back page fehrest page next page

وفي هذا الوقت بالذات، أي عندما واجه موسى(عليه السلام) هذه الأزمة الخطيرة من حياة بني إسرائيل، وكان الغضب الشديد يسر بل كل كيانه، ويثقل روحه حزن عميق، وقلق شديد على مستقبل بني إسرائيل، لأنّ التخريب والإفساد أمر سهل، وربّما استطاع شخص واحد تخريب كيان عظيم ولكن الإِصلاح والتعمير أمر صعب وعسير جدّاً. خاصّة أنّه إذا سرت في شعب جاهل متعنت نَغمة مخالفة شاذة، وافقت هوى ورغبة، فإنّ محوها لا شك لن يكون أمراً ممكناً وسهلا.
فهنا لا بدّ أن يظهر موسى(عليه السلام) غضبه الشديد ويقوم بالحدّ الأعلى من ردّ الفعل والسخط، كي يوقظ الأفكار المخدَّرة لدى بني إسرائيل، ويوجد انقلاباً في

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ «الأسف» كما يقول الراغب في «المفردات» بمعنى الحزن المقرون بالغضب، وهذه الكلمة قد تستعمل في أحد المعنيين أيضاً. وتعني في الأصل أن ينزعج الإنسان من شيء بشدة، ومن الطبيعي أن هذا الإنزعاج إذا كان بسبب من هو دونه ظهر مقروناً بالغضب، وبردة فعل غاضبة، وإذا كان ممن هو فوقه ممن لا يستطيع مقاومته ظهر من صورة الحزن المجرّد، وقد نقل عن ابن عباس أيضاً أن للحزن والغضب أصل واحد وإن اختلفا لفظاً.
2 ـ سورة طه، 85.

[228]

ذلك المجتمع الذي انحرف عن الحق، إذ العودة إلى الحق والصواب عسيرة في غير هذه الصورة.
إنّ القرآن يستعرض ردّة فعل موسى الشديدة في قبال ذلك المشهد وفي تلك الأزمة، إذ يقول: إنّ موسى ألقى ألواح التوراة التي كانت بيده، وعمد إلى أخيه هارون وأخذ برأسه ولحيته وجرهما إلى ناحيته ساخطاً غاضباً.
وكما يستفاد من آيات قرآنية أُخرى، وبخاصّة في سورة طه، أنّه علاوة على ذلك لام هارون بشدّة، وصاح به، لماذا قصّرتَ في المحافظة على عقائد بني إسرائيل وخالفت أمري(1).
وفي الحقيقة كان هذا الموقف يعكس ـ من جانب ـ حالة موسى(عليه السلام) النفسية، وانزعاجه الشديد تجاه وثنية بني إسرائيل وانحرافهم، ومن جانب آخر كان ذلك وسيلة مؤثرة لهزّ عقول بني إسرائيل الغافية، والفاتهم إلى بشاعة عملهم.
وبناء على هذا إذا كان إلقاء ألواح التوراة في هذا الموقف قبيحاً ـ فرضاً ـ وكان الهجوم على أخيه لا يبدو كونه عملا صحيحاً، ولكن مع ملاحظة الحقيقة التالية، وهي أنّه من دون إظهار هذا الموقف الإِنزعاجي الشديد لم يكن من الممكن إلفات نظر بني إسرائيل إلى بشاعة خطئهم... ولكان من الممكن أن تبقى رواسب الوثنية في أعماق نفوسهم وأفكارهم ... إنّ هذا العمل لم يكن فقط غير مذموم فحسب، بل كان يعد عملا واجباً وضرورياً.
ومن هنا يتّضح أنّنا نحتاج أبداً إلى التبريرات والتوجيهات التي ذهب إليها بعض المفسّرين، للتوفيق بين عمل موسى(عليه السلام) هذا وبين مقام العصمة التي يتحلى بها الأنبياء، لأنّه يمكن أن يقال هنا: إنّ موسى(عليه السلام) انزعج في هذه اللحظة من تأريخ بني إسرائيل انزعاجاً شديداً لم يسبق له مثيل، لأنّه وجد نفسه أمام أسوأ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ سورة طه: 92 ـ 93.

[229]

المشاهد ألا وهو الإنحراف عن التوحيد إلى عبادة العجل، وكان يرى جميع آثارها وأخطارها المتوقعة.
وعلى هذا فإنّ إلقاء الألواح ومؤاخذة أخيه بشدّة في مثل هذه اللحظة مسألة طبيعية تماماً.
إنّ ردة الفعل الشديدة هذه وإظهار الغضب هذا، كان له أثر تربوي بالغ في بني إسرائيل، فقد قلب المشهد رأساً على عقبِ في حين أنّ موسى لو كان يريد أن ينصحهم بالكلمات اللينة والمواعظ الهادئة، لكان قبولهم لكلامه ونصحه أقلّ بكثير.
ثمّ إنّ القرآن الكريم ذكر أنّ هارون قال ـ وهو يحاول استعطاف موسى وإثبات برائته في هذه المسألة ـ : يا ابن أمّ هذه الجماعة الجاهلة جعلوني ضعيفاً إلى درجة أنّهم كادوا يقتلونني، فإذن أنا بريء، فلا تفعل بي ما سيكون موجباً لشماتة الأعداء بي ولا تجعلني في صف هؤلاء الظالمين (قال ابنَ أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين).
إن التعبير بـ : «ابن أمّ» في الآية الحاضرة أو «يا ابن أمّ» (كما في الآية 94 من سورة طه) مع أن موسى وهارون كانا من أب وأم واحدة، إنّما هو لأجل تحريك مشاعر الرحمة والعطف لدى موسى(عليه السلام) في هذه الحالة الساخنة.
وفي المآل تركت هذه القصّة أثرها، وسرعان ما التفت بنو إسرائيل إلى قبح أعمالهم، فاستغفروا الله وطلبوا العفو منه.
لقد هدأ غضب موسى(عليه السلام) بعض الشيء، وتوجه إلى الله (قال ربّ اغفر لي ولأخي وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين).
إنّ طلب موسى(عليه السلام) العفو والمغفرة من الله تعالى لنفسه ولأخيه، لم يكن لذنب اقترفاه، بل كان نوعاً من الخضوع لله، والعودة إليه، وإظهار النفرة من أعمال

[230]

الوثنيين القبيحة، وكذا لإعطاء درس عملي للجميع حتى يفكروا ويروا إذا كان موسى وأخوه ـ وهما لم يقترفا إنحرافاً ـ يطلبان من الله العفو والمغفرة هكذا، فالأجدر بالآخرين أن ينتبهوا ويحاسبوا أنفسهم، ويتوجهوا إلى الله ويسألوه العفو والمغفرة لذنوبهم. وقد فعل بنو إسرائيل هذا فعلا ـ كما تفيد الآيتان السابقتان.

مقاربة بين تواريخ القرآن والتوراة الحاضرة:

يستفاد من الآيات الحاضرة، وآيات سورة طه أن بني إسرائيل هم الذين صنعوا العجل لا هارون، وأنّ شخصاً خاصاً في بني إسرائيل يدعى السامريّ هو الذي أقدم على مثل هذا العمل، ولكن هارون ـ أخا موسى ووزيره ومساعده ـ لم يكن يتفرج على هذا الأمر بل عارضه، ولم يأل جهداً في هذا السبيل، حتى أنّهم كادوا أن يقتلوه لمعارضته لهم.
ولكن العجيب أنّ التوراة الفعلية تنسب صنع العجل والدعوة إلى عبادته إلى هارون خليفة موسى(عليه السلام) ووزيره وأخيه، إذ نقرأ في الفصل 32 من سفر الخروج من التوراة، مايلي:
«لما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النّزول من الجبل، اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا. لأنّ هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون: إنزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالإِزميل وصنعه عجلا مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر.
فلمّا نظر هارون بنى مذبحاً أمامه ونادى هارون وقال: غداً عيد للربّ (ثمّ بين مراسيم تقديم القرابين لهذا العمل».

[231]

ثّم تشرح التوراة قصّة رجوع موسى(عليه السلام) غاضباً إلى بني إسرائيل وإلقاء التوراة، ثمّ تقول:
«وقال موسى لهارون: ماذا صنع بك هذا الشعب حتى جلبتَ عليه خطيّة عظيمةً؟!
فقال هارون: لا يحم غضب سيدي. أنت تعرف الشعب إنّه في شرّ».
إنّ ما ذكر هو قِسمٌ من قصة عبادة بني إسرائيل للعجل برواية التوراة الحاضرة بالنص، في حين أن التوراة نفسها تشير في فصول أُخرى إلى سمّو مقام هارون وعلو منزلته، ومن ذلك التصريح بأنّ بعض معاجز موسى قد ظهرت وتحققت على يدي هارون (الإِصحاح الثامن من سفر الخروج من التوراة).
كما أنّها تصف هارون بأنّه نبي قد أعلن عن نبوته موسى (الإِصحاح الثامن من سفر الخروج أيضاً).
وعلى كل حال، تعترف التوراة لهارون ـ الذي كان خليفة لموسى(عليه السلام) وعارفاً بتعاليم شريعته ـ بمنزلة سامية ... ولكن انظروا إلى الخرافة التي تصف بأنّه كان صانع العجل، ومن عوامل حصول الوثنية في بني إسرائيل، وحتى أنّه اعتذر لموسى(عليه السلام) عليه بما هو أقبح من الذنب حيث قال: إنّهم كانوا يميلون إلى الشرّ أساساً وقد شجعتهم عليه.
في حين أنّ القرآن الكريم ينزه هذين القائدين من كل ألوان التلوّث بأدران الشرك والوثنية.
على أنّه ليس هذا المورد هو المورد الوحيد الذي ينزّه فيه القرآنُ الكريمُ ساحة الأنبياء والرسل، وتنسب التوراة الحاضرة أنواع الإهانات والخرافات إلى الأنبياء المطهرين. وفي اعتقادنا أنّ أحد الطرق لمعرفة أصالة القرآن وتحريف التوراة والإِنجيل الفعليين، هو هذه المقارنة بين القضايا التأريخية التي وردت في هذه الكتب حول الأنبياء والرسل.

* * *

[232]


الآيات


إِنَّ الَّذيِنَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَـوةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ 152 وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمُّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ 153 وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الاَْلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ 154

التّفسير

لقد فعلت ردة فعل موسى(عليه السلام) الشديدة فعلتها في المآل فقد ندم عَبَدة العجل الإسرائيليون ـ وهم أكثرية القوم ـ على فعلهم، وقد طرح هذا الندم في عدّة آيات قبل هذه الآية أيضاً (الآية 149) ومن أجل أن لا يُتصور أن مجرّد الندم من مثل هذه المعصية العظيمة يكفي للتوبة، يضيف القرآن الكريم قائلا: (إنّ الذين اتّخذوا العجل سينالهم عضبٌ من ربّهم وذلّة في الحياة الدنيا).
وهكذا لأجل أن لا يُتصور أنّ هذا القانون يختص بهم أضاف قائلا: (وكذلك نجزي المفترين).
إن التعبير بـ «اتّخذوا» إشارة إلى أنّ الوثن ليس له أية واقعية، ولكن انتخاب

[233]

عَبَدة الأوثان هو الذي أعطاه تلك الشخصية والقيمة الوهمية، ولهذا أتى بكلمة «العجل» وراء هذه الجملة فوراً، يعني أنّ ذلك العجل هو نفس ذلك العجل حتّى بعد انتخابه للعبادة.
أمّا أنّ هذا الغضب ما هو؟ وهذه الذّلة ما هي؟ فالقرآن لم يصرح بشيء عنهما في هذه الآية، وإنّما اكتفى بإشارة مجملة، ولكن يمكن أن تكون إشارة إلى الشقاء والمصائب والمشكلات التي ابتلوا بها بعد هذه الحادثة وقبل دخولهم الارض المقدسة.
أو أنّه إشارة إلى مهمّة قتل بعضهم بعضاً العجيبة التي كُلّفوا بها كجزاء وعقوبة لمثل ذلك الذنب العظيم.
وهنا قد يطرح هذا السؤال، وهو أنّ من المرتكزات الفكرية هو أنّ حقيقة التوبة تتحقق بالندامة، فكيف لم يشمل العفو الإلهي بني إسرائيل مع أنّهم ندموا على فعلهم؟
والجواب هو أنّه ليس لدينا أي دليل على أنّ مجرّد الندامة لوحدها تنفع في جميع الأحوال والمواضع. صحيح أنّ الندامة هي أحد أركان التوبة، ولكنّها ليست كل شيء.
إنّ معصية عبادة الأوثان السجود للعجل في ذلك النطاق الواسع وفي تلك المدّة القصيرة، وبالنسبة إلى ذلك الشعب الذي شاهد بأُم عينيه كل تلكم المعاجز والآيات، لم تكن معصية يمكن التغاضي عنها بمثل هذه السهولة، وكفاية يقول مرتكبها: «أستغفر الله» وينتهي كلُّ شيء.
بل لابدّ أن يرى هذا الشعب غضب الله ويذوق طعم المذلة في هذه الحياة، ويساط الذين افتروا على الله الكذب بسوط البلاء حتى لا يفكروا مرّة أُخرى في ارتكاب مثل هذا الذنب العظيم.
وفي الآية اللاحقة يكمّل القرآن الكريم هذا الموضوع ويقول في صورة

[234]

قانون عام: (والذين عملوا السيئات ثمّ تابوا من بعدها وآمنوا إن ربّك من بعدها لغفور رحيم) فالذين يتوبون من بعد السيئة وتتوفر كل شروط التوبة لديهم يغفر الله لهم ويعفو عنهم.

جواب على سؤالين:

1 ـ هل الآيتان الحاضرتان جملة معترضة وقعت وسط قصّة بني إسرائيل كتذكير لِرسول الله والمسلمين؟ أو أنّه خطاب الله لموسى(عليه السلام) بعد قصّة عبادة بني إسرائيل للعجل؟
ذهب بعض المفسّرين إلى الإحتمال الأوّل، وارتضى بعضٌ آخر الإحتمال الثّاني.
والذين ارتضوا الإحتمال الأوّل استدلوا بجملة (إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم) لأنّ الجملة في صورة خطاب إلى الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
والذين ارتضوا الإِحتمال الثّاني استدلوا بجملة (سينالهم غضب) الذي جاء في صورة الفعل المضارع.
ولكن ظاهر الآيات يفيد أنّ هذه الجملة قسم من خطاب الله إلى موسى(عليه السلام)في تعقيب قصّة العجل، وفعل المضارع (سينالهم) شاهد جيد على هذا الموضوع، وليس هناك مايمنع أن يكون «إنّ ربّك» خطاب موجه إلى موسى(عليه السلام)(1).
2 ـ لماذا جاء الإِيمان في الآية الحاضرة بعد ذكر التوبة والحال أنّه ما لم يكن هناك إيمان لا تتحقق توبة؟
إنّ الجواب على هذا السؤال يتّضح من أن قواعد الإِيمان تتزلزل عند إرتكاب المعصية، ويصيبها نوع من الوهن، إلى درجة أنّنا نقرأ في الأحاديث
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ فيكون التقدير في الآية الحقيقة هكذا: «قال الله لموسى أن الذين ....».

[235]

الإِسلامية:
«لا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يزني وهو مؤمن» أي أن الإِيمان يتضاءل ضوؤه، ويفقد أثره.
ولكن عندما تتحقق التوبة يعود الإِيمان إلى ضوئه وأثره الأوّل، وكأنّ الإِيمان تجدّد مرّة أُخرى.
ثمّ إنّ الآيات الحاضرة ركزت ـ فقط ـ على الذلة في الحياة الدنيا، ويستفاد من ذلك أن توبة بني إسرائيل من هذه المعصية بعد الندامة من قضية الوثنية وتذوق العقوبة في هذه الدنيا، قد قبلت بحيث أنّها أزالت عقوبتهم في الآخرة، وإن بقيت أعباء الذنوب الأُخرى التي لم يتوبوا منها في أعناقهم.
الآية الأخيرة من الآيات المبحوثة تقول: ولما سكن غضب موسى(عليه السلام)، وحصل على النتيجة التي كان يتوخاها، أخذ الألواح من الأرض، تلك الألواح التي كانت تحتوي ـ من أوّلها إلى آخرها ـ على الرحمة والهداية، رحمة وهداية للذين يشعرون بالمسؤولية، والذين يخافون الله، ويَخضعون لأوامره وتعاليمه (ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدىً ورحمة للذين هم لربّهم يرهبون).

* * *

[236]


الآيتان


وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِّمِيقَـتِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّى أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَـفِرينَ155وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الاَْخِرَةِ إنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَالَّذِينَ هُم بِأيَـتِنَا يُؤْمِنُونَ 156

التّفسير

مندوبو بني إسرائيل في الميقات:

في الآيتين الحاضرتين يعود القرآن الكريم مرّة أُخرى إلى قصة ذهاب موسى إلى الميقات «الطور» في صحبة جماعة، ويقص قسماً آخر من تلك الحادثة.

[237]

هذا وقد وقع بين المفسّرين كلام في أنّه هل كان لموسى(عليه السلام) ميقات واحد مع ربّه، أو أكثر من ميقات واحد؟ وقد أقام كل واحد منهم شواهد لإِثبات مقصوده من القرآن الكريم، ولكنّه كما قلنا سابقاً ـ في ذيل الآية (142) من هذه السورة ـ أنّه يظهر من مجموع القرائن في القرآن الكريم والرّوايات أن موسى(عليه السلام) كان له ميقات واحد، وذلك برفقة جماعة من بني إسرائيل.
وفي هذا الميقات بالذات أنزل الله الألواح على موسى وكلمه(عليه السلام)، وفي نفس هذا الميقات اقترح بنو إسرائيل على موسى(عليه السلام) أن يطلب من الله أن يريهم نفسه جهرة. في هذا الوقت نفسه نزلت الصاعقة أو حدث الزلزال وغُشي على موسى(عليه السلام)وسقط بنو إسرائيل على الأرض مغشياً عليهم، وقد ورد هذا الموضوع في حديث مرويّ عن علي بن إبراهيم في تفسيره.
إنّ كيفية وضع آيات هذه السورة وإن كان يحدث ـ في بادىء النظر ـ إشكالا، وهو: كيف أشارالله تعالى أولا إلى ميقات موسى(عليه السلام) ثمّ ذكر قصّة عبادة العجل، ثمّ عاد مرّة أُخرى إلى مسألة الميقات؟
هل هذا النظم وهذا الطراز من الكلام يناسب الفصاحة والبلاغة التي يتسم بها القرآن الكريم؟
ولكن مع الإِلتفات إلى أنّ القرآن ليس كتاب تأريخ يسجل الحوادث حسب تسلسلها، بل هو كتاب هداية وتربية وبناء إنساني، وفي مثل هذا الكتاب توجب أهمية الموضوع أن يترك متابعة حادثة مؤقتاً، ويعمد إلى بحث ضروري آخر، ثمّ يعود مرّة أُخرى لنفس الحادثة الأُولى.
بناء على هذا لا توجد أية ضرورة إلى أن نعتبر الآية المذكورة هنا إشارة إلى بقية قصة عبادة العجل، ونقول: إنّ موسى(عليه السلام) ذهب مرّة أُخرى بصحبة بني إسرائيل إلى جبل الطور بعد قضية عبادة العجل للإِعتذار إلى الله والتوبة، كما قال بعض المفسّرين، لأنّ هذا الإِحتمال بغض النظر عن جهات أُخرى يبدو بعيداً في

[238]

النظر من جهة أنّه آل إلى هلاك جماعة ذهبت إلى الميقات للإِعتذار والتوبة، فهل من الممكن أن يُهلِكَ الله تعالى جماعة أتوا إلى الميقات للإِعتذار إلى الله بالنيابه عن قومهم؟!
وعلى كل حال، فقد قال القرآن الكريم في الآيتين الحاضرتين أوّلا: (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا).
ولكن بني إسرائيل حيث إنّهم سمعوا كلام الله طلبوا من موسى(عليه السلام) أن يطلب من الله تعالى أن يريهم نفسه ـ لبني إسرائيل ـ جهرة، وفي هذا الوقت بالذات أخذهم زلزال عظيم وهلك الجماعة، ووقع موسى(عليه السلام) على الأرض مغشياً عليه، وعندما أفاق قال: ربّاه لو شئتَ لأهلكتَنا جميعاً، يعني بماذا أجيبُ قومي لو هلك هؤلاء (فلمّا أخذتهم الرجفة قال ربّ لو شئت أهلكتَهم من قبل وإياي).
ثمّ قال: ربّاه إنّ هذا المطلب التافة إنّما هو فعل جماعة من السفهاء، فلا تؤاخذنا بفعلهم: (أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا)؟
ولقد اعتبر بعض المفسّرين ـ وجود كلمة «الرجفة» في هذه الآية، وكلمة «الصاعقة» في الآية (55) من سورة البقرة المتعلقة بطلب رؤية الله جهرةً ـ دليلا على التفاوت بين الميقاتين. ولكن ـ كما قلنا سابقاً ـ إن الصاعقة في كثير من الأوقات ترافق الرجفة الشديدة، لأنّه على أثر التصادم بين الشحنات الكهربائية الموجبة في السحب والسالبة في الأرض تبرق شرارة عظيمة تهزّ الجبال والأراضي بشدّة، وربّما تحطمها وتبعثرها كما جاء في قصّة البلاء الذي نزل على قوم صالح العصاة، حيث يعبر فيه عنه بالصاعقة تارة (سورة فصلت الآية 17) وتارة بالرجفة (سورة الأعراف الآية 78).
وقد استدل بعض المفسّرين بعبارة (بِما فعل السفهاء منا) على أنّ العقوبة هنا كانت لأجل الفعل الذي صدر من بني إسرائيل (مثل عبادة العجل) لا لأجل الكلام الذي قالوه في مجال طلب رؤية الله جهرة.

[239]

والجواب على هذا الكلام واضحٌ أيضاً، لأنّ الكلام فعل من أفعال الإنسان أيضاً، وإطلاق «الفعل» على «الكلام» ليس أمراً جديداً وغير متعارف، مثلا عندما نقول: إنّ الله يثيبنا يوم القيامة على أعمالنا، فإنّ من المسلّم أنَّ لفظة أعمالنا تشمل كلماتنا أيضاً.
ثمّ إنّ موسى(عليه السلام) قال في عقيب هذا التضرع والطلب من الله: ربّاه إنّي أعلم أن هذا كان اختبارك وامتحانك، فأنت تضلّ من تشاء (وكان مستحِقاً لذلك) وتهدي من تشاء (وكان لائقاً لذلك) (إن هي إلاّ فتنتك) وإختبارك.
وهنا أيضاً تكلّم المفسّرون في معنى «الفتنة» كثيراً وذهبوا مذاهب شتى، ولكن بالنظر إلى أن لفظة «الفتنة» جاءت في القرآن الكريم بمعنى الإِختبار والإِمتحان مراراً كما في الآية (28) من سورة الأنفال: (إنّما أموالكم وأولادكم فتنة) وكذا في الآية (2) من سورة العنكبوت، والآية (126) من سورة التوبة) لا يكون مفهوم الآية الحاضرة غامضاً. لأنّه لا شك في أن بني إسرائيل واجهوا في هذا المشهد اختباراً شديداً، فأراهم الله تعالى أن هذا الطلب (طلب رؤية الله) طلب تافة ومستحيل الوقوع.
وفي ختام الآية يقول موسى(عليه السلام): رباه: (أنت وليُّنا فاغفر لنا وارْحمنا وأنت خير الغافرين).
من مجموع الآيات والرّوايات يستفاد أنّ الهالكين قد استعادوا حياتهم في المآل وعادوا برفقة موسى(عليه السلام) إلى بني إسرائيل، وقصُّوا عليهم كلّ ما سمعوه وشاهدوه، وأخذوا في إرشاد الغافلين الجاهلين وهدايتهم.
وفي الآية اللاحقة يشير إلى طلب موسى(عليه السلام) من ربّه وتكميل مسألة التوبة التي ذكرت في الآيات السابقة، يقول موسى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة).

[240]

و«الحسنة» تعني كلَ خير وجمال، وعلى هذا الأساس تشمل جميع النعم، وكذا التوفيق للعمل الصالح، والمغفرة، والجنّة، وكل نوع من أنواع السعادة، ولا دليل على حصرها بنوع خاص من هذه المواهب، كما ذهب إليه بعض المفسّرين.
ثمّ يبيّن القرآن الكريم دليل هذا الطلب هكذا: (إنا هُدنا إليك) أي عدنا إليك واعتذرنا عمّا فعله سفهاؤنا، حيث طلبوا ما لا يليق بمقام عظمتك.
و«هدنا» مشتقة من مادة «هَوْد» بمعنى العودة المقترنة بالرفق والهدوء، وكما قال بعض اللغويين: تشمل العودة من الخير إلى الشر أيضاً، وكذا من الشر إلى الخير(1)، ولكن جاءت في كثير من الموارد بمعنى التوبة والعودة إلى طاعة الله.
يقول الراغب في «المفردات» نقلا عن بعض: «يهود في الأصل من قولهم: هُدنا إليك، وكان اسم مدح، ثمّ صار بعد نسخ شريعتهم لازماً لهم، وإن لم يكن فيه معنى المدح».
ولكن بما أن بعض اللغويين ذكر أن معنى هذه اللفظة هو الرجوع من الشر إلى الخير، أو من الخير إلى الشر، يمكن القول بأن هذه الكلمة ليست متضمنة للمدح بحال، بل هي حاكية عن الاضطراب الروحي والقلق الأخلاقي الذي كانت تعاني منه تلك الجماعة.
وقال بعض آخر من المفسّرين أنّ علّة تسمية هؤلاء القوم بـ «اليهود» لا يرتبط مطلقاً بهذه اللفظة، بل لفظة يهود متخذة أصلا من مادة «يهوذا» الذي هو إسم لأحد أبناء يعقوب(عليه السلام) ثمّ تبدلت الذال إلى الدال، وصارت يهودا، فيطلق على المنسوب إليه يهودي(2).
ولقد أجاب الله ـ في النهاية ـ دعاء موسى(عليه السلام) وقَبِلَ توبته، ولكن لا بصورة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ تفسير المنار، المجلد التاسع، الصفحة 221، وقد نقل هذا المعنى عن ابن الأعرابي.
2 ـ تفسير أبوالفتوح، المجلد الخامس، الصفحة 300، في تفسير الآية الحاضرة.

[241]

مطلقة، بل جاء ذلك في ختام الآية مشروطاً بشروط، أذ يقول: (قال عذابي أصيب به من أشاء) وكان مستحِقاً.
وقد قلنا مراراً: إنّ «المشيئة» في هذه الموارد، بل في جميع الموارد، ليس بمعنى الإِرادة المطلقة ومن غير قيد أو شرط، بل هي إرادة مقترنة بالحكمة والصلاحيات واللياقات، وبهذا يتّضح الجواب على كل إشكال في هذا الصعيد.
ثمّ يضيف تعالى قائلا (ورحمتي وسعت كل شيء).
إنّ هذه الرحمة الواسعة يمكن أن تكون إشارة إلى النعم والمواهب الدنيوية التي تشمل الجميع ويستفيد منها الكل، براً وفاجراً، صالحاً وطالحاً.
كما يمكن أن تكون إشارة إلى أنواع الرحمة المادية والمعنوية، لأنّ النعم المعنوية لا تختَص بقوم دون قوم، وإن كان لها شرائط تتوفر لدى الجميع.
وبعبارة أُخرى: إن أبواب الرحمة الإِلهية مفتوحة للجميع، وإنّ الناس هم الذين عليهم أن يقرروا دخول هذه الأبواب فلو لم تتوفر شرائط الورود في بعض الناس فإنّ ذلك دليل على تقصيرهم هم، لا محدودية الرحمة الإلهية (والتّفسير الثّاني أنسب مع مفهوم الآية والجملة التي ستأتي).
ولكن حتى لا يظن أحد أنّ قبول التوبة، أو سعة الرحمة الإِلهية وشموليتها، غير مقيدة وغير مشروطة، ومن دون حساب أو كتاب، يضيف في ختام الآية: سرعان ما أكتب رحمتي للّذين تتوفر فيهم ثلاثة أمور: اتقوا، وآتوا الزكاة، وآمنوا بآياتي (فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون).
و«التقوى» إشارة إلى إجتناب كل معصية وإثم.
و«الزكاة» مرادة هنا بمعناها الواسع، وحسب الحديث المعروف «لكل شيء زكاة» يشمل جميع الأعمال الصالحة والطيبة.
وجملة (والذين هم بآياتنا يؤمنون) تشمل الإِيمان بالمقدسات.

[242]

وبهذه الطريقة تتضمّن الآية برنامجاً كاملا وجامعاً.
وإذا فسرنا الزكاة بمعنى خاص (أي المعنى المتعارف والمصطلح للزكاة) كان ذكرها من بين سائر الوظائف الإِلهية، لأجل أهميتها في صعيد العدالة الإجتماعية.

back page fehrest page next page