الفصل التاسع في مقدّمات الطهارة وصفة الماء الذي يصلح لطهارة الصلاة



في مقدّمات الطهارة وصفة الماء الذي يصلح لطهارة الصلاة
الفصل العاشر في صفة الطهارة بالمعقول من مراد الرسول(ص) لكمال القبول
الفصل الحادي عشر في صفة الطهارة بالماء بحسب المنقول
الفصل الثاني عشر في صفةالتراب أو مايقوم مقامه، والطهارة الصغرى به بعد تعذّر الطهارة بالماء


في مقدّمات الطهارة وصفة الماء الذي يصلح لطهارة الصلاة


أمّا المقدّمات قبل الطهارة، فمنها ما يحتاج إليه الإنسان لدخول الخلاء والبول والغائط وتلك الضرورات.
فأقول عند هذا: يا عبدَالسوء يا مَهين، ما الذي جرّأك على سلطان العالمين ومالك الأوّلين والآخرين؟ وما الذي أَخرجك عن مقام عبد مسكين مستكين، إلى الإهمال والتبسّط والاشتغال بغير العبوديّة والخدمة والمعاملة لمالك يوم الدين؟ ويلك ! أما ترى أنّك كنيفُ بيتِ العَذِرات، وحمّالُ أرذال القاذورات، ونزّاحُ بيتِ طهارةِ جسدك، لعلّك تفعل ذلك كلّ يوم وليلة مراراً بيدك، ولا مخلصَ لك من هذه الصنعة الخسيسة إلى أن تموت. ويحك! كيف رفعتَ رأسك من شعار الذلّة والقلّة لصاحب الجبروت ومالك الملك والملكوت؟ أما تعلم أنّ بدايتك من نحو أبيك من نطفة مذرة(1) وإنّها خرجت من محلّ الأبوال القذرة، ثمّ أنت بعد ذلك حمّال وغسّال العَذِرَة، ثمّ تكون بعد ذلك الموت جيفة نكرة.(2) طأطى‏ء رأسك ذلّاً وحياءً وخجلاً، واخفض صوتك خوفاً ووجلاً، واعرف خساسةَ قدرك، وانظر في تدبير أمرك، واسع لمولاك في فكاك رقبتك من أسرِ العبوديّة، وفي إخراجك من ذلّ هذه الخسائس الرديّة، وتوصّل وتوسّل في عتقك من رقّ الإسار، وأن يجعلك من الأحرار، ويؤهّلك (3) للمقام في دار القرار، ويرفعك بذلك عن هذه الصنعة الخسيسة التي أنت فيها نزّاح بيوت الطهارات وغسّال العذرات، ويهدم هذا الجسد السخيف، ويعمره على بناءٍ شريف منزّه عن هذه الأقذار، يصلح للمقام فيما ذكرناه من دارِ دوامِ المَسارّ.
فهذا التوصّل والتوسّل قد جُعِل في الدنيا، فإن قنعت بالدون فأنت المغبون، والذنب لك، والمصيبة عائدة عليك. وإذا أراد العبد المبتلى بهذه الأشياء في دار الفناء الدخول إلى بيت الخلاء، فيحتاج أن يعرف اُموراً قبلَ الدخول ليكونَ على علم ممّا يفعل أو يقول.
فمن تلك الاُمور - إذا كان على الاختيار - في المأثور: أن يغطّي رأسه قبل الدخول إن كان مكشوفاً، وأن يكون موضع قضاء حاجته مصوناً عمّن ينظر إلى عورته، وإذا أراد الجلوس لذلك فلا يكون مستقبل القبلة ولا مستدبرها، ولا يستقبل الهواءَ بالبول فلعلّه يردّه الهواء عليه، ولا يستقبل الشمس ولا القمر، ولا يبول في ثقوب الحيوان فلعلّه يخرج منه ما يؤذيه، ويجتنب المواضع التي يتأذّى بها الناس، ولا يبول ولا يتغوّط في ماء جارٍ ولا راكدٍ فإنّه أشدّ كراهيّة، وإن كان الماء الراكد دونَ الكرِّ (أفسده ونجّسه، ولا يأكل ولا يشرب في حال الاشتغال بقضاء هذه الحاجة، ولا يستاك وهو كذلك، ولا يتكلّم إلّا بذكر اللَّه جلّ جلاله أو تدعوه ضرورة إلى الكلام.
فإذا فرغ من قضاء حاجته استنجى، فغسل الموضع من البول والغائط بالماء، وإن تعذّر الماءُ لغسل الغائط فيمسح موضع الغائط بثلاثة أحجار طاهرة أو ما يقوم مقامها ممّاجعله الشرع عوضاً عنها، فإن زالت عينُ الغائط قبل تمامِ الثلاثة فلابدّ من ثلاثة، وإن لم تزل العين بثلاثة فيزيد على ثلاثة حتّى تزول عين الغائط، ويجوز الاقتصار على الأحجار كما ذكرناه مع وجود الماء في الغائط، فإن جمع بين الأحجار والماء كان أفضل.
فإذا فرغ من طهارة موضع الغائط مسح من عند مخرجه إلى أصل ذكره ثلاث مرّات مسحاً لطيفاً، ثمّ يمسح كذلك من أصل ذَكَره إلى عند رأسه ثلاث مرّات‏(4)، ثمّ يغسله ولا يجزئ في غسل البول غيرُ الماء مع التمكّن منه.
وإن كانت امرأةً فحكمها في غسل الغائط بالماء كالرجال، وأمّا البول فما تحتاج فيه إلى مسح ويجزئها غسل البول.
ذِكر بعض ما رويناه من آداب ودعوات عند دخول الخلاء إلى أن يخرج منه، ينبغي للعارف أن لا يغفل عنه.
فمن ذلك: أنّه يقدّم عند دخوله إليه رجله اليسرى قبل اليمنى.
(54) 1 - وليقل ما رويناه بإسنادنا عن الشيخ الصدوق أبي‏محمّد هارون بن موسى التلعكبريّ رضوان اللَّه عليه قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد (5) قال: حدّثنا يحيى بن زكريّا بن شيبان قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة البطاينيّ قال: حدّثنا أبي، عن أبي بصير، عن أبي عبداللَّه (ع) قال: «إذا دخلتَ إلى المخرج وأنت تريد الغائطَ فقل: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخَبيثِ المُخْبَثِ الرِّجسِ النَّجِسِ الشَّيطانِ الرجيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البصيرُ العليمُ»(6).
(55) 2 - أقول: وإن كنت تريد)(7) روايةً أقلّ من هذه الألفاظ فقل ما رويناه بإسنادنا إلى أحمد ومحمّد ابنى أحمد بن عليّ بن سعيد الكوفيّين قالا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال: حدّثني يحيى بن زكريّا بن شيبان من كتابه في (شهر) محرّم سنة سبع وستّين ومائتين قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة قال: حدّثني أبي وحسين بن أبي العلاء جميعاً، عن أبي‏بصير(8)، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: إذا دخلت إلى المخرج وأنت تريد الغائطَ فقل: «بِسْمِ اللَّهِ وَباللَّهِ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيْمُ »(9).
(56) 3 - أقول: وإن كنت تريد أخفّ من هذه الألفاظ أيضاً فقل ما رواه عليّ بن محمّد بن يوسف قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمّد بن أبي القاسم، عن محمّد بن عليّ، عن عبدالرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: إنّ عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبشير الرحّال سألوا أبا عبداللَّه(ع) عن حدّ الخلاء إذا دخله الرجل، فقال: «إذا دخل الخلاء قال: « بِسْمِ اللَّهِ » فإذا جلس يقضي حاجته قال: « اللَّهُمَّ أَذْهِب عنِّي الأذى‏ وَهَنِّئْني طَعامي » فإذا قضى حاجته قال: «الحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذِي أَماطَ عَنِّي الأَذى‏، وَهَنَّأَني طَعامي » ثمّ قال: إِنَّ مَلكاً موكّلًا «بالعباد إذا قضى أحدُهم الحاجةَ قلَب عنقَه، فيقول: يابنَ آدم ألا تنظر إلى ما خرج من جوفِك، فلا تُدخِلْهُ إلّا طيّباً، وَفرْجك فلا تُدخله في الحرام» (10).
(57) 4 - أقول: فإذا أراد الاستنجاءَ فليقل ما رويناه عن جدّي أبوجعفر الطوسيّ رضوان اللَّه عليه بإسناده قال: «يقول إذا استنجى: اللَّهُمَّ حَصِّن فَرجي، واستُر عَوْرَتي، وَحَرِّمهما على النَّار، ووفّقني لِما يرضيك عَنِّي، يا ذا الجَلال والإكرام»(11).
(58) 5 - أقول: إذا فرغت من الغائط فقل ما رواه أحمد ومحمّد ابنا أحمد بن عليّ‏بن سعيد الكوفيّان قالا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفيّ‏(12) قال: حدّثنا يحيى بن زكريّا بن شيبان من كتابه سنة سبع وستّين ومائتين في (شهر) محرّم قال: حدّثنا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة قال: حدّثنا أبي والحسين بن أبي‏العلا الزندجي‏(13) جميعاً، عن أبي‏بصير، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: «إذا فرغت - يعني من الغائط - فقل: الحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذِي أماطَ عَنِّي الأَذى‏ وَأَذْهَبَ عَنِّي الْغائِطَ وَهَنَّأَني وَعافاني، وَالحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذي يَسَّرَ المساغَ وَسَهَّلَ المَخْرَجَ وَأَمضى‏ الأذى‏»(14).
(59) 6 - أقول: فإذا أردتَ الخروج من بيت الخلاء فامسح على بطنِك، ثمّ قل ما رويناه بإسنادنا عن جدّي أبوجعفر الطوسي رضوان اللَّه عليه: « الحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذي هَنَّأَني طَعامي وَشَرابي وَعافاني مِنَ البلْوَى‏ ثمّ يخرج رجله اليمنى قبل اليسرى ويقول: الحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذي عَرَّفَني لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى‏ فِي جَسَدي قُوَّتَهُ، وَأَخْرَجَ عَنِّي أَذاهُ، يَا لَها نِعْمَة يَا لَها نِعْمَة يا لَها نِعْمَة، لا يَقْدِرُ القادِرُونَ قَدْرَها»(15).
ذكر ما نقول في صفة ماء الطهارة الذي يصلح للطهارة:
هو ما يكون ماءً مطلقاً طاهراً من النجاسات، مأذوناً شرعاً في استعماله للطهارة، فإذا وجد ذلك تطَهَّر به، وإن وجد ذلك الماء وكان قليلاً ينقص عن الكرّ فأصل المياه أنّها طاهرة على اليقين، فلا يَمتَنِع من التطهّر به لأجل كونه قليلاً. ويقول: لعلّه قد نجس بظنّ أو تخمين، فيكون في امتناعه وإهماله لهذه الطهارة والصلوات قد رمى نفسه في الهلكات، واستخفّ بصاحب الشريعة، بل أقدم على من أرسله جلّ جلاله باُمور فظيعة، لأنّه إذا كان يريد العبادة له سبحانه فلا يخالفه في تدبيره وقوله، وإيّاه وما قد دخل فيه كثير من الناس من إهمال الطهارة والصلاة بالتوهّمات لنجاسة الماء على سبيل الوسواس، فإنّ ذلك مرض في الأبدان أو سقم في العقائد والأديان، وقصور في معرفتهم بالرحمن.

الفصل العاشر في صفة الطهارة بالمعقول من مراد الرسول«ص» لكمال القبول


يقول السيّد الإمام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل رضيّ الدِين ركن الإسلام، أبوالقاسم عليّ‏بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس، ضاعف اللَّه سعادته وشرّف خاتمته:
المهمّ لمن يريد الطهارة بالماء أن يبدأ بتطهير الأعضاء من وسخ الذنوب ودنس العيوب قبل غسلها بالماء، فإنّه إذا غسلها وهو غافل عن تطهيرها ممّا يكرهه مولاه الذي يريد وقوفه بين يديه، وكان في حال غسلها بالماء غائباً عن اللَّه جلّ جلاله في سفر غفلته وجرأته عليه كان كالمستهزئ، حيث ترك الأهمّ واشتغل بالدون، ولا يأمن أن يتناوله تهديد قوله جلّ جلاله: (اللَّهُ يَسْتَهزئُ بِهِم وَيَمُدُّهُم في طغيانهم يَعْمَهُونَ)(16).
(أما بلغك مقام مصنّف كتاب اللؤلؤيّات في باب الخشوع: وكان الحسن بن عليّ(ع) إذا توضّأ تغيّر لونُه وارتعدت مفاصلُه، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ لمن وقف بين يدي ذي العرش أن يصفرَّ لونُه وترتعدَ مفاصلُه‏(17).
وروى نحوَ هذا الحديث عن مولانا الحسن(ع) يعقوبُ بن نعيم بن زيادة من أعيان أصحاب الرضا(ع) في كتاب الإمامة)(18) أما بلغك أيضاً أنّ مولانا زين العابدين عليّ بن الحسين(ع) كان إذا شرع في طهارة الصلوات اصفرّ وجهه، وظهر عليه الخوف من تلك المقامات‏(19).
فهل يجوز في ميزان العقل أن يخاف هو(ع) وهو مستقيم، وتأمن أنت وأنت سقيم؟! فإنّ كلّ من يريد الدخول إلى حضرة مَلِك لمناجاته يتأهّب بإصلاح كلّ مايقع نظرُ الملك عليه، وبكلّما يكون أقربَ إليه. ومن المعلوم أنّ نظر اللَّه‏جلّ‏جلاله المنزّه، واعتباره بطهارة القلوب من الذنوب والجوارح من الجوائح‏(20)، ولأنّه إذا اهتمّ بتطهيرها من دنس استعمالها في غير ما خلقت له من عبادته، إمّا بأن يطلب العفو من مالك رحمته أو بتوبة خالصة تصادق نيّته، فيكون اهتمامه بذلك الأهمّ لطفاً له، وأدعى إلى تطهيرها بالماء على التمام، وإذا طهّرها بالماء بعد تطهيرها من الآثام كان أقرب إلى أن يدخل حضرة المناجاة بسلام، ويجد رَوْحَ أَرَجِ‏(21) ذلك المقام.

الفصل الحادي عشر في صفة الطهارة بالماء بحسب المنقول


(60) 1 - روى محمّد بن الحسن بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن عليّ بن حسّان الواسطيّ، عن عمّه عبدالرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمّد بن عليّ، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: «بينا أمير المؤمنين(ع) ذات يوم جالساً مع ابن الحنفيّة إذ قال: يامحمّد، ائتني بإناءٍ من ماء أتوضّأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء فألقى‏(22) بيده اليسرى على يده اليمنى ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الحَمْدُ للَّهِ‏ِ الَّذي جَعَلَ الماءَ طَهُوراً وَلَم يَجْعَلْهُ نَجِساً قال: ثمّ استنجى فقال: اللَّهُمَّ حَصِّن فَرْجي وَأَعفّهُ، واستُر عَوْرتي، وَحَرِّمني على‏ النَّارِ قال: ثمّ تمضمض فقال: اللَّهُمَّ لَقِّنِّي حُجَّتي يَوْمَ أَلْقاكَ، وَأَطْلِق لساني بِذْكِركَ‏(23)، ثمّ استنشق فقال: اللَّهُمَّ لا تُحَرِّمُ عَلَيَّ رِيْحَ الجَنَّةِ، وَاجْعَلْني مِمَّن يَشمُّ رِيْحَها وَرَوْحَها، وَرَيْحانَها وَطِيْبَها قال: ثمّ غسل وجهه فقال: اللَّهُمَّ بَيِّض وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ الوجوه، وَلاتُسَوِّدْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضّ الوجوه‏(24)، ثمّ غسل يده اليمنى فقال: اللَّهُمَّ أَعْطِني كِتابِي بِيَمِيني، وَالخُلْدَ فِي الجِنانِ بِيَساري، وَحاسِبْني حِساباً يَسِيراً ثمّ غسل يده اليسرى فقال: اللَّهُمَّ لاتَعْطِني كِتابي بشمالي‏(25)، ولا تَجْعَلْها مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ مُقَطَّعاتِ النِّيرانِ ثمّ مسح رأسه فقال: اللَّهُمَّ غَشِّنِي بِرَحْمَتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَعَفْوكَ (26) ثمّ مسح على رجليه فقال: اللَّهُمَّ ثَبِّتْني عَلَى‏ الصِّراطِ المُسْتقيم يَوْمَ تزلُّ فيْه الأقدْامُ، واجْعَل سَعْيي فِيما يُرْضِيكَ عَنِّي (27).
ثمّ رفع رأسه فنظر إلى محمّد فقال: يا محمّد، من توضّأ مثل وضوئي، وقال مثل قولي، خلق اللَّه عزّوجلّ من كلّ قطرةٍ مَلكاً يقدّسه ويسبّحه ويكبّره، فيكتب اللَّه عزّوجلّ له ثواب ذلك إلى يوم القيامة»(28).
أقول: وفيما روي عن الأئمّة في تفصيل أحكام في هذه الطهارة:
أن يبدأ في غسل وجهه من أوّل شعر مقدّم رأسه إلى آخر ذقنه، ويبدأ بغسل يديه على ظاهرهما من المرفقين إلى أطراف أصابعهما، ويمسح رأسه في مقدّم رأسه مقدار ثلاث أصابع ويجزئ دون ذلك، ويبدأ في مسح ظاهر قدميه من أطراف أصابعهما إلى الموضع المسمّى بالكعبين العاليين في ظاهر القدمين، وإن غسل وجهه وذراعيه كلّ واحد مرّتين كان حائزاً أو جامعاً بين فضل الروايتين.
وهذه الطهارة تنقضها الجنابةُ، ومسُّ الميّت بعد بَرده وقبل تطهيره، وينقضها النومُ الغالب على الحاسّتين السمع والبصر، وكلُّ ما أزال العقلَ، والبولُ، والغائطُ، وخروجُ الريح المتيقّن، ويزيد في نواقضِها للنساءِ الحيضُ والنفاسُ، والاستحاضة.

الفصل الثاني عشر في صفةالتراب أو مايقوم مقامه، والطهارة الصغرى به بعد تعذّر الطهارة بالماء


هذه الطهارة تسمّى في عرف الشريعة تَيَمُّماً، وكانت رحمة من اللَّه جلّ جلاله لمن فقد الطهارة بالماء وإنعاماً عليه وتكرّماً.
وصفة التراب الذي يتيمّم به أن يكون طاهراً، مأذوناً له شرعاً في استعماله، فإن فقد التراب فتيمّم من لِبْد(29) سَرجِه وكلِّ ما له غبار، يجوز تصرّفه فيه للتيمّم عند عدم الماء والتراب وحصول الاضطرار.
وهذا التيمّم إنّما يصح المصير إليه إذا تضيّق وقت الصلاة عليه بمقدار ما يحتاج المتيمّم إليه، وفقد الماء للطهارة بالكليّة، أو تعذّر عليه استعماله لمرض، أو تعذّر الثمن، أو بعض الأعذار المبيحة للتيمّم‏(30) في الشريعة المحمّديّة(ص).
فإن كان تعذّر الطهارة بالماء لأنّه غير موجود عنده وكان الفاقد له في الفلوات، فيطلبه عند مُضايَقَةِ أوقات الصلاة، في الأرض السهلة مقدار رمية سهمين، وفي الأرض الصلبة مقدار رمية سهم واحد، والطلب أمر مهمّ ممّن يقدر عليه وأُكّد، فإذا لم يجده مع هذا الطلب وكان في الفلاة، أو كان عذره في ترك الطهارة بالماء للصلاة لبعض ما أشرنا إليه من الأعذار.
فصفة التيمّم للطهارة الصغرى: أن يضربَ بباطن يديه على التراب ثمّ ينفضهما، ويمسح بباطنهما جبينه من أصل شعر مقدّم رأسه إلى طرف أنفه - أعني الطرفَ الذي يلي رأس أنفه - ويمسح بباطن كفّه اليسرى ظاهر كفّه اليمنى‏(31) من أوّل الكفّ المذكورة إلى أطراف أصابعها، ويمسح بباطن كفّه اليمنى ظاهر كفّه اليسرى من أوّل الكفّ المذكورة إلى أطراف أصابعها، فإذا فعل ذلك فقد استباح الدخول في الصلاة والعبادات التي تحتاج إلى الطهارة، ولا ينقض هذا التيمّم إلّا ما ينقض الطهارة بالماء، وينقضه أيضاً التمكّن من الطهارة بالماء.

1. المَذرة: تشبيهٌ بالبيضة الفاسدة. انظر (الصحاح «مذر» 813).
2. «نكرة، ض ش و ط « نكرة ».
3. في ش « يوهبك » بدل « يؤهّلك ».
4. وهذه العمليّة تسمّى بالخرطات التسعة أي الاستبراء، وسقطت الثلاثة الأخيرة.
5. ليس في ش « سعيد ».
6. عنه البحار، ج 80، ص 195، ح 54 و، ص 180، ح 29 نحوه ؛ وراجع التهذيب، ج 1، ص 351، ح‏1048 ؛ فقه الرضا(ع)، ص 78 ؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 45، ح 17875.
7. ما بين المعقوفين سقط من الأصل وهو قريب الصفحة، ونقلناه من، ش و ط.
8. ليس في ط « أبو بصير ».
9. الكافي، ج 3، ص 16، ح 1 ؛ التهذيب، ج 1، ص 25، ح 63 كلاهما عن معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق(ع) وص 24، ح 62 عن عليّ بن أسباط أو رجل عنه عمّن رواه عن الإمام الصادق(ع) ؛ وص‏351، ح 1038 عن أبي بصير عن أحدهما(ع) ؛ الفقيه، ج 1، ص 23، ح 37 و، ص 25، ح‏42 ؛ فقه الرضا(ع)، ص 78 ؛ الجعفريّات، ص 13 ؛ النوادر للراوندي، ص 53 ؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص‏104 عن الإمام عليّ(ع) كلّها نحوه ؛ عنه البحار، ج 80، ص 179، ح 27 و مستدرك الوسائل، ج 1، ص 252، ح 509.
10. عنه البحار، ج 80، ص 179، ح 28 و مستدرك الوسائل، ج 1، ص 252، ح 511.
11. مصباح المتهجّد، ص 7، وفيه « لما يقربني منك » بدل « لما يرضيك عنّي » ؛ وراجع الكافي، ج 3، ص 70، ح 6 ؛ التهذيب، ج 1، ص 53، ح 153 ؛ الفقيه، ج 1، ص 42، ح 84 ؛ المحاسن، ج 1، ص 116، ح 118.
12. ليس في الأصل « أحمد بن ».
13. في ط « الرندجي » و ش « اليرندجي » ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 3، ص 407، الرقم 2092.
14. عنه البحار ، ج 80 ، ص 179 ، ح 27 و مستدرك الوسائل ، ج 1 ، ص 252 ، ح 510 وراجع فقه الرضا (ع) : 78 .
15. مصباح المتهجّد، ص 7 من دون إلى المعصوم ؛ الفقيه، ج 1، ص 29، ح 58 ؛ المقنع، ص 7 ؛ فقه الرضا(ع)، ص 78.
16. البقرة(2): 15.
17. عنه البحار، ج 80، ص 346، ح 30 و مستدرك الوسائل، ج 1، ص 354، ح 830.
18. ليس في ش و ط ما بين المعقوفين.
19. دعائم الإسلام، ج 1، ص 158 نحوه مع اختلاف ؛ وراجع سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 392 ؛ تهذيب الكمال، ج 20 ، ص 390.
20. في ط « الجرائح » بدل « الجوانح ».
21. الأرج: نفحة الريح الطيّبة. (لسان العرب «أرج»، ج 2، ص 207).
22. «فألقى» من ش و ط.
23. زاد في ش « وشكرك ».
24. ليس في ط « ولا تسوّد وجهي يوم تبيضّ الوجوه ».
25. زاد في ش « ولا من وراء ظهري ».
26. زاد في ش « وعافيتك من البلوى ».
27. في ش « ثبّت قدمي » بدل « ثبّتني ».
28. التهذيب، ج 1، ص 53، ح 153 ؛ الفقيه، ج 1، ص 41، ح 84 ؛ ثواب الأعمال، ص 31، ح 1 ؛ المحاسن، ص 1، ص 116 ح 118 ؛ أمالي الصدوق، ص 649، ح 883 ؛ فقه الرضا(ع)، ص 69 ؛ روضة الواعظين، ص 334 وجاء نحوه في الكافي، ج 3، ص 70، ح 6.
29. اللِّبْدُ: ضرب من البُسط، وهو من الصوف المبلول بالماء ثم يُلصَق بشي‏ء ليجتمع بعضه على بعض ويتماسك، ويستعمله الفرسان تحت سروج الخيل. وهو بالفارسية «نَمَد».
30. في ش « للمتيمّم ».
31. ليس في ش « يمسح بباطن كفّه اليسرى ظاهر كفّه اليمنى » .