|

|
مقدّمة التحقيق |
|
الحمد للَّه الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، وعلى رسله التحيّات والصلوات، لاسيّما أفضلهم وخاتمهم سيّدنا محمّد، عليه وعلى الأئمّة المعصومين من ذرّيّته وآله السلام.
وبعد؛ فإنّ «الحديث الشريف» ثاني مصادر الفكر الإسلاميّ (بعد القرآن الكريم) أصبح محوراً لعلوم عديدةٍ، اخترعتها الحاجةُ، ومسّت إليها الضرورة المعرفيّة، وهي: علم الحديث، وعلم دراية الحديث، وعلم فقه الحديث، وعلم رجال الحديث.
وقد فصّلنا في بحوثنا الخاصّة بعلوم الحديث، عن أوجه هذا التعدّد، وأوجه الحاجة إلى كلّ علمٍ، والميزة المخصّصة لكلٍّ عن الآخر.
كما تحدّثنا فيبحوثنا عنخصوصعلمالرجال، عن مبادئه واُصوله، وطبقات مؤلّفيه، وتاريخ سيره وتطوّره، ومناهج المؤلّفين فيه، والمؤلَّفات الجامعة له.
وفي مقدّمتنا الواسعة لكتابنا هذا «الرجال لابن الغضائريّ»، موجزٌ من تلك البحوث بما يتناسب موضوعاً وحجماً.
وبما أنّي قدّمت متن هذا الكتاب للنشر، فقد طلب الناشر المكرّم أنْ أزوّد القرّاء بموجز من تلك المقدّمة(1) يحتوي على تعريف بالمؤلّف والكتاب، وبالمنهج الّذي سار عليه، حتّى يُتيح لنا التوفيقُ إكمال تلك المقدّمة، وسائر ما يرتبط بإنجازالكتاب فنقدّمها إلى المجتمع العلمي بعون اللَّه.
وعلى هذا، فالّذي نقدّمه هنا يقتصر على:
1 . التعريف بالمؤلّف.
2 . التعريف بالكتاب.
3 . التعريف بمنهج المؤلّف.
واللَّه وليُّ التوفيق، هو حسبي عليه توكّلتُ، وإليه اُنيب.
1 . المؤلّف
هو
أحمد، أبو الحسين البغداديّ، الشهير به«ابن الغضائريّ».
والده
الحسين بن عبيداللَّه بن إبراهيم، أبو عبداللَّه، الأسديّ، الواسطي، البغدادي،المتوفّى «15 - صفر - عام 411 ه.ق».
ترجم له الشيخ الطوسيّ في باب «من لم يروِ عن واحد من الأئمّة من الرجال» بقوله: «الحسين بن عبيداللَّه الغضائري، يكنّى أبا عبداللَّه، كثير السماع، عارفٌ بالرجال، وله تصانيف ذكرناها في الفهرست. سمعنا منه، وأجاز لنا بجميع رواياته، مات سنة إحدى عشرة وأربعمئة».(2)
وبالرغم من خلوّ نسخ «الفهرست» للطوسي المتوفّرة من ترجمة «الحسين الغضائري» فإنّ تصريح الشيخ بإيرادها فيه، ونقل العلّامة وابن داوود عن «الفهرست» يؤكّد وجود الترجمة في أصل الكتاب.
وقد تحقّق ذلك بنقل ابن حجر العسقلانيّ، ترجمة الغضائري عن نسخة «الفهرست» كما سيأتي.
وترجمه النجاشي في «فهرست مصنّفي الشيعة»(3) بقوله: «الحسين بن عبيداللَّهبن إبراهيم، الغضائريّ، أبو عبداللَّه، شيخنا(ره)، له كتب.... أجازنا جميعها، وجميع رواياته عن شيوخه. ومات(ره) نصف شهر صفر سنة إحدى عشرة وأربعمئة». وترجم العامّة لوالده
فذكره ابن حجر العسقلانيّ في «لسان الميزان» ثلاث مرّات:
1 - برقم 2757 بعنوان:
«الحسين بن عبيداللَّه بن إبراهيم بن عبداللَّه، العُطارديّ، الغضائريّ»
2 - برقم 2777 بعنوان:
«الحسين بن عبداللَّه، أبو عبداللَّه، الغضائريّ».
وقال هنا: ذكره الطوسيّ في «رجال الشيعة» و «مصنّفيها»، وسمّى جدّه «إبراهيم»، وقال: كان كثير الرجال، كثير السماع، خدم العلم، وكان حكمه أنفذ من حكم الملوك، وله كتب».
3 - برقم 2773 بعنوان:
«الحسين بن عُبيداللَّه بن عليّ الواسطي»
وقد ذكر في الموارد ما يدلّ على الاتّحاد، إلّا أنّه لم يتنبّه إلى ذلك، وممّا جاء في مجموعها قوله:
أ . «من كبار شيوخ الشيعة، كان ذا زهدٍ وورعٍ وحفظٍ، ويُقال: كان من أحفظ الشيعة بحديث أهل البيت، روى عنه أبو جعفر الطوسيّ والنجاشيّ، يروي عن الجعابيّ...».
ب . «شيخ الرافضة، روى عن الجعابيّ، كان يحفظ كثيراً...».
ج . «من رؤوس الشيعة، يُشارك المفيد في شيوخه... مات قبل العشرين وأربعمئة».(4)
وقد حكم البعضُ بتعدّد المترجَمين، نظراً إلى اختلاف النسبة إلى «واسط» و«بغداد».
وهو غلط، فواسط تعدُّ من بغداد، لقُرْبهما جُغرافياً، مع أنّ الرجل نُسِبَ «واسطيّاً» في روايته لرسالة أبي غالب الزُراريّ الشهيرة، وهو راوية أبي غالب، وقد انحصر طريق الرسالة به عند النجاشيّ، وهو داخل في العدّة الراوية عنه، كما شرحنا ذلك في مقدّمتنا لتحقيق الرسالة.(5)
كما يقتضي وصفه بكونه «من رؤوس الشيعة» و«مشاركته للشيخ المفيد في الشيوخ - و منهم الجعابيّ»، اتّحاد المترجَمين الثلاثة في لسان ابن حجر.
وذكره سائر العامّة، كالذهبيّ في سِيرَ أعلامه، وتاريخ إسلامه، وميزانه، وعِبَرِه، وابن العماد في شذراته، والصفدي في «الوافي»، وغيرهم في غيرها. حاله
وهو من أعلام الطائفة ومشاهير شيوخها.
قال السيّد بحر العلوم: «أشهر المشايخ وأفقههم بعد المفيد(ره)».(6)
وعبّر عنه ابن طاووس: «الشيخ الثقة الفقيه الفاضل».(7)
وقال الداماد: «العالم الفقيه البصير المشهور العارف بالرجال والأخبار، شيخ الشيخ الأعظم أبي جعفر الطوسيّ، والشيخ أبي العباس النجاشيّ، والأصحاب قد استصحّوا أحاديث كثيرة هو في أسانيدها، وأمره أجلّ من ذلك، فإنّه من أعظم أعاظم فقهاء الأصحاب و علمائهم، وله تصانيف معتبرة في الفقه وغيره، وفتاواه وأقواله في الأحكام الفقهيّة منقولة محكيّة».(8)
ويكفيه عظمةً أنّه يُقرن بالشيخ المفيد، الّذي يُقرّ الكلّ بعظمته المطلقة. جهود الوالد
وقد خلّفَ الغضائريُّ تراثاً ضخماً:
بين مؤلّفاتٍ عظيمة، كما تدلّ عليه عناوينها الّتي تناقلتها الفهارس وكتب الترجمة.
وبين أحاديثه الكثيرة الّتي اُسْنِدَت من طريقه، والّتي أثبتتها كتب الأمالي ومجاميع الحديث.
وبين ما اُثر بخطّه من التراث الخالد، ومنه النسخ المتداولة من «رسالة أبي غالب الزراريّ» الّتي انحصرتْ روايته به، كما سبق.
وأمّا مَنْ خَلَفَهُ في علمه، وأخذ عنه، فهم كوكبةٌ من أعلام الطائفة و شيوخها الأجلّاء، وفي مقدّمتهم الشيخ الأعظم الإمام أبوجعفر الطوسيّ، شيخ الطائفة.
وكذلك الشيخ أبو العبّاس النجاشيّ.
وهما من القمم الرفيعة في الشيعة، وبالخصوص في علم الرجال، الّذي كان الغضائريّ من أعلامنا العارفين به.
ومن مشاهير تلامذته المكثرين عنه ولده، مؤلّف كتاب «الرجال» هذا الّذي نقدّم له، وهو: ابن الغضائري
عُرِف للغضائريّ ولدٌ هو «أحمد»، ذكره الشيخ الطوسيّ في «الفهرست»بقوله:
«فإنّي رأيت جماعةً من شيوخ طائفتنا - من أصحاب الحديث - عملوا فهرست كتب أصحابنا، وما صنّفوه من التصانيف، ورووه من الاُصول.
ولم أجِده منهم أحداً استوفى ذلك، ولا ذكر أكثره،... ولم يتعرّض أحدٌ منهم لاستيفاء جميعه، إلّا ما كان قصده أبو الحسين، أحمد بن الحسين بن عُبيداللَّه(ره)... فإنّه عمل كتابين...».(9)
وأمّا النجاشيّ، فقد ذكر «أحمد بن الحسين» أبا الحسين، في أكثر من مورد من كتابه:
بين ناقلٍ عنه شفاهاً بقوله: «قال أحمد بن الحسين(ره)...».
وناقلٍ عن كتابه بقوله: «ذكر ذلك أحمد بن الحسين».
وبين حاضر عنده مع شيوخ آخرين.
ويظهر أنّ دار أبيه الغضائريّ كانت مجمعاً علميّاً استمرّت قائمةً بعد الأب، ولا بُدّ أن يكون للابن وجودٌ بارزٌ فيها.
وكان للشيخ الطوسيّ حضورٌ في هذه الدار عام 413 ه.
كما أنّ ما ذكره الشيخ عن تأليف «أحمد» للكتابين، وماجرى عليهما، يدلّ على صلةٍ للشيخ بعائلة شيخه الغضائريّ.
أمّا النجاشيّ، فقد كان أكثر تداخلاً مع «أحمد» الابن كما سبق، وينقل كذلك عن كتابه «التاريخ».
كما أنّ الحمويّ عنون في «معجم الاُدباء»(10) لأحمد بن الحسين بن عبيداللَّه بن إبراهيم بن عبداللَّه الأسدي الغضاريّ وقال: «كان من الاُدباء والفضلاء الأذكياء، وله خطٌّ يُزري بخطّ ابن مُقْلة».
وجزم العلّامة التستري في «القاموس»(11) باتّحاده مع ابن الغضائريّ. مؤلّفات الوالد
الّذي عُرف من مؤلّفاته هي:
1 - كتاب جامع لأسماء الكتب المصنّفة لدى الشيعة.
ذكره الطوسيّ كما مرّ.
2 - كتاب جامع لأسماء الأُصول المعتمدة لدى الشيعة.
ذكره الطوسيّ كما مرّ.
3 - كتاب التاريخ.
ذكره النجاشيّ.
4 - كتاب الضعفاء والمذمومين.
ذكره العلّامة الحلّي.
5 - كتاب الثقات والممدوحين.
ذكره العلّامة الحلّي.
فهو من مصنّفي أصحابنا، وإن لم يترجم له المفهرسون القدماء.
وقد حاولنا جمع ما أُثر عن «ابن الغضائريّ» في مستدركات هذا الكتاب (الرجال). حاله رجاليّا
لقد اعتبر الكثير من الأعلام:
ذكر الشيخ الطوسيّ له مع الترحّم عليه، ونقل النجاشيّ عنه معتمداً عليه مع الترضّي عنه، واعتماد المتأخّرين على آرائه، خصوصاً العلّامة الحلّي في «الخلاصة» بشكلٍ كبير ملحوظ، وكذلك زميله ابن داوود، واستاذهما أحمد بن طاووس (ت673).
مضافاً إلى وقوعه في طرق كثيرٍ من المؤلّفات، بالإسناد إليه، أو النقل عن خطّه، ووجودها عنده، وروايته عن مشايخ الطائفة.
اعتبروا كلّ ذلك: دليلاً على ثقة الرجل وعلوّ شأنه. حتّى قالوا فيه: «من أئمّة النقّاد» وعدّوه «من علماء الجرح والتعديل» الّذين انحصر فيهم العلم، فقالوا: إنّه «من أَئمّة الفنّ».
وقال المولى عناية اللَّه القهپائي: «مع التتبّع تُعرف نهاية اعتباره عندهم حيث إنّه شيخ، وعالم عارف جليل كبير في الطائفة، فدلّ على جلالة الرجل في أقواله، فالاعتبار بمدحه و ذمّه (صحيح) كما لا يخفى».(12)
وقال الكلباسي: «إنّه من عُيون الطائفة و أجلّائهم ووجوه الأصحاب وعظمائهم» و«بل لا يبعد أن يكون أعلم من النجاشيّ بأحوال الرجال وتصانيفهم، الذي هو من رؤساء هذا الفنّ، وكذا من العلّامة على الاطلاق».(13) نشاطه العلم
1 . مشايخه
1 - أبو محمّد ابن طلحة بن عليّ بن عبداللَّه بن علالة.
2 - النصيبيّ أبو الحسين، أخذ عنه قراءةً.
3 - أبوه الحسين بن عُبيداللَّه بن إبراهيم الواسطيّ البغداديّ الغضائريّ.
4 - الحسن بن محمّد بن بندار القمّي. روى عنه بلفظ «حدّثني».
5 - أحمد بن عبدالواحد، قرأ عليه عدّةً من كتب عليّ بن الحسن بن فضّال، سمعها معه النجاشيّ. 2 . تلامذته
لم نجد من روى عنه سوى ما نقله النجاشيّ عنه و عن كتابه كما مرّ، وقد اعتبربعضهم النجاشيّ من تلامذته.
ولعلّ لقصر عمره - كما قد يستفاد من كلام الطوسيّ في مقدمة «الفهرست» - أثراً في عدم النقل عنه.
أو لعلّه لم يتصدَّ للرواية كما يظهر من نوعية جهوده العلميّة والمنقول عنه، حيث تخصّص بالفهرسة وعلم الرجال. وفاته
ذكر الطوسيّ «أنّه اخْترم»، وقيل: إنّ ذلك يدلّ على وفاته قبل الأربعين.
ومع ذلك لم تحدّد سنة وفاته، ولكنّها في القرن الخامس، وقيل: «450 ه» عاموفاة النجاشيّ قطعاً.
ومن مجموع ما مرّ يُعرف:
إنّ ما قيل في حقّه: «إنّه مجهول الحال» أو «غير معلوم الحال» ممّا لامعنى له.
كما أنّ عُمدة ما أوجب التكلّم عليه من المتأخّرين هو كتابه «الضعفاء» وما جاء حوله.
وهو متوقّف على معرفة شأنه ومنهجه في ذلك الكتاب، كما سنفصّل عنه.
وسنطّلع على مواقف أعلام الطائفة من الكتاب ومؤلّفه.
2 . الكتاب
اسمه
سمّيالكتاب «الجرح» وسمّي «الضعفاء» ويعرف به«الرجال لابن الغضائريّ».
وقد انتخبنا هذا الاسم لما نُقدّم له، باعتبار جمعه لكلّ ما اُثر عن ابن الغضائريّ، سواء ما ثبت في الكتاب المنسوب إليه، أم ما نقل عنه في ما تفرّق من المواضع والمواضيع.
لمن الكتاب؟
اختلفوا في أنّ هذا الكتاب تأليف مَنْ هو؟
فقيل: إنّه للوالد: الحسين بن عبيداللَّه.
وهو قولٌ مردودٌ، لعدم نسبة كتاب في الرجال إلى الوالد، في ما ترجم له عند الخاصّة والعامّة، وإن كان هو المعروف بالعلم بالرجال، وتنقل عنه آراء رجاليّة كثيرة، وتخرّج عليه رجاليّو الطائفة، كالنجاشيّ والطوسيّ وابنه أحمد.
لكن لم ينسب إليه أحدٌ كتاباً فيالرجال إطلاقاً، سواء منالمتقدّمين، أم المتأخّرين.
ثمّ الذين هم أصل تداول هذه النسخة لم ينسبوها إلّا إلى الابن الّذي نَسَبَ إليه القدماء كتباً عديدة في التراث، وتناقل المتأخّرون نصوصاً منها.
فليس المؤلّف إلّا ابن الغضائريّ «أحمد».
وأمّا كون المؤلّف «بعض أعداء المذهب» نسبةً إلى الوالد أو الولد! فهذا من خيالات بعض المتطفّلين على الفنّ، ممّن لا خبرة له بالتراث، ولا بالرجال، ولا بالمناهج.
وجود الكتاب
بعد عصر الشيخ النجاشيّ (450 ه)، و الشيخ الطوسيّ (460 ه) تُخفى أخبار كتب ابن الغضائريّ مدّة قرنين من الزمن، حتى ظهرت نسخة من كتابه «الضعفاء»على يد السيّد الجليل الفقيه المحدّث الرجالي أحمد بن طاووس الحلّي(...-673ه) صاحب «البُشرى» و«الملاذ» و«حلّ الإشكال» الّذي ألّفهُ عام 644 ه، وأورد فيه نصوص الكتب الخمسة الرجالية الاُصول، ومنها النصّ الكامل لكتاب ابن الغضائريّ.
ثمّ أورد من بعده نَصّه الكامل تلميذُه العلّامة الحلّي (648 - 726ه) في كتابه العظيم «خلاصة الأقوال» المعروف به«رجال العلّامة».
وقد أضاف العلّامة الحلّي النقلَ لنصوص من كُتب اُخرى لابن الغضائريّ، مما يدلّ على وقوفه عليها مباشرة، وهذا ما تفرّد وامتاز به حتّى على أستاذه السيّد ابن طاووس.
وكذلك تلميذه الآخر ابن داوود الحلّي صاحب «كشف المقال» المعروف ب«رجال ابن داوود»، فقد أورد نتفاً عن ابن الغضائريّ.
ثمّ تداول الأعلام هذا الكتاب، وأشهر ما في الأيدي منه النسخة الّتي استخرجها العلّامة الرجالي الكبير الشيخ عبداللَّه التستري من كتاب «حلّ الإشكال» لابن طاووس، وأفردها.
ومنذ ظهور الكتاب في عام 644 ه، أطلق العلماء نسبة الكتاب إلى ابن الغضائريّ إرسال المسلّمات، كالشهيد الثاني وتلميذه الحارثي العاملي والد البهائيّ، وغيرهما.
الطريق إلى الكتاب وتصحيح نسبته
إنّ اختفاء الكتاب طيلة قرنين (450 ه وحتّى 644 ه) لا يُشكّل عقبةً في تصحيح نسبته:
أوّلاً، لأنّ الفترة تلك تعدّ من أظلم الفترات في تاريخ التراث الشيعيّ، والّتي قلّت عنها المصادر والأخبار، وما يوجد منها لا يكشف عن جهود كثيرة، إلّاالأعمال العظيمة الّتي تمكّنت من الظهور، رغم الضباب والتعتيم، فاخترقتها كالشمس في رائعة النهار، وهي قليلة تعدّ بالأصابع.
ومهما يكن، فإنّ ذلك لا يُشكّل عقبةً أمام اطلاق أعلام الفنّ نسبة الكتاب إلى ابن الغضائريّ.
كما أنّ اعتماد مثل العلّامة الحلّي - الفقيه الأعظم، والرجاليّ الأكبر، والمحدّث الأعلم في عصره - على النسخة وما فيها، دليلٌ قطعيّ على صحّة النسبة ووصولها إليه بطرق صحيحة مأمونة، كما هو شأن سائر مصادره المعروفة.
ولا دليل على أنّه أخذها عن أُستاذه السيّد ابن طاووس، الّذي صرّح بأنه ليس له طريق إلى النسخة، وإنّما أخذها وجادةً، مع أنّ الوِجادةَ تلك - وفي عصرٍ قريبٍ من المؤلّف - لا بُدّ أنْ تكون معتبرةً عند السيّد، بحيث أطلق النسبة، واستخرج النصوص، وسجّلها في كتاب رجاله منسوبةً إلى الغضائريّ.
وإلّا كيف يجوز له كلّ ذلك؟ ومن أينَ عرف النسبة إلى ابن الغضائريّ؟ وهو على ماهو من الورع والتُقى والاجتهاد.
وكذا المتأخّرون عنه، وهُمْ مَنْ هُمْ في الاحتياط والمحافظة على الضبط، و المعرفة التامّة بالرجال والكتب!
فلا بُدّ من الوثوق بما قدّموه من هذا الكتاب، كسائر ما جاء في أعمالهم من النصوص المنقولة عن كتب القدماء، والّتي تفقد اليوم أعيانها.
مع أنّ بعض الأعلام (كالشهيد الثاني) قد صرّح بطريقه إلى صاحب الكتاب ابن الغضائري كما قيل.
المواقف من الكتاب
وأمّا متأخّرو المتأخّرين، بعد الألْف وحتّى عصرنا الحاضر، فقد ارتبكوا ارتباكاً غريباً بشأن المؤلَّف والمؤلِّف، على ثلاثة مواقف:
فموقف المؤيّدين
وهم جمع من أعيان المحقّقين، وفي مقدّمتهم العلّامة الحلّي، الّذي لم يتجاوز ما أثبته ابن الغضائريّ - لو ثبت دلالة كلامه على الطعن - حتّى في مواجهة توثيق النجاشيّ والشيخ.
وتوقّف - لفرط اعتماده عليه - لمجرّد تردّده، ما لم يدلّ على خلافه دليل.
وقد سبق أنّ ايراد ابن طاووس وابن داوود لنصوص ابن الغضائريّ لا يخلو من دلالة على اعتمادهما النسخة، واعتبارهما لما فيها.
ثمّ الفاضل التوني (ت 1071 ه) اعتبر ابن الغضائريّ من علماء الجرح والتعديل المعتمدين.
وكذلك الوحيد البهبهاني (ت 1206 ه) يقف من ابن الغضائريّ وأقواله موقف التأييد.
وأمّا المحقّق الكلباسيّ، فقد أعلن عن التأييد المطلق، وصرّح بكون ابن الغضائريّ من أعلام الرجال، بل قدّمه على النجاشيّ إمام الفنّ.
وأخيراً من المعاصرين فالرجالي بالحقّ، والعلّامة في هذا الفن بشكلٍ مطلق، الشيخ محمّد تقي التستري (ت 1414 ه) فقد اعتبره من نقّاد الفنّ.
وأمّا المخالفُون
فأكثرهم من الأخباريّة، الّذين أوحشتهم تضعيفات ابن الغضائريّ، كالمجلسيّ قديماً، والمحدّث النوري أخيراً.
وفيهم مَنْ لم يتمحّض في الفنّ، كالميرزا القمّي، لقوله بحجيّة الظنّ، واعتماده على الأُصول بشكل مفرط.
ومن المعاصرين العلّامة المحقّق والفقيه الأُصولي اُستاذنا السيّد أبوالقاسم الخوئي (ت1413ه).
وقد جمع آراءهم العلّامة المفهرس الحجّة الثبت الإمام الشيخ آقا بُزرك الطهرانيّ في كتابه العظيم «الذريعة».
وتتلخّص دعاوى الخلاف في النقاط التالية:
1 - عدم وصول النسخة بطرق مقبولة.
2 - اعتماده على الاجتهاد في الأحكام الرجاليّة، كمراجعة الروايات والكتب.
3 - تسرّعه في الجرح بما لا يَجْرح، أو بما يُختلف فيه، كالغلوّ.
4 - كثرة تضعيفاته وجرحه، حتّى قيل: «لم يسلم من طعنه أحد» و«السالم من سلم منه» و«جرحُه مدحٌ» ووصف بأنّه «الطعّان».
والجواب: أنّ الناظر في كتابه، والمطّلع على منهجه العلميّ الّذي اتّبعه في الكتاب، وبالمقارنة بينه وبين مَنْ عاصره من الرجاليّين العظام، يجد أنّ الرجل من أئمّة الفنّ وحذّاق النقّاد في علم الرجال.
وأنّه قد سار على منهج علميّ رصين، متّبعاً في ذلك مناهج القدماء في المعالجة الرجاليّة، ذلك المنهج الّذي لازال يعتمده أهل الخبرة في الفنّ.
وأما كتابه
فهو من أرصن كتب الرجال في الدقّة والقوّة في الترتيب والتعبير والأداء، والالتزام بمصطلح علماء الفنّ.
وبعض هذه الجوانب نوضّحها في عنوان «منهجه».
ومن هنا يتبيّن ضعف ما وُجّه إلى المؤلَّف والمؤلِّف من نُقود، وأنّها مبتنية إمّا على عدم مراجعة الكتاب بدقّة، وإمّا الابتناء على مبانٍ مخالفة لمنهج المؤلَّف.
وهناك موقف أخير أساسه التفرقة بين توثيقاته فتُقبل مطلقاً، وبين تضعيفاته فتُردّ.
وهذا موقفٌ مهزوز، مردودٌ بالاجماع المركّب، فإنّ أساس القبول والردّ إنّما هو صحّة نسبة الكتاب، وصحّة منهج الكاتب، ولا يمكن التفريق في ذلك بين التضعيف والتوثيق.
منهج ابن الغضائري
بالرغم من اشتهار عمل ابن الغضائريّ في كتابه، بأنّه يذكر الضعفاء ويلتزم جرح الرواة، فإنّه:
أوّلاً : قد وَثّق مجموعةً من الرواة في كتابه، ونُقل عنه التوثيق خارج الكتاب أيضاً.
ثانياً : نقل عنه الانفراد بتوثيق عدّةٍ من الرواة، دون جميع علماء الرجال.
ثالثاً : إنّه يُناقش بعض التضعيفات المنقولة عن السابقين، كالقمّيين المتشدّدين في أمر الرواة.
رابعاً : إنّ كتابه يخلو من ذكر بعض الضعفاء الّذين صرّح الرجاليون بضعفهم.
خامساً : إنّه يستند إلى «عدم الطعن» لقبول بعض الرواة.
ومن التدقيق في هذه الجهات، يحصل الاطمئنان، بالخطأ في ما اشتهر عنه من كونه مختصّاً بالتضعيف، وأنّه ديدنه، أو متسرٍّ إليه، أو لا يسلم منه أحد، أو جرّاح وطعّان، وغير ذلك مما لم يُطلقه إلّا القاصر عن درك منهج الكتاب وأهداف مؤلّفه العظيم، ومدى موقعيّته العلميّة في فنّ الرجال.
وأمّا تضعيفاته
نعم، قد تصدّى ابن الغضائريّ لجمع أسماء من «طُعِنَ» في كتابه هذا المتوفّر.
لكنّه إنّما قام بهذا الأمر على أساسٍ من منهجٍ علميّ رصينٍ، وهو :
1 - لا ريب في اعتبار كون الراوي «ثقةً» حتّى يمكن الاعتماد على نقله وحديثه.
2 - وأنّ إثبات الوثاقة يختلف طريقه من منهجٍ إلى آخر عند علماء الرجال.
فالقدماء اعتمدوا أصلاً لذلك، وهو مأخوذ ممّا اعتبروه في شرائط الراوي الّتي اُخذت من الأدلّة الشرعيّة، وهي :«الإيمان، والصدق، والسداد».
فلو كان الراوي «مؤمناً : اثنا عشرياً» وكان «صادقاً : متحرّزاً عن الكذب في الكلام والنقل» وكان «سديد الحديث : أي ضابطاً للحديث» فهو «الثقة» عندهم، بقولٍ مطلق، ويقال فيه : «الصحيح» مجرّداً أو مضافاً.
ويقابل «الثقة» فقدان جميع هذه الشروط، وهو «الضعف».
فمن لم يكن مؤمناً، ولاصادقاً، ولاضابطاً، فهو الضعيف بقولٍ مطلق، وهو الجامع لجهات «الطعن».
وقد يتخلّف شرط ويتحقّق آخر، فتكون الوثاقة والضعف بِحسب ذلك.
فقد يكون ثقةً في دينه - أي إماميّاً اثني عشرياً - .
وقد يكون ثقةً في روايته - أي صادقاً في نقله - .
وقد يكون ثقةً في حديثه - أي ضابطاً له متقناً - .
والثقة بقول مطلق يعني الجميع.
وقد يكون ضعيفاً في دينه - أي غير إماميّ، من أهل المذاهب الإسلاميّة الاُخرى -.
وقد يكون ضعيفاً في روايته - أي كاذباً في النقل والكلام - .
وقد يكون ضعيفاً في الحديث - أي في النصّ الّذي ينقله - .
والضعف المطلق يشمل الجميع.
والتوثيق والتضعيف - مطلقاً، ومقيّداً بقيد «في دينه» و«في الرواية» و«في الحديث» أو بنحو الإضافة: «ضعيف المذهب» أو «ضعيف الرواية» أو «ضعيف الحديث» - متوفّران في التراث الرجاليّ بكثرة.
وقد يُعبّر عن الضعف بالطعن، سلباً وايجاباً، مطلقاً أو مقيّداً، وهو منتشر في التراث الرجاليّ، ومن أمثلة ذلك:
* طَعَنَ أصحابنا فيه.
* طُعِنَ عليه.
* طُعِنَ في عدالته.
* طُعِنَ عليه بالغلوّ.
* طُعِنَ عليه بفساد مذهبه.
* الطَعْنُ في مذهبه لا في نفسه.
* الطعن إنّما وقع على دينه.
* الطعن فيه لا في من أخذ عنه.
* طَعَنَ القمّيون فيه، ولم يثبت.
* جاء الشكّ بالطعن فيه.
* ليس الطعنُ فيه إنّما الطعنُ في من يروي عنه.
وهذه ألفاظ وردت في كتابنا هذا، فراجع معجم الألفاظ فيه.
و ورد في النجاشيّ:
- طُعِنَ عليه، ورُمِيَ بالغلوّ.
- طَعَنَ أصحابُنا عليه، وذكروا أنّه يضع الحديث.
- طُعِنَ عليه، وضُعِّفَ.
- كان ثقةً في حديثه، ورعاً، لا يُطْعن عليه.
- كان ورعاً ثقةً فقيهاً، لا يُطعن عليه في شيء.
- كان ثقة في روايته، لا يُطعن عليه، صحيحاً إعتقاده.
- ثقةٌ، لا يُطعن عليه بشيء.
- وَجْهُ أصحابنا وفقيههم، الثقةُ الّذي لايُطْعَن عليه.
- ثقاتٌ، لايُطْعن عليهم بشيء.
- كان وجهاً في أصحابنا ثقةً معتمداً، لا يُطْعَن عليه.
- الشيخ الثقةُ الصدوقُ، لا يُطْعَنُ عليه.
- كان وجهاً... ثقةً صدوقاً، لا يُطْعَنُ عليه.
- ضعيف مَطْعوُنٌ عليه.
واستعمل ذلك غير النجاشي - أيضاً - في مختلف المجالات في الحديث والفقه والكلام بما يطول معه المقام.
ومن الواضح أنّ وجود «الطعن» مطلقاً أو مقيّداً، مؤثّرٌ للضعف كذلك، ومناقضٌ للثقة المطلوبة، كذلك.
لكنّ الشأن في «عدم الطعن» ومدى تأثيره؟
وقد رأينا أنّ «لا يطعن عليه» استعملت مع كلمة «ثقة» مقترنةً بها، وهي لابُدّ أن تدلّ على معنىً غير مناقضٍ للوثاقة، بل موافق لها بالمساواة لتصحّ بدليّتها لها أو تأكيدها عليها، بحيث يُغني أحدهما عن الآخر، كما هو المستعمل في كلمات الرجاليّين.
فكما يقولون: «ثقة لا يُطْعَنُ عليه».
يقولون: «ثقة» فقط.
و: «لا يُطعن عليه» كذلك.
وبحساب النسبة، فتكون كلمة «يُطْعَنُ عليه» أو «طُعِنَ» مساوية لكلمة «غير ثقة».
وبقياس المساواة فهو «ضيفٌ».
وقد قلنا: إنّ الضعف والطعن شيء واحدٌ، وهو كالغمز، والجرح، والإتّهام.
إذن، قولهم: «طُعِنَ» بمعنى «ضعيفٌ» إمّا مطلقاً، أو مقيّداً بالدين أو الرواية، أو الحديث، كما شرحنا.
ونفي «الطعن» المطلق، يعني «الثقة» اللازم تحقّقها في الراوي.
أما كون الثقة تَثْبُتُ بنفي الطعن
فهو الّذي صرّح به المحقّق الحلّي بوضوح فقال: «إذا قال: 00021أخبرني بعض أصحابنا وعنى الإماميّة، يُقبل، وإنْ لم يصفه بالعدالة، إذا لم يصفه بالفسوق، لأنّ إخباره بمذهبه شهادةٌ بأنّه من أهل الأمانة، ولم يعلم عنه الفسوق المانع من القبول».(14)
وهذا المنهج مبنيّ على «أصالة الوثاقة في المؤمن» بشرط عدم الطعن فيه، وهو منهج قُدماء أصحابنا، والملتزم عند المحقّقين من غيرهم.
وعلى هذا، فأثر «الطعن» وجوداً وعدماً، يظهر بوضوح في المعالجات الرجاليّة.
ولدينا ملاحظات عامّة، تؤكّد على التزام القدماء، وعلماء الرجال بالخصوص بهذا المنهج، نعرضها:
1 - نلاحِظُ أنّ القدماء إلى عصر الشيخ الطوسيّ، لم يصرّحوا بِقول «ثقة» مع جميع الثقات، حتّى المشاهير، وإنّما نجد التصريح بذلك مع مخالفي المذهب من الثقات غالباً، كما فعله أبو غالب الزراريّ في الرسالة(15) مع مشايخه من الواقفة دون غيرهم.
أو مع الذين صدرت فيهم طُعُون لم يرتضوها في الدين أو الصدق أو السداد، وأرادوا بالتصريح بوثاقتهم بِمثل : «كان ثقة» دفع تلك الطعون المقولة أو المتوهّمة في حقّهم.
وكثيراً ما نجد اقتصارهم في وصف المشاهير بقولهم: «من أصحابنا» الّتي تكون - حسب المحقّق الحلّي - دالةً على التوثيق، حسب المنهج المذكور.
2 - ونلاحظ - ثانياً - أنّ أعلام الرجال من الطائفة لم يتصدّوا للتأليف لجمع أسماء الثقات في محلٍّ واحدٍ، كما تصدّى له العامّة.
وأما المؤلّفات المتوفّرة في الرجال، وهي الأُصول، فلها أغراض متنوعة اُخرى، كالطبقات في «رجال الطوسيّ» والمؤلّفين والمؤلّفات في «الفهارس» والطرق في «المشيخات».
وأمّا «التوثيق والتضعيف» الوارد فيها، فإنّما هو أمر ثانويّ غير مقصود بالذات، وقد يكون لأجل تمييز الموصوفين وتحديد هويّاتهم، أو لدفع دخل الطعن عنهم، كما ألمحنا.
وأمّا الكتب الخاصّة بالتوثيق، فلم نعهد لها مثالاً عند القدماء سوى ما نُسب إلى ابن الغضائريّ - مؤلّف كتابنا هذا - كما سبق أنّ له كتاباً في الممدوحين.
وكذلك الكتب الخاصّة بالضعفاء، فقد اختصّ بالتأليف فيها ابن الغضائريّ بهذا الكتاب.
ثمّ إنّ «أسماء الضعفاء» خاصّة من المنحرفين والمطعون عليهم، جمعها في محلّ واحدٍ العلّامة وابن داوود في القسم الثاني من كتابي رجالهما، كما هو المعروف، فأورد العلاّمة مجموعة كبيرة، وابن داوود 565 اسماً.
وتصدّى لجمع أكبر مجموعةٍ من أسماء الضعفاء في محلّ واحد المحقّق الكاظميّ، المقدّس الأعرجيّ السيّد محسن (000 - 1227 ه).
فأورد في الفائدة الأُولى - بعد الاثني عشر - من المجلَّد الأوّل (ص418-257) أسماءهم.
ثمّ في الفائدة الثانية ذكر جماعة من مشيخة العصابة الّذين طعن عليهم (ص 501-419) مع المناقشة الضافية.
إنّ الاهتمام بأمر «الضعفاء» تَبدو فائدته جليّة على منهج القدماء، حيث إنّ وجود الطعن، يعني عدم الثقة، وانتفاؤه يعني الثقة، إطلاقاً وتقييداً، كمإ؛غغ شرحنا.
وإذا انحصر عدد الضعفاء في مقدار معيّن، فإنّ «أصالة الوثاقة في المؤمن» تكون فاعلةً مؤثّرة، في مَنْ ثبت انتماؤه المذهبيّ إلى الإماميّة، وبهذا نتمكّن من تمييز وثاقة مجموعة كبيرة من الرواة، ولا نقف على المأزق الّذي يدفعنا إلى التشبّث بالتوثيقات العامّة المتعمّلَة، والّتي قد ينكشف عوارها بعد حينٍ، وتقلب الأحكام وتغيّر الفتاوى، وتُظهر الفضائح.
إنّ المنهج القويم الّذي التزمه القدماء في التوثيق والتضعيف والمبنيّ على اُسس علميّة رصينة، وسارت عليها الطائفة في تحمّلها طوال القرون وتعاقب الأجيال، لهو أقربُ الطرق الموصِلة إلى معارف أهل البيت(ع) عقيدةً وفقهاً.
وهو الّذي التزمه ابن الغضائريّ وألّف على أساسه كتابه العظيم هذا، سالكاً فيه مسلك العلموالاحتياط للعلموالدين،فرحمهاللَّه وإيّانا وجميعالعُلماء والمؤمنين.
عمل ابن الغضائري
لاريب أنّ ابن الغضائريّ - وهو زميل النجاشيّ والشيخ الطوسيّ - هو مثلهما في عدم المعاصرة لأكثر الرواة الّذين ذكروهم في كتبهم، وإنّما اعتمدوا في ما ذكروه من أحوالهم، على ما أخذوه من المشهور بين علماء الرجال عند الطائفة، وأقربهم إليهم أبوه الحسين الغضائريّ الّذي اشتهر بالمعرفة بالرجال.
فما أورده المؤلّف في كتابه من عبارات الجرح والتعديل، إذا كانت مطلقة غير مسندة إلى أحد، فحكمها حكم ما أطلقاه الطوسيّ والنجاشيّ، محمولةً على أنّ ذلك هو المعروف عند الطائفة.
وفي ما لو تعارض قوله مع قولهما أو قول أحدهما، فلا بُدّ من الترجيح أو الجمع مهما أمكن، وإلّا فالتوقّف في الراوي، لمكان الجرح المنقول الّذي يؤدّي إلى الريب فيه، وهذا هو مؤدّى تقديم الجرح على التعديل.
وقد لا يكون في ما أورده الغضائريّ أو غيره دلالةٌ على «الطعن» القادح في الثقة، فلا يمنع من القبول أو ترجيح غيره.
وقد رأيتُ أفضل من فهم أغراض ابن الغضائريّ، وعمل بها ووجّهها بقوة، هو الإمام العلّامة الحلّي في «الخلاصة».
وأمّا ما يُظهره ابن الغضائريّ من التصرّفات، فهو يصرّح بوجه عمله فيها بقوله: «وعندي» و«وأظنّه» و «فيما رأيته» و «ما رأيت له» و «لا أعرف له» و «فإني رأيتُ» و«قد وجدتُ» و«رأيت له» و«ولا أرى» و«أرى» وغير ذلك مما ظاهره «الاجتهاد» من ابن الغضائريّ في الموارد.
ولو جمعتْ هذه الموارد - الّتي ظاهرها اجتهاده الخاص - لم تتجاوز العَقْد كثيراً.
مع أنّه مصيبٌ في كثير منها، وما أخطأ فيه ليس إلّا معدوداً.
فما هذه الضجّة المصطنعة ضدّه: إنّه كثير الجرح؟!
ثمّ إنّ أحكامه - كالسابقين عليه - إنّما عُرفت من خلال كتب المجروحين ورواياتهم، وهي نُبذت وصُودرت وطرحت من المجاميع المتأخّرة، وصُفّيت من الكتب، فصفَتْ من أحاديث التخليط والغُلوّ والارتفاع، الّتي عرف بها رواتها هؤلاء، وإنّما بقيتْ المجموعة المقبولة، الخالية من شوائب تلك المخالفات. فليس من الصواب انتقاد علماء الرجال الطاعنين في أُولئك الرواة، بزعم خلوّ أحاديثهم المتداولة ممّا اتهموهم به من الطعون!
مقارنات
وأخيراً،لو قمنا بالمقارنة بين ما أثبته ابن الغضائريّ، وما جاء في كتب الرجال الاُخرى (الاُصول الرجاليّة)، لم نجد انفراداً واسعاً من الغضائريّ، ولا مخالفة كليّةً له معهم، في خصوص التضعيفات، بل قد نجد مخالفة له معهم في ذلك.
كما نجد عند غيره تضعيفات لم يورد منها شيئاً.
كما نقل عنه الانفراد بتوثيقات.
كما نجد منه معارضة لبعض التضعيفات المنقولة بصورة صريحة في كتابه هذا، وبالتالي لجوءه إلى التوثيق والقبول.
فكيف يُطلق عليه القول بأنّه «طعّان» أو«لم يسلم أحدٌ من جرحه» وغير ذلك من الكلمات المطلقة بلا عنان!؟
جهوده العلمية
1 - استخدامه لعبارات علميّة في أدلة الجرح، وعدمه مثل «المنكر» و«الوضع» و «الارسال» و «الشاهد» و «العلّة» و «التخليط» و «الغلوّ» و «التفرّد بالغرائب» وأمثال ذلك، ممّا يدلّ على عناية فائقةٍ بالعلم و توغّل عميق فيه.
2 - مراجعته لكتب الرواة لمعرفة صحّة اتّهامهم، ونقد المتون المرويّة عنهم لمعرفة عقائدهم، وتصحيح الحكم عليهم حسبها، ليكوّن محاكمة ميدانيّة حولها.
3 - مناقشة الأحكام الصادرة من القميّين بالغلوّ والارتفاع على الرواة، لما عُرف منهم من التشدّد في هذا المصطلح وتوسيعه، بينما البغداديّون - والمؤلّف منهم - لايرون مثل ذلك.
4 - تفريقه في جهات التضعيف بين الضعف المطلق، وبين الضعيف في الدين والمذهب، أو الرواية والنقل، أو الحديث والسداد، بشكل ملحوظ.
5 - وأخيراً: تصدّيه لجمع الضعفاء، الّذي عرفنا أثره في تثبيت المنهج الصائب الّذي سار عليه القدماء، وسار عليه المتأخّرون، والتزمه - بعد التحقيق - المحقّقون حتّى الأواخر، والمعاصرون من الأعاظم، كما فصّلنا.
إنّ هذه الجهود تدلّ على عظمة ابن الغضائريّ في عالم النقد الرجاليّ على ذلك المنهج الرصين، ويُعَدُّ - لذلك - كتابه كنزاً ثميناً، حفظتْ به معالم ذلك المنهج، مضافاً إلى كونه واحداً من عيون تراثنا الرجاليّ الخالد. هذا الكتاب
قد وفّقنا اللَّه تعالى - في ما وفقّنا للعمل فيه من كتب العلم - أن نقوم بجمع نسخه، وتقويمها حسب المستطاع ، وجمع ما اُثِرَ من أقوال ابن الغضائريّ ونثر في كتب التراث الرجالي، وتنظيمها في هذا الكتاب، الّذي أسميناه «الرجال لابن الغضائريّ». نسخ الكتاب وعملنا فيه
لقد انعقد العزمُ على إنجاز العمل في هذا الكتاب بمقدّماته والتعليقات عليه ونصّه المضبوط في العام 1420 ه لكن الإرادة الربّانيّة نفّذت غير ذلك، فكان ما شاء اللَّهُ عظمت إرادتُه من العائق الصحيّ، والحمدُ له دائماً أبداً، فاكتفيتُ بإنجاز هذا المتن وحسبَ المتوفّر من النسخ المعدّة، آملاً أن يغمُرَني التوفيقُ الربُوبي للعودة إلى العمل وإكماله على ما يُرام.
ولنعرّف بالنسخ المعتمدة لرجال ابن الغضائري الذي استنسخه الشيخ عبد اللَّه التستري من كتاب «حل الإشكال» لابن طاووس هنا برموزها التي استعنت بها -للاختصار-:
1 - نسخة جامعة طهران (دانشگاه تهران) المصوّرة من المطبوعة على الآلة الكاتبة، المنقولة عن نسخة شيخ الإسلام الزنجاني التي قابلها عام 1363 ه، بنسخة السيد حسن الصدر الكاظميّ(قدّس سرّه).
وهي محفوظة في دانشگاه بالرقم 1071.
ورمزنا إليها بالرمز «نش».
2 - نسخة سماحة الحجّة المرعشيّ(قدّس سرّه) كتبها عام 1355 وقابلها عام 1357 ه، بنسخ عديدة... هي محفوظة في مكتبته العامرة في قم المقدسة.
وقد رمزنا إليها ب«عش».
3 - النسخة الموجودة مع رجال العلّامة الحلّي(قدّس سرّه) المطبوع باسم «الخلاصة»، وهي نسخة كاملة.
4 - النسخة التي أوردها الشيخ القهپائي(قدّس سرّه) في كتابه «مجمع الرجال» وهي مزدانة بالتعليقات النفيسة لاُستاذه التستري(قدّس سرّه).
ولم نتجاوز في هذا الذي نقدّمه - الآن - حدود ما ورد في النسخ المذكورة إلّا نادراً أشرنا إليه على أمل التوفيق لإنجاز تعليقاتنا الواسعة عليه التي لا زالت قيد المتابعة والعمل.
راجين أن يقع عملنا هذا موقع الرضا للَّه تعالى وللعلم وأهله الّذين نفتخر بخدمتهم.
وما توفيقي إلّا باللَّه، هو حسبي، عليه توكَّلتُ وإليه ترجع الاُمور.
والحمدللَّه أولاً وآخراً. وكتب السيّد محمّدرضا الحسيني الجلالي
في 11 ربيع الأوّل عام 1421 ه
الحوزة العلمية في قم المقدسة
1. لقد اعتمدنا في نقل الأقوال على تلك المقدّمة حتّى في الإرجاعات إلى المصادر الاُخرى.
2. رجال الطوسي ، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1415 ه ، ص 425، رقم 6117.
3. رجال النجاشي ، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1407 ه، ص 69، رقم 166.
4. لسان الميزان ، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1416 ه، ج 2، ص 533 و 546 و 549.
5. رسالة أبي غالب الزُراريّ ، قم: مكتب الإعلام الإسلامي - مركز البحوث والتحقيقات الإسلاميّة، 1411 ه، ص 60 و 64 و 96 - 99.
6. رجال السيد بحر العلوم ، طهران: مكتبة الصادق، 1363ه.ش، ج2، ص305.
7. فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ، قم: منشورات الرضي، 1363ه.ش، ص97.
8. الرواشح السماوية ، قم: مكتبة آية اللَّه العظمى المرعشي، 1405ه، الراشحة الخامسة والثلاثون ص112-111.
9. الفهرست ، النجف الأشرف: المكتبة المرتضويّة، الطبعة الأولى.
10. معجم الاُدباء ، بيروت: دارالفكر، 1400 ه، ج 2، ص 202، رقم 20.
11. قاموس الرجال ، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1410 ه، ج 1، ص 446 - 447.
12. مجمع الرجال ، إصفهان: مطبعة ربّاني، 1384ه، ج1، ص108، الهامش (مع تفاوت يسير).
13. سماء المقال ، قم: مؤسسة ولي العصر -عليه السلام- للدراسات الإسلامية، 1419ه، ج1، ص29ù23.
14. معارج الاُصول ، قم: مؤسسة آل البيت -عليهم السلام- للطباعة والنشر، 1403ه، ص151.
15. رسالة أبي غالب الزُراريّ ، ص 150 (الفقرة: 9 / ب).
|

|
الرجال لابْنِ الغَضائِريّ |

|

|