاء على خبر الواحد ، والاستناد إليه هل يكون في خصوص مورد يترتّب عليه أثر عملي ، أو انّهم يعاملون معه معاملة القطع في جميع ما يترتّب عليه؟ الظاهر هو الثاني فكما أنّهم إذا قطعوا بمجيء زيد من السفر يصحّ الاخبار به عندهم ، وإن لم يكن موضوعاً لأثر عملي ولم يترتّب على مجيئه ما يتعلّق بهم في مقام العمل ، لعدم الفرق من هذه الجهة بين ثبوت المجيء وعدمه ، فكذلك إذا أخبرهم ثقة واحد بمجيء زيد يصحّ

ــ[202]ــ

الأخبار به عندهم ، إستناداً إلى خبر الواحد ، ويجري هذا الأمر في جميع الأمارات التي استمرّت سيرة العقلاء عليها ، فإنّ اليد ـ مثلاً ـ أمارة لديهم على ملكيّة صاحبها ، فيحكمون معها بوجودها ، كما إذا كانوا قاطعين بها ، فكما أنّهم يرتّبون آثار الملكية في مقام العمل فيشترون منه ـ مثلاً ـ فكذلك يخبرون بالملكيّة استناداً إلى اليد .

وبالجملة : إذا كان المستند في باب حجّية خبر الواحد هو بناء العقلاء ، لا يبقى فرق معه بين ما إذا أخبر عادل بأنّ المعصوم(عليه السلام) فسّر الآية الفلانية بما هو خلاف ظاهرها ، وبين نفس ظواهر الكتاب ، التي لا دليل على اعتبارها إلاّ بناء العقلاء على العمل بظواهر الكلمات ، وتشخيص المرادات من طريق الألفاظ والمكتوبات ، فكما أنّه لا مجال لدعوى اختصاص حجّية الظواهر من باب بناء العقلاء ، بما إذا كان الظاهر مشتملاً على إفادة حكم من الأحكام العملية ، بل الظواهر مطلقاً حجّة ، فكذلك لا ينبغي توهّم اختصاص اعتبار الرواية الحاكية لقول المعصوم(عليه السلام) في باب التفسير ، بما إذا كان في مقام بيان المراد من آية متعلّقة بحكم من الأحكام العملية بل الظاهر انّه لا فرق من هذه الجهة بين هذه الصورة وبين ما إذا كان في مقام بيان المراد من آية غير مرتبطة بالأحكام أصلاً ، وعليه فلا خفاء في حجّية الرواية المعتبرة في باب التفسير مطلقاً .

وعلى الثاني ـ الذي يكون المستند هي الأدلّة الشرعية التعبّدية ـ فالظاهر أيضاً عدم الاختصاص ، فإنّه ليس في شيء منها عنوان «الحجّية» وما يشابهه حتّى يفسّر بالمنجزيّة والمعذّرية الثابتتين في باب التكاليف المتعلّقة بالعمل ، فإنّ مثل مفهوم آية النبأ على تقدير ثبوته ودلالته على حجّية خبر الواحد ، إذا كان المخبر

ــ[203]ــ

عادلاً يكون مرجعه إلى جواز الاستناد إليه ، وعدم لزوم التبيّن عن قوله ، والتفحّص عن صدقه ، وليس فيه ما يختصّ بباب الأعمال .

نعم لا محيص عن الالتزام بالاختصاص ، بما إذا كان له ارتباط بالشارع ، وإضافة إليه بما انّه شارع ، ولكن ذلك لا يستلزم خروج المقام ، فإنّ الاسناد إلى الله تبارك وتعالى وتشخيص مراده من الكتاب العزيز ، ولو لم يكن متعلّقاً بآية الحكم ، بل بالمواعظ والنصائح أو القصص والحكايات أو غيرهما من الشؤون التي يدلّ عليها الكتاب أمر يرتبط بالشارع لا محالة ، فيجوز الاسناد إلى الله تعالى بأنّه أخبر بعدم كون عيسى(عليه السلام) مقتولاً ، ولا مصلوباً ، وإن لم يكن لهذا الخبر ارتباط بباب التكاليف أصلاً .

وبالجملة : لا مجال للإشكال في حجّية خبر الواحد في باب التفسير مطلقاً .

نعم ، قد وقع النزاع في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ـ بعد الاتّفاق على عدم جواز نسخه به ـ على أقوال وحيث انّ المسألة محرّرة في الاُصول لا حاجة إلى التعرّض لها هنا ، مضافاً إلى أنّ القائل بالعدم فريق من علماء السنّة على اختلاف بينهم أيضاً ، وأدلّتهم على ذلك واضحة البطلان ، فراجع .

ــ[204]ــ

 

 

 

الأمر الثالث : حكم العقل

 

لا إشكال في أنّ حكم العقل القطعي ، وإدراكه الجزمي من الاُمور التي هي أصول التفسير ، ويبتنى هو عليها ، فإذا حكم العقل ـ كذلك ـ بخلاف ظاهر الكتاب في مورد لا محيص عن الالتزام به ، وعدم الأخذ بذلك الظاهر ، ضرورة أنّ أساس حجّية الكتاب ، وكونه معجزة كاشفة عن صدق الآتي به ، إنّما هو العقل الحاكم بكونه معجزة خارقة للعادة البشرية ، ولم يؤت ، ولن يؤتى بمثلها ، فإنّه الرسول الباطني الذي لا مجال لمخالفة حكمه ووحيه .

ففي الحقيقة يكون حكمه بخلاف الظاهر وإدراكه الجزمي لذلك بمنزلة قرينة لفظيّة متّصلة ، موجبة للصرف عن المعنى الحقيقي ، وانعقاد الظهور في المعنى المجازي ، فإنّ الظهور الذي هو حجّة ليس المراد منه ما يختصّ بالمعنى الحقيقي ، ضرورة أنّ أصالة الحقيقة قسم من أصالة الظهور ، الجارية في جميع موارد انعقاد الظهور ، سواء كان ظهوراً في المعنى الحقيقي ـ كما فيما إذا كان اللفظ الموضوع خالياً عن القرينة على الخلاف مطلقاً ـ أو ظهوراً في المعنى المجازي ـ كما فيما إذا كان مقروناً بقرينة على خلاف المعنى الحقيقي .

فكما أنّ قوله : «رأيت أسداً» ظاهر في المعنى الحقيقي ، فكذلك قوله : «رأيت أسداً يرمي» ظاهر في المعنى المجازي ضرورة أنّ المتفاهم العرفي منه هو الرجل

ــ[205]ــ

الشجاع ، من دون فرق بين أن نقول بأنّه ليس له إلاّ ظهور واحد ينعقد للجملة بعد تمامها ، نظراً إلى أنّ ظهور «أسد» في معناه الحقيقي متوقّف على تمامية الجملة ، وخلوّها عن القرينة على الخلاف .

وفي صورة وجود تلك القرينة لا ظهور له أصلاً ، بل الظهور ينعقد ابتداءً في خصوص المعنى المجازي ، أو نقول بوجود ظهورين : ظهور لفظ «الأسد» في معناه الحقيقي وظهور «يرمي» في المعنى المجازي ، غاية الأمر كون الثاني أقوى ، ولأجله يتقدّم على الظهور الأوّل ، وفي الحقيقة كلّ من اللّفظين ظاهر في معناه الحقيقي ، لكن يكون ظهور القرينة فيه ، الذي يكون معنى مجازيّاً بالإضافة إلى المعنى الأوّل أقوى وأتمّ ، فإنّه على كلا القولين تكون الجملة ظاهرة في المعنى المجازي الذي هو عبارة عن الرجل الشجاع .

وبالجملة : أصالة الظهور الراجعة إلى أصالة تطابق الإرادة الجدّية ، مع الإرادة الاستعمالية ، وكون المقصود الواقعي من الكلام هو ما يدلّ عليه ظاهر اللفظ جارية في كلا الصورتين ، من دون أن يكون هناك تفاوت في البين ، وحينئذ فإذا حكم العقل في مورد بخلاف ما هو ظاهر لفظ الكتاب يكون حكمه بمنزلة قرينة قطعية متّصلة ، موجبة لعدم انعقاد ظهور له واقعاً ، إلاّ فيما حكم به العقل .

فقوله تعالى في سورة الفجر 33 : }وجاء ربّك والملك صفّاً صفّاً{ وإن كان ظهوره الابتدائي في كون الجائي هو الربّ بنفسه ، وهو يستلزم الجسميّة الممتنعة في حقّه تعالى ، إلاّ أنّ حكم العقل القطعي باستحالة ذلك ـ لاستلزام التجسّم للافتقار ، والاحتياج المنافي لوجوب الوجود ، لأنّ المتّصف به غنيّ بالذات ـ يوجب عدم انعقاد ظهور له في هذا المعنى ، وهو اتّصاف الرّب بالمجيء .

ــ[206]ــ

وهكذا قوله تعالى في سورة طه 5 : }الرحمن على العرش استوى{ ومثله الآيات الظاهرة على خلاف حكم العقل .

فانقدح : حكم العقل ، مع كونه من الاُمور التي هي اُصول التفسير ، ولا مجال للإغماض عنه في استكشاف مراد الله تعالى من كتابه العزيز يكون مقدّماً على الأمرين الآخرين ، ولا موقع لهما معه ، امّا تقدّمه على الظهور فلما عرفت من عدم انعقاده مع حكم العقل على الخلاف ، لأنّه بمنزلة قرينة متّصلة ، وامّا تقدّمه على الأمر الآخر ، فلأنّ حجّية قوله إنّما تنتهي إلى حكم العقل ، وتستند إليه ، فكيف يمكن أن يكون مخالفاً له ، فالمخالفة تكشف عن عدم صدوره عن المعصوم(عليه السلام) أو عدم كون ظاهر كلامه مراداً له ، فكما أنّه يصير صارفاً لظاهر الكتاب يوجب التصرّف في ظاهر الرواية بطريق أولى ، كما لا يخفى .

وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الذي يبتني عليه التفسير إنّما هو خصوص الاُمور الثلاثة المتقدّمة; الظاهر ، وقول المعصوم ، وحكم العقل ، ولا يسوغ الاستناد في باب التفسير إلى شيء آخر .

نعم ، في باب الظواهر لابدّ من إحراز الصغرى ، وهي الظهور الذي مرجعه إلى الإرادة الاستعماليّة ، ضرورة أنّ التطابق بين الإرادتين لا يتحقّق بدون تشخيص الإرادة الاستعمالية ، وإحراز مدلول اللفظو ويقع الكلام ـ حينئذ ـ في طريق هذا التشخيص لمن لا يكون عارفاً بلغة العرب ، ولا يكون من أهل اللّسان ، ولا يجوز الاتّكال في ذلك على قول المفسّر ، أو اللّغوي ، مع عدم إفادة قولهما اليقين ، أو الاطمئنان الذي هو علم عرفي ، وذلك لعدم الدليل على حجّية قولهما أصلاً ، فالرجوع إلى التفسير لا يكاد يترتّب عليه فائدة إلاّ إذا حصل منه اليقين ، أو ما

ــ[207]ــ

يقوم مقامه بظهور اللفظ في المعنى الفلاني ، وكونه مراداً بالإرادة الاستعماليّة ، كما هو غير خفيّ .

ــ[208]ــ

صفحة خالية

ــ[209]ــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عدم تحريف الكتاب

 

ــ[210]ــ

 

 

 

 

 

 

عرض لمعاني التحريف والردّ عليه . مذهب الإمامية في عدم التحريف المتسالم عليه . أدلّة عدم التحريف ، ومناقشة القائلين به . النتيجة .

ــ[211]ــ

عدم التحريف

 

 

 

 

 

حيث انّ مسألة التحريف من المسائل المهمّة المتعلّقة بالكتاب لابدّ من التعرّض لها ، والورود فيها مفصّلاً ليزول الشكّ والارتياب فيها ـ إن شاء الله تعالى ـ وتنقدح صيانة الكتاب في أنّه المعجزة الخالدة الوحيدة للنبوّة والرسالة ، والبرنامج الفذّ لهداية الناس إلى صلاح اُمورهم الدنيويّة والدينيّة ، وخروجهم من الظلمات إلى النور إلى يوم القيامة ، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ، والشريعة السمحة السهلة ، وإراءتهم لما يتضمّن سعادة الدارين التي هي السعادة المطلوبة ، والغاية المنشودة لكلّ عاقل .

ويظهر بطلان ما زعمه القائل بالتحريف ، جهلاً منه بما يترتّب على هذا القول السخيف من التوالي الفاسدة ، والآثار السيّئة ، ونقض الغرض ، وتطاول المخالفين المعاندين للإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى ، وغيرهما من الذين لا يطيقون عظمة هذا الدين القويم ، وشوكة المسلمين ، ويتشبّثون بكلّ ما يمكن أن ينتهي إلى خذلانهم وضعف عقيدتهم .

ومن العجب إصرار بعض من ينتحل العلم ، ويظهر التعصّب في الدين ، ويرى لنفسه الفضيلة والمزية على غيره على القول بالتحريف ، الذي يتبرّأ منه من له أدنى

ــ[212]ــ

حظّ ونصيب من الشعور والعقل ، الذي هو الرسول الباطني والحجّة الداخلية .

والظاهر أنّ الأيادي الخفية المشبوهة والسياسات المعادية للإسلام هي التي تؤيّد هذه العقيدة الباطلة لاُمور غير خفيّة على أهلها ، فاللاّزم على الواعي ـ ولابدّ أن تكون له هذه المسؤولية ـ الواقف على هذه الخصوصيات : أن لا يقع من حيث لا يشعر ـ فيما يعود نفعه على المغرضين ، ويرجع إلى ضعف الدين ، ويستلزم خذلان المسلمين ويستوجب أن تكون الفرقة المحقّة الإمامية الاثنا عشريّة مورداً للتهمة والإفتراء عليهم بأنّ من خصائص عقائدهم ومبتدعاتهم القول بتحريف الكتاب ، ووقوع النقص فيه ، حتّى انّ من كان منهم أشدّ أصراراً على هذا القول يكون تعظيمه أكثر من غيره ، وإكرامه أوجب ، وقد نشرت في هذه الأزمنة ـ قبل سنين ـ رسالة ـ عذّب الله كاتبها ـ في موسم الحجّ في الردّ على الشيعة والنقض عليهم وكان عمدة ما اعتمد عليه كاتبها في إثبات غرضه الفاسد هو القول بالتحريف الذي ذهب إليه بعض العلماء منهم ، قائلاً إنّه قول جميعهم ، وانّه من إمتيازاتهم ، وانّ غرضهم من ذلك الفرار من التمسّك بالكتاب الذي هو الثقل الأكبر ، ويجب التمسّك به إلى يوم القيامة فهل ـ مع مثل ذلك ـ يسوغ للعاقل التفوّه بهذا الأمر الباطل ، فضلاً عن أن يؤلّف فيه الكتاب ويستند فيه إلى الآيات غير الدالّة ، والروايات الموضوعة عصمنا الله من الزلل والعثرة .

وكيف كان فنقول ـ وبالله الاستعانة ـ انّه لابدّ قبل الورود في أدلّة محلّ البحث وموضع النزاع من تقديم أمرين :

الأمر الأوّل : فيما يستعمل فيه لفظ «التحريف» وبيان أنّ محلّ البحث ومورد

ــ[213]ــ

النزاع ماذا؟ فنقول : قال بعض الأعلام في كتابه «البيان في تفسير القرآن»(1) ما لفظه :

«يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدّة معان على سبيل الاشتراك ، فبعض منها واقع في القرآن باتّفاق من المسلمين ، وبعض منها لم يقع فيه باتّفاق منهم أيضاً ، وبعض منها وقع فيه الخلاف بينهم وإليك تفصيل ذلك :

الأوّل : نقل الشيء عن موضعه ، وتحويله إلى غيره ، ومنه قوله تعالى : }من الذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه{ ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل هذا التحريف في كتاب الله ، فإنّ كلّ من فسّر القرآن بغير حقيقته ، وحمله على غير معناه فقد حرّفه ، وترى كثيراً من أهل البدع والمذاهب الفاسدة قد حرّفوا القرآن بتأويلهم آياته على طبق آرائهم وأهوائهم ، وقد ورد المنع عن التحريف بهذا المعنى ، وذمّ فاعله في عدّة من الروايات :

منها : رواية الكافي باسناده عن الباقر(عليه السلام) انّه كتب في رسالته إلى سعد الخير : «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال تعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية» .

الثاني : النقص أو الزيادة في الحروف أو في الحركات ، مع حفظ القرآن ، وعدم ضياعه ، وإن لم يكن في الخارج مميّزاً عن غيره ، والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعاً فقد أثبتنا لك فيما تقدّم عدم تواتر القراءات ، ومعنى هذا انّ القرآن المنزل إنّما هو مطابق لإحدى القراءات وامّا غيرها فهو امّا زيادة في القرآن وامّا نقيصة فيه .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) للإمام الخوئي بتقديم العلاّمة السيِّد مرتضى الحكمي ص215 ـ 218 الناشر .

ــ[214]ــ

الثالث : النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين مع التحفّظ على نفس القرآن المنزل ، والتحريف بهذا المعنى وقع في صدر الإسلام وفي زمان الصحابة قطعاً ، ويدلّنا على ذلك إجماع المسلمين على أنّ عثمان أحرق جملة من المصاحف وأمر ولاته بحرق كلّ مصحف غير ما جمعه ، وهذا يدلّ على أنّ هذه المصاحف كانت مخالفة لما جمعه ، وإلاّ لم يكن هناك سبب موجب لإحراقها ، وقد ضبط جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف ، منهم : عبدالله بن أبي داود السجستاني ، وقد سمّى كتابه هذا بكتاب المصاحب ، وعلى ذلك فالتحريف واقع لا محالة امّا من عثمان ، أو من كتاب تلك المصاحف ، ولكنّا سنبيّن بعد هذا ـ إن شاء الله تعالى ـ انّ ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين ، الذي تداولوه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يداً بيد ، فالتحريف بالزيادة والنقيصة إنّما وقع في تلك المصاحف التي انقطعت بعد عهد عثمان ، وامّا القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة . . .

الرابع : التحريف بالزيادة أو النقيصة في الآية والسورة مع التحفّظ على القرآن المنزل ، والتسالم على قراءة النبيّ(صلى الله عليه وآله) إيّاها والتحريف بهذا المعنى أيضاً واقع في القرآن قطعاً ، فالبسملة ـ مثلاً ـ ممّا تسالم المسلمون على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرأها قبل كلّ سورة ـ غير سورة التوبة ـ وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنّة ، فاختار جمع منهم انّها ليست من القرآن ، بل ذهبت المالكيّة إلى كراهة الإتيان بها قبل قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة ، إلاّ إذا نوى به المصلّي الخروج من الخلاف ، وذهب جماعة اُخرى إلى أنّ البسملة من القرآن . وامّا الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كلّ سورة غير سورة التوبة ، واختار هذا القول جماعة من علماء السنّة أيضاً ، وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف

ــ[215]ــ

يقيناً بالزيادة أو بالنقيصة .

الخامس : التحريف بالزيادة ، بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل ، والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين بل هو ممّا علم بطلانه بالضرورة .

السادس : التحريف بالنقيصة بمعنى أنّ بعض المصحف الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء ، فقد ضاع بعضه على الناس ، والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون» .

انتهى كلامه دامت إفادته .

ولكنّه سيجيء ـ إن شاء الله تعالى ـ في موضوع جمع القرآن وانّه في أيّ زمان جمع ، انّ الجمع كان في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وانّ اختلاف مصحف عثمان مع سائر المصاحف كان في كيفيّة القراءة من دون اختلاف في الكلمات .

والعجب انّه بنفسه يصرّح فيما بعد بذلك حيث يقول : «لا شكّ أنّ عثمان قد جمع القرآن في زمانه ، لا بمعنى أنّه جمع الآيات والسور في مصحف ، بل بمعنى أنّه جمع المسلمين على قراءة إمام واحد وأحرق المصاحف الاُخرى التي تخالف ذلك المصحف ، وكتب إلى البلدان أن يحرقوا ما عندهم منها ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة» وحينئذ فالاختلاف إنّما كان في القراءة لا في الكلمات كما سيظهر إن شاء الله تعالى .

الأمر الثاني : في عقيدة المسلمين في هذا الباب ، فنقول : المعروف بينهم عدم وقوع التحريف في الكتاب وانّه كما لم يقع التحريف بالزيادة إجماعاً ـ كما عرفت ـ لم يقع التحريف بالنقيصة ، وانّ ما بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على الرسول

ــ[216]ــ

الاُمّي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد صرّح بعدم وقوع التحريف في الكتاب أعاظم علماء الشيعة الإمامية وأعلامهم من المتقدّمين والمتأخِّرين ، وإليك نقل بعض كلماتهم .

قال شيخ المحدّثين صدوق الطائفة في محكي كتاب الاعتقاد : «اعتقادنا انّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه هو ما بين الدفّتين وليس بأكثر من ذلك ، ومن نسب إلينا انّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب» .

وقال المفيد ـ رحمه الله تعالى ـ في المقالات : «وقد قال جماعة من أهل الإمامة إنّه لم ينقص من كلمة ، ولا من آية ، ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً ، قال الله تعالى : }ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل ربِّ زدني علماً{ . فسمّى تأويل القرآن قرآناً وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف ، وعندي أنّ هذا القول أشبه من مقال من ادّعى النقصان من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل ، والله أسأل توفيقه للصواب» .

وقال السيِّد المرتضى(قدس سره) في المحكي عنه في جواب المسائل الطرابلسيّات : «العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار ، والوقائع والكتب المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته وبلغت حدّاً لم يبلغه ما ذكرناه ، لأنّ القرآن معجز للنبوّة ، ومأخذ للعلوم الشرعيّة والأحكام الدينيّة ، وعلماء الإسلام قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون متغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة ، والضبط الشديد ، وانّ

ــ[217]ــ

العلم بتفصيله وابعاضه ـ في صحّة نقله ـ كالعلم بجمله ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة ، ككتاب سيبويه والمزني ، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتّى لو أنّ مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب ، لعرف وميّز ، وعلم انّه ملحق وليس من أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه وداود من الشعراء» .

وذكر أيضاً : «انّ القرآن كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلّفاً على ما هو عليه الآن» ، واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان ، حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وإن كان يعرض على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويتلى عليه ، وانّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود واُبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث ، وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإماميّة والحشويّة لا يعتدّ بخلافهم ، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّتها» .

وقال الشيخ الطوسي ـ قدّس سرّه القدوسي ـ في أوّل تفسيره المسمّى بالتبيان : «امّا الكلام في زيادته ونقصه فممّا لا يليق به ـ يعني بالتفسير ـ أيضاً ، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه ، فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه ، وهو لا يليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى وهو الظاهر في الروايات ، غير انّه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصّة والعامّة بنقصان كثير

ــ[218]ــ

من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها» .

وتبعه على ذلك المحقّق الطبرسي في مقدّمة تفسيره «مجمع البيان» الذي هو كالتلخيص لتفسير «التبيان» .

وقال كاشف الغطاء في محكي كشفه : «لا ريب أنّه ـ يعني القرآن ـ محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديّان ، كما دلّ عليه صريح القرآن ، وإجماع العلماء في كلّ زمان ، ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها» إلى أن قال : «فلابدّ من تأويلها بأحد وجوه» .

وعن السيِّد القاضي نور الله في مصائب النواصب : «ما نسب إلى الشيعة الإماميّة من وقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإماميّة ، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم» .

وعن الشيخ البهائي(قدس سره) : «وأيضاً اختلفوا في وقوع الزيادة والنقصان فيه ، والصحيح انّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصاناً ويدلّ عليه قوله تعالى : }وانّا له لحافظون{ وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين(عليه السلام)منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى : }يا أيّها الرسول بلِّغ ما اُنزل إليك{ ـ في عليّـ وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء» .

وعن المقدس البغدادي في شرح الوافية : «وإنّما الكلام في النقيصة ، والمعروف بين أصحابنا حتّى حكي عليه الإجماع عدم النقيصة أيضاً» وعنه أيضاً عن الشيخ علي بن عبد العالي انّه صنَّف في نفي النقيصة رسالة مستقلّة ، وذكر كلام الصدوق المتقدّم ، ثمّ اعترض بما يدلّ على النقيصة من الأحاديث ، وأجاب بأنّ الحديث إذا

ــ[219]ــ

جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنّة المتواترة ، أو الإجماع ، ولم يمكن تأويله ، ولا حمله على بعض الوجوه وجب طرحه .

وحكى هذا القول ـ أيضاً ـ عن العلاّمة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن من كتابه «العروة الوثقى» ناسباً له إلى جمهور المجتهدين . وعن المحدّث الشهير المولى الفيض الكاشاني في كتابي «الوافي وعلم اليقين» ، وصرّح به أيضاً فقيد العلم الكامل الجامع الشيخ محمد جواد البلاغي في مقدّمة تفسيره المسمّى بـ «آلاء الرحمن» .

وبالجملة : لا مجال للإرتياب في أنّ المشهور بين علماء الشيعة الإماميّة ، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف ، وإنّما ذهب إليه منهم طائفة قليلة من الاخباريّين ، اغتراراً بظاهر الروايات الدالّة على ذلك ، التي سيجيء الجواب عن الاستدلال بها ، ومع ذلك فلا مساغ لنسبة هذا القول إلى الطائفة المحقّة ، وجعل ذلك من مطاعن الفرقة الناجية ، كما يظهر من بعض مفسِّري أهل السنّة وغيرهم .

ولا بأس بنقل عبارة بعضهم ليظهر ركوبهم مركب التعصّب وهو عثور ، وينقدح ابتلاء الطائفة المحقّة بمثل هذه الافتراءات الكاذبة ، والنسب الباطلة غير الصادقة ، فنقول :

قال الآلوسي في مقدّمة تفسيره روح المعاني : «وزعمت الشيعة أنّ عثمان ، بل أبا بكر وعمر أيضاً حرّفوه ، وأسقطوا كثيراً من آياته وسوره ، فقد روى الكليني منهم عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) انّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعة عشر ألف آية .

وروى محمد بن نصر عنه أنّه قال : كان في «لم يكن» اسم سبعين رجلاً من

ــ[220]ــ

قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم .

وروي عن سالم بن سليمة قال : قرأ رجل على أبي عبدالله وأنا أسمعه حروفاً من القرآن ليس ما يقرأ الناس فقال أبو عبدالله : مه عن هذه القراءات واقرأ كما يقرأ الناس حتّى يقوم القائم فإذا قام القائم فاقرأ كتاب الله على حدّه .

وروي عن محمّد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله(عليه السلام) : «انّ اُمّة هي أربى من اُمّة» ليس كلام الله بل محرّف عن موضعه والمنزل : «أئمّة هي أزكى من أئمّتكم» .

وذكر ابن شهرآشوب المازندراني في كتاب المثالب له : انّ سورة الولاية أسقطت بتمامها ، وكذا أكثر سورة الأحزاب ، فإنّها كانت مثل سورة الأنعام ، فأسقطوا منها فضائل أهل البيت ، وكذا أسقطوا لفظ «ويلك» من قبل «لا تحزن انّ الله معنا» ، و«عن ولاية عليّ» من بعد : «وقفوهم انّهم مسؤولون» ، و«بعليّ بن أبي طالب» من بعد «وكفى الله المؤمنين القتال» ، و«آل محمّد» من بعد «وسيعلم الذين ظلموا» إلى غير ذلك .

فالقرآن الذي بأيدي المسلمين اليوم شرقاً وغرباً وهو لكرة الإسلام ودائرة الأحكام مركزاً وقطباً أشدّ تحريفاً عند هؤلاء من التوراة والإنجيل ، وأضعف تأليفاً منها وأجمع للأباطيل ، وأنت تعلم أنّ هذا القول أوهن من بيت العنكبوت وانّه لأوهن البيوت ولا أراك في مرية من حماقة مدعيّهو وسفاهة مفتريه ، ولما تفطّن بعض علمائهم لما به جعله قولاً لبعض أصحابه» .

ثمّ نقل كلام الطبرسي في مقدّمة مجمع البيان ، المشتمل على نقل كلام السيِّد المرتضى المتقدّم ، ونسبة ذلك إلى قوم من حشويتة العامّة ، ثمّ قال : وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتّى للأطفال ، ثمّ أنكر نسبة ذلك إلى قوم من

ــ[221]ــ

الحشويّة نظراً إلى إجماع العامّة على عدم وقوع النقص فيما تواتر قراناً كما هو موجود بين الدفّتين اليوم .

ثمّ قال : «نعم ، أسقط زمن الصديق ما لم تتواتر وما نسخت تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ وما لم يكن في العرضة الأخيرة ، ولم يألُ جُهداً في تحقيق ذلك إلاّ انّه لم ينتشر نوره في الآفاق إلاّ زمن ذي النورين فلهذا نسب إليه .

كما روي عن حميدة بنت يونس أنّ في مصحف عائشة رضي الله عنها : انّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً وعلى الذين يصلّون الصفوف الأوُل . وإنّ ذلك قبل أن يغيّر عثمان المصاحف .

وما أخرج أحمد عن اُبيّ قال : قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك فقرأ عى «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتّى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلو صحفاً مطهّرة ، وما تفرّق الذين اُوتوا الكتاب إلاّ من بعدما جائتهم البيّنة انّ الدين عند الله الحنيفيّة غير المشركة ، ولا اليهودية ، ولا النصرانية ، ومن يفعل ذلك فلن يكفره» .

وفي رواية : «ومن يعمل صالحاً فلن يكفره ، وما اختلف الذين اُوتوا الكتاب إلاّ من بعدما جاءتهم البيّنة انّ الذين كفروا ، وصدّوا عن سبيل الله ، وفارقوا الكتاب لمّا جائهم أولئك عند الله شرّ البرية ما كان الناس إلاّ اُمّة واحدة ثمّ أرسل الله النبيّين مبشِّرين ومنذرين يأمرون الناس يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويعبدون الله وحده أولئك عند الله خير البرية جزاؤهم عند ربّهم جنّات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربّه» .

ــ[222]ــ

وفي رواية الحاكم فقرأ فيها : «ولو أنّ إبن آدم سأل وادياً من مال فأعطاه يسأل ثانياً ، ولو سأل ثانياً فأعطاه يسأل ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب الله على من تاب» .

وما روي عنه أيضاً أنّه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفد : «اللهمّ انّا نستعينك ونستغفرك ، ونثني عليك ، ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهمّ إيّاك نعبد ، ولك نصلّي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك إنّ عذابك بالكفّار ملحق» فهو من ذلك القبيل ، ومثله كثير .

وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر ، قال : لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه ، وما يدريه ما كلّه قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر .

والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلاّ أنّها محمولة على ما ذكرنا وأين ذلك ممّا يقوله الشيعي الجسور ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور» .

انتهى ما أردنا نقله من كلامه حشره الله لا مع أجداده بل مع من يحبّه ويتولاّه .

وأنت خبير بما فيه :

امّا أوّلاً : فلأنّك عرفت أنّ المشهور عند أصحابنا الإماميّة ، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف ، بل قد عرفت أنّ الصدوق(قدس سره) جعله من عقائد الإماميّة ، وادّعى كاشف الغطاء فيه الضرورة والبداهة ، ومعه لا وجه للافتراء عليهم ، ونسبة هذا القول السخيف إلى الطائفة المحقّة ـ الظاهرة في الشهرة بينهم ، وذهاب الكليني وبعض آخر من المحدّثين كشيخه علي بن إبراهيم القمّي ـ صاحب

ــ[223]ــ

التفسير ـ إلى القول بالتحريف ـ لا يسوغ النسبة إلى الجميع أو المشهور ، مع أنّ منشأ النسبة إليه وإلى شيخه هو ذكر الأخبار الظاهرة فيه . ومن الواضح انّ نقل الخبر لا يدلّ على اختيار الناقل لما يفهم منه ظاهراً ، لأنّه فرع اعتباره أوّلاً ، وظهوره عنده في ذلك ثانياً ، وخلوّه عن المعارض ثالثاً ، وحجّيته في مثل هذه المسألة رابعاً ، وتحقّق ذلك عند الناقل غير واضح .

وامّا ثانياً : فلأنّ إنكار ذهاب الحشويّة من العامّة ، وهم الفرقة القائلة بحجّية ظواهر القرآن واعتبارها ، ولو كان على خلاف العقل الصريح ، ولذا التزموا بالتجسيم نظراً إلى ذلك ، ولعلّه لأجله سمّيت بالحشويّة في غير محلّه لشيوع هذا القول منهم من الأزمنة المتقدّمة .

وامّا ثالثاً : فلأنّه أنكر التحريف ـ غاية الإنكار ـ والتزم بما يرجع إليه من نسخ التلاوة الذي هو في الحقيقة تحريف ، حيث قال في عبارته المتقدّمة : «نعم أسقط زمن الصديق ما لم تتواتر ، وما نسخت تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ» .

والعجب! انّه لا يختصّ هذا الإيراد بالرجل بل هو شائع بين الجمهور حيث انّهم قد صرّحوا بنفي التحريف ، وإثبات نسخ التلاوة ، وعليه حملوا الروايات الكثيرة المرويّة بطرقهم ، الدالّة على اشتمال القرآن الأوّلي على أزيد من ذلك ، وقد نسخت تلاوة الزائد ، وقد نقل بعضها الآلوسي في عبارته المتقدّمة ، ولا بأس بذكر البعض الآخر أيضاً مثل :

ما روى المسوّر بن مخرمة قال : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما اُنزل علينا : «ان جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة ، فانّا لا نجدها؟ قال : اُسقطت فيما اُسقط من القرآن» .

ــ[224]ــ

وروى ابن أبي داود ابن الأنباري ، عن ابن شهاب قال : «بلغنا أنّه كان أنزل قرآن كثير فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ، ولم يعلم بعدهم ، ولم يكتب» .

وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت : «كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن» .

وروى ابن عبّاس ، عن عمر انّه قال : «إنّ الله عزّوجلّ بعث محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)بالحقّ ، وأنزل معه الكتاب ، فكان ممّا أنزل إليه آية الرّجم ، فرجم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ورجمنا بعده ، ثمّ قال : كنّا نقرأ : ولا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أو ان كفراً بكم ان ترغبوا عن آبائكم» .

وآية الرّجم التي ادّعى عمر ـ على طبق الرواية ـ انّها من القرآن رويت بوجوه :

منها : «إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» .

ومنها : «الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة بما قضيا من اللّذة» .

ومنها : «إنّ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة» وغير ذلك من الموارد التي التزموا فيها بنسخ التلاوة ، مع أنّه لا يعلم مرادهم من نسخ التلاوة هل أنّه كان نسخها بأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بأيدي من تصدّى للزعامة والخلافة بعده؟

فإن كان الأوّل فما الدليل على النسخ بعد ثبوت كون المنسوخ من القرآن بنحو التواتر على اعتقادهم ، ولذا يقولون بأنّه «كان يقرأه من لم يبلغه النسخ» وصرّح بذلك الآلوسي في عبارته المتقدّمة ، فإن كان المثبت له هو خبر الواحد فقد قرّر في

ــ[225]ــ

محلّه من علم الاُصول وغيره انّه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، والظاهر الاتّفاق عليه ، وإن وقع الاختلاف في جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، وإن كان هو السنّة المتواترة فمع عدم ثبوت التواتر ـ كما هو واضح ـ نقول : إنّه حكي عن الشافعي ، وأكثر أصحابه ، وأكثر أهل الظاهر : القطع بعدم جواز نسخ الكتاب بالسنّة المتواترة ، وحكي عن أحمد أيضاً ـ في إحدى الروايتين ـ بل أنكر جماعة من القائلين بالجواز وقوعه وتحقّقه .

وإن كان الثاني : فهو عين القول بالتحريف ، وكأنّ الآلوسي ومن يحذو حذوه توهّموا انّ النزاع في باب التحريف نزاع لفظي ، وإلاّ فأيّ فرق بينه وبين نسخ التلاوة بهذا المعنى ، وعلى ذلك يصحّ أن يقال : إنّ جمهور علماء السنّة قائلون بالتحريف لتصريحهم بنسخ التلاوة الذي يرجع إليه ، بل هو عينه ، كما أنّه ينكشف انّ من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور .

وامّا رابعاً : فلأنّه كيف يصحّ الالتزام بأنّ سورتي الخلع والحفد ـ اللّتين سمّاهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت ، ونسبوهما إلى مصحف ابن عبّاس ، ومصحف زيد وقراءة اُبيّ ، وأبي موسى ـ أن يكون من القرآن ، فإنّه كيف يصحّ قوله : «يفجرك» في السورة الاُولى وكيف تتعدّى كلمة «يفجر» وأيضاً انّ الخلع يناسب الأوثان ، فماذا يكون المعنى ، وبماذا يرتفع الغلط؟ أو ما هي النكتة في التعبير بقوله : «ملحق» وما هو وجه المناسبة وصحّة التعليل لخوف المؤمن من عذاب الله بأنّ عذاب الله بالكافرين ملحق فإنّ هذه العبارة إنّما تناسب التعليل ، لأن لا يخاف المؤمن من عذاب الله ، لأنّ عذابه بالكافرين ملحق .

وكذا آية الرجم ـ التي ادّعى عمر انّها من القرآن ـ يسأل من القائل بنسخ

ــ[226]ــ

تلاوته ـ على تقدير صحّة روايته ـ انّه ما وجه دخول الفاء في قوله : «الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة بما قضيا من اللّذة» وليس هناك ما يصحّح دخولها من شرط أو نحوه ، لا ظاهراً ، ولا على وجه يصحّ تقديره ، وإنّما دخلت الفاء على الخبر في قوله تعالى في سورة النور : «الزانية والزاني فاجلدوا . .» لأنّ كلمة اجلدوا بمنزلة الجزاء لصفة الزنا في المبتدأ والزنا بمنزلة الشرط ، وليس الرجم جزاء للشيخوخة ، ولا هي سبباً ، فالظاهر أنّ الوجه في دخول الفاء هي الدلالة على كذب الرواية ، كما هو غير خفيّ على اُولي الدّراية .

ثمّ إنّ قضاء اللّذة أعمّ من الجماع ، والجماع أعمّ من الزنا ، والزنا أعمّ من سبب الرجم الذي هو الزنا مع الإحصان ، فكيف يصحّ إطلاق القول بوجوب رجمهما مع قضاء اللّذة والشهوة ، كما هو واضح .

وإن قيل بكونه كناية عن الزنا نقول على تقدير تسليمه بأنّ السبب كما عرفت ليس هو الزنا المطلق ، وليست الشيخوخة ملازمة للإحصان ، كما لا يخفى .

إذا عرفت هذين الأمرين يقع الكلام بعدهما في أدلّة الطرفين وتحقيق ما هو الحقّ في البين فنقول :

ــ[227]ــ

 

 

 

أدلّة عدم التحريف

 

الدليل الأوّل :

قول الله تبارك وتعالى في سورة الحجر 9 : }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون{ فإنّ دلالته ـ على أنّ القرآن مصون من التحريف والتغيير وانّه لا يتمكّن أحد من أن يتلاعب فيه ـ ظاهرة ، ولكن الاستدلال به يتوقّف على إثبات كون المراد من «الذكر» فيه هو القرآن لاحتمال أن يكون المراد به هو الرسول ، لاستعمال الذكر فيه أيضاً في مثل قوله تعالى في سورة الطلاق : }قد أنزل الله عليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله{ .

ولكن يدفع هذا الاحتمال :

أوّلاً : منع كون المراد بالذكر في الآية الثانية أيضاً هو الرسول ، وذلك بقرينة التعبير بالإنزال ، ضرورة انّه لا يناسب الرسول لكونه ساكناً في الأرض مخلوقاً كسائر الخلق محشوراً معهم ، والتنزيل والإنزال وما يشابهما انّما يناسب الاُمور السماوية ، كالكتاب والملائكة وأمثالهما ، وذكر كلمة «الرسول» بعد ذلك لا يؤيّد كونه المراد بالذكر ، لأنّه ابتداء آية مستقلّة ، وليس جزء لما قبله ، واحتمل في مجمع البيان أن يكون انتصابه لأجل كونه مفعول فعل محذوف ، تقديره : «أرسل رسولاً» لا بدلاً من «ذكراً» كما أنّه احتمل أن يكون مفعول قوله «ذكراً» ويكون تقديره

ــ[228]ــ

أنزل الله إليكم ان ذكر رسولاً .

وبالجملة : فلم يثبت كون المراد من «الذكر» في هذه الآية هو الرسول لو لم نقل بظهورها ـ بقرينة ذكر الإنزال ـ في كونه هو الكتاب .

وثانياً : انّه على تقدير كون المراد بالذكر في تلك الآية هو الرسول ، لكنّه لايتمّ احتماله في المقام ـ وهي آية الحفظ ـ لكونها مسبوقة بما يدلّ على أنّ المراد به هو الكتاب ، وهو قوله تعالى : }يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لََمجْنُونٌ* لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ* مَا نُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ{(1) .

فكأنّ هذه الآية وقعت جواباً عن قولهم السخيف وافترائهم العنيف وهو أنّ المجنون لا يمكن له حفظ الذكر ولا يليق بأن ينزل عليه فأجابهم الله تبارك وتعالى بأنّ التنزيل إنّما هو فعل الله وهو الحافظ له عن التحريف والتغيير : «أنّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون» .

فانقدح ممّا ذكرنا وضوح كون المراد بالذكر في آية الحفظ هو الكتاب ، ولا مجال للاحتمال المذكور بوجه أصلاً .

ومن الغريب ـ بعد ذلك ـ ما ذكره المحدّث المعاصر في مقام المناقشة على الاستدلال بالآية من : «انّه قد أجمع الاُمّة على عدم جواز التمسّك بمتشابهات القرآن إلاّ بعد ورود النصّ الصريح في بيان المراد منها ، ولا شكّ أنّ المشترك اللفظي إذا لم يكن معه قرينة تعيّن بعض أفراده ، والمعنوي إذا علم عدم إرادة القدر المشترك منها ، بل اُريد منه أحد أفراده ولم يقترن بما يعيّنه ، من أقسام المتشابهات ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجر : 6 ـ 8 .

ــ[229]ــ

و«الذكر» قد أطلق في القرآن كثيراً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الجائز أن يكون هو المراد منه هنا أيضاً ، ويكون سبيل تلك الآية سبيل قوله تعالى : }والله يعصمك من الناس {وليس ذكر الإنزال قرينة على كون المراد منه القرآن لقوله تعالى : }إنّا أنزلنا إليكم ذكراً رسولاً{ .

وقد عرفت قيام القرينة الواضحة على كون المراد به في المقام هو الكتاب ، وانّه ليست آية الحفظ من المتشابهات بوجه ، والعجب منه(رحمه الله) مع كونه محدّثاً مشهوراً وذا عناية بالروايات المأثورة عن العترة الطاهرة ـ عليهم آلاف الثناء والتحيّة ـ ولو كانت رواتها كذّابين وضّاعين ـ كما سيأتي في البحث عن الروايات الدالّة على التحريف ـ كيف نقل آية الحفظ هكذا : «إنّا أنزلنا الذكر . .» وكيف حكي الآية التي استشهد بها على كون المراد بالذكر هو الرسول بالنحو الذي نقلنا عنه ، مع أنّ الآية هكذا : «قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً» وحينئذ فيسأل عن الوجه في عدم الاعتناء بالكتاب ، والتسامح في نقل ألفاظه المقدّسة وآياته الكريمة ، ولعمري أنّ هذا وأشباهه هو السبب في طعن المخالفين على الفرقة الناجية المحقّة وافترائهم عليهم بأنّهم لا يعتنون بالكتاب العزيز ، ولا يراعون شأنه العظيم وقولهم : إنّهم مشتركون معنا في ترك العمل بحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين . فإنّ الطعن علينا والإيراد بنا بترك العترة الطاهرة ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وعدم التمسّك بهم منقوض بعدم تمسّكهم بالكتاب الذي هو أيضاً أحد الثقلين بل هو الثقل الأكبر والمعجزة الخالدة الوحيدة للنبوّة والرسالة ، وكيف كان فلا إشكال في المقام في أنّ المراد بالذكر في آية الحفظ هو الكتاب الذي نزّله الله .

ولكنّه أورد على الاستدلال بها علدم التحريف بوجوه اُخر من الإشكال :

ــ[230]ــ

الإيراد الأوّل :

انّه لا دليل على كون المراد من الحفظ فيها هو الحفظ عن التلاعب والتغيير والتبديل بل يحتمل :

أوّلاً : أن يكون المراد من الحفظ هو العلم فمعنى قوله تعالى : }وانّا له لحافظون {انّا له لعالمون فلا دلالة فيها حينئذ ـ على عدم التحريف بوجه ولا تعرّض لها من هذه الحيثيّة ، وقد ذكر هذا الاحتمال ، المحقّق القمّي(قدس سره) في كتاب «القوانين» .

وثانياً : انّه على تقدير كون المراد من الحفظ هو الصيانة ، لكن يحتمل أن يكون المراد هو صيانته عن القدح فيه وعن إبطال ما يشتمل عليه من المعاني العالية ، والمطالب الشامخة ، والتعاليم الجليلة ، والأحكام المتينة .

والجواب :

امّا عن الاحتمال الذي ذكره المحقّق القمّي(رحمه الله) فهو وضوح عدم كون الحفظ ـ لغةً وعرفاً ـ بمعنى العلم فإنّ المراد منه هو الصيانة ، وأين هو من العلم بمعنى الإدراك والاطّلاع ، ومجرّد الاحتمال إنّما يقدح في الاستدلال إذا كان احتمالاً عقلائيّاً منافياً لانعقاد الظهور للّفظ ، ومن الواضح عدم ثبوت هذا النحو من الاحتمال في المقام .

وامّا عن الاحتمال الثاني ، فهو أنّه إن كان المراد من صيانته عن القدح والإبطال هو الحفظ عن قدح الكفّار والمعاندين ، بمعنى انّه لم يتحقّق في الكتاب قدح من ناحيتهم بوجه ـ والسبب فيه هو الله تبارك وتعالى فإنّه منعهم عن ذلك ـ فلا ريب في بطلان ذلك ، لأنّ قدحهم في الكتاب فوق حدّ الإحصاء والكتب السخيفة المؤلّفة لهذه الأغراض الشيطانية كثيرة .

ــ[231]ــ

وإن كان المراد انّ القرآن لأجل اتّصاف ما يشتمل عليه من المعاني بالقوّة والاستحكام والمتانة لا يمكن أن يصل إليه قدح القادحين ، ولا يقع فيه تزلزل واضطراب من قبل شبه المعاندين ، فهذا المعنى وإن كان أمراً صحيحاً مطابقاً للواقع إلاّ أنّه لا يرتبط بما هو مفاد الآية الشريفة ، ضرورة أنّ ما ذكر إنّما هو شأن القرآن ووصف الكتاب ، والآية إنّما هي في مقام توصيف الله تبارك وتعالى ، وانّه المنزل للكتاب العزيز ، والحافظ له عن التغيير والتبديل .

وبعبارة اُخرى : مرجع ما ذكر إلى أنّ القرآن حافظ لنفسه بنفسه لاستحكام مطالبه ، ومتانة معانيه ، وعلوّ مقاصده ، والآية تدلّ على افتقاره إلى حافظ غيره ، وهو الله الذي نزله ، فأين هذا من ذاك ، فتدبّر جيّداً .

الإيراد الثاني :

انّ مرجع الضمير في قوله : «وانّا له لحافظون» إن كان المراد به هو كلّ فرد من أفراد القرآن من المكتوب والمطبوع وغيرهما فلا ريب في بطلانه لوقوع التغيير في بعض أفراده قطعاً ، بل ربّما مزّق أو فرّق ، كما صنع الوليد وغيره .

وإن كان المراد به هو حفظه في الجملة كفى في ذلك حفظه عند الإمام الغائب ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ فلا يدلّ على عدم التحريف في الافراد التي بأيدينا من الكتاب العزيز ، والقائل بالتحريف إنّما يدّعيه في خصوص هذه الافراد ، لا ما هو الموجود عند محمّد وآله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين .

والجواب :

إنّ القرآن ليس أمراً كليّاً قابلاً للصدق على كثيرين بحيث تكون نسبته إلى النسخ المتكثّرة كنسبة طبيعة الإنسان إلى أفرادها المختلفة ، وكانت لها أفراداً

ــ[232]ــ

موجودة ، وافراداً انعدمت بعد وجودها ، أو يمكن أن توجد ، بل القرآن هو الحقيقة النازلة على الرسول الأمين التي قال الله في شأنها : }انّا أنزلناه في ليلة القدر {والقرآن المكتوب أو الملفوظ إنّما هو حاك عن تلك الحقيقة ، وكاشف عمّا اُنزل في تلك الليلة المباركة ، ومن المعلوم انّها ليست متكثّرة متنوّعة ، ومرجع حفظها إلى ثبوتها بتمامها من دون نقص وتغيير ، وكون الحاكي حاكياً عنها كذلك ، وهذا مثل ما نقول : إنّ القصيدة الفلانية محفوظة فإنّ معناها انّ الكتب الحاكية عنها أو الصدور المحافظة لها حاكية عنها بأجمعها ، وحافظة لها بتمامها كما لا يخفى .

الإيراد الثالث :

ما ذكره المحدّث المعاصر من أنّ آية الحفظ مكّية واللفظ بصورة الماضي ، وقد نزل بعدها سور وآيات كثيرة فلا تدلّ على حفظها ، لو سلّمنا الدلالة .

والجواب :

واضح ، فإنّ الناظر في الآية العارف بأساليب الكلام يقطع بأنّ الحفظ إنّما يتعلّق بما هو الذكر الذي هو شأن القرآن بأجمعه ، فكما أنّ صفة التنزيل صفة عامّة ثابتة لجميع الآيات والسور بملاحظة نفس هذه الآية الشريفة ، ولا يكاد يتوهّم عاقل دلالتها على اتصاف الآيات الماضية بذلك فكذلك وصف الحفظ والمصونية .

الإيراد الرابع :

وهو العمدة ، انّ القائل بالتحريف يحتمل وجود التحريف في نفس هذه الآية الشريفة ، لأنّها بعض آيات القرآن ، فلاحتمال التحريف فيه مجال ، ومع هذا الاحتمال لا يصحّ الاستدلال ، فكيف يصحّ الاستدلال بما يحتمل فيه التحريف على نفسه ، وهل هذا إلاّ الدور الباطل؟! .

ــ[233]ــ

والجواب :

إنّ الاستدلال إن كان في مقابل من يدّعي التحريف في موارد مخصوصة وهي الموارد التي دلّت عليها روايات التحريف ، فلا مجال للمناقشة فيه; لعدم كون آية الحفظ من تلك الموارد على اعترافه ، ضرورة انّه لم ترد رواية تدلّ على وقوع التحريف في آية الحفظ أصلاً .

وإن كان في مقابل من يدّعي التحريف في القرآن إجمالاً ، بمعنى أنّ كلّ آية عنده محتملة لوقوع التحريف فيها ، وسقوط القرينة الدالّة على خلاف ظاهرها عنها ، فتارةً يقول القائل بهذا النحو من التحريف بحجّية ظواهر الكتاب ، مع وصف التحريف ، واُخرى لا يقول بذلك ، بل يرى أنّ التحريف مانع عن بقاء ظواهر الكتاب على الحجّية ، وجواز الأخذ والتمسّك بها ، ويعتقد أنّ الدليل على عدم الحجّية هو نفس وقوع التحريف .

فعلى الأوّل : لا مجال للمناقشة في الاستدلال بآية الحفظ على عدم التحريف ، لأنّه بعدما كانت الظواهر باقية على الحجّية ، ووقوع التحريف غير مانع عن اتّصاف الظواهر بهذا الوصف ، كما هو المفروض نأخذ بظاهر آية الحفظ ، ونستدلّ به على العدم كما هو واضح .

وعلى الثاني : الذي هو عبارة عن مانعيّة التحريف عن العمل بالظواهر ، والأخذ بها ، فإن كان القائل بالتحريف مدّعياً للعلم به ، والقطع بوقوع التحريف في القرآن إجمالاً ، وكون كلّ آية محتملة لوقوع التحريف فيها ، فالاستدلال بآية الحفظ لا يضرّه ، ولو كان ظاهرها باقياً على وصف الحجّية ، لأنّ ظاهر الكتاب إنّما هي حجّة بالإضافة إلى من لا يكون عالماً بخلافه ، ضرورة أنّه من جملة الأمارات

ــ[234]ــ

الظنّية المعتبرة ، وشأن الأمارة اختصاص حجّيتها بخصوص الجاهل بمقتضاها ، وامّا العالم بالخلاف المتيقّن له فلا معنى لحجّية الأمارة بالإضافة إليه ، فخبر الواحد ـ مثلاًـ الدالّ على وجوب صلاة الجمعة إنّما يعتبر بالنسبة إلى من لا يكون عالماً بعدم الوجوب ، وامّا بالإضافة إلى العالم فلا مجال لاعتباره بوجه ، فظاهر آية الحفظ ـ على تقدير حجّيته أيضاً ـ إنّما يجدي لمن لا يكون عالماً بالتحريف ، والبحث في المقام إنّما هو مع غير العالم .

وإن كان القائل به لا يتجاوز عن مجرّد الاحتمال ، ولا يكون عالماً بوقوع التحريف في الكتاب ، بل شاكّاً ، فنقول مجرّد احتمال وقوع التحريف ، ولو في آية الحفظ أيضاً لا يمنع عن الاستدلال بها ، لعدم التحريف ، كيف وكان الدليل على عدم حجّية الظواهر والمانع عنها هو التحريف ، فمع عدم ثبوته واحتمال وجوده ، وعدمه كيف يرفع اليد عن الظاهر ، ويحكم بسقوطه عن الحجّية ، بل اللاّزم الأخذ به ، والحكم على طبق مقتضاه الذي عرفت أنّ مرجعه إلى عدم تحقّق التحريف بوجه ، ولا يستلزم ذلك تحقّق الدور الباطل ، ضرورة أنّ سقوط الظاهر عن الحجّية فرع تحقّق التحريف وثبوته ، وقد فرضنا أنّ الاستدلال إنّما في مورد الشكّ وعدم العلم ، ومن الواضح أنّ الشكّ فيه لا يوجب سقوط الظاهر عن الحجّية ، ما دام لم يثبت وقوعه ، فتدبّر جيّداً .

وقد انقدح ممّا ذكرنا تماميّة الاستدلال بآية الحفظ ، والجواب عن جميع الإشكالات ، سيّما الأخير الذي كان هو العمدة في الباب .

الدليل الثاني :

قوله تعالى في سورة فصّلت 41 ، 42 : }وانّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من

ــ[235]ــ

بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد{ ولا خفاء في ظهوره في أنّه لا يأتي الكتاب العزيز الباطل ـ بجميع أقسامه ـ ومن شيء من الطرق والجوانب ، ضرورة أنّ النفي إذا ورد على الطبيعة المعرفة بلام الجنس أفاد العموم ، بالإضافة إلى جميع أنواعها وأصنافها وأفرادها ، فالباطل في ضمن أيّ نوع تحقّق ، وأيّ صنف حصل ، وأيّ فرد وجد ، بعيد عن الكتاب بمراحل لا يمكن له إتيانه والاتّصال إليه ، ومن الواضح أنّ «التحريف» من أوضح مصاديق الباطل ، وأظهر أصنافه ، فالآية تنفيه وتخبر عن عدم وقوعه وبعده عن الكتاب .

مضافاً إلى أنّ توصيف الكتاب بالعزّة يلائم مع حفظه عن التغيير والتنقيص ، كما أنّ قوله تعالى في ذيل الآية : }تنزيل من حكيم حميد{ الذي هو بمنزلة التعليل للحكم بعدم إتيان الباطل الكتاب يناسب مع بقائه ، وعدم تطرّق التحريف إليه ، فإنّ ما نزل من الحكيم لا يناسبه عروض التغيير ، ويكون مصوناً من أن تتلاعب به الأيدي الجائرة ، ومحفوظاً من أن تمسّه الأفراد غير المطهّرة .

وقد أورد على الاستدلال بوجوه من الإشكال :

الإشكال الأوّل :

انّه قد ورد في تفسير الآية روايات دالّة على أنّ المراد منها غير ما ذكرنا ، مثل رواية علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال : «لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ، ولا من قبل الإنجيل والزبور ، ولا من خلفه أي لا يأتيه من بعده كتاب يبطله» ورواية مجمع البيان عن الصادقين(عليهما السلام) : «انّه ليس في اخباره عمّا مضى باطل ، ولا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل» .

والجواب :

ــ[236]ــ

أنّ اختلاف الروايتين في تفسير الآية ، وبيان المراد منها ـ ضرورة أنّه لا يكاد يمكن الجمع بينهما ، فإنّ الاخبار عمّا مضى لا يرتبط بالتوراة والإنجيل والزبور ، والاخبار عمّا يكون في المستقبل لا يلائم الكتاب الذي يأتي من بعده ـ دليل على عدم حصر الباطل في شيء من مفادهما ، وانّهما بصدد بيان المصداق ، ولا دلالة لهما على الحصر أصلاً ، وعليه فظهور الآية في العموم وعدم تطرّق شيء من أقسام الباطل وأفراده إليه واضح ، لا معارض له بوجه .

الإشكال الثاني :

التأمّل في صدق الباطل على ورود التحريف عليه ، خصوصاً بعد ملاحظة وحدة المراد منه فيما سبق القرآن أو لحقه ، إذ لا يتوهّم في الباطل الذي بين يديه ذلك فيكون ما في خلفه كذلك .

والجواب :

من الواضح أنّ كون التحريف من أظهر مصاديق الباطل ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ، وتعلّق النفي بالطبيعة المعرفة يفيد العموم ـ على ما ذكرناـ ولا مجال لملاحظة وحدة المراد ، فإنّ الحكم لم يتعلّق بالافراد حتّى تلاحظ وحدة المراد ، بل بنفس الطبيعة في السابق واللاّحق ، كما هو غير خفيّ .

الإشكال الثالث :

انّه لا يظهر في شيء من الكتب الموضوعة في تفسير القرآن ، تفسير الآية بما ذكر ، ولا احتمله أحد من المفسِّرين ، وإليك نقل بعض كلمات أعلامهم :

قال الشيخ الطوسي(قدس سره) في محكي التبيان : «قوله تعالى : لا يأتيه الباطل . . .» قيل في معناه أقوال خمسة :

ــ[237]ــ

أحدها : انّه لا تعلّق به الشبهة من طريق المشاكلة ، ولا الحقيقة من جهة المناقضة ، فهو الحقّ المخلص الذي لا يليق به الانس .

ثانيها : قال قتادة والسدّي : معناه لا يقدر الشيطان أن ينتقص منه حقّاً ولا يزيد فيه باطلاً .

ثالثها : معناه لا يأتي بشيء يوجب بطلانه ، ممّا وجد قبله ولا معه ، ولا ممّا يوجد بعده ، وقال الضحّاك : لا يأتيه كتاب من بين يديه يبطله ، ولا من خلفه ، أي ولا حديث من بعده يكذّبه ، وقال ابن عبّاس : معناه لا يأتيه من التوراة والإنجيل ، ولا من خلفه ، أي لا يجيء كتاب من بعده .

رابعها : قال الحسن : معناه لا يأتيه الباطل من أوّل تنزيل ، ولا من آخره .

خامسها : انّ معناه : ولا يأتيه الباطل في اخباره عمّا تقدّم ، ولا من خلفه ولا عمّا تأخّر» .

وقال السيِّد الرضي في محكي الجزء الخامس من تفسيره المسمّى بـ «حقائق التأويل» في تفسير قوله تعالى : بكلمة منه اسمه المسيح ـ بعد ذكر سرّ تذكير الضمير فيه وتأنيثه في قوله تعالى : }إنّما المسيح عيسى بن مريم وكلمته ألقاها إلى مريم {ما لفظه :

«وإذا نظرت بعين عقلك بأنّ لك ما بين الموضعين من التمييز البيّن ، والفرق النيّر ، وعجبت من عمائق هذا الكتاب الشريف ، التي لا يدرك غزرها ، ولا يضب بحرها ، فإنّه كما وصفه سبحانه بقوله : }لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه{ .

ومن أحسن ما قيل في تفسير ذلك انّه لا يشبه كلاماً تقدّمه ، ولا يشبهه كلام تأخّر عنه ، ولا يتّصل بما قبله ، ولا يتّصل به ما بعده ، فهو الكلام القائم بنفسه ،

ــ[238]ــ

البائن من جنسه ، العالي على كلّ كلام قرن إليه وقيس به» .

وبالجملة : فتفسير الآية بما ذكر في الاستدلال مخالف لما يظهر من الفحول والرجال من مفسِّري العامّة والخاصّة ، وعليه فلا يبقى للتمسّك بها مجال .

والجواب :

انّا قد حقّقنا في أوّل مبحث أصول التفسير : انّ الأصل الأوّلي في باب التفسير ، وكشف مراد الله تبارك وتعالى من كتابه العزيز هو ظواهر الكتاب ، وانّ الاعتماد في باب التفسير عليها ممّا لا ينبغي الارتياب فيه ، وقول المفسِّرين لم يقم دليل على اعتباره ما لم يكن مبتنياً على تلك الاُصول ، وقد عرفت أنّ ظاهر الآية تعلّق النفي بطبيعة الباطل ، وانّ التحريف من أوضح مصاديقه ، ولا يعارض ذلك قول المفسِّرين ، إلاّ إذا كان مستنداً إلى بيان المعصوم(عليه السلام) الذي هو أيضاً من تلك الاُصول ، والظاهر عدم الاستناد في المقام ، وعلى تقديره فالروايات المستند إليها هي الروايات المتقدّمة ، وقد عرفت عدم دلالتها على حصر الباطل في مفادها ، والدليل عليه وجود الاختلاف بينها ، كما لا يخفى .

الإشكال الرابع :

نظيره من أنّه إن اُريد بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل جميع أفراده الموجودة بين الناس ، فهو خلاف الواقع ، للإجماع على أنّ ابن عفّان ، أحرق مصاحف كثيرة حتّى قيل : إنّه أحرق أربعين ألف مصحف ، ويمكن ذلك ضرورة لآحاد أهل الإسلام والمنافقين ، فليكن ما صدر من أولئك من التحريف في الصدر الأوّل من هذا القبيل ، وإن اُريد في الجملة فيكفي في انتفاء الباطل عنه انتفاؤه عن ذلك الفرد المحفوظ عند أهل البيت(عليهم السلام) .

ــ[239]ــ

والجواب : عنه قد تقدّم في الأمر الأوّل والتكرار موجب للتطويل .

الدليل الثالث :

ما أفاده بعض الأعاظم في تفسيره المسمّى بـ «الميزان في تفسير القرآن» وحاصله : أنّ من ضروريّات التاريخ انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جاء قبل أربعة عشر قرناً ـ تقريباًـ وادّعى النبوّة ، وانّه جاء بكتاب يسمّيه القرآن ، وينسبه إلى ربّه ، وكان يتحدّى به ويعدّه آية لنبوّته ، وانّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة ، بمعنى أنّه لم يضع من أصله بأن يفقد كلّه ، ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه ، ويشتهر بين الناس بأنّه القرآن النازل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه اُمور لا يرتاب في شيء منها إلاّ مصاب في فهمه ، ولا احتمله أحد من الباحثين في مسألة التحريف ، وإنّما المحتمل زيادة شيء يسير كالجملة أو الآية ، أو النقص أو التغيير في جمله أو آية في كلماتها أو إعرابها .

ثمّ إنّا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامّة آياته ، ونجد ما بأيدينا من القرآن ـ أعني ما بين الدفّتين ـ واجداً لما وصف به من أوصاف تحدّى بها .

فنجده يتحدّى بالبلاغة والفصاحة ما بأيدينا مشتملاً على ذلك النظم العجيب البديع ، لا يشابهه شيء من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ منهم ، والمرويّ عنهم من شعر ، أو نثر وأمثالهما .

ونجده يتحّى بقوله : }أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{ بعدم وجود اختلاف فيه ، ونجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء .

ونجده يتحدّى بغير ذلك ممّا لا يختصّ فهمه بأهل اللغة العربية كما في قوله

ــ[240]ــ

تعالى : }قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً{ .

ثمّ نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحقّ الذي لا مريّة فيه ، ويهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من اُصول المعارف الحقيقيّة ، وكلّيات الشرائع الفطريّة ، وتفاصيل الفضائل الخلقية من غير أن نعثر فيها على شيء من النقيصة والخلل ، أو نحصل على شيء من التناقض والزلل ، بل نجد جميع المعارف على سعتها وكثرتها حيّة بحياة واحدة ، مدبّرة بروح واحد ، هو مبدأ جميع المعارف القرآنية ، والأصل الذي إليه ينتهي الجميع ويرجع ، وهو التوحيد ، فإليه ينتهي الجميع بالتحليل ، وهو يعود إلى كلّ منها بالتركيب .

ونجده يغوص في أخبار الماضين من الأنبياء واُممهم ، ونجد ما عندا من كلام الله يورد قصصهم ، ويفصّل القول فيها على ما يليق بطهارة الدين ، ويناسب نزاهة ساحة النبوّة .

ونجده يورد آيات في الملاحم ، ويخبر عن الحوادث الآتية في آيات كثيرة ، ثمّ نجدها فيما هو بأيدينا من القرآن .

ونجده يصف نفسه بأوصاف زاكية جميلة ، كما يصف نفسه بأنّه نور وانّه هاد ويهدي إلى صراط مستقيم ، وإلى الملّة التي هي أقوم ، ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من ذلك .

ومن أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه انّه ذكر الله ، فإنّه يذكر به تعالى بما أنّه آية دالّة عليه حيّة خالدة ، وبما أنّه يصفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، ويصف سنّته في الصنع والإيجاد ، ويصف ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه

ــ[241]ــ

وأحكامه وما ينتهي إليه أمر الخلقة ، وتفاصيل ما يؤل إليه أمر الناس من السعادة والشقاوة والجنّة والنار .

ففي جميع ذلك ذكر الله وهو الذي يرومه القرآن بإطلاق القول بأنّه ذكر ، ونجد ما بأيدينا من القرآن لا يفقد شيئاً من معنى الذكر .

ولكون هذا الوصف من أجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن عبّر عنه به في الآيات التي أخبر فيها عن حفظ القرآن عن البطلان والتغيير والتحريف كقوله تعالى : }انّا نحن نزّلنا الذكر وانّا له لحافظون{ انتهى ما أفاده ملخّصاً .

وهو وإن كان غير خال عن المناقشة ، ضرورة أنّ ما أفاده إنّما يجدي لنفي الزيادة الكثيرة ، أو النقيصة المتعدّدة في مواضع متكثّرة ، كما يدّعيه القائل بالتحريف ، المستند إلى الروايات الكثيرة الدالّة عليه ، وامّا احتمال زيادة يسيرة أو نقيصة يسيرة كما فرضه في أوّل البحث ، فالدليل لا يثبت نفسه ، ولا يجدي لدفعه أصلاً ، أفيكفي هذا الدليل لإثبات انّه لم تسقط كلمة في «عليّ» بعد قوله : }بلِّغ ما اُنزل إليك من ربّك{ فإنّه على كلا التقديرين ـ سواء كانت هذه الكلمة موجودة أم لم تكن ـ لا يختلّ شيء من أوصاف القرآن ، ولا يوجب نقصاً في التحدّي ، ولا خللاً في الجهات المتعدّدة التي يدلّ عليها القرآن من اُصول المعارف وكلّيات الشرائع ، وتفاصيل الفضائل ، ونقل القصص والإخبار بالملاحم وبالتالي كونه ذكراً الذي هو ـ كما اعترف به ـ أجمع الصفات في الدلالة على شؤون القرآن ، إلاّ انّ له مع ذلك صلاحية للتأييد ممّا لا ينبغي الارتياب فيه .

ثمّ إنّ هذه الاُمور الثلاثة الدالّة على عدم التحريف ممّا يمكن التمسّك بها من نفس الكتاب العزيز .

ــ[242]ــ

الدليل الرابع :

الحديث المعروف المتواتر بين الفريقين ، الدالّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خلّف الثقلين : كتاب الله والعترة ، وأخبر انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، وانّ التمسّك بهما موجب لعدم تحقّق الضلالة أبداً إلى يوم القيامة . وتقريب الاستدلال بهذا الحديث الشريف على عدم تحريف القرآن المجيد من وجهين :

الوجه الأوّل :

إنّ القول بالتحريف يستلزم عدم إمكان التمسّك بالكتاب ، مع أنّ الحديث يدلّ على ثبوت هذا الإمكان إلى يوم القيامة ، فيكون القول بالتحريف الملازم لعدم الإمكان باطلاً لمخالفته ، لما يدلّ عليه الحديث ، وعدم إمكان الجمع بينه وبينه فهاهنا دعويان لابدّ من إثباتهما :

الدعوى الاُولى :

استلزام القول بالتحريف ، لعدم إمكان التمسّك بالكتاب العزيز ، ولتوضيح الاستلزام وثبوت الملازمة نقول : إنّ الكتاب العزيز ـ كما تقدّم سابقاً في بعض مباحث الإعجاز ـ ليس الغرض من إنزاله ، والغاية المترتّبة على نزوله ، ناحية خاصّة وشأناً مخصوصاً ، وليس التعرّض فيه لخصوص فنّ من الفنون التي يختصّ كلّ منها بكتاب ، وكلّ كتاب بواحد منها ، بل هو جامع لفنون شتّى ، وجهات كثيرة فتراه متعرّضاً لما يرجع إلى المبدأ من وجوده وتوحيده ، وصفاته العليا ، وأسمائه الحسنى ، وأفعاله وآثاره ، ولما يرتبط بالمعاد من ثبوته وخصوصيّاته ، والسعادة والشقاوة ، والجنّة والنار ، وأوصافهما ، وأوصاف الداخلين فيهما وخصوصيّاتهم ، ولما يتعلّق بالأنبياء ، وعلوّ مقامهم ، ونزاهة ساحتهم ، وشموخ مقامهم ، وما وقع

ــ[243]ــ

بينهم وبين اُممهم ، ولما يرجع إلى الفضائل الخلقيّة ، والمَلَكات النفسانيّة ، ولما يعود إلى بيان الأحكام العملية ، والشرائع الفطريّة ، ولغير ذلك من الجهات والشؤون .

والغرض الأقصى الذي بيّنه الكتاب هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وإيصالهم إلى المرتبة الكاملة من الإنسانيّة ، والدرجة العالية : المادّية والمعنويّة .

وعليه فمعنى التمسّك بمثل هذا الكتاب ـ الذي ليس كمثله كتاب ـ هو الاستفادة من جميع الشؤون التي وقع التعرّض فيه لها ، والاستضاءة بنوره الذي لا يبقى معه ظلمة ، والاهتداء بهدايته التي لا موقع معها للضلالة ، ولا يخاف عندها الجهالة ، فلو لم يكن ما بأيدينا من الكتاب عين ما نزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ونفس ما خلّفه في اُمّته ، وحرصهم على التمسّك به ، والخروج بسببه عن الضلالة فكيف يمكن التمسّك به إلى يوم القيامة ، وكيف يمكن انّ الضلالة منفيّة مؤبّدة ، فإنّ الكتاب الضائع على الاُمّة بسبب التحريف ، ودسّ المعاندين ـ ولا محالة كان الغرض من التحريف إخفاء بعض حقائقه وإطفاء بعض أنواره ـ لا يصلح أن يكون نوراً في جميع الاُمور ، وسراجاً مضيئاً في الظلمات كلّها ، ضرورة أنّه يلزم أن يكون التحريف ـ حينئذـ لغواً مع أنّه كان لغرض راجع إلى إخفاء مقام الولاية أو غيره من الاُمور المهمّة ، التي كان تعرّض الكتاب لها ، منافياً لغرض المحرّفين ، ومخالفاً لنظر المعاندين فلا يبقى ـ حينئذ ـ مجال لبقاء إمكان التمسّك بالكتاب مع وجود التحريف .

الدعوى الثانية :

دلالة الحديث الشريف على إمكان التمسّك بالكتاب العزيز ، ولا يخفى وضوح هذه الدلالة لو كان الحديث دالاًّ على الأمر بالتمسّك ، وإيجاب الرجوع إليه ،

ــ[244]ــ

ضرورة اعتبار القدرة في متعلّق التكليف مطلقاً ـ أمراً كان أو نهياً ، فمع عدم إمكان التمسّك لا يبقى مجال لإيجابه والحكم بلزومه .

وامّا لو لم يكن الحديث بصدد الإلزام وجعل الحكم الإنشائي التكليفي ، ولم تكن الجملة الخبريّة مسوّقة لإفادة التكليف والإيجاد ، بل كانت في مقام مجرّد الأخبار ، والحكاية عن الواقع ، وانّ الأثر المترتّب على التمسّك بالثقلين هو رفع خوف الضلالة وارتفاع خطر الجهالة وعدم الابتلاء بها إلى يوم القيامة ، فدلالته ـ حينئذـ على إمكان التمسّك به لأجل الانفهام العرفي ، والإنسباق العقلائي ، فإنّ المتفاهم من مثل هذا التعبير في المحاورات العرفية ثبوت الإمكان في الشرط في القضية الشرطية الخبريّة ، مثال ذلك : انّك إذا قلت مخاطباً لصديقك : إذا اشتريت الدار الفلاني يترتّب عليه كذا وكذا» لا يفهم منه إلاّ إمكان الاشتراء ، ولا يعبّر بمثل هذه العبارة إلاّ في مورد ثبوت الإمكان ، ومع عدمه يكون التعبير هكذا : «إن أمكن لك الاشتراء» .

مضافاً إلى ثبوت خصوصية في المقام ، وهو كون الكتاب ميراثاً للنبيّ الذي يكون خاتم النبيّين ، ويكون حلاله وحرامه باقيين إلى يوم القيامة ، فهل يمكن أن يكون مع ذلك غير ممكن للتمسّك ، وهل يتّصف ـ حينئذ ـ بأنّه خلّفه النبي وكان غرضه من ذلك إرشاد الاُمّة ، وهداية الناس إلى طريق الهداية ، والخروج من الضلالة ، فعلى تقدير عدم دلالة مثل هذا التعبير على ثبوت وصف الإمكان في غير المقام ، لا محيص عن الالتزام بدلالته عليه في خصوص المقام للقرائن والخصوصيات الموجودة فيه .

فانقدح من جميع ذلك تمامية الاستدلال بالحديث الشريف من الوجه الأوّل ،

ــ[245]ــ

الذي عرفت ابتناءه على الدّعويين الثابتتين .

نعم يمكن أن يورد على الاستدلال به من هذا الوجه شبهات ، لا بأس بإيرادها والجواب عنها ، فنقول :

الشبهة الاُولى :

انّه لا يعتبر في التمسّك بشيء أن يكون المتمسّك به موجوداً حاضراً ، وكان تحت اختيار المكلّف ، وهذا كما في التمسّك بالعترة ـ التي هي إحدى الحجّتين ، وواحد من الثقلين ـ فإنّه لا يعتبر في تحقّقه حياتهم ، فضلاً عن حضورهم ، وعدم غيابهم ، ضرورة ثبوت هذا الوصف لنا بالإضافة إلى أئمّتنا المعصومين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ مع عدم إمكان تشرّفنا إلى محضرهم ، في أعصارنا هذه ، وعدم الحضور ـ أيضاًـ لخاتمهم ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ فلا يعتبر في تحقّق التمسّك وجودهم ، فضلاً عن حضورهم ، ومثل ذلك يجري في التمسّك بالكتاب من دون فرق ، فالتحريف الموجب لضياعه على الاُمّة لا يستلزم عدم إمكان التمسّك به .

والجواب :

وضوح الفرق بين التمسّك بالعترة ، والتمسّك بالكتاب ، فإنّ التمسّك بالشخص ـ ولو مع حياته وحضوره ـ معناه اتباعه والموالاة له ، والإطاعة لأوامره ونواهيه ، والأخذ بقوله ، والسير على سيرته ، على وفقه ، ولا حاجة في ذلك إلى الاتّصال به ، والتشرّف بمحضره ، والمخاطبة معه ، بل يمكن ذلك مع موته ، فضلاً عن غيبته ، ومن هذه الجهة نحن متمسِّكون بهم جميعاً في زمن الغيبة ، وأيّ تمسّك أعظم من تعظيم الفقهاء الراوين للحديث ، والأخذ بقولهم ، اتّباعاً لما ورد في التوقيع الوارد في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب ، الدالّ على وجوب الرجوع في الحوادث

ــ[246]ــ

الواقعة إلى رواة الحديث ، معلّلاً بكونهم حجّته وهو حجّة الله على الناس .

وامّا التمسّك بالكتاب; فهو لا يمكن تحقّقه مع عدم وجوده بين الاُمّة ، وكونه ضائعاً عليهم ، فكيف يعقل التمسّك به مع عدم العلم بما تضمّنه لأجل تحقّق النقيصة فيه على هذا لافرض ، فبين التمسّكين فرق واضح .

الشبهة الثانية :

انّه وإن كان يعتبر في التمسّك بالكتاب وجوده وثبوته ، إلاّ أنّ هذا الوصف ثابت للقرآن الواقعي ، لوجوده عند الإمام الغائب ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ وإن لم يمكن الوصول إليه عادة .

والجواب :

ظهر ممّا تقدّم أنّ الوجود الواقعي للكتاب لا يكفي في إمكان التمسّك به ، بل اللاّزم أن يكون باختيار الاُمّة وقابلاً للرجوع إليه ، والأخذ به ، والسير على هداه ، والاستضاءة بنوره ، والاهتداء بهدايته ، كما هو أوضح من أن يخفى .

الشبهة الثالثة :

انّ المقدار الذي تكون الاُمّة مأمورة التمسّك به ، هو خصوص آيات الأحكام ، لأنّها المتضمّنة للتشريع ، وبيان القوانين العمليّة ، والأحكام الفرعية ، ولا بأس بأن يكون الحديث دالاًّ على إمكان التمسّك بالكتاب بهذا المقدار ، فيدلّ على عدم التحريف بالإضافة إليه ، ولا ينفي وقوعه في الآيات الاُخرى غير المتضمِّنة للأحكام .

والجواب :

إنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس الغرض منه مجرّد بيان الأحكام

ــ[247]ــ

والقوانين العمليّة ، بل الغرض منه الهداية ، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور من جميع الجهات . ومن المعلوم انّ العمدة في تحصيل هذا الغرض المهمّ هي ما يرجع إلى الاُصول الاعتقاديّة ، ومسائل التوحيد والنبوّة والإمامة وأشباهها ، وحينئذ فكيف يسوغ القول بأنّ الغرض من الأمر بالتمسّك به هو التمسّك بخصوص آيات الأحكام العمليّة منها ، إذ ليس كتاباً فقهيّاً فقط .

وعليه فالتمسّك المأمور به هو التمسّك به من جميع الجهات التي لها مدخلية في السير إلى الكمال ، وحصول الخروج من الظلمات إلى النور ، وتحقّق الهداية ، ومحو الضلالة والجهالة ، فالاستدلال بالحديث على عدم وقوع التحريف في شيء من آياته تامّ لا شبهة فيه ولا ارتياب ، كما لا يخفى على اُولي الألباب .

الوجه الثاني :

انّ الظاهر من الحديث انّ كلاًّ من الثقلين حجّة مستقلّة ، ودليل تامّ في عرض الآخر وفي رتبته ، بمعنى عدم توقّف حجّية كلّ منهما على الآخر ، وعدم الافتقار إلى تصويبه وإمضائه ، لا بمعنى كون كلّ واحد منهما كافياً في الوصول إلى الكمال الممكن ، والخروج من الضلالة ، وارتفاع خوف الجهالة ، فإنّ هذا الأثر قد رتّب في الحديث على الأخذ بمجموع الثقلين ، والتمسّك بكلا الميراثين ، بل بمعنى كون الأثر وإن كان كذلك إلاّ انّه لا ينافي الاستقلال ، وتمامية كلّ منهما في الحجّية والدليليّة ، والغرض انّ الحجّة ليست هي المجموع ، بل كلّ واحد منهما من دون توقّف على الآخر ، ومن دون منافاة ومضادّة لترتّب الأثر والغرض على الأخذ بالمجموع ، والتمسّك به ، وهذا كما أنّ كلّ واحد من الأدلّة الأربعة المعروفة ـ الكتاب والسنّة والعقل والإجماع ـ دليل وحجّة مستقلّة في الفقه ، مع أنّ الاستنباط ، واستكشاف

ــ[248]ــ

الحكم يتوقّف على لحاظ المجموع ، ورعاية الكلّ .

وبالجملة : الحديث ظاهر في كون كلّ واحد من الثقلين دليلاً وحجّة مستقلّة ، وحينئذ نقول : بناءً على عدم التحريف ، وعدم كون القرآن الموجود فاقداً لبعض ما نزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وخالياً عن بعض الآيات والجملات يكون هذا الوصف ـ وهي الحجّية المستقلّة ـ ثابتاً للقرآن ، ولا يتوقّف على إمضاء الأئمّة(عليهم السلام) وتصويبهم للاستدلال به .

وامّا بناءً على التحريف ، وثبوت النقيصة فإن كان الرجوع إليه متوقّفاً على إمضائهم(عليهم السلام) فهذا ينافي الحجّية المستقلّة التي يدلّ عليها الحديث ـ كما هو المفروض ـ وإن لم يكن كذلك بأن يدّعي القائل جواز التمسّك به من دون المراجعة إليهم ، والتوقّف على إمضائهم فواضح أنّ الرجوع غير جائز .

توضيحه : انّه ربما يقال إنّ الوجه في عدم جواز الرجوع إلى ظواهر الكتاب ـ مع العلم الإجمالي بوقوع التحريف فيه ـ هو العلم الإجمالي بوقوع الخلل في الظواهر ، ومع هذا العلم يسقط كلّ ظاهر عن الحجّية كما هو شأن العلم الإجمالي في سائر الموارد .

ولكنّه أجاب عن هذا القول ، المحقّق الخراساني(قدس سره) في «الكفاية» بما هذه عبارته :

«انّه ـ يعني العلم الإجمالي بوقوع التحريف ـ لا يمنع عن حجّية ظواهره ، لعدم العلم بوقوع الخلل فيها بذلك أصلاً ، ولو سلّم فلا علم بوقوعه في آيات الأحكام ، والعلم بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات غير ضائر بحجّية آياتها ، لعدم حجّية سائر الآيات ، والعلم الإجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنّما يمنع عن حجّيتها إذا

ــ[249]ــ

كانت كلّها حجّة وإلاّ لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك ، كما لا يخفى فافهم .

نعم لو كان الخلل المحتمل فيه أو في غيره بما اتّصل به لأخلّ بحجّيته لعدم انعقاد ظهور له ـ حينئذ ـ وإن انعقد له الظهور لولا اتّصاله» .

وهذا الجواب :

وإن لم يكن خالياً عن المناقشة ، لعدم انحصار الحجّية بخصوص آيات الأحكام ، لأنّ معنى حجّية الكتاب المشتمل على جهات عديدة ومزايا متكثّرة لا ترجع إلى خصوص المنجزيّة والمعذريّة في باب التكاليف ، حتّى تختصّ الحجّية بالآيات المشتملة على بيان الأحكام الفرعيّة ، والقوانين العمليّة ، إلاّ انّه يجدي في دفع القول المذكور ، وإثبات انّ الوجه في عدم جواز الرجوع إلى ظواهر الكتاب ـ مع العلم الإجمالي بوقوع التحريف ـ ليس هو العلم الإجمالي المذكور .

والتحقيق : انّ الوجه في ذلك بناءً على التحريف انّه مع وصف التحريف يحتمل في كلّ ظاهر وجود قرينة دالّة على الخلاف ، ولا مجال لإجراء أصالة عدم القرينة ، لأنّها من الاُصول العقلائية التي استقرّ بناء العقلاء على العمل بها ، والشارع قد اتّبعها في محاوراته ولم يتخطَّ عنها ، والقدر المتيقّن من الرجوع إليها عند العقلاء هو ما إذا كان احتمال القرينة في الكلام ناشئاً عن احتمال غفلة المتكلِّم عن الإتيان بها ، السامع عن التوجّه والالتفات إليها ، وامّا إذا كان الاحتمال ناشئاً عن سبب آخر ـ كالتحريف ونحوه ـ فلم يعلم استقرار بنائهم على العمل بأصالة عدم القرينة ، لو لم نقل بالعلم بعدم الاستقرار ، نظراً إلى ملاحظة موارده .

مثال ذلك ـ على ما ذكره بعض الأعلام ـ انّه إذا ورد على إنسان مكتوب من أبيه أو صديقه أو شبههما ، ممّن تجب أو تنبغي إطاعته ، وقد تلف بعض ذلك

ــ[250]ــ

المكتوب ، وكان البعض الموجود مشتملاً على الأمر بشراء دار للكاتب ، وهو يحتمل أن يكون في البعض التالف بيان لخصوصيات الدار التي أمر بشرائها ، من الجهات الراجعة إلى السعة والضيق ، والمحلّ والقيمة والجار وسائر الخصوصيات ، فهل يتمسّك بإطلاق البعض الموجود ، ويرى نفسه مختاراً في شراء أيّة دار اعتماداً على أصالة عدم القرينة على التقييد ، أو انّ العقلاء لا يسوغون له هذا الاعتماد ، ولا يعدّونه ممتثلاً إذا اشترى داراً على خلاف تلك الخصوصيات ، على فرض ثبوتها وذكرها في المكتوب ، واشتمال البعض التالف عليها؟! من الواضح عدم جواز التمسّك بالإطلاق ، وليس ذلك إلاّ لعدم الإطلاق في مورد الأخذ بأصالة عدم القرينة .

وبالجملة : الوجه في عدم جواز الرجوع إلى الظواهر مع احتمال اقترانها بما يكون قرينة على إرادة خلافها عدم جواز الاعتماد على أصالة عدم القرينة الجارية في غير ما يشابه المقام ، فلا محيص عن القول بتوقّف جواز الرجوع على إمضاء الأئمّة(عليهم السلام) وتصويبهم .

وهذا ما ذكرناه من منافاته لما يدلّ عليه الحديث الشريف من ثبوت الحجّية المستقلّة للقرآن ، وعدم تفرّعها على الثقل الآخر ، بل هو الثقل الأكبر ، فكيف يكون متفرّعاً على الثقل الأصغر ، فتدبّر .

الدليل الخامس :

من الاُمور الدالّة على عدم التحريف ، الروايات المستفيضة ، بل المتواترة الواردة عن النبيّ والعترة الطاهرة ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ الدالّة على عرض الروايات والأخبار المرويّة عنهم على الكتاب ، والأخذ بما وافق منها له ،

ــ[251]ــ

وطرح ما خالفه وضربه على الجدار(1) وانّه زخرف ، وانّه ممّا لم يصدر منهم ، ونحو ذلك من التعبيرات ، وكذا الروايات الدالّة على استدلالهم(عليهم السلام) بالكتاب في موارد متعدّدة ، وقد تقدّم شطر منها في مقام الاستدلال على حجّية ظواهر الكتاب .

وتقريب الاستدلال بها على عدم التحريف يظهر بعد بيان أمرين :

الأوّل : لا شبهة ـ كما عرفت ـ في أنّ القول بالتحريف يلازم عدم حجّية الكتاب بالحجّية المستقلّة غير المتوقّفة على تصويب الأئمّة(عليهم السلام) وإمضائهم لما عرفت من عدم جريان أصالة عدم القرينة المحتملة في كلّ ظاهر ، إلاّ في موارد احتمال غفلة المتكلِّم أو السامع ، لأنّه القدر المتيقّن من موارد جريانها ، لو لم نقل بالعلم بعدم جريانها في مثل المقام ، كما في المثال المتقدّم .

الثاني : انّه لا خلاف بين القائل بالتحريف والقائل بعدمه في أنّ القرآن الموجود في هذه الأعصار المتأخِّرة هو الموجود في عصر الأئمّة(عليهم السلام) وانّ التحريف ـ على فرض ثبوته ـ كان قبل عصرهم في زمن الخلفاء الثلاثة ، ولم يتحقّق منذ شروع الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين ـ عليه أفضل صلوات المصلّين ـ والأئمّة الطاهرين من ولده(عليهم السلام) وإن حكي عن بعضهم تحقّق التحريف بعده ، كما سيأتي مع جوابه .

وحينئذ نقول : امّا ما ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يدلّ على عرض اخباره على الكتاب ، والأخذ بالموافق ، وطرح المخالف ، فالكتاب وإن لم يقع فيه تحريف في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا التعبير وإن كان معروفاً سيّما في بحث التعادل والترجيح من علم الاُصول إلاّ انّي لم أظفر به بعد التتبّع في الروايات الواردة في هذا الباب التي جمعها صاحب الوسائل(قدس سره) في الباب التاسع من كتاب القضاء فلعلّ المتتبّع في غيره يظفر به .

ــ[252]ــ

زمنه ، ولم يبدّل في عصره وحياته ، وإن كان ورد في شأن نزول قوله تعالى :

}وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ{(1) .

رواية مرويّة في الكافي بإسناده عن أبي بصير ، عن أحدهما(عليهما السلام) قال : سألته عن قول الله عزّوجلّ : ومن أظلم ممّن افترى . . .

قال : نزلت في ابن أبي صرح الذي كان عثمان استعمله على مصر ، وهو ممّن كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هدر دمه يوم فتح مكّة ، وكان يكتب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا أنزل الله : «إنّ الله عزيز حكيم» كتب : «إنّ الله عليم حكيم» فيقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : دعها «إنّ الله عليم حكيم» وكان ابن أبي صرح يقول للمنافقين إنّي لأقول من نفسي مثل ما يجيء به فما يعيّر عليّ فأنزل الله : }ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً {إلاّ انّها لا تدلّ على وقوع التحريف ، وشيوع الكتاب المحرّف بين المسلمين ، فإنّ هذا الرجل كان واحداً من الكتّاب المعدودين المتكثّرين ، مع أنّ مناسبة الآية مع هذه القصّة غير واضحة ، كما أنّ صدق القصّة بنفسها كذلك .

وكيف كان ، فدلالة ما ورد منها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هي لأجل وضوح عدم كون العرض على الكتاب المأمور به في هذه الأخبار مقصوراً على خصوص زمان حياته(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس المراد انّه يكون هذا الحكم موقّتاً ومحدوداً بوقت مخصوص ، وحدّ معيّن ، بل ظاهره دوام هذا الحكم بدوام الدين ، واستمراره باستمرار شريعة سيِّد المرسلين ـ صلوات الله عليه وعلى أولاده الطاهرين ـ وحينئذ ـ فلا يبقى مجال لما ذكره المحدِّث المعاصر من عدم منافاة ما ورد عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) ثبوت التغيير بعده ،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنعام : 92 .

ــ[253]ــ

وورود الرواية به ، نظراً إلى عدم حصول التغيير في عصره .

وقد عرفت أنّ الحكم دائمي غير محدود ، فيجري في هذه الأخبار ما يجري في الأخبار الواردة عن العترة الطاهرة(عليهم السلام) الدالّة على عرض أخبارهم على الكتاب ، وتشخيص الحقّ عن الباطل بسببه .

وأمّا ما ورد عنهم(عليهم السلام) في ذلك فدلالته على عدم وقوع التحريف والتبديل في الكتاب ، وكونه حجّة مستقلّة مبتنيّة على ملاحظة انّ الغرض من هذه الأخبار هو بيان الميزان الذي به يتحقّق تمييز الحقّ عن الباطل من الروايات الصادرة المنقولة عنهم ، وانّ الملاك والمناط في ذلك هو موافقة الكتاب ، وعدم مخالفته ، ففي الحقيقة تكون الموافقة قرينة على الصدق ، وأمارة على الصدور منهم(عليهم السلام) ولا يتحقّق ذلك إلاّ بكون الكتاب حجّة مستقلّة غير متوقّفة على شيء ، ضرورة أنّ الكتاب الذي يحتاج إلى التصويب والإمضاء كيف يكون ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل ، ممّا ورد عنهم ، ونسب إليهم . . .

وبالجملة : غرض الأئمّة(عليهم السلام) من هذه الأخبار نفي كون أقوالهم ، وما ورد عنهم من أحكام مخالفة الكتاب الذي هو الثقل الأكبر ، والميزان الذي لا يرتاب فيه مسلم ، ولا يلائم ذلك أصلاً مع توقّف حجّيته على تصويبهم وإمضائهم ، فاخبار العرض على الكتاب من أعظم الشواهد على عدم وقوع التحريف في الكتاب ، وبقائه على الحجّية المستقلّة إلى يوم القيامة .

وممّا ذكرنا ينقدح النظر فيما ذكره المحدّث المعاصر من أنّ ما جاء عنهم(عليهم السلام)قرينة على أنّ الساقط لم يضرّ بالموجود ، وتمامه من المنزل للإعجاز فلا مانع من العرض عليه ، فإنّك عرفت انّ العرض على الكتاب لتمييز الحقّ عن الباطل ،

ــ[254]ــ

وتشخيص السقيم عن الصحيح ، ولا يلائم ذلك مع توقّف حجّية الكتاب على إمضائهم أصلاً ، كما أنّ دعوى اختصاص ذلك بخصوص آيات الأحكام فلا يعارض ما ورد في النقص فيما يتعلّق بالفضائل والمثالب ، بل صريح المحدّث البحراني(رحمه الله) في الدرّة النجفيّة انّه لم يقع في آيات الأحكام شيء من ذلك ، لعدم دخول نقص على الخلفاء من جهتها; مدفوعة ـ مضافاً إلى عدم ثبوت ذلك في خصوص تلك الآيات بأنّ الاختصاص بها لا وجه له ، بعد ملاحظة أنّ الكتاب ـ كما مرّ مراراً ـ ليس كتاباً فقهيّاً يتعرّض لخصوص القوانين التشريعيّة ، والأحكام العمليّة ، وبعد ملاحظة عدم اختصاص تلك الأخبار الدالّة على العرض بخصوص الروايات المتعرّضة للأحكام كما هو واضح .

فقد ظهر من جميع ما ذكرنا : تمامية الاستدلال بأخبار العرض على الكتاب ، لعدم تحريفه ، وعدم وقوع النقص فيه ، كما أنّ الاستدلال بالروايات الحاكية لاستشهاد الأئمّة(عليهم السلام) في موارد متعدّدة بالكتاب لذلك ممّا لا تنبغي المناقشة فيه أصلاً ، ضرورة أنّه لو لم يكن الكتاب حجّة مستقلّة ، ودليلاً تامّاً غير متوقّف على الإمضاء والتصويب لما كان وجه للاستشهاد ، وليس الاستشهاد منحصراً بالموارد التي يكون محلّ الخلاف بينهم وبين علماء العامّة ، فقد عرفت سابقاً بعض الموارد التي استدلّ(عليه السلام) بالكتاب في مقابل زرارة ، وإفهام بعض السائلين من الشيعة ، بل يستفاد من رواية زرارة المتقدّمة الواردة في المسح ببعض الرأس : انّ الكتاب من طرق علم الإمام(عليه السلام) فكيف يكون مع ذلك متوقّفاً على إمضائه(عليه السلام)  .

فانقدح انّ المتأمِّل المنصف ، الخالي عن العناد والتعصّب لا يكاد يرتاب في دلالة هذه الأخبار أيضاً على خلوّ القرآن عن النقص والتحريف ، والتغيير

ــ[255]ــ

والتبديل .

الدليل السادس :

من الاُمور الدالّة على عدم التحريف ، الأخبار الكثيرة الواردة في بيان أحكام أو فضائل لختم القرآن أو سوره ، قال الصدوق(رحمه الله) فيما حكى عنه :

«وما روى من ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن ، وثواب من ختم القرآن كلّه وجواز قراءة سورتين في ركعة نافلة ، والنهي عن القرآن بين سورتين في ركعة فريضة تصديق لما قلناه في أمر القرآن ، وانّ مبلغه ما في أيدي الناس ، وكذلك ما روي من النهي عن قراءة القرآن كلّه في ليلة واحدة ، وانّه لا يجوز أن يختم في أقلّ من ثلاثة أيّام; تصديق لما قلناه أيضاً» .

وأدلّ من ذلك وجوب قراءة سورة كاملة في كلّ ركعة من الصلوات المفروضة ، وجواز تقسيمها في صلاة الآيات ، فإنّه من الواضح أنّ هذا الحكم كان ثابتاً في أصل الشريعة بتشريع الصلاة ، وانّ الصلاة التي كان المسلمون في الصدر الأوّل يصلّونها مشتملة على حكاية سورة من القرآن زائدة على فاتحة الكتاب التي لا صلاة إلاّ بها ، كما في الرواية ، وحينئذ لا يبقى خفاء في أنّ المراد بها هي السورة الكاملة من الكتاب الواقعي الذي كان بأيدي المسلمين في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يقع فيه تحريف ولا تغيير على فرض وقوعه بعده . وحينئذ فالقائل بالتحريف يلزم عليه ـ في قبال هذا الحكم الذي موضوعه هو الكتاب الواقعي ـ الالتزام بأحد اُمور لا ينبغي الالتزام بشيء منها ، ولا يصحّ ادّعاؤه أصلاً :

الأوّل : عدم جوب قراءة السورة بعد عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعدم التمكّن من إحرازها ، فلا وجه لوجوبها ، لأنّ الأحكام إنّما تتوجّه في خصوص صورة التمكّن ،

ــ[256]ــ

والمفروض عدمه بعد ذلك العصر الشريف .

ويردّه مضافاً إلى عدم التزامه ، به لا قولاً ولا عملاً ، لعدم خلوّ صلاته عن قراءة السورة ، وإلى وضوح ظهور تشريعها ، وإيجابها في الدوام والاستمرار ، وعدم الاختصاص بزمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولو من جهة عدم التمكّن بعده ـ ورود الروايات الكثيرة من الأئمّة الطاهرين ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ الدالّة على وجوب السورة في كلّ صلاة فريضة إلاّ في بعض الموارد المستثناة .

ومن الواضح انّه على هذا التقدير تلزم اللّغوية لأنّه بعدما كان المفروض عدم التمكّن من إحراز السورة الكاملة بوجه لا وجه لبيان هذا الحكم ، وصدوره منهم(عليهم السلام) في زمن كان القرآن الواقعي غير موجود عند الناس ، لا تصل إليه أيديهم ، كما هو غير خفيّ .

سلّمنا عدم وجوب السورة بعد ذلك العصر ، بل سلّمنا عدم وجوب السورة أصلاً في الصلوات المفروضة ، وقلنا بأنّ السورة ليست من الأجزاء الواجبة للصلاة ، لكن نقول دلالة الأخبار المرويّة عن العترة الطاهرة على مجرّد الاستحباب تكفي في إثبات عدم التحريف ، لأنّه لو فرض عدم التمكّن من إحراز السورة الكاملة في عصرهم(عليهم السلام) لا يبقى معه مجال لورود تلك الروايات الكثيرة على الاستحباب .

وهل يسوّغ التعرّض ـ سيّما مع كثرته ـ لحكم استحبابي لا يكون له موضوع أصلاً ، ولا يتمكّن الناس من إيجاده بوجه ، وهل لا يكون لغواً .

إن قلت : التعرّض لذلك لعلّه إنّما كان لأجل استحباب قراءة القرآن في الصلاة من دون تقيّد بكونها سورة كاملة .

ــ[257]ــ

قلت : مع هذا الاحتمال لا وجه لذكر عنوان «السورة الكاملة» بل و«السورة» أصلاً ، فالظاهر أنّه حكم استحبابي خاصّ لا يرتبط بالحكم العام ، وهو استحباب قراءة القرآن في الصلاة ، لو كان قراءته فيها مستحبّاً خاصّاً ، غير مرتبط بأصل استحباب قراءة القرآن مطلقاً ـ في الصلاة وغيرها ـ فانقدح أنّ دلالة تلك الروايات الواردة في السورة ، ولو على استحبابها ، وكونها من الأجزاء غير الواجبة للصلاة تصدق القول بعدم التحريف ، وتؤيّد بقاء الكتاب على واقعه الذي نزل عليه ، مشروطاً ببقاء البصيرة الكاملة ، والخلوّ عن التعصّب غير الصحيح .

الثاني : الاقتصار على خصوص سورة لا يحتمل فيها التحريف ، نظراً إلى عدم جريان هذا الاحتمال ، في جميع السور ، بل هناك بعض السور لا يجري فيه هذا الاحتمال ، كسورة التوحيد ، وعليه فلابدّ في الصلاة من الاقتصار عليه ، نظراً إلى اقتضاء الاشتغال اليقيني للبراءة اليقينيّة .

ويدفعه : مضافاً إلى ما عرفت من عدم التزامه به ـ لا قولاً ولا عملاً ـ إطلاق ما ورد من الأئمّة(عليهم السلام) في هذا الباب ، وعدم تقييد شيء منها بمثل ذلك كان عليهم البيان في مثل هذا الحكم ، الذي تعمّ به البلوى ، ومورد لاحتياج العموم في كلّ يوم وليلة عشر مرّات ، وليس في شيء منها الإشعار بالاختصاص ، فضلاً عن الدلالة والظهور .

وتؤيّده الروايات الواردة في باب العدول من سورة إلى اُخرى ، الدالّة على جواز الانتقال ، ما لم يتجاوز النصف ، وعدم جواز الانتقال من بعض السّور إلى اُخرى ، إلاّ إلى خصوص بعضها ، فإنّها متعرّضة لحكم العدول مطلقاً ، وعلى تقدير التحريف لا يبقى مجال لبيان هذا الحكم على النحو الوسيع المذكور في الروايات كما

ــ[258]ــ

هو ظاهر .

الثالث : دعوى كون الثابت في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو وجوب قراءة سورة كاملة من القرآن الواقعي ، والثابت في زمن الأئمّة(عليهم السلام) بمقتضى الروايات الصادرة عنهم ، هو وجوب قراءة سورة من القرآن الموجود ، الذي كان بأيدي الناس ، وإن لم تكن سورة كاملة من القرآن الواقعي ، وبهذا الوجه يصحّ للمكلّف اختيار ما شاء من السّور ، ففي الحقيقة يكون ذلك ترخيصاً من الأئمّة(عليهم السلام) وتسهيلاً من ناحيتهم المقدّسة .

ويردّه : انّ هذه الدعوى ترجع إلى النسخ ، ضرورة أنّه ليس إلاّ رفع الحكم الثابت الظاهر في الدوام والاستمرار ، فإذا كان الحكم الثابت في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عبارة عن وجوب قراءة سورة كاملة من القرآن الواقعي ، وفرض ارتفاعه وتبدّله إلى الحكم بوجوب قراءة سورة من الكتاب الموجود ، فليس هذا إلاّ النسخ ، وهو وإن فرض إمكانه بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّه قد وقع الإجماع والاتّفاق على عدم وقوعه ، فهذه الدعوى مخالفة للإجماع .

ثمّ إنّه أجاب المحدّث المعاصر عن أصل الدليل الذي ذكره الصدوق(رحمه الله) بما حاصله : «انّ ما جاء من ذلك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أقلّ قليل في كتب الأحاديث المعتبرة ، فلا منافاة بينه وبين ورود التحريف عليه بعده ، وعدم التمكّن من امتثال ما ذكره وأمره ، كما لا منافاة بين حثّه(صلى الله عليه وآله وسلم) على التمسّك باتّباع الإمام(عليه السلام) وأمره بأخذ الأحكام منه ، ومتابعة أقواله وأفعاله ، وسيره ، والكون معه حيثما كان ، وعدم القدرة على ذلك ، لعدم تمكّنه من إظهار ما أودع عنده لخوف وتقيّة ، أو عدم تمكّن الناس من الوصول إليه ، والانتفاع به لذلك أو لغيره من الأعذار .

ــ[259]ــ

وما ورد من الأئمّة(عليهم السلام) من بعده فالمراد منه الدائر بين الناس ، للانصراف ، ولكون بنائهم على إمضاء الموجود ، وتبعيّة غيرهم فيه .

ثمّ إنّ الثواب المذكور امّا للموجود خاصّة ، كما هو الظاهر من الروايات ، ويكون للمشتمل على المحذوف أزيد منه ، لم يذكروه لعدم القدرة على تحصيله ، أو هو للثاني ، وإنّما يجزىء قارئ الناقص به تفضّلاً من الله تعالى ، لعدم كونهم سبباً في النقص ، وللتسامح في النقيصة ، وصدق قراءة ، ما علّق عليه في الخبر عليه» .

ويدفعه : ما عرفت من عدم كون ما ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مقصوراً على زمانه ، ومحدوداً بحياته ، بل هو كسائر الأحكام المشرّعة في زمانه ، الظاهرة في الدوام والاستمرار ، فيشمله مثل قوله : «حلال محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» فلا ينفع عدم وقوع التحريف في زمنه ، ووقوعه بعده ـ على تقديره ـ في قصر الحكم على مدّة حياته .

ومن أنّ كون المراد ممّا ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) هو القرآن الموجود ، لبنائهم على التبعيّة يرجع إلى النسخ لا محالة ، وقد عرفت الاتّفاق على عدم تحقّقه بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واذن فلا محيص عن القول بأنّ ما ورد في ذلك من النبيّ أو الإمام ، ظاهر في بقاء الكتاب على ما هو عليه ، وعدم وقوع تحريف فيه ، وانّ ما بأيدي الناس نفس ما نزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من دون اختلاف ، وقد عرفت أيضاً في بعض الاُمور السابقة الفرق بين الرجوع إلى الكتاب ، وبين التمسّك بالإمام ، وانّه لا مجال لمقايسة أحدهما على الآخر أصلاً ، فراجع .

الدليل السابع :

من الاُمور الدالّة على عدم التحريف : الدليل العقلي الذي ذكره بعض

ــ[260]ــ

الأعلام ، وملخّصه مع تقريب منّا : «انّ القائل بالتحريف امّا أن يدّعي وقوعه وصدوره من الشيخين بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وامّا أن يدّعي وقوعه وتحقّقه من عثمان ، بعد انتهاء الأمر إليه ، ووصول النوبة به ، وامّا أن يقول بصدوره من شخص آخر بعده ، فهذه احتمالات ثلاث ، لا رابع لها ، وجميعها فاسدة :

امّا الاحتمال الأوّل : فيدفعه انّهما في هذا التحريف امّا أن يكونا غير عامدين ، وإنّما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن إليهما بتمامه ، نظراً إلى عدم كونه مجموعاً قبل ذلك في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وامّا أن يكونا متعمّدين ، وعلى هذا التقدير فامّا أن يكون التحريف الواقع منهما في الآيات التي لها مساس بزعامتهما لوقوع التصريح فيها ، أو ظهورها في ثبوت الخلافة والولاية لأهلها ـ وهو عليّ أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين ـ وامّا أن يكون في غيرها من الآيات فالتقادير المتصوّرة ثلاثة :

امّا التقدير الأوّل : الذي مرجعه إلى عدم وصول القرآن إليهما بتمامه ، وكونهما غير معتمدين في التحريف ، فيردّه : انّ اهتمام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر القرآن ، والأمر بحفظه وقراءته ، وترتيل آياته ، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظاً عندهم ـ جمعاً أو متفرّقاً ، حفظاً في الصدور ، أو تدويناً في القراطيس ـ وقد اهتمّوا بحفظ أشعار الجاهليّة وخطبها ، فكيف لم يكن يهتمّون بأمر الكتاب العزيز الذي عرّضوا أنفسهم للقتل في نشر دعوته ، وإعلان أحكامه ، وهجروا في سبيله أوطانهم ، وبذلوا أموالهم ، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم ، وهل يحتمل عاقل مع ذلك كلّه عدم اعتنائهم بالقرآن ، حتّى يضيع بين الناس ، أو يحتاج في إثباته إلى شهادة شهادتين .

على أنّ روايات الثقلين دالّة على بطلان هذا الاحتمال ، فإنّ قوله(عليه السلام) : «إنّي

ــ[261]ــ

تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» لا يصحّ إذا كان بعض القرآن ضائعاً في عصره ، فإنّ المتروك ـ حينئذ ـ يكون بعض الكتاب لا جميعه ، بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن وجمعه في زمان النبيّ ، لأنّ الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرّقات ، ولا على المحفوظ في الصدور .

وامّا التقدير الثاني : الذي يرجع إلى انّهما حرّفا القرآن عمداً في الآيات التي لا تمسّ بالزعامة والخلافة فهو بعيد في نفسه ، بل مقطوع العدم ، ضرورة أنّ الخلافة كانت مبتنية على السياسة ، وإظهار الاهتمام بأمر الدين ، وحفظ القرآن الذي كان مورداً لاهتمام المسلمين ، وهلاّ احتجّ بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما ، المعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة ، ولم يذكر ذلك عليّ(عليه السلام) في خطبته الشقشقية ـ المعروفة ـ وغيرها .

وامّا التقدير الثالث : الذي يرجع إلى وقوع التحريف منهما عمداً في الآيات الواردة في موضوع الخلافة فهو أيضاً مقطوع العدم ، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام)والصدِّيقة الطاهرة ـ سلام الله عليهما ـ وجماعة من الصحابة قد عارضوهما في أمر الخلافة ، واحتجّوا عليهما بما سمعوا من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والأنصار ، واحتجّوا عليه بحديث الغدير وغيره ، ولو كان في القرآن شيء يمسّ بزعامتهم لكان أحقّ بالذكر في مقام الاحتجاج ، وأحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين ، مع أنّه لم يقع ذلك بوجه كما يظهر من كتاب «الاحتجاج» المشتمل على احتجاج اثني عشر رجلاً على أبي بكر في أمر الخلافة ، ومن العلاّمة المجلسي ـ رحمة الله تعالى عليه ـ في «البحار ج8 ص79» حيث عقد باباً لاحتجاج عليّ(عليه السلام) في أمر الخلافة ، فانقدح أنّ الاحتمال الأوّل فاسد بجميع تقاديره .

وامّا الاحتمال الثاني : وهو وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى

ــ[262]ــ

الاُولى ، لأنّ الإسلام قد انتشر في زمانه على نحو لم يكن في إمكانه وإمكان من هو أكبر منه أن ينقص من القرآن شيئاً .

ولأنّه لو كان محرّفاً للقرآن لكان في ذلك أوضح حجّة ، وأكبر عذر لقتلة عثمان علناً ، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين ، وإلى ما سوى ذلك من الحجج .

ولأنّه كان من الواجب على عليّ(عليه السلام) بعد عثمان أن يردّ القرآن إلى أصله الذي كان يقرأ به في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وزمان الشيخين ، ولم يكن عليه في ذلك شيء ينتقد به ، بل ولكان ذلك أبلغ أثراً في مقصوده ، وأظهر لحجّته في الثائرين بدم عثمان ، ولاسيّما انّه قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان ، وقال في خطبة له : «والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاماء لرددته ، فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق» هذا أمر عليّ(عليه السلام) في الأموال ، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرّفاً(1) .

وامّا الاحتمال الثالث : الذي مرجعه إلى دعوى وقوع التحريف بعد زمان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والإنصاف : انّ هذه الجهة بنفسها تكفي لدفع احتمال التحريف الذي يدّعى القائل به وقوعه في زمن الخلفاء الثلاثة ، فإنّ إمضاء عليّ(عليه السلام) للقرآن الموجود في عصره ، وعدم التعرّض لتكميله على تقدير التحريف ، بل وعدم التفوّه بذلك دليل على كماله وعدم نقصه ، لأنّه(عليه السلام) لم يتقبّل أمر الخلافة الظاهرية لأجل حبّها وحبّ الرئاسة ، بل لأجل ترويج الدين ، وتأييد شريعة سيِّد المرسلين(صلى الله عليه وآله) ومع هذا الفرض فلم يكن هناك موضوع أهمّ من ردّ القرآن إلى أصله لو كان محرّفاً ، مع كونه هو الثقل الأكبر ، والمعجزة الوحيدة الخالدة إلى يوم القيامة ، واقتداره على ذلك بعد استقرار أمره كان واضحاً ضروريّاً ، وعلى تقدير العدم فالمبارزة لأجله ـ حتّى مع البلوغ إلى مرتبة بذل الخلافة والاعراض عنها ـ كانت لائقة . فالإنصاف انّ هذا الدليل كاف لدفع أصل التحريف وإبطال القول به ، بشرط الخلوّ عن التعصّب ، وعدم الجمود على خلاف إدراك العقل .

ــ[263]ــ

الخلفاء ، فلم يدّعها أحد فيما نعلم ، غير أنّها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف ، فادّعى انّ الحجّاج لمّا قام بنصرة بني اُميّة أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم وزاد فيه ما لم يكن منه ، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر والشام والحرمين والبصرة والكوفة ، وانّ القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف ، وامّا المصاحف الاُخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئاً ولا نسخة واحدة .

أقول : ولعلّ من هذه الجهة قول بعض القائلين بالتحريف في آية }ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر{ في سورة القدر انّ أصلها كان هكذا : «ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بنو اُميّة وليس فيها ليلة القدر» مع أنّ ملاحظة مقدار آيات تلك السورة وقصور معنى هذه الآية الأصليّة ، بل عدم ارتباط موضوع ليلة القدر بأمر خلافتهم يكفي في القطع بخلاف ذلك ، وإن لم يكن هنا دليل على عدم التحريف ، فضلاً عن الأدلّة الكثيرة المتقدّمة الدالّة على ذلك بأقوى دلالة .

وكيف كان ، فالدليل على بطلان الاحتمال الثالث انّ الحجّاج كان واحداً من ولاة بني اُميّة ، وهو أقصر باعاً ، وأصغر قدراً ، وأقلّ وزناً من أن ينال القرآن بشيء ، بل وهو أحقر من أن يغيّر شيئاً من الفروع الإسلامية ، فكيف في إمكانه أن يغيّر ما هو أساس الدين ، وقوام الشريعة ، ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها ، مع انتشار القرآن فيها ، وعلى تقديره ، وفرض وقوعه . فكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرّخ في تاريخه ، ولا ناقد في نقده ، مع ما فيه من الأهمّية ، وكثرة الدّواعي إلى نقله ، وكيف أغضى المسلمون عن هذه الجناية ـ التي لم يكن مثلها جناية ـ بعد انتهاء أمر الحجّاج ، وانقضاء عهده ، وزوال اقتداره وسلطنته .

ــ[264]ــ

على أنّه كيف تمكّن من جمع نسخ المصاحف كلّها ، ولم تشذّ عن قدرته نسخة واحدة في أقطار المسلمين المتباعدة ، وعلى تقدير تمكّنه من ذلك فهل تمكّن من إزالته من صدور المسلمين وقلوب حفظة القرآن؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلاّ الله .

مع أنّ القرآن لو كان في بعض آياته يمسّ بني اُميّة لاهتمّ معاوية بإسقاطه قبل زمان الحجّاج ، وهو أشدّ منه قدرة ، وأعظم نفوذاً ، ولاستدلّ به أصحاب عليّ(عليه السلام)على معاوية ، كما احتجّوا عليه بما حفظه التاريخ وكتب الحديث والكلام .

أضف إلى ذلك : التحريف بالزيادة قد قام الإجماع على عدمه ، وانّ موضوع الخلاف هو التحريف بالنقيصة ، فكيف ادّعى القائل وقوع الزيادة منه ، فهذا الاحتمال أيضاً فاسد ، وبفساده يتمّ الأمر السابع الذي كان هو الدليل العقلي على عدم التحريف ، فانقدح انّ الاعتبار إنّما يساعد على عدم التحريف لا ثبوته ، كما ادّعاه صاحب الكفاية(قدس سره) .

وبما قدّمنا من الاُمور والأدلّة السبعة على عدم التحريف; يتّضح أنّ من يدّعي التحريف مع كونه مخالفاً للنقل يضادّ بداهة العقل أيضاً ، وانّ دعوى التحريف لا تكاد تصدر إلاّ ممّن اغترّ ببعض ما يدلّ عليه ، ممّا سيجيء الجواب الوافي عنه ـ إن شاء الله تعالى ـ وممّن خدع من طريق الجهات السياسيّة المشبوهة التي لا ترى الارتقاء والتسلّط لنفسها إلاّ بتضعيف الدين ، وإيجاد الفرقة بين المسلمين ، وتنقيص الكتاب المبين الذي كان الغرض من تنزيله هداية الناس إلى يوم الدين ، وإخراجهم من ظلمات الريب والشكّ إلى عالم النور واليقين .

وربما كان المدّعي للتحريف ـ ممّن له التفات إلى هذه الجهات ـ وكان الغرض

ــ[265]ــ

من دعواه ما ذكرنا من إيجاد الثلمة في الإسلام والمسلمين ـ نعوذ بالله من كلا الأمرين ـ ونسأل منه التوفيق للتمسّك بالثقلين ، وأن لا نتعصّى من حكم العقل في كلّ ما يقع في البين .

وحيث انّه يمكن أن يتخيّل الباحث الطالب للحقيقة صحّة ما يقول به القائل بالتحريف من الشبهة ، أو يقع في الارتياب بعض الطلبة ، فلابدّ لنا من التعرّض للجميع والجواب الصحيح ، فنقول : الشبهات التي تشبّث بها القائلون بالتحريف متعدّدة :

ــ[266]ــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شبهات القائلين بالتحريف

ــ[267]ــ

 

 

 

 

 

 

شبهة كلّ ما وقع في التوراة والإنجيل من التحريف يقع في القرآن . شبهة وقوع التحريف فيما يتصدّى غير المعصوم إلى جمعه . شبهة اختلاف مصحف عليّ(عليه السلام) مع غيره من المصاحف . شبهة دعوى التواتر في القول بتحريف القرآن . شبهة عدم ارتباط الآيات بعضها ببعض .

ــ[268]ــ

شبهات القائلين

 

 

 

 

 

الشبهة الاُولى

 

ما جعله المحدّث المعاصر في كتابه الموضوع في هذا الباب أوّل الأدلّة ، واعتمد عليه غاية الاعتماد ، وفصّل القول فيه .

وملخّصه : وقوع التحريف في التوراة والإنجيل ، وقيام الدليل على أنّ كلّ ما وقع في الاُمم السالفة يقع في هذه الاُمّة مثله :

امّا وقوع التحريف في الكتابين فمن الاُمور المسلّمة التي لا ينبغي الارتياب فيه أصلاً ، وتعدّد الأناجيل مع وجود الاختلاف فيها والتناقض ، حتّى في صفات المسيح ، وأيّام دعوته ونسبه ووقت صلبه ـ بزعمهم ـ كاف في إثبات وقوع التغيير والتحريف فيه ، وان جعل كلّها في مصحف واحد يعرف بالأناجيل الأربعة .

وامّا الدليل على أنّ كلّ ما وقع في الاُمم السالفة يقع في هذه الاُمّة مثله ـ مضافاً إلى دلالة بعض الآيات عليه ـ كقوله تعالى : }لتركبن طبقاً عن طبق{ حيث صرّح جمع من المفسّرين بأنّ المراد : لتتبعنّ سنن من كان قبلكم من الأوّلين وأحوالهم ، ونقله في مجمع البيان عن الصادق(عليه السلام) قال : والمعنى انّه يكون فيكم ما

ــ[269]ــ

كان فيهم ويجري عليكم ما جرى عليهم حذو القذّة بالقذّة .

وقد وردت الروايات الكثيرة من طرق الفريقين الدالّة على ذلك :

1 ـ ما رواه عليّ بن إبراهيم ، في تفسيره في قوله تعالى : }لتركبن طبقاً عن طبق {يقول : لتركبن سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة ، لا تخطئون طريقهم ، ولا تخطى شبر بشبر ، وذراع بذراع ، وباع بباع ، حتّى ان لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا : اليهود والنصارى تعني يارسول الله؟ قال : فمن أعني لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة ، فيكون أوّل ما تنقضون من دينكم الأمانة ، وآخره الصلاة .

2 ـ ولعلّها أظهرها ـ ما رواه الصدوق في «كمال الدين» عن علي بن أحمد الدقّاق ، عن محمد بن أبي عبدالله الكوفي ، عن موسى بن عمران النخعي ، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي ، عن غياث بن إبراهيم ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن آبائه(عليهم السلام) قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «كلّ ما كان في الاُمم السالفة فإنّه يكون في هذه الاُمّة مثله ، حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة» .

3 ـ غير ذلك من الروايات الواردة بمثل هذا المضمون .

قال العلاّمة المجلسي(قدس سره) في «البحار» : قد ثبت بالأخبار المتظافرة انّ ما وقع في الاُمم السالفة يقع نظيره في هذه الاُمّة ، فكلّما ذكر سبحانه في القرآن الكريم من القصص فإنّما هو زجر هذه الاُمّة عن أشباه أعمالهم ، وتحذيرهم عن أمثال ما نزل بهم من العقوبات ، حيث علم وقوع نظيرها منهم وعليهم .

وقد أفرد له بالتصنيف الصدوق(رحمه الله) وسمّاه «كتاب حذو النعل بالنعل» وقال المحدِّث الحرّ العاملي(رحمه الله) في «إيقاظ الهجعة في إثبات الرجعة» انّه يمكن أن يستدلّ

ــ[270]ــ

عليه بإجماع المسلمين في الجملة ، فإنّ الأحاديث بذلك كثيرة من طريق العامّة والخاصّة .

ومن طريق العامّة : روى البخاري في صحيحه ، عن أبي سعيد الخدري انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، حتّى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم ، قلنا يارسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : اليهود والنصارى؟ قال : فمن!» .

ورواه غير أبي سعيد كأبي هريرة ، وابن عمر ، وابن عبّاس ، وحذيفة ، وابن مسعود ، وسهل بن سعد ، وعمر بن عوف ، وشداد بن أوس ، ومستورد بن شداد ، وعمرو بن العاص بألفاظ متقاربة ، وعبارات متشابهة .

والجواب :

أوّلاً : فلأنّ بلوغ هذه الروايات إلى مرحلة التواتر غير معلوم ، بل الظاهر انّها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً ، ولذا لم يذكر شيء من هذه الروايات في الكتب الأربعة ، ولا ادّعى أحد من المحدّثين تواترها ، بل غايته دعوى الصحّة ، قال الصدوق في «كمال الدين» : صحّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال : كلّما كان في الاُمم السالفة يكون في هذه الاُمّة مثله ، حذو النعل بالنعل ، والقذّة بالقذّة .

ثانياً : فلأنّ مفاد هذه الروايات ان كان الوقوع في هذه الاُمّة ولو بعد هذه الأعصار إلى يوم القيامة ، أي إن كان مفادها الاخبار عن الوقوع ولو فيما بعد ، فلا دلالة فيها على وقوع التحريف فعلاً كما هو المدّعى ، ولا مطابقة ـ حينئذ ـ بين الدليل والمدّعى ، فإنّ المدّعى : وقوعه في صدر الإسلام في زمن الخلفاء الثلاثة ، والدليل يدلّ على وقوعه في زمان آخره يوم القيامة . وإن كان مفادها الوقوع في

ــ[271]ــ

الصدر الأوّل فلازمه الدلالة على وقوع التحريف بالزيادة في القرآن ، كما وقع في التوراة والإنجيل ، مع أنّ القائل بالتحريف ينفيه في جانب الزيادة كما عرفت .

ثالثاً ـ وهو العمدة في الجواب ـ : فلأنّ هذه الكلّية المذكورة في رواية الصدوق التي هي العمدة في الاستدلال ، إن كانت بنحو تقبل التخصيص ، ولا تكون آبية عنه كسائر العمومات الواردة في سائر الموارد ، القابلة للتخصيص وعروض الاستثناء بالإضافة إلى بعض أفرادها ، فلا مانع ـ حينئذ ـ من أن يكون ما قدّمناه من الأدلّة السبعة القاطعة على عدم التحريف في القرآن المجيد بمنزلة الدليل المخصّص للعامّ ، ويكون مقتضى الرواية بعد التخصيص وقوع جميع ما وقع في الاُمم السالفة في هذه الاُمّة ، إلاّ التحريف الذي قام الدليل على عدمه فيها .

وإن كانت بنحو يكون سياقها آبياً عن التخصيص ـ ويؤيّده قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض تلك الروايات : «حتّى ان لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه ، وحتّى ان لو جامع أحد امرأته في الطريق لفعلتموه» .

فيردّه ـ مضافاً إلى مخالفته لصريح القرآن الكريم ـ قال الله تعالى : }وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم{ دلّ على عدم وقوع التعذيب ، مع كون النبيّ في المسلمين ووجوده بينهم ، والضرورة قاضية بوقوع التعذيب في بعض الاُمم السالفة مع كون نبيّهم فيهم ـ انّ كثيراً من الوقائع التي حدثت في الاُمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الاُمّة ، كعبادة العجل ، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة ، وغرق فرعون وأصحابه ، وملك سليمان للإنس والجنّ ، ورفع عيسى إلى السماء ، وموت هارون ـ وهو وصيّ موسى ـ قبل موت موسى نفسه ، وإتيان موسى بتسع آيات بيّنات ، وولادة عيسى من غير أب ، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير ، وغير ذلك

ــ[272]ــ

من الوقائع التي لم يصدر مثلها في هذه الاُمّة وبعضها غير قابل للصدور فيما بعد من الأزمنة أيضاً ، كما هو واضح لا يخفى .

وممّا ذكرنا انّه لو كان المراد ممّن كان من قبلكم خصوص اليهود والنصارى أيضاً ـ كما يؤيّده بعض الروايات المتقدّمة على تأمّل ـ فالجواب أيضاً باق على قوّته ، لأنّ كثيراً من الموارد التي ذكرناها قد وقع في خصوص الاُمّتين اليهود والنصارى ، ولم يقع أو لن يقع فينا أصلاً .

وعلى ما ذكر : فلابدّ من ارتكاب خلاف الظاهر فيها ، والحمل على إرادة المشابهة في بعض الوجوه ، وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الاُمّة عدم اتباعهم لحدود القرآن ، وعدم رعايتهم لأحكامه وحدوده ، وقوانينه وشرائعه ، وهذا أيضاً نوع من التحريف كما أنّ الاختلاف والتفرّق بين الاُمّة وانشعابها إلى مذاهب مختلفة ، وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة ـ كما افترقت النصارى إلى اثنين وسبعين ، واليهود إلى واحد وسبعين على ما هو مقتضى الروايات الكثيرة ، بل المتواترة الدالّة على هذا المعنى ـ تحريف أيضاً لأجل استناد كلّ منهم إلى القرآن الذي فسّروه على طبق الرأي والاعتقاد ، والاستنباط والاجتهاد ، ويؤيّده انّ العلاّمة المجلسي(قدس سره) أورد رواية الصدوق المتقدّمة في باب افتراق الاُمّة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ثلاث وسبعين فرقة .

ويؤيّد كون المراد هو التشابه : ما رواه ابن الأثير في محي «جامع الاُصول» عن كتاب الترمذي ، عن عمرو بن العاص انّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج إلى غزوة حنين مرّ بشجرة للمشركين كانوا يعلّقون عليها أسلحتهم ، يقال لها : ذات أنواط ، فقالوا : يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :

ــ[273]ــ

سبحان الله هذا كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، والذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم .

وما رواه في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله : }لتركبنّ طبقاً عن طبق{ قال : يا زرارة أولم تركب هذه الاُمّة بعد نبيّها طبقاً عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان؟! قال بعض المحقّقين : أي كانت ضلالتهم بعد نبيّهم مطابقة لما صدر من الاُمم السابقة من ترك الخليفة واتّباع العجل والسامريّ وأشباه ذلك .

ــ[274]ــ

 

 

 

الشبهة الثانية

 

إنّ كيفيّة جمع القرآن وتأليفه مستلزمة ـ عادةً ـ لوقوع التغيير والتحريف فيه ، وقد أشار إلى ذلك العلاّمة المجلسي(قدس سره) في محكيّ «مرآة العقول» حيث قال : والعقل يحكم بأنّه إذا كان القرآن متفرّقاً منتشراً عند الناس ، وتصدّى غير المعصوم لجمعه يمتنع عادةً أن يكون جمعه كاملاً موافقاً للواقع .

وهذه الشبهة تتوقّف :

أوّلاً : على عدم كون القرآن مجموعاً مرتّباً في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وانّما كان منتشراً متشتّتاً عند الأصحاب في الألواح والصدور ، مع احتمال انّه لم يكن بعضه عند أحد منهم ، كما اُشير إليه في بعض الأخبار ، نعم جمعت عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نسخة متفرّقة في الصحف والحرير والقراطيس ، ورثها عليّ(عليه السلام) ولمّا جمعها بعده بأمره ووصيّته ، وألّفه كما أنزل الله تعالى ، ثمّ عرضها عليهم فأعرضوا عنه وعمّا جاء به لدواع كانت ملازمة لدعوى الخلافة ، وطلب الرئاسة .

ثانياً : على امتناع كون الجمع الصادر من غير المعصوم كاملاً موافقاً للواقع من دون تغيير .

فهنا دعويان :

الاُولى : عدم كون القرآن مجموعاً في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وزمانه ، والدليل على

ــ[275]ــ

إثباتها الروايات الكثيرة الواردة في هذا الباب سيجيء نقلها والجواب عنها .

الثانية : امتناع كون الجمع والتأليف الواقع موافقاً للواقع ، وقد ذكر في إثباتها انّ الذين باشروا هذا الأمر الجسيم ، وضادّوا النبأ العظيم هم أصحاب الصحيفة : أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية ، واستعانوا بزيد بن ثابت ، ومن الواضح انّ مضامين القرآن ، ومطالبه ، ومعانيه ، وكيفيّة ترتيب آياته وكلماته ، وسوره لا تشبه كتاب مصنّف ، وتأليف مؤلّف ، وديوان شاعر ، ممّا يسهل جمعه ، وتأليفه وترتيبه لمن بلغ أدنى مرتبة من مراتب العلم ، وأخذ حظّاً قليلاً منه ، ويعلم نقصانه وتحريفه بأدنى ملاحظة ، ولا يمكن معرفة ترتيب القرآن وتمامية جمعه من نفسه ، إذ هو موقوف على معرفة مراد الله تعالى ، وحكمة وضع ترتيب السور والآيات بالترتيب المخزون ، وكيفيّة ارتباط الآيات بعضها ببعض ، وهذا من العلوم التي قصرت أيدي المذكورين عن تناول أدنى مراتبه ، بل هم بمعزل عن تصوّر موضوعه ، وعن تصديق المتوقّف على تصديق أصله المفقود فيهم ، بل كانوا قاصرين عن معرفة نفس الآيات ، وانّها ممّا جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو ممّا دسّها المدلّسون ، واختلقها الكذّابون ، فاحتاجوا إلى إقامة الشهود ، فضلاً عن معرفة ارتباط بعضها بالبعض الموقوف .

وكان أعرف هؤلاء بالقرآن : زيد بن ثابت الذي قال عمر في حقّه : زيد أفرضكم ، مع أنّه روى الشيخ(رحمه الله) في «التهذيب» ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفر(عليه السلام)أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهليّة . وامّا كتابته الوحي فهو على ما ذكره أرباب السّير إذا لم يكن أمير المؤمنين(عليه السلام) أو عثمان حاضراً ، وقد طعن عليه اُبيّ بن كعب ، وعبدالله بن مسعود .

ــ[276]ــ

روى الشيخ الطوسي في «تلخيص الشافي» عن شريك ، عن الأعمش ، قال : قال ابن مسعود : لقد أخذت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعين سورة وانّ زيد بن ثابت لغلام يهودي في الكتاب له ذؤابة .

وامّا الخلفاء فمقامهم في العلم غير خفيّ ، حتّى انّ الأوّل كان جاهلاً بمعنى الكلالة ، وقال السيوطي في «الاتقان» : ولا أحفظ عن أبي بكر في التفسير إلاّ آثاراً قليلة جدّاً ، لا تكاد تجاوز العشرة .

وامّا عمر فذكر الشيخ زين الدين البياضي في «الصراط المستقيم» انّه اجتهد في جفظ سورة البقرة تسعة عشر سنة ، وقيل اثنتي عشر ونحر جزوراً وليمة عند فراغه ، وفيه : ورووا انّه لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء ، وقد صحّ انّه أنكر موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لجهله بالكتاب حتّى قرىء عليه : }انّك ميّت وانّهم ميّتون{ وقد جمع الأصحاب أشياء كثيرة ممّا يتعلّق بهذا الباب .

وامّا عثمان فهو وإن كان من كتّاب الوحي إلاّ انّه لم يكتب منه إلاّ قليلاً ، فعن مناقب ابن شهرآشوب في ذكر كتّابه(صلى الله عليه وآله وسلم) : كان عليّ(عليه السلام) يكتب أكثر الوحي ، ويكتب أيضاً غير الوحي ، وكان اُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت يكتبان الوحي ، وكان زيد وعبدالله بن الأرقم يكتبان إلى الملوك ، وعلاء بن عقبة وعبدالله ابن الأرقم يكتبان القبالات ، وزبير بن العوّام وجهم بن الصلت يكتبان الصدقات ، وحذيفة يكتب صدقات التمر ، وقد كتب له عثمان وخالد وابان ـ ابنا سعيد بن العاص ـ والمغيرة بن شعبة ، والحصين بن نمير ، والعلاء بن الحضرمي ، وشرحبيل بن حسنة الطائي ، وحنظلة بن ربيع الأسدي ، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح وهو الخائن في الكتابة فلعنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ارتدّ .

ــ[277]ــ

وروى عكرمة ، ومجاهد ، والسّدي ، والفرّاء ، والزجاج ، والجبائي ، وأبو جعفر الباقر(عليه السلام) انّ عثمان كان يكتب الوحي فيغيّره فيكتب موضع «غفور رحيم» «سميع عليم» وموضع «سميع عليم» «عزيز حكيم» ونحو ذلك فأنزل الله تعالى فيه : }ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله{ .

قال السيِّد في الطرائف : «ومن طريف ما ذكروه عن عثمان بن عفّان من سوء إقدامه على القول في ربّهم ورسولهم : ما ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى : }انّ هذان لساحران{ : وروى عن عثمان انّه قال : إنّ في الصحف لحناً وستقيمة العرب بألسنتهم وقيل له : ألا تغيّره؟ فقال : دعوه فإنّه لا يحلّل حراماً ولا يحرّم حلالاً . وذكر نحو هذا الحديث ابن قتيبة في كتاب «المشكل» قال(رحمه الله) : فليت شعري هذا اللحن في القرآن ممّن هو ، إن كان عثمان يذكر انّه من الله فهو كفر جديد ، وإن كان من غير الله فكيف ترك كتاب الله مبدّلاً مغيّراً لقد ارتكب بذلك بهتاناً عظيماً ومنكراً .

وامّا معاوية فعدّه جماعة من مخالفينا من كتّاب الوحي مع أنّ جمهور الجمهور نقلوا انّه أسلم بعد فتح مكّة ، وقبل وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بستّة أشهر تخميناً .

قال في الطرائف : «فكيف تقبل العقول أن يوثق في كتابة الوحي بمعاوية مع قرب عهده بالكفر ، وقصوره في الإسلام حيث دخل فيه» .

وقال ابن أبي الحديد : واختلف في كتابته كيف كانت فالّذي عليه المحقّقون من أهل السيرة انّ الوحي كان يكتبه عليّ(عليه السلام) وزيد بن ثابت وزيد بن أرقم ، وانّ حنظلة بن الربيع ومعاوية بن أبي سفيان كانا يكتبان له إلى الملوك ، وإلى رؤوساء القبائل ويكتبان حوائجه بين يديه ، ويكتبان ما يجيء من أموال الصدقات ما يقسّم له في أربابها .

ــ[278]ــ

والجواب عن هذه الشبهة :

مضافاً إلى إمكان الدعوى الثانية ـ منع الدعوى الاُولى جدّاً ، وعليه فلا تصل النوبة إلى الثانية أصلاً .

ولتوضيح ذلك : لابدّ لنا من إيراد الروايات التي يظهر منها انّ جمع القرآن لم تحقّق إلاّ بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والجواب عنها .

فنقول : قد أوردت هذه الروايات في الجزء الثاني من كتاب «كنز العمّال في سنن الأفعال والأقوال» في باب جمع القرآن ص361 وهي كثيرة :

align ="justify"1 ـ «مسند الصدِّيق» عن زيد بن ثابت قال : أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عنده عمر بن الخطّاب فقال : إنّ هذا أتاني فأخبرني انّ القتل قد استحرّ بقرّاء القرآن في هذا الموطن ـ يعني يوم اليمامة ـ وانّي أخاف أن يستحرّ القتل بقرّاء القرآن في سائر المواطن ، فيذهب القرآن ، وقد رأيت أن نجمعه فقلت له ـ يعني لعمرـ كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لي عمر : هو والله خير ، فلم يزل بي عمر حتّى شرح الله صدري للذي شرح له صدره ، ورأيت فيه مثل الذي رأى عمر ، قال زيد : وعمر عنده جالس لا يتكلّم فقال أبو بكر : إنّك شاب عاقل لا نتّهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاجمعه ، قال زيد : فوالله لئن كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل عليَّ ممّا أمري به من جمع القرآن ، فقلت : وكيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، ورأيت فيه الذي رأيا فتتبّعت القرآن أجمعه من الرقاع واللخاف(1) والأكتاف والعسب(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جمع لخفة وهي حجارة بيض رقاق .

(2) بالضمّ والسكون جمع عسيب وهو جريد من النخل.

ــ[279]ــ

وصدور الرجال حتّى وجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره }لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه . . .{ حتّى خاتمة براءة فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حياته حتّى توفّاه الله ، ثمّ عند عمر حياته حتّى توفّاه ، ثمّ عند حفصة بنت عمر .

2 ـ عن صعصعة قال : أوّل من جمع القرآن وورث الكلالة أبو بكر .

3 ـ عن عليّ(عليه السلام) قال : أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر ، انّ أبا بكر أوّل من جمع بين اللّوحين . وفي لفظ : أوّل من جمع كتاب الله .

4 ـ عن هشام بن عروة قال : لمّا استحرّ القتل بالقرّاء فرق ـ أي فزع ـ أبو بكر على القرآن أن يضيع ، فقال لعمر بن الخطّاب ولزيد بن ثابت : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه .

5 ـ عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبدالله ، وضارجة انّ أبا بكر الصدِّيق كان جمع القرآن في قراطيس ، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك ، فأبى حتّى استعان عليه بعمر ، ففعل فكانت الكتب عند أبي بكر حتّى توفي ، ثمّ عند عمر حتّى توفي ، ثمّ كانت عند حفصة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إليها عثمان ، فأبت أن تدفعها حتّى عاهدها ليردنّها إليها ، فبعثت بها إليه ، فنسخها عثمان هذه المصاحف ، ثمّ ردّها إليها فلم تزل عندها .

قال الزهري : أخبرني سالم بن عبدالله انّ مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها المصحف التي كتب فيها القرآن ، فتأبى حفصة أن تعطيه إيّاها ، فلمّا توفّيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبدالله بن عمر ، ليرسل إليه بتلك

ــ[280]ــ

الصحف ، فأرسل بها إليه عبدالله بن عمر ، فأمر بها مروان فشقّقت ، وقال مروان : إنّما فعلت هذا لأنّ ما فيها قد كتب وحفظ بالصحف (المصحف خ ل) فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب ، أو يقول إنّه قد كان فيها شيء لم تنكرانه .

6 ـ عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : لمّا قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر الصدِّيق عمر بن الخطّاب ، وزيد بن ثابت ، فقال : اجلسا على باب المسجد فلا يأتينّكما أحد بشيء من القرآن تنكرانه ، يشهد عليه رجلان إلاّ أثبتماه ، وذلك لأنّه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمعوا القرآن .

7 ـ «مسند عمر» عن محمّد بن سيرين ، قال : قتل عمر ولم يجمع القرآن .

8 ـ عن الحسن : انّ عمر بن الخطّاب سئل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان ، وقتل يوم اليمامة ، فقال : انّا لله ، وأمر بالقرآن فجمع ، فكان أوّل من جمعه في المصحف .

9 ـ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : أراد عمر بن الخطّاب أن يجمع القرآن فقام في الناس فقال : من كان تلقّى من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً من القرآن فليأتنا به ، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتّى يشهد شاهدان ، فقتل وهو يجمع ذلك إليه ، فقام عثمان فقال : من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيء حتّى يشهد عليه شاهدان ، فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إنّي قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما ، قالوا : ما هما؟ قال : تلقّيت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : }لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنّتم . . .{ إلى آخر السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد انّهما من عند الله

ــ[281]ــ

فأين ترى أن نجعلهما؟ قال : اختم بهما آخر ما نزل من القرآن ، فختم بهما براءة .

10 ـ عن عبدالله بن فضالة قال : لمّا أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفراً من أصحابه ، فقال : إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر ، فإنّ القرآن نزل على رجل من مضر .

11 ـ عن جابر بن سمرة قال : سمعت عمر بن الخطّاب يقول : لا يملين في مصاحفنا هذه إلاّ غلمان قريش ، أو غلمان ثقيف .

12 ـ عن سليمان بن أرقم ، عن الحسن ، وابن سيرين ، وابن شهاب الزهري ـ وكان الزهري أشبعهم حديثاً ـ قالوا : لمّا أسرع القتل في قرّاء القرآن يوم اليمامة قتل منهم يومئذ أربعمائة رجل ، لقى زيد بن ثابت عمر بن الخطّاب فقال : إنّ هذا القرآن هو الجامع لديننا ، فإن ذهب القرآن ذهب ديننا ، وقد عزمت أن أجمع القرآن في كتاب ، فقال له : انتظر حتّى أسأل أبا بكر ، فمضيا إلى أبي بكر ، فأخبراه بذلك فقال : لا تعجلا حتّى أشاور المسلمين ، ثمّ قام خطيباً في الناس فأخبرهم بذلك فقالوا : أصبت فجمعوا القرآن ، وأمر أبو بكر منادياً فنادى في الناس : من كان عنده شيء من القرن فليجيء به فقالت حفصة : إذا انتهيتم إلى هذه الآية فأخبروني : }حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى{ فلمّا بلغوها قالت اكتبوا : «والصلوة الوسطى وهي صلاة العصر» فقال لها عمر : ألك بهذا بيّنة؟ قالت : لا ، قال : فوالله لا يدخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بيّنة . وقال عبدالله بن مسعود : اكتبوا : «والعصر انّ الإنسان لبخسر (ليخسر خ ل) وانّه فيه إلى آخر الدهر» فقال عمر : نحّوا عنّا هذه الاعرابيّة .

13 ـ عن خزيمة بن ثابت قال : جئت بهذه الآية : «لقد جاءكم رسول من

ــ[282]ــ

أنفسكم» إلى عمر بن الخطّاب ، وإلى زيد بن ثابت فقال زيد : من يشهد معك؟ قلت : لا والله ما أدري ، فقال : كان عمر لا يقبل آية من كتاب الله حتّى يشهد عليها شاهدان ، فجاء رجل من الأنصار بآيتين فقال عمر : لا أسألك عليها شاهداً غيرك «لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم» إلى آخر السّورة .

15 ـ عن أبي إسحاق ، عن بعض أصحابه قال : لمّا جمع عمر بن الخطّاب المصحف سأل عمر : من أعرب الناس؟ قيل : سعيد بن العاص ، فقال : من أكتب الناس؟ فقيل : زيد بن ثابت ، قال : فليمل سعيد وليكتب زيد ، فكتبوا مصاحف أربعة ، فأنفذ مصحفاً منها إلى الكوفة ومصحفاً إلى البصرة ، ومصحفاً إلى الشام ، ومصحفاً إلى الحجاز .

16 ـ إسماعيل بن عيّاش ، عن عمر بن محمّد بن زيد عن أبيه : انّ الأنصار جاءوا إلى عمر بن الخطّاب فقالوا : يا أمير المؤمنين نجمع القرآن في مصحف واحد ، فقال : إنّكم أقوام في ألسنتكم لحن ، وأنا أكره أن تحدثوا في القرآن لحناً ، وأبى عليهم .

17 ـ عن الزهري ، عن أنس بن مالك ، عن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في فرج (فتح في ل) ارمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن ، فقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الاُمّة قبل أن يختلفوا في الكتاب ، كما اختلف اليهود والنصارى ، فأرسل إلى حفصة أن اُرسلي إليّ بالصحف ننسخها في المصاحف ، ثمّ نردّها عليك ، فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحفو فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبدالله بن زبير أن انسخوا الصحف في المصاحف ، وقال

ــ[283]ــ

للرهط القرشيّين الثلاثة : ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش ، فإنّما نزل بلسانها ، حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كلّ اُفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا ، وأمر بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق .

قال الزهري : وحدّثني خارجة بن زيد أنّ زيد بن ثابت قال : فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقرؤها : }من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر{ فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت ، أو ابن خزيمة فألحقتها في سورتها .

وقال الزهري : فاختلفوا يومئذ في «التابوت» و«التابوه» فقال النفر القرشيّون : التابوت ، وقال زيد بن ثابت : التابوه فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال : اكتبوه «التابوت» فإنّه بلسان قريش نزل .

18 ـ عن أبي قلابة قال : لمّا كان في خلافة عثمان جعل المعلّم يعلِّم قراءة الرجل والمعلِّم يعلِّم قراءة الرجل ، فجعل الغلمان يلتقون (يتلقّون في ل) فيختلفون حتّى ارتفع ذلك إلى المعلّمين ، حتّى كفر بعضهم بقراءة بعض ، فبلغ ذلك عثمان ، فقام خطيباً فقال : «أنتم عندي تختلفون وتلحِّنون ، فمن نأى عنّي من الأمصار أشدّ لحناً ، فاجتمعوا يا أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فاكتبوا للناس إماما» .

قال أبو قلابة : فحدّثني مالك بن أنس «قال أبو بكر بن أبي داود هذا مالك بن أنس جدّ مالك بن أنس» قال : كنت فيمن أملى عليهم ، فربما اختلفوا في الآية ، فيذكرون الرجل قد تلقّاها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولعلّه أن يكون غائباً ، أو في بعض البوادي فيكتبون ما قبلها وما بعدها ، ويدعون موضعها حتّى يجيء أو يرسل إليه ،

ــ[284]ــ

فلمّا فرغ من المصحف كتب إلى أهل الأمصار انّي قد صنعت كذا ، وصنعت كذا ومحوت ما عندي ، فامحوا ما عندكم .

19 ـ عن ابن شهاب قال : بلغنا انّه كان أنزل قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب ، فلمّا جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ، ولم يوجد مع أحد بعدهم ، وذلك فيما بلغنا حملهم على أن تتبّعوا القرآن ، فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر ، خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن ، فيذهبوا بما معهم من القرآن ، فلا يوجد عند أحد بعدهم ، فوفّق الله عثمان ، فنسخ ذلك المصحف في المصاحف ، فبعث بها إلى الأمصار ، وبثّها في المسلمين .

20 ـ عن مصعب بن سعد قال : سمع عثمان قراءة اُبيّ ، وعبدالله ، ومعاذ ، فخطب الناس ، ثمّ قال : «إنّما قبض نبيّكم(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ خمس عشرة سنة ، وقد اختلفتم في القرآن عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لما أتاني به ، فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتف والعسيب فيه الكتاب ، فمن أتاه بشيء قال : أنت سمعته من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال : أيّ الناس أفصح؟ قالوا : سعيد بن العاص ، ثمّ قال : أيّ الناس أكتب؟ قالوا : زيد بن ثابت ، قال : فليكتب زيد وليمل سعيد» فكتب مصاحف فقسّمها في الأمصار فما رأيت أحداً عاب ذلك عليه .

21 ـ عن أبي المليح ، قال : قال «عثمان بن عفّان» حين أراد أن يكتب المصحف : تملي هذيل ، وتكتب ثقيف .

22 ـ عن عبد الأعلى بن عبدالله بن عامر القرشي قال : لمّا فرغ من المصحف اُتي به عثمان فنظر فيه فقال : «قد أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئاً من لحن ستقيّمه

ــ[285]ــ

العرب بألسنتها» .

23 ـ عن عكرمة قال : لمّا اُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئاً من لحن فقال : «لو كان المملي من هذيل ، والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا» .

24 ـ عن عطاء : انّ عثمان بن عفّان لمّا نسخ القرآن في المصاحف أرسل إلى اُبيّ بن كعب ، فكان يملي على زيد بن ثابت وزيد يكتب ومعه سعيد بن العاص يعرّبه ، فهذا المصحف على قراءة اُبيّ وزيد .

25 ـ عن مجاهد أنّ عثمان أمر اُبيّ بن كعب يملي ، ويكتب زيد بن ثابت ويعرّبه سعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث .

26 ـ عن زيد بن ثابت : لمّا كتبنا المصاحف فقدت آية كنت أسمعها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدتها عند خزيمة بن ثابت : }من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه{ إلى تبديلاً ، وكان خزيمة يدعى ذا الشهادتين أجاز رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شهاده بشهادة رجلين .

وهنا بعض الروايات الاُخر ، مثل ما في المحكي عن الإتقان قال : أخرج ابن اشته ، عن الليث بن سعد قال : أوّل من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت ، فكان لا يكتب آية إلاّ بشهادة عدلين ، وانّ آخر سورة براءة لم توجد إلاّ مع أبي خزيمة بن ثابت فقال : اكتبوها فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جعل شهادته بشهادة رجلين فكتب ، وانّ عمر أتى بآية الرجم فلم نكتبها لأنّه كان وحده .

وأصرح من الجميع ما حكاه في الاتقان عن «فوائد الديرعاقولي» قال : حدّثنا إبراهيم بن بشّار ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد ، عن زيد

ــ[286]ــ

بن ثابت ، قال : قبض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن القرآن جمع في شيء .

هذه هي أهمّ الروايات الواردة في باب جمع القرآن ، والظاهرة في أنّه لم يتحقّق في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المتوافقة على هذه الجهة .

ــ[287]ــ

 

 

 

نقد روايات القرآن

 

وهذه الروايات مخدوشة من جهات مختلفة :

الجهة الاُولى ـ ناقضها في نفسها:

إنّها متناقضة في أنفسها فلا تصلح للاعتماد عليها والركون إليها ، والتناقض فيها في اُمور متعدّدة متكثِّرة ، عمدتها ترجع إلى الاُمور التالية :

الأوّل : ظاهر جملة من الروايات المتقدّمة ، كالرواية الاُولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة : انّ الجمع كان في زمن أبي بكر ، وانّه فرق على القرآن يضيع ، وظاهر البعض الآخر كالرواية الثامنة المصرّحة بأنّ عمر أمر بالقرآن فجمع ، وانّه أوّل من جمعه في المصحف ، وكذا الرواية الخامسة عشر أنّ الجامع للقرآن هو عمر ، وصريح البعض الآخر الجمع كان في زمن عثمان ، وفي الرواية السابعة تصريح بأنّه قتل عمر ولم يجمع القرآن ، وهنا رواية اُخرى تدلّ على أنّ الجامع سالم مولى أبي حذيفة : أخرج ابن اشته في محكي كتاب «المصاحف» من طريق كهمس ، عن ابن بريدة قال : أوّل من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة ، أقسم لا يرتدي برداء حتّى يجمعه ، فجمعه ثمّ إئتمروا ما يسمّونه فقال بعضهم سمّوه «السفر» قال : ذلك تسمية اليهود فكرهوه فقال : رأيت مثله بالحبشة يسمّى «المصحف» فاجتمع رأيهم على أن يسمّوه المصحف . ولكن الرواية غريبة

ــ[288]ــ

وفيها جهات من الإشكال .

الثاني : ظاهر الرواية الخامسة : أنّ أبا بكر بنفسه كان قد جمع في قراطيس وسأل زيد بن ثابت النظر في ذلك ، فأبى حتّى استعان عليه بعمر ، وظاهر الرواية الاُولى وبعض الروايات الاُخر أنّ الجمع قد وقع بيد زيد بن ثابت ، وانّه لم يصدر من أبي بكر في هذه الجهة إلاّ الأمر والمطالبة والاستدعاء ، ويظهر من بعضها أنّ المتصدّي لذلك هو زيد بن ثابت ، وعمر بن الخطّاب .

الثالث : ظاهر الرواية الاُولى أنّ الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن ، وأخبره بأنّ القتل قد استحرّ بقرّاء القرآن في يوم اليمامة هو : عمر بن الخطّاب ، وأنّ زيداً امتنع من ذلك أوّلاً . وظاهر الرواية الثانية عشر : أنّ زيد بن ثابت لقى عمر بن الخطّاب وأخبره بعزمه على جمع القرآن ، وقال عمر له : انتظر حتّى أسأل أبا بكر فمضيا إليه ، فأخبره بذلك ، فنهاهما عن العجلة حتّى يشاور المسلمين ، وظاهر الرواية الرابعة : أنّ أبا بكر فرق على القرآن أن يضيع ، فأمر عمر بن الخطّاب ، وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد لجمع القرآن .

الرابع : ظاهر الرواية الاُولى انّ الذي جمع القرآن ـ بعدما أمر به هو زيد بن ثابت فقط ، وانّه الذي فوّض إليه ذلك وتتبّع القرآن بأجمعه من الرقاع واللخاف والأكتاف والعسب وصدور الرجال . وظاهر مثل الرواية السادسة : انّه أمر أبو بكر عمر بن الخطّاب ، وزيد بن ثابت فقال : اجلسا على باب المسجد واكتبا ما شهد به شاهدان .

الخامس : ظاهر الرواية الخامسة والسابعة عشر أنّ الذي استند إليه عثمان في جمعه ، واعتمد عليه هي الصحف التي كانت عند حفصة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي التي

ــ[289]ــ

كتبت في زمن أبي بكر ، وكانت عنده في حياته ، ثمّ عند عمر زمن حياته ، ثمّ انتقل إلى حفصة ، وظاهر مثل هذه الرواية التاسعة انّه قام عثمان بعد عمر فقال : من كان عنده من كتاب الله شيء فليأتنا به ، وكان لا يقبل من ذلك شيئاً حتّى يشهد عليه شاهدان ، وقد وقع التصريح في بعض الروايات ـ وهي الرواية العشرون ـ بأنّه اعتمد في ذلك على ما أتاه به الرجل من اللوح والكتف والعسيب ، وعلى اخباره بأنّه سمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

السادس : صريح الرواية السابعة عشر ، والسادسة والعشرين : أنّ الآية التي فقدها زيد بن ثابت ، ووجدها عند خزيمة بن ثابت ، هي آية واحدة من سورة الأحزاب ، وهي قوله تعالى : )من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه( ، وصريح مثل هذه الرواية الاُولى أنّ ما وجد عند خزيمة آيتان من البراءة ، مضافاً إلى أنّ ظاهر الرواية الاُولى انّ إلحاق ما جاء به خزيمة كان في زمن أبي بكر ، وظاهر الرواية التاسعة انّ الإلحاق كان في زمن عثمان ، وظاهر البعض الآخر كالرواية الثالثة انّ الإلحاق كان في زمن عمر ، مضافاً إلى أنّ ظاهر بعض الروايات انّه قبل ما جاء به خزيمة من دون أن يقترن بشهادة شاهدين ، نظراً إلى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أجاز شهادته بشهادة رجلين ، وفي بعضها انّه قبل لاقترانه بشهادة عمر ، وتصديقه إيّاه في كون ما جاء به من القرآن ، مع أنّ كلاًّ منهما يناقض مع ما يدلّ على أنّه لا يقبل إلاّ ما شهد به شاهدان ، لأنّ الظاهر أنّ الشاهدين غير المدّعى فهما بضميمة المدّعى ثلاث نفرات فأجازه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته بشهادة رجلين لا تدلّ إلاّ على كونه قائماً مقام اثنين في مقام الشهادة ، لا قبول دعواه من دون بيّنة ، أو كونه معدوداً من الشاهدين ، فيكفي الشاهد الواحد كما لا يخفى . ومضافاً إلى عدم

ــ[290]ــ

احتياج الأمر إلى الشهادة ، أصلاً ، وذلك لأنّ المفروض بحسب تعبير الرواية كون الموجود عند خزيمة هي التي فقدها زيد ، ومع وضوح كون المفقود هو الموجود عنده لا حاجة إلى الشهادة ، كما لا يخفى على اُولي الدراية  .

السابع : ظاهر الرواية الخامسة عشر : انّ الذي أرسل المصاحف إلى البلاد هو عمر بن الخطّاب ، وظاهر البعض الآخر ، كالرواية السابعة عشر انّ الذي بعث مصحفاً إلى كلّ اُفق هو عثمان  .

الثامن : ظاهر بعض الروايات ـ كالرواية السابعة عشر ـ انّ عثمان عيّن للكتابة والنسخ زيد بن ثابت  ، وسعيد بن العاص  ، وعبد الرحمن بن الحارث  ، وعبدالله بن الزبير  ، وظاهر الرواية العشرين : انّه عيّن زيداً للكتابة  ، لأنّه أكتب الناس  ، وسعيداً للإملاء  ، لأنّه أفصح الناس  ، وظاهر الرواية الواحدة والعشرين انّه أمر بأن يملي هذيل  ، ويكتب ثقيف  ، والرواية الثالثة والعشرين : انّه لم يتحقّق إملاء هذيل ، وكتابة ثقيف ، وظاهر الرواية الرابعة والعشرين ، والخامسة والعشرين: أنّ الإملاء كان من اُبيّ بن كعب ، والكتابة من زيد بن ثابت ، والإعراب من سعيد بن العاص ، كما في الاُولى منهما ، وزيادة عبد الرحمن بن الحارث كما في الثانية منهما .

هذه هي عمدة الاُمور التي تكون الروايات المتقدّمة متناقضة فيها ، وهنا بعض الاُمور الاُخر يظهر بالتأمّل ودقّة النظر ، ومع هذه المناقضات كيف تصلح هذه الروايات للركون والاعتماد عليها في هذا الأمر الخطير ، الذي لا يساعده شيء من العقل والنقل ، كما سيظهر عن قريب إن شاء الله تعالى .

إن قلت: هذه الروايات مع كونها متكثّرة جدّاً ، وإن لم تكن متّصفة بوصف

ــ[291]ــ

التواتر لما ذكر من ثبوت المناقضة والمعاندة بينها ، إلاّ أنّ اتّصافها بوصف التواتر المعنوي ، الذي مرجعه في المقام إلى اتفاقها على عدم تحقّق الجمع في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ووقوعه بعده إجمالاً ، وإن لم تعلم كيفيّته وخصوصيّاته ، وانّه وقع بيد الأوّل أو الثاني ، أو الثالث ، أو غيرهم ممّا لا يكاد ينبغي أن يُنكر ، ولو نوقش في هذا الاتّصاف فلا أقلّ من اتّصافه بالتواتر الإجمالي الذي يرجع إلى العلم الإجمالي بمطابقة إحداها للواقع ونفس الأمر ، وهو يكفي للقائل بالتحريف ، بعد اتّفاقها على عدم تحقّق الجمع في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

قلت: الاتّصاف بالتواتر الإجمالي ـ كما اعترف به ـ فرع تحقّق العلم الإجمالي بمطابقة إحداها للواقع ، أو بصدورها عن المعصوم(عليه السلام) ، وبدون تحقّق هذا العلم لا مجال لهذا الاتّصاف أصلاً ، ونحن نمنع تحقّقه ، لعدم ثبوت العلم واليقين وجداناً لا بصدورها عن المعصوم ، لعدم كون شيء من تلك الروايات منسوبة إليه ، وحاكية لقوله ونحوه ، ولا بالمطابقة للواقع ، لأنّ الوجدان يقضي بعدمه فدعوى التواتر ولو إجمالاً ممّا لا يدّعيها المنصف .

الجهة الثانية ـ تعارضها مع روايات اُخرى:

انّ هذه الروايات معارضة بما يدلّ على أنّ القرآن كان قد جمع وكتب في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذه الروايات أيضاً كثيرة:

1 ـ روى البخاري في إحدى رواياته ، عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: مَنْ جمع القرآن على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: أربعة كلّهم من الأنصار: اُبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . وروى في موضع آخر مكان اُبيّ بن كعب أبا الدرداء .

ــ[292]ــ

2 ـ روى الخوارزمي في محكي مناقبه عن عليّ بن رياح قال: جمع القرآن على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) واُبيّ بن كعب .

3 ـ روى الحاكم في «المستدرك» بسند على شرط الشيخين ، عن زيد بن ثابت قال: كنّا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نؤلِّف القرآن من الرقاع .

4 ـ وفي «الاتقان»: أخرج أحمد وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جبان ، والحاكم عن ابن عبّاس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال ، وهي من المثاني ، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ، ولم
تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها في السبع الطوال؟
فقال عثمان: كان رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) تنزل عليه السورة ذات العدد ، فكان إذا اُنزل
عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة
التي يذكر فيها كذا وكذا: وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت
براءة من آخر القرآن نزولاً ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها ، فظننت أنّها
منها ، فقبض رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبيّن لنا انّها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما
ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتهما في السبع
الطوال(1) .

align ="justify"

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال السيوطي في «الإتقان» في خاتمة النوع السابع عشر: «أخرج أحمد وغيره من حديث وائلة بن الأسقع أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اُعطيت مكان التوراة ، السبع الطوال ، واُعطيت مكان الزبور ، المئين ، واُعطيت مكان الإنجيل ، المثاني ، وفضّلت بالمفضل» ، وهذه الرواية تدلّ على انقسام السور القرآنية في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولسانه بالأقسام الأربعة ، واختصاص كلّ قسم منها بعنوان خاصّ . وقال السيوطي فيه أيضاً في خاتمة النوع الثامن عشر الذي تعرّض فيه لجمع القرآن وترتيبه: «السبع الطوال أوّلها البقرة وآخرها براءة كذا قال جماعة ، لكن أخرج الحاكم والنسائي وغيرهما عن ابن عبّاس قال: السبع الطوال: البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف . قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها . وفي رواية صحيحة ، عن ابن أبي حاتم وغيره ، عن مجاهد ، وسعيد بن جبير انّها ـ يعني السابعة ـ يونس ، وتقدّم عن ابن عبّاس مثله في النوع الأوّل ، وفي رواية عند الحاكم انّها الكهف . والمئون ماوليها ، سمّيت بذلك ، لأنّ كلّ سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها ، وقال الفراء: هي السورة التي آيها أقلّ من مائة آية ، لأنّها تثنّى أكثر ممّا تثنّى الطوال والمئون ، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر ، والخبر حكاه النكزاوي . وقال في جمال القرّاء: هي السور التي تثنيت فيها القصص ، وقد تطلق على القرآن كلّه وعلى الفاتحة كما تقدّم . والمفصل ما ولى المثاني من قصار السور سمّي بذلك لكثرة الفصول التي بين السور بالبسملة ، وقيل: لقلّة المنسوخ منه ، ولهذا يسمّى بالمحكم أيضاً ، كما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: إنّ الذي تدعونه المفصل هو المحكم وآخره سورة «الناس» بلا نزاع» .

وسيأتي في المتن رواية ابن عبّاس التي عبّر فيها بالمحكم ، ويحتمل أن يكون مراده خصوص السورة المفصلة .

ــ[293]ــ

5 ـ خرّج البيهقي وابن أبي داود ، عن الشعبي انّ الجامعين للقرآن على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ستّة: اُبيّ وزيد بن ثابت ، ومعاذ ، وأبو الدرداء ، وسعيد بن عبيد ، وأبو زيد ، ومجمع بن جارية .

6 ـ خرّج ابن سعيد في محكي «الطبقات»: أنبأنا الفضل بن ذكين ، حدّثنا الوليد بن عبدالله بن جميع قال: حدّثتني جدّتي عن اُمّ ورقة بنت عبدالله بن الحارث وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يزورها ويسمّيها الشهيدة ، وكانت قد جمعت القرآن ، وكان رسول الله قد أمرها أن تؤمّ دارها ، وانّ رسول الله حين غزا بدراً قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم واُمرّض مرضاكم ، لعلّ الله يهدي لي شهادة؟ قال: «إنّ الله مهّد لك شهادة» .

7 ـ عن محمّد بن كعب القرظي قال: جمع القرآن في زمان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خمسة نفر من الأنصار: معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، واُبيّ بن كعب ، وأبو

ــ[294]ــ

الدرداء ، وأبو أيّوب .

8 ـ ابن عبّاس: جمعت المحكم على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بناءً على أن يكون المراد بالمحكم هو مجموع القرآن ، وامّا بناءً على أن يكون المراد به هو خصوص السور المفصّلة ـ كما تقدّم في عبارة السيوطي ـ فالرواية لا تدلّ على تعلّق الجمع بمجموع القرآن ، لكن الظاهر أنّ هذا الاحتمال بعيد .

9 ـ الرواية السادسة من الروايات المتقدّمة المشتملة على التعليل بأنّه قُتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جمعوا القرآن .

10 ـ روى مسروق ، ذكر عبدالله بن عمر ، وعبدالله بن مسعود قال: لا أزال أحبّه سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبدالله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، واُبيّ بن كعب .

هذه هي الروايات الواردة الظاهرة في أنّ الجمع للقرآن قد تحقّق في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

أضف إلى ذلك ما ذكره محمّد بن إسحاق في الفهرست من أنّ الجمّاع للقرآن في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وسعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد ، وأبو الدرداء عويمر بن زيد ، ومعاذ بن جبل بن أوس ، وأبو زيد ثابت بن زيدبن النعمان ، واُبيّ بن كعب بن قيس ملك امرؤ القيس ، وعبيد بن معاوية ، وزيدبن ثابت .

align ="justify"وما قاله الحارث المحاسبي(1) في محكي كتاب «فهم السنن» ممّا هذا لفظه:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو الحارث بن أسد المحاسبي ، ويكنّى أبا عبدالله ، من أكابر الصوفية ، كان عالماً بالاُصول والمعاملات ، وهو استاذ أكثر البغداديّين في عصره ، توفي ببغداد سنة 243هـ  .

ــ[295]ــ

«كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر بكتابته ، ولكنّه كان مفرّقاً في الرقاع والأكتاف والعسيب وإنّما أمر الصدِّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها القرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط حتّى لا يضيع منها شيء» .

الجهة الثالثة ـ تعارضها مع الكتاب والعقل:

إنّ هذه الروايات التي استند إليها القائل بالتحريف مخالفة للكتاب والعقل:

أمّا مخالفتها للكتاب: فلأنّه قد وقع في الكتاب العزيز تعبيرات لا تلائم إلاّ مع تحقّق الجمع في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتميّز السور بعضها عن بعض ، وحصول التأليف والتركيب بين الآيات ، بل وبين السّور ، وذلك مثل التعبير بـ «السورة» في آيات متعدّدة كآيات التحدّي بالسورة ، أو بعشر سور ، فإنّ هذا التعبير لا يلائم مع تفرّق الآيات وتشتّتها ، وعدم تحقّق التأليف والتركيب بينها ، ضرورة أنّ السورة عبارة عن مجموعة آيات متعدّدة مركّبة منضمّة متناسبة من حيث الغرض المقصود منها ، فالتعبير بها لا يناسب إلاّ مع التميّز والاختصاص .

ومثل التعبير عن القرآن بـ «الكتاب» كما في آيات كثيرة التي منها قوله تعالى في سورة البقرة: )ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين( وفي سورة إبراهيم: )كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور( وقد وقع هذا الإطلاق في لسان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مثل حديث الثقلين المعروف بين الفريقين ، فإنّ لفظ «الكتاب» ظاهر في المكتوب الذي كان مجموعاً مؤلّفاً ، ولو نوقش في هذا الظهور بملاحظة أصل اللغة فلا مجال للمناقشة بالنظر إلى العرف العام الذي القي عليهم مثل هذه التعبيرات ضرورة أنّ ظهوره في المجموع المؤلّف ممّا لا ينبغي الارتياب فيه بهذا

ــ[296]ــ

النظر ، فتدبّر .

وامّا مخالفتها للعقل فلأنّ الدعوة الإسلاميّة كانت من أوّل شروعها مبتنيّة على أمرين ، ومشتملة على جهتين: إحداهما: أصل النبوّة والسفارة والوساطة ، ثانيهما: كونه خاتمة للنبوّات والسفارات ، ومرجع الأخير إلى بقاء الدين القويم إلى يوم القيامة ، واستمرار الشريعة المقدّسة ودوامها ، بحيث لا نبيّ بعده ، ولا ناسخ له أصلاً ، حلال محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة .

ومن الواضح: انّ الإتيان بالمعجزة المثبتة لهذه الدعوى لابدّ وأن يكون صالحاً لإثبات كلا الأمرين ، وقابلاً للاستناد إليه في كلتا الدعويّين ، فالمعجزة في هذا الدين تمتاز عن معجزات الأنبياء السالفين ، وتختصّ بخصوصيّة لا توجد في معجزات السفراء الماضين ، ولأجله تختلف ـ سنخاً ونوعاً ـ مع تلك المعجزات غير الباقية ، والاُمور الخارقة للعادة التي كان الغرض منها إثبات أصل النبوّة .

ومن المعلوم أيضاً: أنّ هذا الوصف إنّما يختصّ به القرآن المجيد ، ولا يوجد في معجزات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه هو المعجزة الوحيدة الخالدة والدليل الفذّ الباقي إلى يوم القيامة ، فالقرآن من حين نزوله كان ملحوظاً بهذا الوصف ، ومنظوراً من هذه الجهة التي ليس فوقها جهة ولا يرى شأن أعظم منها ، كما لا يخفى .

ومع وجود هذه الخصوصيّة ، وثبوت هذه العظمة كيف يمكن توهّم انّه لم يجمع في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعتن بشأنه ـ من جهة الجمع ـ الرسول الأعظم ، ولا أحد من المسلمين ، مع شدّة اهتمامهم به وبحفظه وقراءته وتعليمه وتعلّمه ، وتدريسه وتدرّسه ، وأخذ فنون المعارف والأحكام والقصص والحِكم وسائر الحقائق منه؟! وهل يتوهّم من له عقل سليم ، وطبع مستقيم أن يوكل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر جمع القرآن

ــ[297]ــ

إلى من بعده ، سيّما مع علمه بأنّ الذي يتصدّى للجمع بعده هو الذي لا يكون متّصفاً بوصف العصمة ، بل وأعظم من ذلك ـ ولا حظَّ له من العلم والمعرفة بوجه ـ إذ لا محالة يكون جمعه ناقصاً من جهة التحريف ، ومن جهة عدم تحقّق التناسب الكامل بين الآيات ، ومن الواضح مدخليّته في ترتّب الغرض المقصود منه ، ضرورة أنّ ارتباط أجزاء الكتاب ، ووقوع كلّ جزء في موضعه له كمال المدخليّة في ترتّب غرض الكتاب ، خصوصاً في القرآن الذي كان غرضه أهمّ الأغراض من ناحية ، وعدم كونه منحصراً بعلم خاصّ ، وفنّ مخصوص من جهة اُخرى ، فإنّ التناسب في مثله لو لم يراع لا يتحقّق الغرض أصلاً .

فلا محيص عن الالتزام بتحقّق الجمع والتأليف في عصره ، وكون سوره وآياته متميّزة بعضها عن بعض ، خصوصاً مع أنّه في القرآن جهات عديدة يكفي كلّ واحدة منها لأن تكون موضعاً لعناية المسلمين ، وسبباً لاشتهاره بين الناس ، حتّى الكافرين والمنافقين ، وذلك:

مثل بلاغته وفصاحته التي هي الغرض المهمّ للعرب في ذلك العصر ، ووضوح كون بلاغته واقعة في الدرجة العليا ، وفصاحته حائزة للمرتبة القصوى ، ومن هذه الجهة كان موضع توجّه لعموم الناس ـ المؤمن وغيره ـ المؤمن يحفظه ويقرأه لإيمانه ، والتلذّذ بألفاظه المقدّسة ، ومعانيها العالية ، والكافر والمنافق يمارسه رجاء معارضته ، والإتيان بمثله ، وإبطال حجّته .

ومثل الجهات الاُخر ، كالأجر والثواب المترتّب على حفظه وقرائته وتعليمه بل وعلى مجرّد النظر إلى آياته وسوره ، وكون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مرغباً في حفظه ومحرّكاً للمؤمنين إلى الرجوع إليه ، وكون الحافظ له شأن عظيم ، ومرتبة خاصّة بين

ــ[298]ــ

المسلمين وغير ذلك من الجهات .

ولا بأس هنا بذكر كلام السيِّد المرتضى ـ قدّس سرّه الشريف ـ في هذا الشأن ، وكلام البلخي المفسِّر من علماء العامّة ، والجواب عمّا أورد عليهما المحدِّث المعاصر في كتابه الموضوع في التحريف .

قال السيّد المرتضى: «إنّ القرآن كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مؤلّفاً على ما هو عليه الآن ، لأنّ القرآن كان يحفظ ويدرّس جميعه في ذلك الزمان حتّى عيّن على جماعة من الصحابة في حفظهم له ، وانّه كان يعرض على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويُتلى عليه ، وانّ جماعة من الصحابة مثل عبدالله بن مسعود ، واُبيّ بن كعب ، وغيرهما ختموا القرآن على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة ختمات ، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير مبتور ولا مبثوث» .

وقال البلخي في تفسيره المسمّى بـ «جامع علم القرآن» ـ على ما نقله عنه السيّد ابن طاووس في محكي «سعد السعود» ـ ما لفظه: «وانّي لأعجب من أن يقبل المؤمنون قول من زعم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القرآن الذي هو حجّة على اُمّته ، والذي تقوم به دعوته والفرائض التي جاء بها من عند ربّه ، وبه يصحّ دينه الذي بعثه الله داعياً إليه ، معرفاً في قطع الحرف ، ولم يجمعه ولم يصِنه ، ولم يحفظه ، ولم يحكم الأمر في قراءته ، وما يجوز من الاختلاف وما لا يجوز ، وفي إعرابه ومقداره وتأليف سوره وآيه ، هذا لا يتوهّم على رجل من عامّة المسلمين ، فكيف برسول ربّ العالمين(صلى الله عليه وآله وسلم)» .

وأورد المحدِّث المعاصر على السيّد المرتضى:

أوّلاً: بأنّ القرآن نزل نجوماً ، وتمّ بتمام عمره(صلى الله عليه وآله وسلم) فإن صحّ ما نقله فالمراد

ــ[299]ــ

درس ما كان عنده من السور .

وثانياً: بأنّ قعود أمير المؤمنين(عليه السلام) في بيته بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) لجمع القرآن وتأليفه خوفاً من ضياعه ممّا لا يقبل الإنكار بعد استفاضة الأخبار بذلك ، وكيف يجتمع هذا مع كونه مجموعاً مؤلَّفاً مرتّباً متداولاً بين الصحابة في حياته .

وثالثاً: بما ملخّصه أنّ ما نقله انّ ابن مسعود ، واُبيّ وغيرهما . . . فإنّما هو من خبر ضعيف ، رواه المخالفون ، ثمّ ذكر طائفة من الروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ الجمع وقع في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأورد على البلخي:

أوّلاً: بالنقض على مذهبه ، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمه بأنّه يموت في مرضه ، وتختلف اُمّته بعده ثلاثاً وسبعين فرقة ، وانّه يرجع بعده يضرب بعضهم رقاب بعض ، كيف لم يعيّن لهم من يقوم مقامه ، ولا قال لهم: اختاروا أنتم حتّى تركهم في ضلال مبين إلى يوم الدين ، فإذا جاز توكيل هذا الأمر العظيم إليهم مع اختلاف الآراء وتشتّت الأهواء جاز توكيل أمر جمع القرآن وتأليفه إليهم .

وثانياً: بأنّا نسلّم أنّ القرآن بتمامه كان عنده(صلى الله عليه وآله وسلم) متفرّقاً ، وانّما فوّض أمر الجمع والتأليف الذي هو سبب لبقائه وحفظه إلى من فوّض إليه جميع اُموره واُمور اُمّته بعده ، واحتياج الناس إليه بحيث يختلّ عليهم أمرهم لولاه إنّما هو بعده ، وليس في ذلك تنقيص في نبوّته أصلاً ، بل في ذلك إعلاء لشأن من فوّض إليه الأمر ، وتثبيت لإمامته ، وإعلام برفعته ، وقد امتثل ما أمره به فجمعه بعده ، وحينئذ فإن أراد أنّ ما كان بأيديهم إنّما نسخوه من هذا المجموع المعيّن ، لا من الأماكن المتفرّقة من الصدور والألواح ففيه:

ــ[300]ــ

1 ـ انّه لم يكن مرتّباً ، وإنّما ألّفه ورتّبه أمير المؤمنين(عليه السلام) وقد هجروا مصحفه .

2 ـ إنّ ما تقدّم بطرقهم المستفيضة صريح في أنّهم جمعوه من الأفواه والألواح المتفرّقة .

والجواب:

امّا عن إيراده على السيّد المرتضى(قدس سره) انّ نزول القرآن نجوماً وتماميّته بتمام عمره الشريف لا ينافي ما أفاده السيّد المرتضى بوجه ، خصوصاً بعد ملاحظة ما قدّمناه من أنّ القرآن كان من حين نزوله متّصفاً بأنّه المعجزة الوحيدة الخالدة التي يتوقّف أساس الدين ، وأصل الشريعة على بقائها ووجودها بين الناس ، كما نزلت إلى يوم القيامة .

وسيأتي البحث عن مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام) وامتيازه عن المصحف المعروف وانّه لا يتفاوت معه في شيء يرجع إلى أصل القرآن وآياته أصلاً ، وما نقله من أنّ ابن مسعود واُبيّ . . . لا يكون الاعتماد فيه على ضعاف الأخبار العامّية ، بل على الأمر المعروف بين المسلمين من وجود مصحف لكلّ واحد منهم ، وظهور كون جمعهم في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصره .

وامّا عن إيراده على البلخي: فإنّ النقض بمسألة الخلافة على طبق عقيدته فاسد ، خصوصاً لو كان مستنده ما ينسبونه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تجتمع اُمّتي على خطأ» كما هو واضح ، واختلاف المسألتين وتفاوتهما ، وانحصار الإعجاز في الكتاب ممّا لا ريب فيه ، وانّ المراد من الجمع والتأليف الذي فوّض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره إلى من فوّض إليه جميع اُموره ، إن كان الجمع بنحو يرجع إلى ترتيب الآيات والسور بحيث لم يكن في عهده(صلى الله عليه وآله وسلم) مواقع الآيات مبيّنة ، ولا مواضعها مشخّصة ، فنحن نمنع ذلك

ــ[301]ــ

حتّى يحتاج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التفويض إلى عليّ(عليه السلام) ، وإن كان المراد الجمع في محلّ واحد ، كقرطاس ومصحف فهذا لا ينافي ما ذكره البلخي بوجه ، ولا يرجع إلى عدم كون القرآن مرتّباً في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

الجهة الرابعة ـ مخالفتها لضرورة تواتر القرآن:

إنّ هذه الروايات الدالّة على أنّ القرآن قد جمع بيد الخلفاء وفي زمنهم ، وانّ الاستناد في ذلك كان منحصراً بشهادة شاهدين ، أو شاهد واحد إذا كان معادلاً لشخصين: مخالفة لما قدّمناه ـ سابقاً ـ من ثبوت الإجماع ، بل الضرورة على أنّ طريق ثبوت القرآن منحصر بالتواتر ، وانّه فرق بينه وبين الخبر الحاكي لقول المعصوم(عليه السلام) المشتمل على حكم من الأحكام الشرعيّة .

ومع هذه المخالفة كيف يمكن الأخذ بها والالتزام بمضمونها ، وتفسير الشهادتين بالحفظ والكتابة ـ كما عن بعضهم ـ مع أنّه مخالف للظاهر ، ولنفس تلك الروايات; لا يجدي في رفع الإشكال ، وانّ القرآن لا يثبت بغير طريق التواتر .

الجهة الخامسة ـ استلزامها للقول بالتحريف:

إنّ الاستناد إلى هذه الروايات لعدم تحقّق الجمع في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيد المعصوم ، واستكشاف وجود النقص في القرآن من هذا الطريق لا ينطبق على المدّعى بل اللازم على المستدلّ أن يقول بالتحريف من جهة الزيادة أيضاً ، وذلك لقضاء العادة بأنّ المستند ـ وهي شهادة الشاهدين ـ لا يكون مطابقاً للواقع دائماً ، ضرورة أنّ الالتزام بكونها كذلك ، ودعوى حصول القطع بأنّ كلّ ما شهد به شاهدان ، أو من بحكمهما ، على أنّه من القرآن مطابق للواقع في غاية البُعد ، بل الظاهر هو العلم الإجمالي بتحقّق الكذب في البعض ، خصوصاً مع ثبوت الدواعي

ــ[302]ــ

من الكفّار والمنافقين على تخريب الدين ، والسعي في اضمحلاله وانهدام بنائه ، وحينئذ فيعلم ـ إجمالاً ـ بوجود الزيادة في القرآن كالنقيصة .

ودعوى: أنّ الآية بمرتبتها الواقعة فوق مراتب الكلام البشري فيها قرينة على كونها من القرآن ، وعدم كونها كلام البشر .

مدفوعة: بأنّه على ذلك لا تكون شهادة الشاهدين مصدّقة للآية ، وكونها من كلام الله ، بل كانت الآية مصدّقة لها ، ولكونها شهادة مطابقة للواقع ، وعليه فلا حاجة إلى الشهادة أصلاً ، وهو خلاف مفاد الروايات المتقدّمة .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا ـ بطوله وتفصيله ـ بطلان هذه الروايات ، وعدم إمكان الأخذ بمضمونها ، وانّه لا محيص عن الالتزام بكون الجمع والتأليف الراجع إلى تميّز الآيات بعضها عن بعض ، وتبيّن كون الآية الفلانية جزء من السورة الفلانية ، بل وموقعها من تلك السورة ، وانّها هي الآية الثانية منها ـ مثلاًـ أو الثالثة أو الرابعة وهكذا ، وكذا تميّز السور بعضها عن بعض واقعاً في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وعصره بأمره واخباره ، غاية الأمر تفرّقها وتشتّتها من جهة الأشياء المكتوبة عليها ، والمنقوشة فيها كالعسيب واللخاف ومثلهما .

نعم لا ينبغي إنكار ارتباط جهة من القرآن بأبي بكر وكذا بعثمان:

أمّا ارتباطه بأبي بكر: فهو انّه قد جمع تلك المتفرّقات التي كان شأنها مبنيّاً من جميع الجهات ، وكانت خالية من نقاط الإبهام والإجمال بتمام المعنى في قرطاس أو مصحف الذي هو بمعنى القرطاس ، أو قطع الجلد المدبوغ ، وقد وقع التصريح في بعض الروايات المتقدّمة بأنّ أبا بكر هو أوّل من جمع القرآن بين اللّوحين ، وقد عرفت تصريح الحارث المحاسبي بذلك ، وانّ جمع أبي بكر بمنزلة خيط ربط الأوراق

ــ[303]ــ

المتفرّقة الموجودة في بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يبعد الالتزام بما في بعض تلك الروايات من كون المصحف الذي جمع أبو بكر فيه القرآن هو الذي كان عنده زمن حياته ، وكان بعده باختيار عمر ، وانتقل منه إلى حفصة بنته زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .

وممّا ذكرنا ظهر أنّ الإشكال والاشتباه إنّما نشأ من الخلط ، وعدم تبيّن مفهوم كلمة «الجمع» الواقعة في الروايات ، وتخيّل كون المراد من هذه الكلمة هو الذي يكون محلّ البحث في المقام ، ومورداً للنقض والإبرام ، ولابدّ من التوضيح وإن كان المتأمِّل قد ظهر له الفرق ممّا ذكرنا فنقول:

أمّا الجمع الذي هو محلّ البحث في المقام هو الجمع بمعنى التأليف والتركيب وجعل كلّ آية في السورة التي هي جزء لها ، وفي موضعها من تلك السورة ، والجمع بهذا المعنى لا يكون إلاّ وظيفة النبيّ ـ بما هو نبيّ ـ ولم يتحقّق إلاّ منه ، ولا معنى لصدوره من غيره ، حتّى في عصره وزمن حياته ، ومنه يظهر أنّ الروايات الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص معيّنين في زمن النبيّ لا يكون المراد بها هذا المعنى ، فإنّ مثل اُبيّ بن كعب لا يقدر على ذلك ، وإن كان في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة أنّه من شؤون القرآن وما به تقوم حقيقته ، ولا طريق له إلاّ الوحي .

وامّا الجمع الوارد في الروايات المتقدّمة ، أعمّ من الروايات الدالّة على عدم تحقّقه في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والروايات الدالّة على تحقّقه في زمنه من ناحية الأشخاص فالمراد به هو جمع المتفرّقات والمتشتّتات من جهة الأشياء المكتوبة عليها ، والمنقوشة فيها ، غاية الأمر أنّ الجمع في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بمعنى القدرة على تحصيل القرآن بأجمعه ، وحصوله له كذلك .

وبعبارة اُخرى كان عنده جميع القرآن في الأشياء المتفرّقة ، والجمع بعد حياته

ــ[304]ــ

بمعنى جمعه في اللوحين والقرطاس والمصحف .

فقد ظهر أنّ الجمع ـ بمعناه الذي هو محلّ الكلام ـ بعيد عن مفاد جميع الروايات بمراحل ، وانّ المتّصف به لا يكون غير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بوجه ، فالروايات وكذا التواريخ الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أجنبيّ عن المقام بالمقدار الذي تكون الروايات التي هي مورد لاستدلال القائل بالتحريف كذلك ، وعدم الالتفات إلى ذلك صار موجباً للخلط والاشتباه والانحراف عن مسير الحقيقة كما عرفت .

وامّا ارتباطه بعثمان الذي اشتهر إضافة القرآن وانتسابه إليه ، واشتهر عنه حرق مصاحف غيره ، حتّى سمّي بحرّاق المصاحف ، وانتقد عليه من هذه الجهة ـ فليس لأمر يرجع إلى الجمع والتأليف بالمعنى الذي ذكرنا من تميّز الآيات والسور وتبيّن بعض كلّ واحدة منهما عن البعض الآخر ، بل الظاهر ـ كما دلّ عليه بعض الروايات المتقدّمة ـ انّ ارتباطه بعثمان إنّما هو من جهة أنّه جمع المسلمين على قراءة واحدة ، بعد تحقّق اختلاف القراءة بينهم ، من جهة اختلاف القبائل والأمكنة في اللحن والتعبير .

قال الحارث المحاسبي: «المشهور عند الناس انّ جامع القرآن عثمان ، وليس كذلك ، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد ، على اختيار ووقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار ، لمّا خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات ، فامّا قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي اُنزل بها القرآن» .

نعم يقع الكلام في أنّ القراءة الواحدة التي جمع عثمان المسلمين عليها ماذا؟ وانّه

ــ[305]ــ

اعتمد في ذلك على أيّ شيء؟

يمكن أن يقال: إنّ تلك القراءة هي القراءة الواحدة المتعارفة بين المسلمين ، التي أخذوها بالتواتر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لما عرفت في مبحث تواتر القراءات من أنّ استناد جميع القراءات إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر موهوم فاسد ، وانّ أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف ـ على فرض صحّتها وجواز الالتزام بها ـ لا ارتباط لها بباب القراءات السبعة بوجه .

وقد ذكر عليّ بن محمّد الطاووس العلوي الفاطمي في محكي كتاب «سعد السعود» نقلاً عن كتاب أبي جعفر محمّد بن منصور ، ورواية محمد بن زيد بن مروان في اختلاف المصاحف: «انّ القرآن جمعه على عهد أبي بكر زيد بن ثابت ، وخالفه في ذلك اُبيّ وعبدالله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ثمّ عاد عثمان فجمع المصحف برأي مولانا علي بن أبي طالب(عليه السلام) وأخذ عثمان مصحف اُبيّ ، وعبدالله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة فغسلها ، وكتب عثمان مصحفاً لنفسه ، ومصحفاً لأهل المدينة ، ومصحفاً لأهل مكّة ، ومصحفاً لأهل الكوفة ، ومصحفاً لأهل البصرة ، ومصحفاً لأهل الشام» .

وقال الشيخ أبو عبدالله الزنجاني ـ بعد نقل هذه العبارة ـ: «إنّ مصحف الشام رآه ابن فضل الله العمري في أواسط القرن الثامن الهجري يقول في وصف مسجد دمشق: وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخطّ أمير المؤمنين عثمان بن عفّان . ويظنّ قويّاً انّ هذا المصحف هو الذي كان موجوداً في دار الكتب في لنين غراد ، وانتقل الآن إلى انگلترا ، ورأيت في شهر ذي الحجّة سنة 1353الهجرية في دار الكتب العلويّة في النجف مصحفاً بالخطّ الكوفي كتب على آخره: كتبه علي بن أبي

ــ[306]ــ

طالب في سنة أربعين من الهجرة ، ولتشابه أبي وأبو في رسم الخط الكوفي قد يظنّ من لا خبرة له انّه كتب علي بن أبو طالب بالواو» .

هذا ولكن الاستناد إلى رأي مولانا علي بن أبي طالب(عليه السلام) بعيد خصوصاً مع ملاحظة وجود مصحف له(عليه السلام) لا يحتاج معه إلى شخص آخر أو شيء آخر ، إلاّ أن يكون الاستناد إلى الرأي دون المصحف ، لأجل كون مصحفه زائداً على القرآن وآياته كما سيظهر ، فلعلّه(عليه السلام) لم يرض أن يجعله باختيارهم لعدم صلاحيّتهم لملاحظته والنظر فيه ، كما يساعده الاعتبار .

وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا: انّ لفظ «الجمع» الذي يستعمل في مسألة جمع القرآن يكون له أربعة معان ، وقد وقع بينها الخلط ، ولأجله تحقّق الانحراف الذي أدّى إلى الالتزام بالتحريف ، الذي يوجب تزلزل الدين ، وضعف المسلمين ، كما عرفت في أوّل المبحث ، وهذه المعاني الأربعة عبارة عن:

1 ـ الجمع بمعنى التأليف والتركيب وجعل كلّ آية في السورة التي هي جزء لها وفي موضعها من تلك السورة وكونها آية ثانية له ـ مثلاً ـ أو ثالثة أو رابعة وهكذا ، والجمع بهذا المعنى هو محلّ البحث والكلام وقد عرفت أنّ الجامع بهذا المعنى لا يكون إلاّ النبيّ بما أنّه نبيّ . وبعبارة اُخرى لا طريق له إلاّ الوحي ولا يصلح اسناده إلى غير النبيّ بوجه . وسيأتي له مزيد توضيح في الجواب عن الشبهة الثالثة للقائل بالتحريف فانتظر .

2 ـ الجمع بمعنى تحصيل القرآن بأجمعه من الأشياء المتفرّقة المكتوب عليها ومرجعه إلى كون الجامع واجداً لجميع القرآن من أوّله إلى آخره وهذا هو الجمع المتحقّق في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمنسوب إلى غيره من الأشخاص المعدودين ، وربما

ــ[307]ــ

يراد من الجمع بهذا المعنى جمع القرآن بجميع شؤونه من التأويل والتفسير وشأن النزول وغيره ، وهو المراد من الجمع الذي تدلّ الروايات الكثيرة الآتية على اختصاصه بمولانا أمير المؤمنين ـ عليه أفضل صلوات المصلِّين ـ  .

3 ـ الجمع بمعنى جمع المتفرّقات وكتابتها في شيء واحد كالقرطاس والمصحف بناءً على مغايرته للقرطاس ، وهذا هو الجمع المنسوب إلى أبي بكر ، ويدلّ بعض الروايات المتقدّمة على نسبته إلى عمر بن الخطّاب .

4 ـ الجمع بمعنى جمع المسلمين على قراءة واحدة من القراءات المختلفة التي نشأت من اختلاف ألسِنة القبائل والأماكن ، وهذا هو المراد من الجمع المنسوب إلى عثمان كما عرفت آنفاً .

وعدم الخلط بين هذه المعاني يرشد الباحث ويهديه إلى الحقّ ويبعّده عن الانحراف المؤدّي إلى التحريف وما رأيت أحداً يسبقني إلى البحث في مسألة جمع القرآن بهذه الكيفيّة فافهم واغتنم .

ــ[308]ــ

 

 

 

الشبهة الثالثة

 

إنّ للقائل بالتحريف أن يورد هذه الشبهة أيضاً ، وهي: أنّ عليّاً(عليه السلام) كان له مصحف غير المصحف الموجود ، وقد أتى به القوم فلم يقبلوا منه ، وقد صحّ اشتمال قرآنه على زيادات ليست في القرآن الموجود ، ولأجله لم يقع مورداً لقبول القوم ، ويترتّب على ذلك نقص القرآن الموجود عن مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وهذا هو التحريف الذي يدّعيه القائل به ، والروايات الواردة في هذا الباب كثيرة ، منها:

1 ـ ما في رواية احتجاج عليّ(عليه السلام) على جماعة من المهاجرين والأنصار من أنّه قال: «يا طلحة انّ كلّ آية أنزلها الله تعالى على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) عندي بإملاء رسول الله وخطّ يدي ، وتأويل كلّ آية أنزل الله تعالى على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وكلّ حلال أو حرام ، أو حدّ أو حكم ، أو شيء تحتاج إليه الاُمّة إلى يوم القيامة ، فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله وخطّ يدي ، حتّى أرش الخدش .

2 ـ ما في احتجاجه(عليه السلام) على الزنديق من أنّه أتى بالكتاب كملاً مشتملاً على التأويل والتنزيل ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك .

3 ـ ما رواه في الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه غير الأوصياء .

ــ[309]ــ

4 ـ ما رواه فيه أيضاً بإسناده عن جابر ، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: ما ادّعى أحد من الناس انّه جمع القرآن كلّه كما اُنزل إلاّ كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب ، والأئمّة من بعده(عليهم السلام) .

5 ـ قوله(عليه السلام) في خبر عبد خير: أقسمت أن لا أدع ردائي عن ظهري حتّى أجمع ما بين اللّوحين ، فما وضعت ردائي حتّى جمعت القرآن .

6 ـ قوله(عليه السلام) في خبر ابن الفريس: رأيت كتاب الله يُزاد فيه فحدّثت نفسي أن لا ألبس ردائي للصلاة حتّى أجمعه .

7 ـ قوله(عليه السلام) في رواية ابن شهرآشوب بعدما جمع القرآن وجاء إليهم ، ووضع الكتاب بينهم انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّي مخلف فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وهذا الكتاب وأنا العترة» .

8 ـ غير ذلك من الروايات الكثيرة الواردة في هذا الباب الدالّة على اختصاصه(عليه السلام) بمصحف مخصوص كان مغايراً للمصاحف الاُخرى ، وحيث إنّ عليّاً(عليه السلام) مع الحقّ والحقّ معه ، فاللاّزم الالتزام بوقوع التحريف في القرآن الموجود لا محالة وهو المدّعى .

والجواب:

إنّ مغايرة مصحفه لتلك المصاحف من حيث ترتيب السور فالظاهر انّها مورد للاطمئنان ، لو لم تكن مقطوعاً بها .

وقد ذكر السيوطي في «الاتقان» انّ ترتيبه على نحو النزول كان أوّله اقرأ ثمّ المدّثر ، ثمّ المزّمل ، ثمّ تبّت ، ثمّ الكوثر ، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني .

وحكي عن ابن سيرين في جمعه(عليه السلام) انّه قال: بلغني انّه كتبه على تنزيله ولو

ــ[310]ــ

اُصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير ، والمحكيّ عن فهرست ابن النديم ترتيب آخر غير ترتيب النزول .

وبالجملة: فالمغايرة من حيث ترتيب السور ممّا لا يقدح أصلاً ، لعدم ثبوت كون ترتيب السور توقيفيّاً أوّلاً ، وعدم كون المخالفة في الترتيب ـ على فرض التوفيقيّة ـ بقادحة ثانياً .

امّا عدم ثبوت كون ترتيب السور توفيقيّاً فهو الذي ذهب إليه جمهورهم وزعموا أنّ الموجود إنّما هو باجتهاد من الصحابة ، وإن خالف فيه بعضهم كالزركشي والكرماني وبعض آخر .

قال البغوي في شرح السنّة على ما حكى عنه في الاتقان: «الصحابة جمعوا بين الدّفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئاً خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من غير ان قدّموا شئياً أو أخّروه ، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يلقّن أصحابه ويعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبرئيل إيّاه على ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية انّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا ، فثبت أنّ سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه ، فإنّ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله الله جملةً إلى السماء الدُّنيا ثمّ كان ينزله مفرّقاً عند الحاجة ، وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة» .

وعن ابن الحصّار انّه قال: «ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنّما كان بالوحي ، كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا ، وقد حصل

ــ[311]ــ

اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف» .

وبالجملة فهذه مسألة خلافية ، وإن كان التعبير بـ «الكتاب» الظاهر في النظم والترتيب من جميع الجهات ، في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده ، وانقسام السور بالأقسام الأربعة: الطوال ، والمئون ، والمثاني ، والمفصّل ، في عصره أيضاً كما عرفت سابقاً ، وبعض الاُمور الاُخر كالتعبير عن السورة الاُولى بـ «فاتحة الكتاب» ربما يؤيّد كون الترتيب أيضاً بتوقيف من الرسول ، وبأمر من جبرئيل ، ولعلّه لذلك لم يكتب ابن مسعود ـ على ما نسب إليه ـ في مصحفه المعوّذتين وكان يقول: إنّهما ليستا من القرآن وإنّما نزل بهما جبرئيل تعويذاً للحسنين(عليهما السلام) ، وذلك لما رآه من وقوعهما في آخر القرآن فزعم انّهما لا تكونان منه ، وإن كان بطلان هذا الزعم لا يحتاج إلى إقامة الدليل بعد افتقار ثبوت القرآن إلى التواتر ووجوده في السورتين أيضاً ـ كما مرّ سابقاًـ .

وأمّا عدم كون المخالفة في الترتيب بقادحة فواضح ، ضرورة أنّ النزاع ليس في الاختلاف في ترتيب السور بوجه ، بل في كون القرآن الموجود ناقصاً عن مصحف عليّ(عليه السلام) في مقدار ممّا نزل بعنوان القرآن .

وامّا ترتيب الآيات فقد عرفت انّه كان بتوقيف من الرسول وبأمر من جبرئيل ويؤيّده التعبير بـ «السورة» التي معناها مجموعة آيات متعدّدة مترتّبة مشتملة على غرض واحد أو أغراض متعدّدة مرتبطة ، في نفس الكتاب العزيز في مواضع متكثّرة سيّما الآيات الواقعة في مقام التحدّي ، وكذا في لسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) والأحكام المترتّبة على السورة كوجوب قراءتها في الصلاة الفريضة

ــ[312]ــ

بعد حكاية الفاتحة أو استحبابها ومثل ذلك لا يلائم مع تفرّق الآيات وعدم وضوح كون كلّ واحدة منها جزء من أجزاء السورة التي هي جزء لها كما لا يخفى .

نعم ، ذكر بعض الأعلام في تفسيره المعروف بـ «الميزان»: انّ وقوع بعض الآيات القرآنية التي نزلت متفرّقة موقعها الذي هي فيه الآن ، لم يخل عن مداخلة من الصحابة بالاجتهاد ، وانّ رواية عثمان بن أبي العاص عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أتاني جبرئيل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة: )انّ الله يأمر بالعدل والإحسان . . .( لا تدلّ على أزيد من فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الآيات في الجملة لا بالجملة .

واستدلّ على ذلك بالروايات المستفيضة الواردة من طرق الشيعة وأهل السنّة انّ النبيّ والمؤمنين إنّما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة كما رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والبزاز من طريق سعيد بن جبير ـ على ما في «الإتقان» .

عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرف فصل السورة حتّى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم ، وزاد البزاز: فإذا نزلت عرف أنّ السورة قد خُتمت واستقبلت أو ابتدأت سورة اُخرى ، وغير ذلك من الروايات الواردة من طرقهم وطرقنا عن الباقر(عليه السلام) وهي صريحة في دلالتها على أنّ الآيات كانت مرتّبة عند النبيّ بحسب ترتيب النزول فكانت المكّيات في السور المكّية والمدنيّات في سور مدنيّة ، إلاّ أن تفرض سورة نزل بعضها بمكّة وبعضها بالمدينة ، ولا يتحقّق هذا الفرض إلاّ في سورة واحدة ، ولازم ذلك أن يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستنداً إلى اجتهاد الصحابة» انتهى ملخّص موضع الحاجة من كلامه أدام الله أيّامه .

ــ[313]ــ

ويرد عليه: انّ رواية عثمان بن أبي العاص وإن كان بظاهرها لا يدلّ على العموم والشمول إلاّ أنّه يستفاد منها ذلك بعد ملاحظة انّه لا خصوصيّة لموردها خصوصاً بعدما ذكرنا من الجهات التي ترجع إلى كون الآيات مرتّبة في عهده وبيده(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والروايات الدالّة على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين إنّما كانوا يعلمون تمام السورة بنزول البسملة لا تنافي صدور الأمر أحياناً بوضع آية كذا في السورة الفلانية فإنّ كون العلم بتمام السورة متوقّفاً على نزول البسملة لا دلالة فيه على عدم إمكان وضع آية فيها بأمر من جبرئيل أصلاً .

ويؤيّده أنّه لو كان ترتيب النزول معلوماً عند الصحابة ـ كما هو المفروض ـ لكان الاعتبار يساعد على كون الترتيب بهذه الكيفيّة ولا مجال ـ على هذا التقديرـ لإدخال الآية المدنيّة في السور المكّية أو بالعكس بمجرّد الظنّ بالتلائم والتناسب بين المطالب فإنّ مجرّد ذلك لا يقاوم الترتيب وتشكيل السور من الآيات التي هي جزء لها لم يكن مستنداً إلى اجتهاد واستنباط ونظر وتفكّر أصلاً .

وبالجملة: ما تقدّم من الأدلّة المثبتة لكون القرآن مجموعاً في عهد النبيّ وبيده(صلى الله عليه وآله وسلم) ومرتّباً مؤلّفاً في زمنه إن لم يكن مثبتاً لكون ترتيب السور أيضاً بأمره ونظره فلا أقلّ من إثباتها لكون ترتيب الآيات وتشكيل السور كذلك ضرورة أنّ له المدخلية الكاملة في ترتّب غرض الكتاب وحصول الغاية المقصودة لأنّ المطالب المتفرّقة المتشتّتة لا تفي بتحقّق الغرض ، فالدليل على ترتيب الآيات هو الدليل المتقدّم على تحقّق الجمع في عهد النبيّ وبيده(صلى الله عليه وآله وسلم) .

هذا كلّه فيما يتعلّق بمغايرة مصحف عليّ(عليه السلام) مع سائر المصاحف من جهة الترتيب بين السور ، نعم لا ينبغي الارتياب في عدم اختصاص المغايرة بهذا المقدار

ــ[314]ــ

بل الظاهر ثبوت المغايرة أيضاً من حيث اشتماله على إضافات وزوائد لا تكون فيها أصلاً .

لكنّ الظاهر أنّ تلك الإضافات والزوائد لا تكون جزء للقرآن ، وإطلاق «التنزيل» عليها لا يدلّ على كونها من القرآن لعدم اختصاص هذا الوصف بالقرآن وكان المعمول نزول بعض الاُمور بعنوان التوضيح والتفسير للقرآن وكان بعض الكتّاب يكتبه مع القرآن من دون علامة ، لكونهم آمنين من الالتباس ، ولأجله حكي أنّ ابن مسعود قرأ وأثبت في مصحفه: «ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربّكم في موسم الحجّ» .

وحكي عن ابن الجزري أنّه قال: ربما يدخلون التفسير في القراءات ، إيضاحاً وبياناً لأنّهم محقّقون لما تلقّوه عن النبيّ قرآناً فهم آمنون من الالتباس ، وربما كان بعضهم يكتبه معه .

وحينئذ فالظاهر أنّ الإضافات الواقعة في مصحف عليّ(عليه السلام) كانت من هذا القبيل وانّ امتيازه إنّما هو من جهة اشتماله على جميع ما نزل بهذا العنوان من دون أن يشذّ عنه شيء ، وهذا بخلاف سائر المصاحف ، ويؤيّده التأمّل في بعض الروايات المتقدّمة الواردة في هذا الشأن الدالّ على أنّ التنزيل والتأويل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ كلّها كان عند عليّ(عليه السلام) فأين الدلالة على اشتماله على مقدار ممّا نزل بعنوان القرآن ولا يكون موجوداً في المصحف الفعلي كما هو واضح .

ــ[315]ــ

 

 

 

الشبهة الرابعة

 

الروايات الكثيرة الواردة في هذا الباب وادّعي تواترها ، وهي وإن كان أكثرها ضعيفاً من حيث السند لأجل اشتماله على أحمد بن محمّد السيّاري الذي اتّفق على فساد مذهبه واتّصافه بالوضع والجعل ، أو على عليّ بن أحمد الكوفي الذي حكى عن علماء الرجال في حقّه انّه فاسد المذهب وانّه كذّاب ، إلاّ أنّ دعوى التواتر الإجمالي فيها الذي مرجعه إلى العلم الإجمالي بصدور بعضها لا تنبغي المناقشة فيها ، ولكن لابدّ من ملاحظتها ليظهر حالها من حيث الدلالة على القول بالتحريف وانطباقها على مدّعى القائل به ، فنقول: هذه الروايات على طوائف مختلفة:

الطائفة الاُولى:

ما تدلّ على وقوع التحريف بعنوانه أو التغيير والتبديل وما يشابهها من العناوين وهي كثيرة:

1 ـ ما رواه الشيخ الكشّي في أوّل رجاله ـ على ما حُكي عنه ـ عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير قالا: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الرازي قال: حدّثني عليّ بن حبيب المدائني ، عن عليّ بن سويد السائي قال: كتب إليّ أبو الحسن الأوّل(عليه السلام) وهو في السجن: وأمّا ما ذكرت يا عليّ ممّن تأخذ معالم دينك ، لا تأخذنّ معالم دينك عن

ــ[316]ــ

غير شيعتنا فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم ، انّهم ائتمنوا على كتاب الله عزّوجلّ فحرّفوه وبدّلوه فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته ولعنة آبائي الكرام البررة ولعنتي ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة .

2 ـ ما عن عليّ بن إبراهيم القمّي ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبي الجارود ، عن عمران بن هيثم ، عن مالك بن حمزة ، عن أبي ذرّ قال: لمّا نزلت هذه الآية )يوم تبيض وجوه وتسودّ وجوه( قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ترد عليَّ اُمّتي يوم القيامة على خمس رايات ، فراية مع عجل هذه الاُمّة فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفناه ونبذناه وراء ظهورنا ، وأمّا الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه فأقول: ردّوا إلى النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد عَليّ راية فرعون هذه الاُمّة فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفناه ومزّقناه وخالفناه ، وأمّا الأصغر فعاديناه وقاتلناه ، فأقول لهم: ردّوا إلى النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد عليَّ راية مع سامريّ هذه الاُمّة فأقول لهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فعصيناه وتركناه ، وأمّا الأصغر فخذلناه وضيّعناه وصنعنا به كلّ قبيح ، فأقول: ردّوا إلى النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد عَليّ راية ذي الثدية مع أوّل الخوارج وآخرهم فأسألهم ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فمزّقناه وبرئنا منه ، وأمّا الأصغر فقاتلناه وقتلناه ، فأقول لهم: ردّوا إلى النار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم .

ثمّ ترد عليَّ راية مع إمام المتّقين وسيِّد الوصيّين وقائد الغرّ المحجّلين ووصيّ

ــ[317]ــ

رسول ربّ العالمين فأقول لهم: ماذا فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فاتّبعناه ، وأمّا الأصغر فأحببناه وواليناه وأردناه ونصرناه حتّى اُهريقت فيهم دماؤنا ، فأقول لهم: ردّوا إلى الجنّة روى مرويّين مبيضّة وجوهكم ، ثمّ تلا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): )يوم تبيضّ وجوه( الآية .

3 ـ ما رواه سعد بن عبدالله القمّي في محكي بصائره على ما نقله عنه الشيخ حسن بن سليمان الحلّي في محكي منتخبه ، عن القاسم بن محمّد الاصفهاني ، عن سليمان بن داود المنقري ، عن يحيى بن آدم ، عن شريك بن عبدالله ، عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى فقال: يا أيّها الناس انّي تارك فيكم الثقلين امّا إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا كتاب الله وعترتي ، والكعبة البيت الحرام ، ثمّ قال أبو جعفر(عليه السلام): أمّا كتاب الله فحرّفوا وأمّا الكعبة فهدّموا وامّا العترة فقتلوا ، وكلّ ودائع الله قد نبذوا ، ومنها قد تبرّؤوا .

4 ـ ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن جابر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف والمسجد والعترة ، يقول المصحف: ياربّ حرّفوني ومزّقوني ، ويقول المسجد ، ياربّ عطّلوني وضيّعوني ، وتقول العترة: ياربّ قتلونا وطردونا وشرّدونا .

5 ـ ما رواه الشيخ جعفر بن محمّد بن قولويه في محكي «كامل الزيارة» ، عن محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن ابن أبي نجران ، عن يزيدبن إسحاق ، عن الحسن بن عطيّة ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إذا دخلت الحائر فقل إلى قوله(عليه السلام): اللّهم العن الذين بدّلوا دينك وكتابك وغيّروا سنّة نبيّك .

6 ـ ما رواه السيّد ابن طاووس في «مهج الدعوات» بإسناده إلى سعد بن

ــ[318]ــ

عبدالله في كتاب فضل الدّعاء عن أبي جعفر محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، عن الرضا(عليه السلام) ، وبكير بن صالح ، عن سليمان بن جعفر الجعفري ، عن الرضا(عليه السلام) قالا: دخلنا عليه وهو في سجدة الشكر فأطال السجود ثمّ رفع رأسه فقلنا له: أطلت السجود؟ فقال: من دعا في سجدة الشكر بهذا الدعاء كان كالرّامي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر قالا: قلنا: فنكتبه؟ قال: اكتبا إذا أنت سجدت سجدة الشكر فقل: اللّهم العن الذين بدّلا دينك إلى قوله(عليه السلام): وحرّفا كتابك .

7 ـ ما رواه ابن شهرآشوب في محكي «المناقب» بإسناده إلى عبدالله بن محمّدبن سليمان بن عبدالله بن الحسن ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عبدالله في خطبة أبي عبدالله(عليه السلام) يوم عاشوراء وفيها: «فإنّما أنتم من طواغيت الاُمّة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الاثام ومحرّفو الكتاب . . . الخطبة» .

قال المحدّث المعاصر ـ بعد نقل هذه الرواية ـ: «ونسبته(عليه السلام) التحريف إليهم مع كونه من فعل أسلافهم كنسبة قتل الأنبياء إلى اليهود المعاصرين لجدّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن العظيم لرضاهم جميعاً بما فعلوه واقتفائهم بآثارهم ، واقتدائهم بسيرتهم» .

8 ـ ما رواه السيّد ابن طاووس في «مصباح الزائر» ومحمّد بن المشهدي في مزاره ـ كما في البحار ـ عن الأئمّة(عليهم السلام) في زيارة جامعة طويلة معروفة ، وفيها في ذكر ما حدث بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «وعقّت سلمانها وطردت مقدادها ونفت جندبها وفتقت بطن عمّارها ، وحرّفت القرآن وبدّلت الأحكام» .

مناقشة الطائفة الاُولى:

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة: انّ المراد بالتحريف وما يشابهه من العناوين المذكورة في هذه الطائفة ليس هو التحريف بالمعنى المتنازع فيه وهو

ــ[319]ــ

تنقيص الكتاب وحذف بعض آياته وكلماته بل المراد به ـ كما عرفت في أوّل البحث في معاني التحريف وإطلاقاته ـ هو حمل الآيات على غير معانيها وإنكار فضائل أهل البيت ونصب العداوة لهم وقتالهم وهضم حقوقهم .

والدليل على ذلك ـ مضافاً إلى ظهور الروايات بنفسها في أنّ المراد بالتحريف غير ما يدّعيه القائل به ، وإلى أنّ عدم ظهوره في ذلك يكفي لعدم صحّة الاستدلال لقيام الاحتمال المنافي له ـ دلالة كثير من هذه الروايات على إسناد التحريف إلى جميع الناس الذين لم يكونوا تابعين للعترة وقائلين بإمامتهم وولايتهم ، مع أنّ التحريف الذي هو محلّ البحث إنّما وقع ـ على تقدير وقوعه ـ في زمن الخلفاء قبل أمير المؤمنين(عليه السلام) لما مرّ سابقاً من أنّ القائل بالتحريف لا يدّعي وقوعه بعده إلاّ الشاذ منهم ، وحينئذ يقع الكلام في أنّ التحريف الواقع في زمان مخصوص من أشخاص معدودين كيف يصحّ إسناده إلى جميع الناس غير الشيعة ، والحكم بأنّه إذا تعدّيت الشيعة لأخذ معالم الدين أخذت دينك من المحرّفين الذين خانوا الله ورسوله ، وكيف يصحّ الخطاب إليهم ـ كما في خطبته يوم عاشوراء ـ بأنّكم محرّفو الكتاب ، وكيف سكتوا في مقابل هذا الكلام ولم يعترضوا عليه(عليه السلام) .

وما ذكره المحدّث المعاصر وجهاً لصحّة الاسناد من رضاهم جميعاً بما فعله أسلافهم واقتفائهم لآثارهم واقتدائهم بسيرتهم واضح الفساد ضرورة أنّه هل يرضى مسلم معتقد بأساس الإسلام وناظر بالكتاب العزيز بعنوان الوحي الإلهي والمعجزة الوحيدة الخالدة للنبوّة والرسالة بأن يقع فيه التحريف؟! وهل يقتدي بسيرة المحرّف ويقتفي أثره في هذه الجهة ، ومجرّد الاعتقاد بخلافة المحرّف لا يوجب الرضا بعمله والخضوع في مقابل فعله ، بل وهل يجتمع الاعتقاد بالخلافة مع

ــ[320]ــ

الاعتقاد بأنّه المحرّف والمغيّر ، بل وهل يرضى القائل بخلافته بإسناد التحريف ونسبته إليه فهذه كتبهم بين أيدينا تنادي بأعلى الصوت وتصرّح بأعلى مراتب الصراحة بكذب هذه النسبة ونفي وقوع التحريف منه ومن غيره ، ومع ذلك هل يصحّ إسناد التحريف إلى جميع القائلين بخلافته مستنداً إلى رضاهم بذلك .

سلّمنا وقوع التحريف منه فهل تصحّ نسبة عمل قبيح صادر من إمام قوم إلى جميع أفراد ذلك القوم مع عدم اطّلاعهم على وقوعه منه وعدم ارتكابهم إيّاه وعدم رضاهم بذلك ، ولعمري انّ هذا من الوضوح بمكان ، فلا محيص عن حمل التحريف الواقع في هذه الروايات المسندة إلى غير الشيعة على ما ذكرنا من حمل الآيات على غير معانيها ، وإنكار فضل أهل البيت وعدم الالتزام بإمامتهم والاقتداء بسيرتهم فلا مساس لهذه الطائفة من الروايات بمرام المستدلّ أصلاً .

الطائفة الثانية:

الروايات التي تدلّ على أنّه قد ذكر في بعض آيات الكتاب اسم أمير المؤمنين(عليه السلام) والأئمّة المعصومين من ولده(عليه السلام) وهذه الطائفة أيضاً كثيرة:

1 ـ ما رواه في الكافي بإسناده عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: ولاية عليّ بن أبي طالب مكتوب في جميع صحف الأنبياء ، ولن يبعث الله رسولاً إلاّ بنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وولاية وصيّه(عليه السلام) .

2 ـ رواية سيف بن عميرة عن غير واحد ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) أنّه قال: لو ترك القرآن كما اُنزل لألفينا فيه مسمّين كما سمّي من كان قبلنا .

3 ـ ما رواه في الكافي أيضاً عن عليّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن منخل ، عن جابر ، عن أبي

ــ[321]ــ

جعفر(عليه السلام) قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا: «وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا في عليّ فأتوا بسورة من مثله» .

4 ـ ما رواه فيه أيضاً عن أحمد بن مهران ، عن عبد العظيم الحسني ، عن محمّدبن الفضل ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)هكذا: «فبدّل الذين ظلموا آل محمّد حقّهم قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا آل محمّد حقّهم رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون» .

5 ـ ما رواه فيه أيضاً عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد وعليّ بن إبراهيم ، عن أبيه جميعاً ، عن ابن محبوب ، عن ابن حمزة ، عن أبي يحيى ، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: نزل القرآن أثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا وثلث سنن وأمثال ، وثلث فرائض وأحكام .

6 ـ رواية أبي بصير ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا وربع في عدوّنا وربع سنن وأمثال وربع فرائض وأحكام .

ومنها غير ذلك من الروايات الواردة بهذا المضمون .

مناقشة الطائفة الثانية

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة ـ مضافاً إلى عدم دلالة بعضها على كون الاسم مذكوراً في الكتاب بالصراحة فإنّ اشتمال جميع صحف الأنبياء ومنها القرآن على ولاية أمير المؤمنين ـ عليه أفضل صلوات المصلّين ـ كما في الرواية الاُولى لا دلالة فيه على ذكر الاسم والتعرّض له صريحاً وهو غير خفيّ ، كما أنّ نزول القرآن ثلثه أو ربعه في الأئمّة(عليهم السلام) ليس معناه التعرّض لأساميهم المقدّسة والتصريح بعناوينهم الشريفة ، بل المراد هو الاشتمال على فضائلهم ومدائحهم

ــ[322]ــ

بالعناوين التي هم أظهر مصاديقها وأكمل أفرادها ، كما أنّ اشتماله على قدح أعدائهم لا يرجع إلى ذكرهم بأسمائهم بل إلى ذكرهم بالعناوين التي لا تنطبق إلاّ عليهم ولا يصدق على من سواهم ـ كما هو ظاهر ـ انّ الظاهر أنّ المراد بالتنزيل والنزول ليس هو التنزيل بعنوان القرآنية بل بعنوان التفسير والتوضيح له لما مرّ في ذكر مصحف أمير المؤمنين(عليه السلام) من أنّ اشتماله على جميع ما نزل ، لا دلالة فيه على كونه قرآناً بأجمعه بل كان امتيازه من بين سائر المصاحف لأجل اشتماله على جميع ما نزل بعنوان التفسير والتأويل من دون أن يشذّ عنه شيء بخلاف سائر المصاحف .

وعليه فالظاهر أنّ اسمه المبارك والأسامي الشريفة للأئمّة من ولده ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ كان مذكوراً في مقام بيان المراد والشرح والتوضيح لا بعنوان القرآنية .

ويؤيّده ـ بل يدلّ عليه ـ انّه لو كان اسمه مصرّحاً به في القرآن ، ولا محالة يكون التصريح به مقروناً بمدحه والتعرّض لولايته وخلافته لكان اللاّزم الاستدلال به في مقام الاحتجاج على خلافته وولايته من دون فرق بين أن يكون الاستدلال صادراً من نفسه الشريفة أو من غيره ممّن يتولاّه ويعتقد بولايته ، مع أنّ الاحتجاجات مضبوطة وليس في شيء منها الاحتجاج بالكتاب بهذا النحو المشتمل على وقوع التصريح باسمه وخلافته كما يظهر لمن راجعها .

مضافاً إلى أنّ حديث «الغدير» وقصّته الشريفة صريح في أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما نصب عليّاً(عليه السلام) بأمر الله بتلك الكيفيّة المعروفة المشتملة على أنّ النبيّ إنّما كان له خوف من ذلك ووعده الله أن يعصمه من الناس وأكّده بأنّه إن لم يفعل ما بلّغ رسالته ، ولأجله جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الناس في اليوم المعروف في وسط الطريق

ــ[323]ــ

لأجل إظهار الولاية وتبليغ الخلافة وتعيين الوصاية ، ولو كان اسم عليّ(عليه السلام) مذكوراً في القرآن ولا محالة كان ذلك بعنوان الولاية والإمارة لما كان حاجة إلى أصل النّصب ولما كان وجه لخوف الرسول ، ولما كان لمكث الناس وجمعهم في وسط الطريق مع كثرتهم جدّاً أثر أصلاً .

كلّ ذلك دليل قطعي على عدم كون موضوع الولاية معلوماً عند المسلمين وعدم كون إمارة عليّ(عليه السلام) معروفة لديهم لأجل عدم اشتمال القرآن على ذلك ـ صريحاًـ وعدم التعرّض لاسمه ـ قطعاً ـ خصوصاً مع ملاحظة أنّ قصّة الغدير إنّما وقعت في أواخر عمر النبيّ في الرجوع عن حجّة الوداع وفي ذلك الزمان قد نزلت عامّة القرآن وشاع بين المسلمين .

وبالجملة: فنفس حديث الغدير ـ الذي لا مجال للخدشة فيه وهو المسلّم عند القائل بالتحريف أيضاً ـ دليل قطعي على عدم اشتمال القرآن على التصريح بالولاية لعليّ(عليه السلام) بحيث لم يكن معه حاجة إلى النصب كما هو واضح .

هذا مضافاً إلى دلالة الروايات المتواترة على وجوب عرض الروايات المنسوبة إليهم(عليهم السلام) المنقولة عنهم ، على الكتاب والسنّة وانّ ما خالف الكتاب يجب طرحه وانّهم لم يقولوا به ولم يصدر عنهم(عليهم السلام) ، ومن الواضح:

أوّلاً: أنّ المراد بالكتاب الذي يجب عرض الروايات عليه ليس هو الكتاب الذي لم يكن بأيدي الناس بل كان عند أهله ـ على فرض اختلافه مع القرآن الذي يكون بأيدي الناس كما يقول به القائل بالتحريف ـ ضرورة أنّ المأمور بالعرض على الكتاب هو عموم الناس والكتاب الذي أمروا بالعرض عليه هو الكتاب الذي يكون بأيديهم .

ــ[324]ــ

ثانياً: انّ أخبار العرض على الكتاب لا يختصّ موردها بخصوص الروايات الواردة في الأحكام الفرعية العمليّة لأنّه ـ مضافاً إلى عدم قرينته على الاختصاص ـ يدلّ عليه أنّ القرآن لا دلالة له على كثير من هذه الأحكام فكيف يكون الغرض من هذه الأخبار ـ على كثرتها ـ عرض خصوص الروايات الواردة في الفروع بل الظاهر العموم ، وحينئذ نقول:

إنّ هذه الطائفة من الروايات الدالّة على اشتمال القرآن على ذكر أسماء الأئمّة(عليهم السلام) مخالفة للكتاب فيجب طرحها وضربها على الجدار .

مع أنّ عمدتها هي ما رواه في الكافي عن جابر ، عن أبي جعفر(عليه السلام) وفيها قرينة واضحة على كذبها وعدم صدقها فإنّ ذكر عليّ(عليه السلام) في الآية التي كانت بصدد إثبات النبوّة وفي مقام التحدّي على الإتيان بمثل القرآن لا مناسبة له أصلاً ، ضرورة أنّ الغرض منها إثبات أصل النبوّة والسفارة وكون القرآن نازلاً من عند الله غير قابل للريب فيه وانّ البشر عاجز عن الإتيان بمثله فأيّ تناسب بين هذا الغرض وبين ذكر عليّ(عليه السلام) .

وبعبارة اُخرى: الريب الذي كانوا فيه هو الريب بالإضافة إلى جميع القرآن وتخيّل انّه غير مرتبط بالوحي الإلهي لا الريب في ما نزل في عليّ ، والتحدّي المناسب إنّما هو التحدّي على الإتيان بما يماثل القرآن ولا ملائمة بين الريب فيما نزل في عليّ وبين الإتيان بسورة مثل القرآن كما هو واضح .

ومع قطع النظر عن جميع الأجوبة المذكورة وتسليم ما استفاد المستدلّ من هذه الطائفة نقول: إنّها معارضة برواية صحيحة صريحة في خلافها وهي ما رواه في الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن قول الله تعالى: )وأطيعوا الله

ــ[325]ــ

وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم( قال: فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهم السلام) فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته في كتاب الله؟ قال(عليه السلام): فقولوا لهم: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر لهم ذلك . . . الحديث .

فإنّه يستفاد منه مفروغيّة عدم اشتمال القرآن على اسم عليّ والأئمّة من ولده(عليهم السلام) بين السائل والإمام وكان غرض السائل استفهام العلّة والسؤال عن نكتة عدم الاشتمال وعدم التسمية ، وعليه فهذه الرواية حاكمة على الروايات المتقدّمة ومبيّنة للمراد منها وانّ الغرض من الاشتمال ليس هو التصريح بالاسم بعنوان القرآنية بل بعنوان التفسير والتأويل ، ولو أبيت عن الحكومة وقلت بالمعارضة يكفي ذلك لسقوط الاستدلال وأن لا يكون للتمسّك بهذه الطائفة مجال ، فهل مع ذلك يبقى الشكّ والإشكال .

الطائفة الثالثة:

الروايات الدالّة على ذكر أسامي أشخاص اُخر في القرآن وانّ المحرّفين حذفوها وأبقوا من بينها اسم أبي لهب:

1 ـ ما في محكيّ غيبة النعماني عن أحمد بن هوذة عن النهاوندي ، عن عبدالله بن حمّاد ، عن صباح المزني ، عن الحرث بن المغيرة ، عن أصبغ بن نباتة قال: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول: كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما اُنزل ، قلت: يا أمير المؤمنين أوليس هو كما اُنزل؟ فقال: لا ، محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك أبو لهب إلاّ للازراء على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّه عمّه .

ــ[326]ــ

2 ـ ما رواه الشيخ أبو عمر والكشّي في محكيّ راله في ترجمة أبي الخطّاب ، عن أبي خلف بن حمّاد ، عن أبي محمّد الحسن بن طلحة ، عن ابن فضّال ، عن يونس بن يعقوب ، عن بريد العجلي ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: أنزل الله في القرآن سبعة بأسمائهم فمحت قريش سبعة وتركوا أبا لهب .

3 ـ ما رواه في الكافي عن علي بن محمد ، عن بعض أصحابه ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبو الحسن(عليه السلام) مصحفاً وقال: لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه )لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب( فوجدت فيها اسم سبعين من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم قال: فبعث إليّ أبو الحسن(عليه السلام): ابعث إليّ بالمصحف .

مناقشة الطائفة الثالثة

والجواب عن هذه الطائفة ـ مضافاً إلى عدم تماميّة شيء منها من حيث السند لأجل الضعف أو الإرسال ، وإلى ثبوت المعارضة والمنافاة بين أنفسها ، ولا يدفعها ما ذكره المحدّث المعاصر من عدم حجّية مفهوم العدد ، ولعلّ الاقتصار على السبعة في رواية بريد لعدم تحمّل السامع أزيد منها فانّهم كانوا يكلّمون الناس على قدر عقولهم لوضوح بطلان الدفع ، وإلى مخالفتها للكتاب فيشملها الأخبار الدالّة على العرض على الكتاب وانّ ما خالفه باطل أو زخرف بالتقريب المتقدّم في الطائفة السابقة ـ انّ ملاحظة مضامينها تشهد بكذبها ضرورة انّ ترك أبي لهب لا مساس له بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ مجرّد العمومة ما لم يكن اشتراك في التوحيد والنبوّة لا يترتّب عليها شيء من التوقير والحرمة مضافاً إلى أنّ الرواية الاُولى مشعرة بأنّه كان المناسب محو اسم أبي لهب أيضاً ولا يتوهّم في الإمام(عليه السلام) مثل ذلك بوجه . والرواية الثانية صدرها مناقض لذيلها لأنّ صدرها يدلّ على أنّه أنزل الله في القرآن سبعة

ــ[327]ــ

بأسمائهم والذيل يدلّ على محو السبعة جميعاً وترك أبي لهب فهو يدلّ على كون المجموع ثمانية وليس قوله(عليه السلام): وتركوا أبا لهب ، بمنزلة الاستثناء عن محو السبعة كما لا يخفى ، والرواية الثالثة لا دلالة فيها على كون اسم سبعين من قريش بعنوان الجزئية للقرآن مع أنّ تصريح الراوي بمخالفة نهي الإمام عن النظر فيه يوجب سقوط روايته عن الاعتماد ، كما أنّ الظاهر من الرواية انّ دفع الإمام المصحف إليه إنّما هو لأجل أن يرى فيه ما رأى ولا يجتمع ذلك مع النهي عن النظر فتدبّر ، وكيف كان فالاعتماد على هذه الطائفة مع ملاحظة ما ذكرنا لا يتحقّق من الطالب المنصف البعيد عن التعصّب والتابع للدليل والبرهان .

الطائفة الرابعة:

الروايات الدالّة على أنّه قد غيّر بعض كلمات الكتاب العزيز بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ووضع مكانه بعض آخر ففي الحقيقة تدلّ على وقوع الزيادة والنقيصة معاً; الزيادة من جهة الوضع والنقيصة من ناحية الحذف .

1 ـ ما رواه عليّ بن إبراهيم القمّي في محكيّ تفسيره عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) انّه قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالّين .

2 ـ ما عن العيّاشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن قوله تعالى: )انّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران( قال: هو آل إبراهيم وآل محمّد على العالمين فوضعوا اسماً مكان اسم .

3 ـ ما رواه حريز عن أبي عبدالله(عليه السلام) انّه قرأ: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء ، وما كانوا أذلّة ورسول الله فيهم عليه وعلى آله الصلاة والسلام .

ــ[328]ــ

4 ـ ما رواه محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا قال: تلوت بين يديّ أبي عبدالله(عليه السلام) هذه الآية: )ليس لك من الأمر شيء( فقال: بلى ، وشيء وهل الأمر كلّه إلاّ له(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّها نزلت: «ليس لك من الأمر إن تبت عليهم أو تعذّبهم فإنّهم ظالمون» وكيف لا يكون من الأمر شيء والله عزّوجلّ يقول: )ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( وقال عزّوجلّ: )ومن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولّى فما أرسلناك عليهم حفيظاً ان عليك إلاّ البلاغ( .

ومنها غير ذلك من الروايات الواردة الدالّة على وقوع التغيير وحذف شيء ووضع آخر مكانه .

مناقشة الطائفة الرابعة

والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة ـ مضافاً إلى اختلال سند أكثرها وإلى مخالفتها للكتاب وشمول أخبار العرض على الكتاب لها بالتقريب المتقدّم في الجواب عن الطائفة الثانية ـ انّها مخالفة للإجماع لانعقاده من المسلمين على عدم وقوع التحريف بالزيادة في القرآن بوجه وانّ الكتاب الموجود كلّه قرآن من دون زيادة حرف فيه أصلاً .

مضافاً إلى أنّ التغيير في مثل الآية الواقعة في الرواية الاُولى لا يترتّب عليه فائدة لأنّ الآية الأصلية ـ على هذا الفرض ـ لا تكون منافية لغرض المحرف ولا موجبة للإيراد على الكتاب من الجهات الأدبيّة وغيرها من الجهات ولا سبباً لتنقيص مقام النبيّ ، وعليه فيقع السؤال عن وجه التحريف وعلّة التغيير مع عدم ترتّب فائدة عليه أصلاً كما لا يخفى .

وإلى أنّ الآية الواقعة في الرواية الثالثة معناها عدم استقلال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في

ــ[329]ــ

شيء فإنّ مفاد «اللاّم» هو الاختصاص بمعنى الاستقلال كما في مثل قوله تعالى: )انّا لله وانّا إليه راجعون( ومع ثبوت الاستقلال لله وانحصاره به يصحّ نفيه عن غيره ولو كان نبيّاً فإنّ النبوّة لا تخرج النبيّ عن وصف الإمكان في مقابل الوجوب والممكن كما قد ثبت في محلّه ذاته الافتقار والاحتياج والربط والاتّصال وبلوغه إلى أعلى مراتب الكمال لا يغيّر ذاته ولا يوجب ثبوت وصف الاستقلال له ، وعليه فلا يبقى للإيراد على الآية مجال ولا منافاة بين هذه الآية وبين سائر الآيات المذكورة في الرواية الدالّة على وجوب الأخذ بما آتاه الرسول والانتهاء عمّا نهى عنه ولزوم الإطاعة له وانّ إطاعة الله تعالى ضرورة انّ جميع هذه الخصائص لا ينافي عدم الاستقلال بل ربما يؤيّده ويثبته لأنّ هذه الامتيازات من شؤون كونه رسولاً نبيّاً مبلِّغاً عن الله تعالى ومرتبطاً بمبدأ الوحي فكيف يجتمع مع الاستقلال فتأمّل حتّى لا يختلط عليك الأمر .

الطائفة الخامسة:

الروايات الدالّة على وقوع النقيصة في القرآن بتعبيرات مختلفة ومضامين متعدّدة ، فقسم منها يدلّ على أنّ عدد آيات الكتاب أزيد من العدد الموجود ، وقسم آخر على أنّ السورة الفلانية كان عدد آياتها أزيد ممّا هي عليه من العدد فعلاً ، وقسم ثالث على نقص الكلمة الفلانية عن الآية الفلانية ، أو الآية الفلانية عن السورة الفلانية ، في موارد كثيرة ومواضع متعدّدة .

فمن القسم الأوّل: ما رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل إلى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) سبعة عشر ألف آية .

ــ[330]ــ

ومن القسم الثاني: ما ذكره السيوطي في «الاتقان» ونقله عن أبي عبيد قال: حدّثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مأتي آية فلمّا كتب عثمان المصحف لم يقدر منها إلاّ ما هو الآن .

وما رواه أبو علي الفارسي في كتاب الحجّة كما نقله عنه الشيخ الطبرسي في مجمع البيان عن زر بن حبيش أنّ أُبيّاً قال له: كم تقرأون الأحزاب؟ قال: بضعاً وسبعين آية ، قال: قد قرأتها ونحن مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أطول من سورة البقرة .

ومن القسم الثالث: ما رواه الكليني ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن عليّ بن اسباط ، عن عليّ بن حمزة ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قوله عزّوجلّ: )واتبعوا ما تتلو الشياطين( بولاية الشياطين على ملك سليمان .

وما رواه السيّاري ، عن محمّد بن عليّ بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن عليّ بن يزيد ، عن جابر الجعفي ، عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قوله عزّوجلّ: وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله في عليّ قالوا نؤمن بما أنزل علينا .

وما رواه الكليني أيضاً ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن أحمد بن محمّد البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن منخل ، عن جابر ، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا: «بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله في عليّ بغياً» .

وما رواه السيّاري أيضاً عن يعقوب بن يزيد ، عن ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ: إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى في عليّ من بعدما بيّناه للناس ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون .

ــ[331]ــ

وما رواه العيّاشي عن أبي إسحاق ، عن أمير المؤمنين(عليه السلام): وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل بظلمه وسوء سريرته والله لا يحبّ الفساد .

وما رواه السيّد الأجلّ عليّ بن طاووس في «فلاح السائل»: رويت عن محمّدبن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: كتبت امرأة الحسن(عليهما السلام) مصحفاً فقال الحسن(عليه السلام) للكاتب لمّا بلغ هذه الآية: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا قانتين .

وما رواه الشيخ الطوسي(قدس سره) في «التهذيب» بإسناده عن يونس بن عبدالرحمن ، عن عبدالله بن سنان قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام) : الرجم في القرآن قوله تعالى: إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة فانّهما قضيا الشهوة .

وما ذكره الراغب الاصبهاني في «المحاضرات» من أنّه روى أنّ عمر قال: لولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لاثبتّ في المصحف فقد نزلت: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً لأمر الله والله شديد العقاب .

وغير ذلك من الروايات الكثيرة الواردة في هذا القسم .

مناقشة الطائفة الخامسة

أوّلاً: انّها بجميع أقسامها مخالفة للكتاب وقد أمرنا بالإعراض عنها وضربها على الجدار لأنّها زخرف وباطلة وقد تقدّم تقريب ذلك في الجواب عن الاستدلال بالطائفة الثانية فراجع .

مضافاً إلى ما ذكرنا في الجواب عن الاستدلال بالروايات الدالّة على اشتمال الكتاب على اسم عليّ والأئمّة من ولده ـ صلوات الله عليه وعليهم أجمعين ـ من

ــ[332]ــ

وجود قرائن قطعيّة كثيرة على عدم وقوع التصريح بأسمائهم المقدّسة في ألفاظ القرآن الكريم وآياته العزيزة وكلماته الشريفة .

وإلى ما ذكرناه في أوائل بحث التحريف في مقام الجواب عن توهّم كون حكم الرجم مذكوراً في الكتاب وانّه كانت هناك آية معروفة بآية الرجم رواها من لا حجّية لقوله ولا اعتبار لفعله إلاّ من جهة دلالتها على كون الحقّ في جانب الخلاف ، وفقدان الرشد والصواب في ناحية الوفاق .

وإلى معارضة ما دلّ منها على كون آيات الكتاب زائدة على المقدار الذي هو الآن ـ وهو القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة من هذه الطائفة ـ بما رواه الطبرسي عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) انّه قال: سألت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء إلى أن قال: ثمّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): جميع سور القرآن مائة وأربع عشر سورة ، وجميع آيات القرآن ستّة آلاف آية ومائتا آية وست وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف وواحد وعشرون ألف ومائتا وخمسون حرفاً .

وثانياً: اشتمال سند كثير من روايت هذه الطائفة على أحمد بن محمّد السيّاري الذي اتّفق على فساد مذهبه وكونه كاذباً جاعلاً ، وقد ادّعى بعض المتتبّعين انّه تتبّع روايات التحريف التي جمعها المحدّث المعاصر في كتابه الموضوع في هذا الباب فوجد اشتمال سند مائة وثمانين وثمانية منها على هذا الرجل الفاسد ، ومنه يمكن أن يقال بحصول الاطمئنان للإنسان بكون الرجل معانداً منافقاً أو مأموراً من قبل المعاندين على أن يجعل روايات كاذبة ويفتري على كتاب الله الذي هو المعجزة الوحيدة الخالدة لغرض تنقيصه وإسقاطه عن الاعتبار وإردافه بالإنجيل والتوراة

ــ[333]ــ

المحرّفين لئلا يبقى للمسلمين امتياز وخصوصيّة ولم يكن لهم لسان على اليهود والنصارى بكون كتابيهم غير معتبرين سيّما مع ملاحظة قلّة روايات الرجل في غير هذه المسألة من المسائل الفقهيّة والأحكام العمليّة ، ولا بأس بنقل عبارة بعض أئمّة علم الرجال في حقّ الرجل فنقول:

قال الشيخ(قدس سره) في محكيّ «الفهرست»: أحمد بن محمّد بن سيّار أبو عبدالله الكاتب بصري كان من كتّاب الطاهر في زمن أبي محمّد(عليه السلام) ويعرف بالسيّاري ، ضعيف الحديث ، فاسد المذهب ، مجفوّ الرواية ، كثير المراسيل وصنّف كتباً منها كتاب ثواب القرآن ، كتاب الطب ، كتاب القراءات ، كتاب النوادر ، أخبرنا بالنوادر خاصّة الحسين بن عبيدالله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا السيّاري إلاّ بما كان فيه من غلوّ أو تخليط ، وأخبرنا بالنوادر وغيره جماعة من أصحابنا منهم الثلاثة الذين ذكرناهم عن محمد بن أحمد بن داود قال: حدّثنا سلامة بن محمّد قال: حدّثنا عليّ بن محمّد الحنائي قال: حدّثنا السيّاري .

وقال النجاشي: أحمد بن محمّد بن سيّار أبو عبدالله الكاتب بصري كان من كتّاب آل طاهر في زمن أبي محمّد(عليه السلام) ويعرف بالسيّاري ضعيف الحديث ، فاسد المذهب ذكر ذلك لنا الحسين بن عبيدالله ، مجفوّ الرواية كثير المراسيل له كتب وقع إلينا منها كتاب ثواب القرآن ، كتاب الطبّ ، كتاب القراءات ، كتاب النوادر ، كتاب الغارات ، أخبرنا الحسين بن عبيدالله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى ، وأخبرنا أبو عبدالله القزويني قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه قال: حدّثنا السيّاري إلاّ ما كان من غلوّ أو تخليط .

ومع ذلك فقد رام المحدّث المعاصر إصلاح حاله واعتبار مقاله وحجّية روايته

ــ[334]ــ

نظراً:

إلى أنّ مستند التضعيف هو تضعيف الغضائري والمعروف ضعف تضعيفاته .

وإلى رواية شيخ القمّيين محمّد بن يحيى العطّار الثقة الجليل عنه .

وإلى اعتماد الكليني عليه حيث عبّر عنه ببعض أصحابنا الظاهر في مشايخ الإماميّة أو مشايخ أرباب الرواية والحديث المعتبرة رواياتهم .

وإلى ما ذكره الشيخ محمّد بن إدريس في آخر كتاب السرائر ممّا لفظه: «باب الزيادات وهو آخر أبواب هذا الكتاب ممّا استنزعته واستطرفته من كتب المشيخة المصنّفين والرواة المخلصين وستقف على أسمائهم إلى أن قال: ومن ذلك ما استطرفته من كتاب السيّاري واسمه أبو عبدالله صاحب موسى والرضا(عليهما السلام)» .

أقول: امّا كون مستند التضعيف هو قول الغضائري فقط فيردّه ما قاله المتتبّع الخبير في كتابه «قاموس الرجال» من أنّ هذا الرجل قد طعن فيه غير الكشّي والغضائري والفهرست والنجاشي: الشيخ في استبصاره ومحمّد بن عليّ بن محبوب على نقل الغضائري ، والحسين بن عبيدالله وأحمد بن محمّد بن يحيى ، ومحمّد بن يحيى على نقل الفهرست والنجاشي عنهم ، ونصر بن الصباح على نقل الكشّي وكذا باقي من في اسناده من طاهر الورّاق ، وجعفر بن أيّوب والشجاعي وإبراهيم بن حاجب ، وكذا القمّيون وهم ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح على نقل الغضائري هنا ونقل النجاشي والفهرست في محمّد بن أحمد بن يحيى .

وامّا رواية مثل شيخ القمّيين عنه فالجواب انّ روايته منحصرة بما كان خالياً من غلوّ وتخليط وكان هذا دأب القدماء في روايات الضعفاء حيث يعملون بسليمها ويعرضون عن سقيمها لوجود القرائن الكثيرة عندهم .

ــ[335]ــ

وامّا اعتماد الكليني عليه فيردّه:

أوّلاً: انّ التعبير بـ «بعض أصحابنا» ليس إلاّ في قبال كونه عامّياً ولا دلالة فيه على المدح واعتبار الرواية بوجه .

وثانياً: انّ الاعتماد إنّما هو بالإضافة إلى ما كان خالياً من الغلوّ والتخليط .

وثالثاً: انّه لا يقام تلك التصريحات الكثيرة الدالّة على قدح الرجل وضعف روايته وفساد مذهبه .

وامّا ما ذكره الحلّي في «المستطرفات» فيردّه ـ مضافاً إلى عدم دلالة عبارته على كون من يروي عنه فيها من الثقات والممدوحين:

أوّلاً: انّ هذا الرجل اسمه أحمد لا أبو عبدالله ، وبعض الناس وإن كانت كنيتهم اسمهم إلاّ انّ هذا الرجل ليس منهم .

وثانياً: انّه كان في زمن أبي محمّد(عليه السلام) كما عرفت التصريح به من الفهرست والنجاشي ولم يكن معاصراً لموسى والرضا(عليهما السلام) أصلاً .

وثالثاً: انّه على تقدير المعاصرة ، توصيفه بأنّه من أصحابهما واضح الفساد لأنّ الرجل مذموم قطعاً فكيف يكون صاحباً لهما(عليهما السلام)؟ وإذن فلا يبقى ارتياب في عدم جواز الاعتماد على رواية الرجل بوجه لو لم نقل بقيام القرينة التي عرفتها على كذبها .

وقد انقدح من جميع ما ذكرنا بطلان الاستدلال بالروايات الذي كان هو العمدة للقول بالتحريف لعدم تمامية الدلالة وعدم الاعتبار والحجّية .

ــ[336]ــ

 

 

 

الشبهة الخامس

 

للقائل بالتحريف ما سمّى ـ كما في كلام بعض ـ بدليل الاعتبار ، والغرض منه انّ الاعتبار يساعد على التحريف نظراً إلى أنّ ملاحظة بعض الآيات وعدم ارتباط أجزائها ـ صدرها وذيلها ، أو شرطها وجزائها ـ تشعر بل تدلّ على وقوع التحريف وتحقّق النقص بين الأجزاء لوضوح انّه لا يمكن الالتزام بعدم الارتباط بين أجزاء آية واحدة فعدمه يكشف ـ لا محالة ـ عن نقص كلمة أو جملة مصحّحة للارتباط ومكمّلة للتناسب بين الأجزاء والتلائم بين الصدر والذيل أو الشرط والجزاء .

ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: )وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم الاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى الاّ تعولوا( فإنّ خوف عدم رعاية القسط في اليتامى لا يرتبط بنكاح النساء وتعدّد الأزواج بوجه فلابدّ من الالتزام بوقوع السقط بين هذا الشرط والجزاء .

ويؤيّده ما رواه في الاحتجاج عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في جواب الزنديق الذي سأله عن ذلك قال(عليه السلام): وامّا ظهورك على تناكر قوله: فإن خفتم ألا تقسطوا الآية وليس يشبه القسط في اليتامى بنكاح النساء ، ولا كلّ النساء أيتاماً فهو ممّا قدّمنا ذكره من إسقاط المانعين من القرآن بين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من

ــ[337]ــ

الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن .

والجواب:

عن هذه الشبهة يظهر بالمراجعة إلى التفاسير فإنّه بسببها يظهر انّه لم ينقل عن أحد من المفسِّرين من الصدر الأوّل إلى الأزمنة المتأخّرة إنكار الارتباط في مثل الآية المذكورة ، وينبغي نقل ما أفاده الطبرسي في «مجمع البيان» في شأن نزول الآية وكيفيّة الارتباط بين صدرها وذيلها وشرطها وجزائها ممّا نقله عن أعلام المفسّرين فنقول: قال فيه:

«اختلف في سبب نزوله وكيفيّة نظم محصوله واتّصال فصوله على أقوال:

أحدها: انّها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليّها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها فنهوا أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسّطوا لهنّ في إكمال مهور أمثالهنّ ، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء إلى أربع ، عن عائشة ، وروى ذلك في تفسير أصحابنا وقالوا: إنّها متّصلة بقوله: )ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهنّ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاّئي لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ وترغبون أن تنكحوهنّ فإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى (الخ ، وبه قال الحسن والجبائي والمبرّد .

ثانيها: انّها نزلت في الرجل منهم كان يتزوّج الأربع أو الخمس أو الستّ والعشر ويقول: ما يمنعني أن أتزوّج كما يتزوّج فلان فإذا فنى ماله مالَ على مال اليتيم الذي في حجره فأنفقه ، فنهاهم الله عن أن يتجاوزوا الأربع لئلاّ يحتاجوا إلى أخذ مال اليتيم ، وإن خافوا ذلك مع الأربع أيضاً اقتصروا على واحدة ، عن ابن عبّاس وعكرمة .

ــ[338]ــ

ثالثها: انّهم كانوا يشدّدون في أموال اليتامى ولا يشدّدون في النساء ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهنّ فقال تعالى كما تخافون ألاّ تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء فانكحوا واحدة إلى أربع ، عن سعيد بن جبير والسدّي وقتادة والربيع والضحّاك ، وفي إحدى الروايتين عن ابن عبّاس .

رابعها: انّهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فقال سبحانه: إن تحرّجتم من ذلك فكذلك تحرّجوا من الزناء وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع ، عن مجاهد .

خامسها: ما قاله الحسن: إن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتيمة المربّاة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء ممّا أحلّ لكم من يتامى قرباتكم مثنى وثلاث ورباع ، وبه قال الجبائي وقال: الخطاب متوجّه إلى وليّ اليتيمة إذا أراد أن يتزوّجها .

سادسها: ما قاله الفرّاء: إن كنتم تتحرّجون عن مواكلة اليتامى فتحرّجوا من الجمع بين النساء وأن لا تعدلوا بين النساء ، ولا تتزوّجوا منهنّ إلاّ من تأمنون معه الجور . قال القاضي أبو عاصم: القول الأوّل أولى وأقرب إلى نظم الآية ولفظها» انتهى ما في مجمع البيان .

وقد ظهر لك من ذلك اتّفاق المفسِّرين من الصدر الأوّل على تحقّق الارتباط والاتّصال بين الشرط والجزاء في الآية الكريمة وإن اختلفوا في وجهه وبيان كيفيّته ولكن أصله مفروغ عنه عندهم .

ثمّ لو سلّم عدم إحاطتنا على الارتباط بينهما فهو لا يلازم القول بالتحريف فلِمَ لا تكون الآية حينئذ من المتشابهات التي يكون علمها عند أهلها الذين هم

ــ[339]ــ

الراسخون في العلم لعدم قيام دليل على كون الآية من المحكمات التي تتّضح دلالتها ويفهم مرادها كما لا يخفى .

فانقدح من جميع ذلك بطلان هذا الدليل الذي سُمّي بدليل الاعتبار بل الاعتبار يساعد بل يدلّ على عدم التحريف لما مرّ مراراً من أنّ القرآن هو المعجزة الخالدة الوحيدة ، وكان من حين النزول متّصفاً بهذه الصفة ، معروفاً بين المسلمين بهذه الجهة ، للتناسب بين استمرار الشريعة إلى يوم القيامة وبين كون المعجزة هو الكتاب الصالح للبقاء والقابل للدوام ، ومن الواضح في مثل ذلك الذي ليس له مثل ، اهتمام المسلمين بحفظه في الصدور والكتب ليبقى الدين ببقائه ، وتحفظ الشريعة في ظلِّه ، فكيف يمكن مع ذلك وصول يد التحريف إلى مقامه الشامخ وبلوغ الجناية إلى محلّه الرفيع ، بل وكيف يمكن مع حفظ الله الذي نزّله لغرض الهداية إلى يوم القيامة لجميع الاُمّة ، وكيف يرتضي المسلمون بذلك؟ فالاعتبار دليل قطعي على عدم التحريف .

وقد ظهر ـ بحمد الله ـ من جميع ما ذكرنا في هذا البحث انّ دعوى التحريف ـ بالمعنى الذي عرفت انّه محلّ البحث ومورد الكلام ـ مع أنّها مجرّد خيال ناش عن الاغترار بظواهر بعض الروايات من دون التأمّل في الدلالة والتتبّع والتفحّص في السند أو عن بعض الجهات الاُخر الذي مرّت الإشارة إليه ، قد قامت الأدلّة القاطعة والحجج الواضحة والبراهين الساطعة على بطلانها .

وهنا نختم البحث في هذه المسألة مع الاطمئنان بأنّه مع ملاحظة ما ذكرنا والدقّة فيه خالياً عن العناد والتعصّب مراعياً للمنطق والإنصاف لا يبقى شكّ ولا ارتياب وذلك لما عرفت من الأجوبة المتعدّدة الشافية الكافية عن الشبهات

ــ[340]ــ

الخمسة المتقدّمة ، مضافاً إلى الأدلّة السبعة القاطعة القائمة على عدم التحريف وبطلان هذا القول السخيف الذي يوجب تزلزل أساس الدين وتضعيف المسلمين من جهة وابتلاء الطائفة المحقّة والفرقة الناجية من الفرق المتعدّدة منهم بالافتراء والبهتان من جهة اُخرى ، وبتمام هذا البحث يتمّ البحث في باب ظواهر الكتاب وبتمام البحث فيها يتمّ البحث في الأمر الأوّل من الاُمور التي يبتني عليها التفسير ، وتعدّ اُصولاً له ، كما سبق البحث في الأمرين الآخرين .

وقد وقع الفراغ من تسويد هذه الأوراق بعد أن كانت النسخة الأصليّة باقية في السواد سنين بيد العبد المفتاق إلى رحمة ربّه الغنيّ محمّد الموحّدي اللنكراني الشهير بالفاضل ابن العلاّمة الفقيه الفقيد آية الله فاضل الموحّدي اللنكراني قدّس سرّه الشريف في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب المرجب من شهور سنة 1394 من الهجرة النبوية المصادف لمبعثه الشريف وتناسب المصادفة له لا يكاد يخفى فإنّ غرض هذا الكتاب إثبات إعجاز الكتاب العزيز وكونه هو المعجزة الوحيدة الباقية المحفوظة على ما كان من دون حدوث تغيير فيه وتحريف عليه وبقائه على غرضه من إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلى يوم القيامة وصلاحيّته للاستناد إليه والاستضاءة بنوره والاهتداء بهدايته وذلك كلّه هو الغرض من البعثة وثبوت النعمة العظيمة التي منَّ الله بها على المؤمنين ، مع أنّ الكريم لا يمنّ بإنعامه والعظيم لا ينظر إلى إعطائه ولكن الاعتناء بشأن هذه النعمة والاهتمام بها أوجب المنّة ، وفي الحقيقة المنّة بيان لعظمة النعمة ومفيدة لأهمّية العطيّة ولأجله نرجو من المنعم لها والمُعطي إيّاها أن يوفّقنا للاستفادة منها والشكر في مقابلها وأن يهدينا بكتابه العزيز الذي هو الطريق لثبوت هذه النعمة والدليل على

ــ[341]ــ

صدق هذه العطيّة وهو الثقل الأكبر الذي أمرنا بالتمسّك به مع الثقل الأصغر الذي عرفت انّه أحد الاُمور الثلاثة التي يبتني عليها التفسير وكشف مراد الله تعالى من الكتاب ، وأن يعجِّل في فرج مولانا وصاحبنا وليّ العصر وصاحب الزمان أرواحنا وأرواح العالمين له الفداء وكان ذلك ـ أي الفراغ من كتابته في بلدة «يزد» المعروفة بدار العبادة وأنا مقيم فيها بالإقامة المؤقّتة الإجباريّة ، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً ، اللّهم انّا نشكو إليك فقد نبيّنا وغيبة وليّنا وكثرة عدوّنا وتظاهر الزمان علينا .

فإليك ياربّ المشتكى وعليك المعوّل في الشدّة والرّخاء .

ويا إلهي فإنّه عظم البلاء وبرح الخفاء وضاقت الأرض ومُنعت السماء

والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً .