الفصل السابع عشر فيما نذكره من نوافل الزوال وبعض أسرار تلك الحال (1)
فيما نذكره من نوافل الزوال وبعض أسرار تلك الحال
ذكر ما نذكره من أسرار الصلوات
ذكر نيّة الصلاة
ذكر تكبيرة الاحرام
ذكر التوجّه
ذكر أدبه فيالتحميد والتمجيد
ذكر أدبه عند قوله (مالك يوم الدين).
ذكر أدب العبد في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِين)
ذكر أدبه في الدعوات فيالصلاة عند
ذكر أدبالعبد فيقراءةالقرآن فيالصلوات علىسبيلالجملة فيسائر الآيات
ذكر أدبه في الركوع والخضوع
ذكر أدبه في السجود
(فصل)
(فصل)
(فصل)
(فصل)
(فصل)
(فصل)
ذكر الشهادة للَّه جلّ جلاله بالوحدانيّة في الصلاة
ذكر الشهادة لمحمّد بن عبداللَّه رسول اللَّه(ص) بالرسالة والنيابة عن صاحب العظمة والجلالة
ذكر الصلاة على محمّد(ص)
ذكر التسليم في الصلاة
فيما نذكره من نوافل الزوال وبعض أسرار تلك الحال
يقول السيّد الإمام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل الكامل الزاهد الورع رضيّ الدين ركن الإسلام جمال العارفين أفضل السادة شرف العترة، أبوالقاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس بلّغه مناه وكبت أعداءه بمحمّدٍ وآله:
اعلم أنّ هذا الفصل يشتمل على عدّة معان، منها ما نذكره من أسرار الصلوات ومن المراقبة فيها بالنيّات، ولزوم الآداب وحفظ الحركات والسكنات. ومنها ما نذكره من كون صلاة نوافل الزوال تسمّى صلاة الأوّابين(1)، وأنّ الدعاء فيها مقبول عند أرحم الراحمين. ومنها ما نذكره من أنّ الاستخارة عند نوافل الزوال، كما ستأتي الراوية به في تلك الحال.
ذكر ما نذكره من أسرار الصلوات
اعلم أنّ الصلاة تشتمل على نيّة الصلاة، ولفظ تكبير، ولفظ: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، وعلى تحميد وتمجيد، ودعوى العبادة، والاستعانة باللَّه جلّ جلاله، ودعوات، وقراءة القرآن، وخضوع وركوع، وسجود وخشوع، وشهادة للَّه جلّ جلاله بالوحدانيّة ولمحمّد(ص) رسوله بالرسالة الربّانيّة، وصلاة عليه وعلى آله وتسليم.
ذكر نيّة الصلاة
أمّا نيّة الصلاة فإنّك إذا كنت عبداً معاملاً للَّه جلّ جلاله في جميع الحركات والسكنات، عارفاً بمعنى قوله جلّ جلاله في محكم الآيات (وَمَا خَلَقْتُ الجِنِّ وَالإِنْسَ إلَّا لِيَعْبدُونِ) (2) فأنت إذا كنت كذلك لا تزال متهيّئاً لأوامره، فتمتثل أمره بالصلاة وتعبده لأنّه يستحقّ العبادة لذاته، كما لو كنت متهيّئاً لدخول شخصٍ عزيزٍ عليك فإنّك كنت حيث تراه تقوم لإكرامه وتقبل عليه بمقتضى مشاهدة ذاته، أو لو كنت متهيّئاً لقدوم رسولٍ إليك ممّن يعزّ عليك، فإنّك إذا وقع نظرك عليه ونظره عليك وسمعت رسالة الرسول، فإنّك تبادر إلى قبوله من غير تردّد فكر ولا رويّة، ولا تحتاج إلى تجديد زيادة نيّة(3).
وإنّما إن كنت عن ربّك(4) غافلاً ولدنياك وهواك معاملاً، فتحتاج عند الحضور للصلوات أن تُحضِر شاردَ قلبك بزمامِ عقلك(5) ولبّك، وتفقه بين يدي مولاك وتذكره أنّه دعاك وأنّه يراك وتقصد بعقلك وقلبك، أنّك تعبده لأنّه أهل للعبادة وتدخل(6) مناجاته دخول أهل السعادة، وهذه الصلاة إن كانت واجبة أداءً فيقصدُ العبادة لوجه وجوبها(7) أداءً، وقضاءً فتقصد بذلك العبادة للَّه جلّ جلاله.
ذكر تكبيرة الاحرام
ينبغي إذا قلت: اللَّه أكبر، أن يكون هذا القول منك معاملة للَّه جلّ جلاله وعبادة، ولا يكون تلفّظاً بالغفلة على العادة، وتكون صادقاً فيه.
(112) 1 - فأمّا قولك: اللَّه أكبر، فقد روى ابن بابويه عن الصادق(ع) في كتاب التوحيد بإسناده: أنّ رجلاً قال عنده - يعني عند الصادق(ع) -: اللَّه أكبر، فقال: «اللَّه أكبر من أيّ شيء» فقال: من كلّ شيء، فقال أبوعبداللَّه(ع): «حدّدته»، فقال الرجل: كيف أقول؟ فقال: «قل: اللَّه أكبر من أن يوصف»(8).
يقول سيّدنا رضيّ الدين ركن الإسلام، أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس: قوله(ع) «حدّدته» لأنّه إذا كان اللَّه جلّ جلاله أكبر من كلّ شيء فكلّ الأشياء غيره وهي محدثات، وكلّ محدث محدود،(9) فكان المعتقد لذلك قد جعل اللَّه جلّ جلاله محدوداً. وقوله(ع) «أكبر من أن يوصف» لأنّه جلّجلاله لاتحيط الصفات به على التحقيق، وإنّما لو ضاقت العبارات(10) على أهل التوفيق والتصديق علّمهم(11) اللَّه جلّ جلاله ورسوله(ص) ألفاظاً في وصف جلال اللَّه على قدر قصور(12) علوم العباد.
أقول: ومعنى قولي: «أن يكون هذا عبادة ومعاملة» أي أن يكون اللَّه جلّ جلاله في قلبِك وعند عقلك عظيماً على قَدْر ما وهبك من معرفة ذاته وصفاته الكاملة، فتقصد بهذا الاعتقاد في عظمته، وبهذا اللفظ في قولك: «اللَّه أكبر» مجرّدَ عبادتِه لأنّه أهل للعبادة.
أقول: وأمّا قولي: «أن يكون صادقاً» فاُريد بذلك أن يكون فعلك لقولك موافقاً، بحيث إذا قلت: «اللَّه أكبر» تكون سريرتك موافقة لعلانيتك، في أنّه لا شيء أعظم منه جلّ جلاله في قلبك(13) وعقلك ونفسك ونيّتك، ولا يكون شيء أعزّ عليك منه، ولا يشغلك في تلك الحال شيء عنه، كما قال جلّ جلاله في تهديده لمن يؤثّر عليه بصريح القرآن المبين: (قُلْ إِن كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُم وَأزواجُكُم وَعَشيرتُكُم وَأَموالٌ اقْتَرفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَها وَمساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجهادٍ فِي سَبِيلِه فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ)(14).
أقول: فإذا وجدت عقلك وقلبك ونفسك تؤثر على اللَّه جلّ جلاله غيره فاعلم أنّك داخل تحت تهديد سلطان العالمين (15)، ولعلّك تكون مَن قد غضب اللَّه جلّ جلاله عليك فلا يهديك لفسقك وسمّاك من الفاسقين.
(113) 2 - أقول: وقد روي نحو ذلك في النقل، بزيادة كشف لما في القرآن والعقل، كما روى الحسين بن سيف صاحب الصادق(ع) في كتاب أصله الذي أسنده إليه قال: سمعت أبا عبداللَّه(ع) يقول: «لايمحض رجل الإيمان باللَّه حتّى يكون اللَّه أحبّ إليه من نفسه وأبيه واُمّه وولده وأهله وماله ومن الناس كلّهم»(16).
(114) 3 - أقول: وقد روي أبلغ من ذلك في أنّ الناس لا يحصل لهم الإيمان حتّى لا يؤثروا على رسوله صلوات اللَّه عليه، ما تضمّنه الحديث الذي نرويه بإسنادنا إلى أبي جعفر محمّد بن بابويه رضوان اللَّه تعالى عليه، فيما رواه بإسناده في كتاب أماليه عن النبيّ(ص) أنّه قال: «لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبَّ إليه من نفسه، وأهلي أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وذاتي أحبّ إليه من ذاته»(17).
أقول: فإذا كان رسوله صلوات اللَّه عليه لا يصحّ الإيمان مع هذا الإيثار عليه، فكيف يحصل الإيمان مع الإيثار على اللَّه جلّ جلاله وترجيح غيره عليه؟!.
ذكر التوجّه
(115) 4 - أمّا التوجّه فقد روى أبو جعفر محمّد بن بابويه في كتاب زهد مولانا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) بإسناده إلى أبي عبداللَّه(ع) قال: «كان عليّ(ع) إذا قام إلى الصلاة فقال: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، تغيّر لونُه حتّى يُعرفَ ذلك في وجهه»(18).
(116) 5 - (ورأيت في الجزء الأوّل من المختصر من أخبار الأئمّة الطاهرين تأليف يعقوب بن نعيم بن قرقارة الكاتب، وكان جليلاً ثقة، قال: حدّثني محمّد بن عبداللَّه بن زيادة العلويّ بجرجان قال: كان الحسن بن عليّ(ع) إذا فرغ من وضوئه التمع لونه، فقيل له في ذلك، فقال: «حقّ لمن أراد أن يدخل على ذي العرش جلّ وعزّ أن يتغيّر لونه)»(19)'(20).
(117) 6 - أقول: وروى صاحب كتاب زهر المهج وتواريخ الحجج بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن عبدالعزيز العبديّ، عن عبداللَّه بن أبي يعفور قال: قال مولانا الصادق(ع): «كان عليّ بن الحسين(ع) إذا حضرت الصلاة اقشعرّ(21) جلدُه واصفرّ لونُه وارتعد كالسعفة»(22).
(118) 7 - وروي عنه(ع) عند قوله في الصلاة: «وجّهت وجهي» مثل الذي رويناه عن مولانا عليّ(ع)، وكانا إذا دخلا في التوجّه اصفرّ لونهما وظهر الخوف من اللَّه جلّ جلاله عليهما، لأنّهما(ع) عرفا وعلما هيبة الملك الذي يقومان بين يديه(23).
وسيأتي في هذا الكتاب من خوف النبيّ(ص) في الصلوات وخوف عترته المعصومين، ما تعلم يقيناً أنّك لست تابعاً لهم وأنّك على خلاف ما كانوا عليه(24) من معاملة سلطان العالمين(25).
أقول: وقد كان فرضنا جميعاً أن نخاف اللَّه جلّ جلاله للهيبة والحرمة التي يستحقّها لذاته، فبلغت الغفلة بنا إلى أنّنا لا نخاف لذلك ولا نخاف لأجل خوف المعصومين الذين يُقتدى بهم في عباداته، ولا نخاف لأجل ما تجدّد منّا من مخالفاتِه في إراداته، وتهوينِنا بجلالة أمره ونهيه وبمقدّس حبّه وقربه ومناجاته. وهذا جهل عظيم منّا بالمعبود، كاد أن يقرّب من جهل أهل الجحود، فإذا قال العبد: «وَجَّهْتُ وَجْهي لِلَّذي فَطرَ السَّماواتِ والأَرضَ» ينبغي أن يتحقّق أنّه في مقام العرض، وأنّه ما مراد اللَّه جلّ جلاله منه ومراد رسوله(ص) بقوله: «وجّهت وجهي» أي وجّهت صورة وجهي إلى القبلة فحسب للذي فطر السماوات(26)، ولكن المراد منه أن يكون قد وجّه وجه قلبه وعقله عن الالتفات إلى سواه جلّ جلاله من سائر المرادات والمكروهات.
ولقد قيل لبعض العارفين: ما أحسن ما تقبل بوجهك على الصلوات ! فقال: إنّ كان وجهي لا يلتفت فإنّ وجه قلبي(27) كثير الالتفات.
أقول: فإذا كان وجه القلب مقبلاً ومتوجّهاً إلى اللَّه جلّ جلاله بالكلّية، كانت الجوارح مقبلة على اللَّه جلّ جلاله فيما خلقت له لأنّها مع القلب كالرعيّة، وعند هذه الحال يكون دخوله في هذا الصلاة دخول أهل الإقبال، فإن استمرّ على ذلك إلى حين الفراغ من الصلاة فقد ظفر ببلوغ الآمال، وإن تعثر في أذيال الالتفات عن مولاه وهو يراه، فحاله حال أهل التعثير الذين يقع أحدهم تارةً ويقوم تارة(28) في خطاه، وربّما أفسد تعثيره عليه دنياه واُخراه، وفاته إقبال ربّه جلّ جلاله ورضاه.
وإن قال: وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، وهو في تلك الحال غافل أو متغافل عن هيبة العرض وحرمة الفرض، فيكون في قوله: وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ(29) كاذباً قد افتتح صلاته بالجنايات ثمّ بالكذب والبهتان، وكيف حال مَن أوّل صلاته تصريح بالكذب والزور والعدوان، أما يكون مستحقّاً للهوان؟! وإن كان في حال قيامه إلى الصلاة ودخوله فيها على صفة المتكاسل والمتثاقل(30)، فلينظر حال الذين يقومون إلى الصلاة كسالى في صريح القرآن، ويفكّر أنّه لو دخل عليه قبل أن يدخل في تلك الصلاة صديق أو بعض مَن يحبّه من أعوان السلطان كيف كان يقوم إليه ويقبل عليه بغير تكاسل ولا تثاقل، وليتحقّق من نفسه إنّ اللَّه جلّ جلاله أهون عنده من عبد من عبيده، وياله(31) من خطرٍ هائلٍ!
ذكر أدبه فيالتحميد والتمجيد
قد مضى في خطبة كتابنا أنّ التحميد والتمجيد من وظائف مَن خلص فيما بينه وبين اللَّه جلّ جلاله من الجنايات، فأمّا ما كان عليه فرض مضيّق من المهمّات، فالبدأة لازمة له بالأهمّ فالأهمّ والأهمّ عليه التوبة وأداء الفروض المتعيّنة قبل الدخول في الصلاة والتحميدات والتمجيدات، سواء كانت تلك الفروض على قلبه أو بدنه أو ماله، أو في شيء من أعماله.
أقول: ومن أدب الإنسان عند تحميده وتمجيده، أن يكون تلذُّذه وتعلّق خواطره بحمده للَّه جلّ جلاله وتمجيده، ومدحُ اللَّه جلّ جلاله على ذلك وشكره له سبحانه أَلَذَّ عنده وأحبَّ إليه من مدحه لكلّ من يعزّ عليه من العباد، ومَن مدح أهل الدنيا له وثنائهم عليه في الإصدار والإيراد، ويكون ترجيح حبّه لمدحه جلّ جلاله وشكر اللَّه جلّ جلاله بقدر ما بين اللَّه وبين عباده، من تفاوت جلالته وحقّ إنعمه وإرفاده. فإن عجز العبد عن هذا المقام فلا أقلّ من أن يكون حبّه لمدحه للَّه جلّ جلاله ولشكر اللَّه جلّ جلاله له أرجحَ في قلبه من مدحه لأهل الإنعام، من الأنعام أو لشكر من يشكره من ملوك الإسلام.
فأمّا إن نقص حال العبد عن هذا المقام، وكان مدح اللَّه جلّ جلاله وشكره سبحانه أهون من مماليكه وعبيده، فقد استخفّ استخفافاً عظيماً بتحميده وتمجيده، وكان مستحقّاً لما تضمّنه هول وعيده وتهديده.
ذكر أدبه عند قوله (مالك يوم الدين).
اعلم أنّ يومَ الدِين يوم الحساب والعرض على سلطان العالمين، وإظهار السرائر بمحضر من كان يسترها منهم من الخلائق أجمعين، فينبغي أن يكون عند هذه الحال، خائفاً لما يخافه على نفسه يوم الحساب والسؤال.
(119) 8 - فقد روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ ما معناه: أنّ مولانا زين العابدين(ع) وهو صاحب المقام المكين، كان إذا قال: «مالك يوم الدين» يكرّرها في قراءته حتّى يظنّ من يراه أنّه قد أشرف على مماته(32).
وما الخَوْفَ منه يَحْذَرُونَ ولا الخَنَا
(33)
عَلَيْهِم ولكن هَيْبَةٌ هِيَ ماهِيا
وقد عرفت أنّ مولانا زينّ العابدين(ع) قدوة لك في اُمور الدنيا والدِين فسر في آثاره بهداية اللَّه جلّ جلاله وبأنواره على مطايا اليقين، فإنّ اللَّه جلّ جلاله قادر أن يبلّغك ما هو سبحانه أهله من مقامات العارفين.
ذكر أدب العبد في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِين)
اعلم أنّه ينبغي أن يكون العبد صادقاً في قوله: إيّاك نعبد، ومعنى قولي « أن يكون صادقاً » لأنّه إذا قال: «إيّاك نعبد» وكان إنّما يعبد اللَّه جلّ جلاله لما يرجوه منه سبحانه من نفعٍ عاجل أو ثوابٍ آجل، أو دفع محذورٍ في الدنيا أو في يوم النشور، فإنّما يكون على الحقيقة كأنّك تعبد نفسك، وتكون عبادتك لأجلها ولأجل شهواتك ولذّاتك، ولا تكون عابداً للَّه جلّ جلاله لأنّه أهل للعبادة، فيكون قولك: «إيّاك نعبد» كذباً وبهتاناً مانعاً لك من الظفر بالسلامة والسعادة، ويثبت اسمك في ديوان الكذّابين، وتكون قد جعلت نفسك من الهالكين، أما تسمع كلام المقدّس الميمون (إِنَّما يَفْتَري الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(34).
أقول: وكذا ينبغي أن تكون صادقاً في قولك: « وإيّاك نستعين » فلا يكون في قلبك عند ذلك القول مستعان لك سواه جلّ جلاله على التحقيق واليقين، فإنّك إن كنت مستعيناً عند تلك الحال بحولك وقوّتك ودنياك أو مالك أو رجالك أو غيره من آمالك وأحوالك، فأنت في قولك: « إيّاك نستعين » إذا قصدت به أنّه لا مستعان لك سواه، كاذب مخاطر مستخفّ مُباهِت(35) مستحقّ لما يستحقّه العبد المستخفّ بمولاه.
ذكر أدبه في الدعوات فيالصلاة عند
قوله: «اهْدِنَاالصِراط المُسْتَقِيمَ» وفيكلّ موضع يراد منه
أن يدعو فيه فيالصلاة بقلبٍ سليم
قد قدّمنا طرفاً ممّا يحتاج إليه أهل الضراعات، ممّا شرحناه بالمعقول والمنقول من الروايات، فإيّاك أن تهمل تهذيب نفسك وقلبك، خاصّة عند مخاطبة مولاك وربّك، فإنّك إذا دعوت اللَّهَ جلّ جلاله وقلبك في تلك الحال فارغ منه أو مشغول بالغفلة عنه، أو بقصور احترام وتهوين منك بجلالة ذلك المقام، كنت كأنّك تخاطب مَلِكاً من مُلوك الدنيا في حاجة إليهم وظهرك إليه.
أما تعلم أنّك إذا خاطبت الملوك وظهرك إليهم، أو أنت مشغول عنهم بالغفلة والتهوينبهم عن الإقبال عليهم فإنّك تعلمأنّك تستحقّ أن يكون جوابكمنهم أن يخرجوكمن حضرتهم مطروداً وعن رحمتهم مصدوداً(36)، وربّما لوحملوك إلى الحبوس وزيادةالبؤس اعتقدت أنّالذنب لك فيما يجري عليك منهم من النكال(37)، ورأيت مع أنّ الذنب منك أنّك تستحقّ للمؤاخذة على ما وقع منك من الإهمال، فلاتكون عندك حرمةُ مالك الدنيا والآخرة، أقلَّ من حرمة الملوك الذين هم مماليكه في هذه الدنيا الحقيرة الداثرة، وإذا تأخّرت عنك إجابة الدعوات وأنت على ما ذكرناه من الغفلات، فالذنب لك وقد أحسن اللَّه جلّ جلاله إليك كيف عفى لك من عقاب تلك الجنايات!
وإيّاك أن يخطر بقلبك أو تقول بلسانك كما تسمع من بعض الغافلين، الذين ما دخل في قلبهم حقيقة الإيمان والدين، فيقولون: قد دعونا اللَّه وما نرى الإجابة كما ذكر في القرآن.
ويقولون هذا على سبيل الاستزادة، وكأنّ اللَّه جلّ جلاله عندهم قد أخلف وعده بإجابة الدعاء، وهذا كالكفر عند أهل الإيمان، فإنّهم لو كانوا عارفين باللَّه جلّ جلاله على اليقين ما أقدموا على أن يقولوا بحضرته المذهلة للألباب: إنّك وعدتنا بإجابة الدعاء وأخلفتنا في الجواب. وإنّما هذا قولهم بذلك على أنّهم ما كانوا عند الدعاء عارفين، أو ما كانوا ذاكرين عند المواقفة منهم للَّه جلّ جلاله إنّهم بحضرة مالك الدنيا والدِين، وهؤلاء أهلُ أن يعرض اللَّه جلّ جلاله عن دعواتهم وإجاباتهم، وحسبهم عفو اللَّه جلّ جلاله عن مؤاخذتهم على غفلاتهم وجهالاتهم.
(120) 9 - وقد روي عن مولانا الصادق صلوات اللَّه عليه أنّه قيل له: ما بالُنا ندعو فلايستجابُ لنا؟ فقال: «إنّكم تدعون مَن لا تعرفونه»(38).
ذكر أدبالعبد فيقراءةالقرآن فيالصلوات علىسبيلالجملة فيسائر الآيات
اعلم أنّ أدب العبد في تلاوته كلام مولاه الذي يعلم أنّه يراه، أن يكون ذاكراً لجلالته وأنّه في حضرته، ويكون متشرّفاً ومتلذّذاً باستماع محادثته ومتأدّباً مع عظمته، فيتلو كلامه المقدّس بنيّة أنّه نائب عن اللَّه جلّ جلاله في قراءة كلامه، وإنّ اللَّه جلّ جلاله مقبل عليه يستمع كلامه المقدّس منه، فلا يكون حالك عند التلاوات دون حالك لو قرأت بعض الكتب المصنّفات، على مَن صنّفها ممّن تريد التقرّب إليه في قراءة تصنيفه عليه، وأنت محتاج في كلّ اُمورك إليه.
فإنّك تعلم أنّك كنت تبذل جهدك في إحضار قلبك بغاية إمكانك، وتبالغ في تهذيب لسانك، وتقبل عليه وعلى قراءة تصنيفه بجميع جنانك، وتحفظ(39) نفسك في الحركات والسكنات، فلا يكن اللَّه جلّ جلاله عندك في قراءة كلامه جلّ جلاله دون صاحب المصنّفات، فإنّك إن جعلت اللَّه جلّ جلاله دون هذه الحال كنت أقرب إلى الهلاك واستحقاق النكال، واقتد بمن تذكر أنت وتدّعي أنّك مهتد بأنواره ومقتد بآثاره.
(121) 10 - فقد روي أنّ مولانا جعفر بن محمّد الصادق(ع) كان يتلو القرآن في صلاته فغشي عليه، فلمّا أفاق سُئل: ما الذي أوجب ما انتهت حالك إليه؟ فقال ما معناه: ما زلت اُكرّر آيات القرآن حتّى بلغت إلى حال كأنّي سمعتها مشافهة ممّن أنزلها على المكاشفة والعيان، فلم تقم القوّة البشريّة بمكاشفة الجلالة الإلهيّة. وإيّاك يامن لا يعرف حقيقة ذلك أن تستبعده، أو تجعل الشيطان في تجويز الذي رويناه عندك شكّاً بل كن به مصدّقاً، أما سمعت اللَّه جلّ جلاله يقول: (فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسْى صَعِقاً)(40).
(122) 11 - وقد ذكر محمّد بن يعقوب الكلينيّ أنّ الصادق(ع) سئل: كيف كان النبيّ(ص) يصلّي بهم ويقرأ القرآن ولا تخشع له قلوب أهل الإيمان؟ فقال(ع): «إنّ النبيّ صلوات اللَّه عليه كان يقرأ القرآن عليهم بقدر ما يحتمله حالهم»(41). والحديث مختصر.
وسيأتي من صفات حال الأبرار في التلاوات في مواضع من هذا الكتاب ما فيه تعريف كافٍ لذوي الألباب.
ذكر أدبه في الركوع والخضوع
ينبغي للعبد إذا كبّر تكبيرةَ الركوع أن يركع بذلٍّ واستكانة وخضوع، ويكون مستحضراًبقلبه ونيّته، أنّه معامل في عبادته وركوعه للَّه مالك دنياه وآخرته، فيقابل في حال ركوعه كمال تلك الجلالة الإلهيّة بذلّ العبوديّة. وللَّه درّ القائل:
إذا كان مَنْ تَهْوَى عَزِيزَاً ولم تَكُنْ
ذَلِيلاً له فَاقْرَ السَّلامَ على الوَصْلِ
أفلا ترى أنّه من أدب العبيد مع الملوك في دارالزوال، أنّهم إذا تلقّوهم وأقبلوا عليهم يركعون لهم على سبيل التعظيم والإجلال، ويكونون في تلك الحال مستحضرين أنّهم بين أيديهم وأنّهم يقصدونهم بذلك التعظيم. وكيف تركع أنت وتخضع للعالم بالأسرار وهو أعظم من كلّ عظيم، وقلبك خالٍ من حضورك بين يديه، ومن ذُلِّكَ له ومن إقبالِك عليه.
أقول: ومن أدب الراكع في الصلاة إذا كان ممّن يقول في ركوعه: اللَّهُمَّ لَكَ خَشَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأَنْتَ رَبِّي، خَشَعَ لَكَ سَمْعي وَبَصَري وَمُخِّي وَعَصَبي وَعِظامي(42) وَما أقَلَّتْهُ قَدَمايَ للَّهِِ رَبِّ العالَمِينَ أن يكون العبد ذاكراً أنّه قد ادّعى في هذا القول صفات المقبلين على مالك يوم الدين، بجميع جوارحه على الحقيقة واليقين وصفة المستسلمين(43) والمتوكّلين.
فإيّاك أن يكون شيء منك غير خاضع ولا خاشع أو غير مستسلم للَّه جلّ جلاله، أو غير متوكّل على اللَّه في شيء من اُمور الدنيا والدِين فتكون في قولك من الكاذبين، فأيّ صلاة تبقى إذا صلّيتها بالكذب والبهت لمالك الأوّلين والآخرين؟!.
(123) 12 - أقول: ومن أدب الراكع في الصلاة أنّه لا يستعجل برفع رأسه من الركوع قبل استيفاء أقسام ذلّ العبوديّة لمولاه.
كما رأيناه(44) عمّن يقتدى به وكما رويناه بإسنادنا إلى أبي جعفر ابنبابويه فيما رواه في كتاب زهد مولانا عليّ بن أبي طالب(ع) عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن سعيد، عن المفضّل(45) بن صالح، عن أبي الصباح، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: «كان عليّ(ع) يركع فيسيل عرقُه حتّى يطأَ في عرقه من طولِ قيامه»(46).
أقول أنا لك: فيا أيّها المشفق على روحه وقلبه وجسده وكبده، اُولئك الذين هدى اللَّه فبهداهم اقتده.
ومن أدب الراكع أنّه إذا رفع رأسه بعدما ذكرناه، فليكن رفع رأسه بوقار وسكينة فإنّ مولاه يراه، فإذا قال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ أَهْلَ الكِبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ وَالجُودِ والْجَبَرُوتِ» أنّه يمدّ يديه عند ذكر الكبرياء والعظمة والجبروت بالذلّ للمعبود، ويبسطهما بالرجاء عند ذكر الجود.
ذكر أدبه في السجود
اعلم أنّ من أدب العبد في سجوده أن يكون على زيادة عمّا ذكرناه في الركوع من الذلّ لمعبوده، فإيّاه أن يكون قلبه خالياً من إذكار نفسه أنّه حاضر(47) بين يدي اللَّه جلّ جلاله على ما هو عليه من العظمة والجلالة التي لا يحيط بها مقالّ كلّ ذي مقالة، وأنّ هذا العبد على صفة(48) من الضعف والفقر والمسكنة والذنوب التي قد أوقعته في الرذالة، فهوى إلى السجود على أبلغ ما ذكرناه في الركوع، من الذلّ والخضوع والخشوع، فإنّه إن سجد وقلبه خالٍ من الذكر لهذا الحال، وإنّما يسجد على العادة ومراعاة صورة السجود(49) من غير استحضار لمعاملة مولاه بالإقبال عليه والأدب(50) بين يديه، فهو كالذي يلعب في سجوده أو كالمعرض أو المستهزئ بمالكه ومعبوده، وقد عرف أهل العلم أنّ ذلك الركوع وهذا السجود من أركان الصلوات، وأنّهما متى تركهما العبد في صلاته عامداً أو ناسياً بطلت صلاته بمقتضى الفتوى والروايات، وصاحب الشريعة(ص) ما بعث إلى العباد بمعاملة وعبوديّة لغير معبود.
فإذا خلا خاطرك من المقصود بهذه الذلّة والعبوديّة عند الركوع والسجود، فما الفرق بينك وبين أهل الجحود؟ وما الفرق بينك وبين الساهي واللاهي؟ وإنّما جاء محمّد(ص) يدعو إلى المعبود قبل العبادة، فإيّاك أن تكون ممّن خلا قلبه من العبوديّة له، وصار يركع ويسجد فارغ القلب منه جلّ جلاله بحسب العرف والعادة.
أقول: وإن كنت ممّن يقول في سجوده: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأَنْتَ رَبِّي، سَجَدَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَشَعْري وَعَصَبي وَمُخِّي وَعِظامي، سَجَدَ وَجْهِي البالي الفاني لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالِقِينَ.
فإنّك إن قلتَ هذا وأعضاؤك غير ساجدة جميعها على معنى الذلّ والاستسلام والتوكّل والخضوع والخشوع للمعبود، فكأنّك غائب عن معنى السجود، ويكون قولك ودعواك كذباً وبهتاً(51) لمولاك، فكيف تصحّ صلاتك يا مسكين إذا كانت عبادتك بالكذب والبهت والتهوين؟!.
ثمّ أقول لك: إن كنت تجد في سجودك ما يجده المحبّ من الروح والسرور إذا قرب من أهل الحبّ وإلّا فسجودك ذميم مدخول، وقلبك سقيم معلول، لأنّك قد عرفت أنّ صريح القرآن تضمّن (وَاسْجُد وَاقترب)(52) فجعل السجود من علامات(53) القرب إلى علّام الغيوب، فطالب نفسك بأنّها تجد عند السجود ما يجده المحبّ بقرب المحبوب.
فإنّ حبّك للَّه جلّ جلاله من ثمرة قوّة معرفتك بجلاله وعظيم نواله وإفضاله، قال اللَّه جلّ جلاله في قوم يثني عليهم ممّن كانوا يعرفونه (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(54) وقال جلّ جلاله(55) في وصفه لأهل النجاة (والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ)(56) ولا يغرنّك قول من يقول: إنّ حبّك للَّه جلّ جلاله طاعته، فإنّ ذلك إن كان قاله من قولُه قدوة فلعلّه لتقية أو لضعف السامع عن معرفة الأسرار الربّانيّة، لأنّ حبّك للَّه جلّ جلاله إن كنت عارفاً به كان قبل طاعتك له، لأنّك عرفته منعماً فأحببته ثمّ وجدته يستحقّ الطاعة فأطعته، وإلّا فكيف عقلت(57) معنى الرواية المتّفق عليها «جبلت القلوب على حبّ من أحسن» إليها أفتكون(58) القلوب على حبّ العبد المحسن مجبولة، وتكون عند إحسان اللَّه جلّ جلاله(59) عن حبّه معزولة؟! هذا لا تقبله إلّا عقول سقيمة معلولة.
وقد عرفت أنّ حبّك للَّه جلّ جلاله من عمل القلوب، وطاعتك له تكون من عمل القلب فحسب، ومن عمل القلوب(60) ومن عمل الجوارح الظاهرة معا، فكيف صارت الطاعة التي تكون تارة بالقلب وتارة بالقلب والجوارح الظاهرة وهما قسمان، قسماً واحداً هذا كالمكابرة للعيان؟ وكيف صار العمل بالجوارح الظاهرة هو العمل بالقلوب؟ هذا مستحيل عند من عقله غير محجوب.
(فصل)
ثمّ وقد يعمل الإنسان الطاعات وهي تشقّ عليه، ويكون قلبه كارهاً لها أو للتكليف بها، فلو كان حبُّ العبدِ للَّه جلّ جلاله طاعَته كان في هذه الحال كارهاً لحبّ اللَّه بل كارهاً للَّه جلّ جلاله أو باغضاً للَّه جلّ جلاله، لأنّ ضدّ الحبّ البغض، فإذا بغض العبدُ طاعةَ اللَّه جلّ جلاله فقد بغض حبّ اللَّه جلّ جلاله وصار باغضاً للَّه جلّ جلاله، فيكون على هذا كلُّ من كَرِه طاعةَ اللَّه جلّ جلاله باغضاً للَّه جلّ جلاله فيكون كافراً
فهل تجد لك على هذا القول من المسلمين العارفين عاذراً أو ناصراً؟ وهل يقبل عقلك أنّ معنى قوله جلّ جلاله الذي قدمناه (قل إِن كان آباؤُكُم وأَبناؤُكُمْ وإِخوانُكُمْ وَأَزْواجُكُم وَعشَيرَتُكُم وَأمَوالٌ اقتَرَفْتُمُوها وِتَجارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَها وَمَساكِنُ تَرَضَوْنَها أَحبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأتِي اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ)(61) أو عقل عاقل أنّ قوله (أَحَبُّ إِلَيْكُم) من هذه الأشياء التي عدّها سبحانه أنّ المراد به الطاعة.
وهبك(62) جوّزت هذا في آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وأزواجهم وعشيرتهم، فهل تجوز في قوله جلّ جلاله: (وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَهَا وَمَساكِن تَرْضَوْنَها) أنَّ الحبّ لهذه الأشياء بمعنى الطاعة. فإيّاك أن تحمل على العقول ما لايدخل تحت الاستطاعة ! ودع عنك تقليد من قال: إنّ حبّ العبد للَّه جلّ جلاله طاعته، واقبل الحقّ ممّن قاله فقد انكشف لك براهينه وحجّته.
فهذا بيان أنّ حبّ العبد للَّه جلّ جلاله بالقلوب وهو ممّا تثمره قوّة معرفة باللَّه جلّ جلاله وقوّة المعرفة بإحسانه اللتين تسوقان عقل العبد وقلبه إلى حبّ مولاه، قبل أن يعرف العبد هل هو مكلّف بحبّ اللَّه جلّ جلاله أم لا؟ فكيف إذا عرف أنّه مأمور أيضاً بحبّه عقلاً ونقلاً لأنّ الكامل في ذاته محبوب لكماله، والمحسن محبوب لإحسانه وإفضاله، قبل معرفة التكليف بهذا الحبّ المذكور. واللَّه جلّ جلاله أعظم شأنا وأعمّ إحساناً من أن يحيط بجلاله، وَصْفُنا لكمالِه ووصفنا لإحسانِه ولإفضاله، بل هو جلّ جلاله أعظم كمالاً وأبلغ إحساناً وإفضالاً، فوجب أن يكون محبوباً بالقلوب إلى مَن عرفه على اليقين، وعرف إحسانَه في اُمور الدنيا والدِين.
(فصل)
وأمّا حبُّ اللَّه جلّ جلاله لعبده إذا أطاعه، وغضبُه عليه إذا عصاه، فلعلّك تجد في الروايات والمقالات أنّ حبّ اللَّه جلّ جلاله للعبد أو رضاه عنه هو ثوابه له، وأنّ غضَبه جلّ جلاله على عبدِه العاصي هو عذابُه له.
فأمّا أهل المقالات لذلك فلا يجوز تقليدهم فيالمعقول، وأمّا حديث الرواية والمنقول فإن سَلِمت من الطعن عليها وكانت عن معصوم، فلعلّ ذلك قالوه على سبيل التقيّة، فإنّهم: كانوا في تقيّة هائلة، وقد كشفنا تقيّتهم فيما ذكرنا في الاعتذار لمضمون كتاب الكشّي، فإنّ هذا القول كثير في مذهب المخالفين لهم، أو لعلّ ذلك قالوه للتقريب على السائلين والسامعين، فإنّ كثيراً من المستمعين تقصر أفهامُهم عن أسرار صفات سلطان العالمين، فلعلّهم خافوا عليهم أنّهم إذا قالوا لهم: إنّ اللَّه جلّ جلاله يحبّ ويرضى ويغضب ويسخط، أن يسبق إلى خواطر من يسمع ذلك أنّه جلّ جلاله يحبّ ويرضى مثلَ الحبّ والرضى من أَطباع البشريّة، أو يغضب ويسخط مثل الغضب والسخط من القلوب الترابيّة، فتحدّثوا بما تبلغ إليه عقول السائلين والسامعين.
وإذا اعتبرت بعض الروايات في ذلك وجدتها شاهدة بأنّهم نفوا عن اللَّه جلّ جلاله الحبّ والرضى والغضب والسخط اللذين تتغيّر الأمزجة بهما، ولا يصحّان إلّا على الأجسام القابلة لهما، حتّى قرّبوا على بعض السائلين وقالوا لهم ما معناه: إنّ غضب اللَّه جلّ جلاله ورضاه إشارة إلى غضب أوليائه وخاصّته ورضاهم، وهذا صحيح عند العارفين، فإنّ خواصّه جلّ جلاله ما يغضبون وما يرضون إلّا بعد غضبه سبحانه ورضاه، لأنّهم له جلّ جلاله، تابعون لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
وإلّا فالعقول الصحيحة شاهدة وجداناً وعياناً أنّ معنى لفظ الحبّ والرضى غير معنى لفظ الثواب، وكذلك معنى الغضب غير معنى العقاب، سواء كان ذلك في العباد أو ربّ الأرباب.
وقد عرّفنا ذلك قوله جلّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ)(64) وقوله جلّ جلاله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بنيانٌ مَرْصُوصٌ)(65) وقوله جلّ جلاله: (يَحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ)(66) عن قوم كانوا حقّاً ويقيناً يعرفونه، وقال جلّ جلاله في الغضب: (فَلَمَّا أَسَفُونا انتَقَمْنا مِنْهُم)(67).
وذكر جماعةٌ من أهل اللغة ومن المفسّرين أنّ معنى قوله جلّ جلاله: أي أغضبونا، فقال الجوهريّ في كتاب الصحاح ما هذا لفظه: وأَسِف عليه أَسَفاً أي غَضِبَ وآسَفَه أَغْضَبَه(68).
وقال الطبرسيّ في تفسير القرآن: فلمّا آسفونا أي أغضبونا، وغضبه سبحانه إرادة عقابهم(69).
وما قال الطبرسيّ: إنّ غضبَه عقابُهم، فجعل اللَّه جلّ جلاله في هذه الآية الأسف هو الغضب منه جلّ جلاله عليهم قبلَ عقابِه لهم الذي هو الانتقام. وهذا واضح كيف يخفى مثله على ذوي الأفهام؟.
وقال جلّ جلاله: (وَمَنْ يَقْتل مُوْمِناً مُتعمِّداً فَجزاؤهُ جَهنَّمَ خالِداً فِيها وغَضب اللَّه عليه ولعنَهُ وَأعدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً)(70) أفلا ترى أنّه جلّ جلاله قدّم الغضب على العذابِ(71) بل قبل إعداد عذابه بجهنّم في صريح الكتاب على مقتضى مفهوم الألباب.
(فصل)
ويزيدك بياناً إنّك ترى الأحاديث في الأدعية متظاهرة بما معناه أو لفظه: «اللَّهُمَّ إِن لَمْ تَرْضَ عَنِّي فاعْفُ عَنِّي» فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راضٍ عنه.
ثمّ أوما تعلم أنّ الكفّار الذين علم اللَّه جلّ جلاله منهم أنّهم يموتون على كفرهم قطعاً كانوا يستحقّون(72) في حكم العدل(73) عقوبتهم في حال حياتهم.
ثمّ تعلم أنّ اللَّه جلّ جلاله غضبان عليهم في حال كفرهم قطعاً إن كنت مسلماً، فعفا اللَّه جلّ جلاله عن تعجيل عقوبتهم وأخّر عقابهم إلى بعد وفاتهم مع كونهم مذ كفروا وعلم استمرارهم على كفرهم كان قد غضب عليهم.
فهذا يكشف لك أنّ الغضبَ من اللَّه تعالى قبل العقاب، لأنّه إذا كان اللَّه تعالى يعفو عن عقاب العبد وهو غير راضٍ عن العبد، كما تضمّنه الأدعية في عفوهعن المؤمن وهو غير راضٍ عنه، وحال الكفّار الذينيموتون على كفرهم وتأخير عقوبتهم وهو غضبان عليهم، فقد صار جلّ جلاله يعفو عن العبد وهو غضبان(74) كما قلناهلأنّه إذا كان غير راضٍ كان غضباناً، ولايخلو عن مقامالرضى والغضب في وقت على وجهٍ واحد، فلو كان الغضب هو العقاب استحال أن يعفو عن عبدٍ ويكونَ في حال عفوه عنه غضباناً عليه، وكان متى عفا عن العبد المسلم أو الكافر قبل وفاته زال غضبه عنهم، وهذا خلاف المعلوم من دِين أهل الحقّ والصدق.
(فصل)
ولكن حبّه جلّ جلاله أو رضاه حيث قد نطق القرآن الصريح والنقل الصحيح بهما، وبغضبه وسخطه جلّ جلاله وثبوت هاتين الصفتين له جلّ جلاله، فإنّه يكون لحبّه جلّ جلاله أو رضاه وغضبه أو سخطه وجه معلوم غير ما نعرفه من رضى الأجسام وحبّها وغضبها وسخطها، وغير ما فسّروه بأن حبّه ورضاه ثوابه وغضبه عقابه، كما كان تفسير سائر صفاته جلّ جلاله غير صفات الأجسام. فإنّ كونَ أحدِنا قادراً يقتضي قوّة زائدة وحالاً متجدّدة غير كونه عاجزاً، وكذا كون أحدنا عالماً وحيّاً، وسائر صفاتنا تقتضي تجدّد حالات وتغيّرات علينا، وهذه المعاني مستحيلةٌ على اللَّه تعالى. ولكن هذه الصفات في اللَّه تعالى كما يليق بذاته المقدّسة التي لا مِثَل لها، وكما يليق بصفاته المنزّهة التي لا شبه لها، فكذا يكون تفسير الحبّ منه تعالى والرضى والغضب والسخط. وهذا يكشف ما قلناه لأهل الريب ويزيل العجب.
(أقول: ووجدت بعد تصنيف هذا الكتاب بسنتين(75) في الجزء الأوّل من تفسير القران للطبري عن قوم من المفسّرين أنّهم ذكروا في غضب اللَّه كما ذكرناه وأخبرناه(76))(77).
(فصل)
أقول: ومن أدب العبد في السجود أنّه لا يستعجل في رفع رأسه من ذلك الخضوع والخشوع للمعبود، فقد قلنا لك معنى ما ذكره اللَّه تعالى في كتابه أنّ السجود من مقامات القرب إلى مولاك، فعلى أيّ شيءٍ تستعجل أوتكره قربه وهو يراك؟! وكما أنّك لا تكره قربك من محبوبك في دنياك ولا يستعجل بالتباعد عنه، فكذا كن مع ربّك جلّ جلاله الذي لابدّ لك منه.
(124) 13 - كما رويناه بإسنادنا إلى محمّد بن يعقوب الكلينيّ فيما رواه بإسناده إلى الفضيل بن يسار - وهو من أعيان الأخيار وخواصّ الأطهار - عن أبيعبداللَّه(ع) قال: «كان عليّ بن الحسين(ع) إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتّى يرفضّ عرقاً»(78).
ذكر الشهادة للَّه جلّ جلاله بالوحدانيّة في الصلاة
أقول: إنّ المهمّ أن يكون تَلَفُّظُك بالشهادة معاملةً للَّه جلّ جلاله وعبادة، ولا يكون قصدك أنّه تعالى في نفس الأمر واحد فحسب وإنّما يراد منك إنّك تعتقد أنّه تعالى واحد في نفس الأمر، وأنّه لا إله لك تعبده سواه، ولا لك شيء تؤثره على رضاه، فإنّك إن آثرت شيئاً عليه تعالى كان ذلك الذي تؤثره أرجح منه تعالى عندك ومعبوداً لك من دونه فيما تؤثره فيه عليه، وما تكون كامل الصدق في الشهادة بأنّه لا إله لك سواه، أفلا ترى قوله جلّ جلاله فيمن رجّح عليه هواه فقال سبحانه: (اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواه)(79).
(125) 14 - وروي في تفسير قوله جلّ جلاله: « (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرْباباً مِن دونِ اللَّهِ)(80) أنّهم ما صاموا ولا صلّوا لهم ولكن أطاعوهم في معصية اللَّه، فصار حكمهم بذلك حكم من اتّخذهم ألهة، فإيّاك أن تشرك به جلّ جلاله أو تكفر به بإيثارك عليه هواك أو دنياك، أو غيره سبحانه فتحصل في استحقاق الهلاك»(81).
فقد روينا في بعض أسانيدنا أنّه لمّا سُئل الصادق(ع) عن الصدق فقال ما معناه: هو أنّ(82) لا تختار على اللَّه غيرَه، فإنّه تعالى قال: (هُوَ اجْتَباكُمْ)(83) فإِذا كان اجتباك، فاجتَبِه أنت ولا تختر عليه هواك(84) ولا دنياك(85).
وقال الشيخ أبوجعفر بن بابويه رضوان اللَّه عليه حدّثنا أبي(ره) قال: حدّثنا سعد بن عبداللَّه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: من قال: لا إله إلّا اللَّه مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلّا اللَّه عمّا حرّم اللَّه عزّوجلّ. هذا لفظ الحديث ومعناه(86).
ذكر الشهادة لمحمّد بن عبداللَّه رسول اللَّه(ص) بالرسالة والنيابة عن صاحب العظمة والجلالة
المهمّ أن تكون صادقاً في الشهادة برسالته، ومعنى قولي « صادقاً » أنّه يَصَدِّقُ فعلُك قولَك في الاتّباع لنبوّته، فإنّك تجده في القرآن المبين أنّ قوماً شهدوا له بالرسالة ولم يكن القلب موافقاً للقول فسمّاهم اللَّه تعالى كاذبين، وأنت تعلم أنّه لو جاءك رسول من بعض الملوك يبذل لك على كلمة تقولها ألف دينار وعلى كلمة إن قلتها يعذّبك بالنار، ثمّ إنّك ما قلت تلك الكلمة وأخذت الألف دينار ولا تركت تلك الكلمة وهوّنت(87) دخول النار، ثمّ قلت للرسول: أشهد أنّك رسول الملك الذي لا غناء لي عمّا بذله من المبارّ(88)، ولا قوّة لي على ما تهدّدني به من النار. فإنّ الرسول وغيره من العقلاء يقولون لك: فعلّك يكذّب ظاهر مقالتك لو كان قد صدّقته بسريرتك قلت تلك الكلمة وأخذت الألف دينار وتركت تلك الكلمة وسلمت من النار، لأنّنا كذا نراك في حركاتك وسكناتك في دار الفناء تبادر إلى ما ينفعك إذا وثقت بمنفعته، وتهرب ممّا يضرّك إذا صدّقت من يخبرك بمضرّته.
أقول: وقد كنت قلت لبعض من قال لي: إنّه قد صدّق محمّداً(ص) فقلت له ما معناه: ما تقول لو أنّ يهودياً أخبرك أنّ في بعض الطرقات ما يؤذيك وفي بعض الطرقات ما ينفعك، أما كنت تترك الطريق التي تخاف منها الضررَ وتسلك التي ترجو منها النفع؟ فقال: بلى، فقلت له: فإن قال لك محمّد(ص): إنّه قد حذّرك من طريق النار وعرّفك بطريق دار القرار، فلو صدّقته كما كنت قد عملت مع خبر اليهودي، فهل ترى الآن تصديقَك للذميّ(89) أرجحَ من تصديقك للنبيّ(ص)، وذلك شاهد بأنّك ما صدّقته في رسالته ومقالته.
وممّا ينبغي لك عند الشهادة له صلوات اللَّه عليه بالرسالة، أن تعتقد أنّ اللَّه جلّ جلاله وله المنّة العظيمة في هدايتك إلى مقام السعادة والجلالة، وأنّ بذل نفسك ومالك وعيالك بين يديه لتحصيل السعادة أبد الآبدين، من أياديه ونِعَمِه عليك مع بقاء مالك يوم الدين، قال اللَّه جلّ جلاله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنّ كُنْتُم صادِقِينَ) (90).
ذكر الصلاة على محمّد(ص)
(126) 15 - قال السعيد أبو جعفر محمّد بن بابويه رضوان اللَّه عليه في كتاب معاني الأخبار: حدّثنا أحمد بن عبدالرحمن المقرئ قال: حدّثنا أبو عمرو محمّد بن جعفر المقرئ الجرجانيّ قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن الموصليّ ببغداد قال: حدّثني محمّد بن عاصم الطريقيّ، قال: حدّثنا أبوزيد بن عبّاس بن زيد بن الحسن بن عليّ الكحّال - مولى زيد بن عليّ - قال: حدّثني أبي زيد بن الحسن(91) قال: حدّثني موسى بن جعفر(ع) قال: قال الصادق(ع): «من صلّى على النبيّ وآله فمعناه أنّي أنا على الميثاق والوفاء الذي قلت حين قوله (ألَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى)»(92).
ذكر التسليم في الصلاة
(127) 16 - وذكر الشيخ السعيد أبو جعفر بن بابويه رضوان اللَّه عليه في الكتاب المشار إليه قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبداللَّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه، عن عبداللَّه بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أباعبداللَّه(ع) عن معنى التسليم في الصلاة، فقال: «التسليم علامة الأمن وتحليل الصلوات»، قلت: وكيف ذلك جعلت فداك؟ قال: «كان الناس فيما مضى إذا سلّم عليهم وارد أمنوا شرّه، فإذا ردّوا أمن شرّهم، فإن لم يسلّم لم يأمنوه، وإن لم يردّوا عليه السلام لم يأمنهم وذلك خُلُقٌ في العرب، فجعل التسليم علامة للخروج من الصلاة وتحليلاً للكلام، وأمناً من أن يدخل في الصلاة ما يفسدها. والسلام اسم من أسماء اللَّه عزّوجلّ وهو واقع من المصلّي على الملائكة الموكّلين به»(93).
(وربّما قيل: إنّ التسليم يكون على الملائكة جميعهم، وممّا يرجّح ما رويناه أنّ المَلكين الموكّلين به هما يقبضان العمل ويكتبانه ويعرضانه، وهما حضرا كالمشرفين عليه، وهما الحاضران، فاختصاص التسليم عليهما أقرب إلى الصواب)(94).
أقول: فإذا فرغت من(95) التسليم، فاذكر أنّك قد عملت عملاً للَّه جلّ جلاله العظيم، وتريد تسليمه إليه وتعرضه عليه، فإن كنت غفلت في شيء منه، أو كنت مشغولاً بقلبك بسواه أو معرضاً عنه، فتب من ذلك توبة الإخلاص والأمانة، أو سلّم العمل تسليم الجناة وأهل الخيانة.
ولقد رأيت في كتاب جدّي ورّام قدّس اللَّه جلّ جلاله روحه ونوّر ضريحه حديثاً معناه: أنّ عبداً ممّن يراقب اللَّه جلّ جلاله ويخشاه قال: قضيت صلاة ثلاثين سنة وما كنت تركت فريضة منها، ولقد كنت اُصلّيها في الصفّ الأوّل ولكن لمصيبة وجدتها كنت قد غفلت عنها، فقيل له ما معناه: وما تلك المصيبة؟ قال: كنت اُصلّيها في الصفّ الأوّل مع الإمام، فجئت يوماً فما وجدت لي في الصفّ الأوّل موضعاً فصلّيت في الصفّ الأخير فوجدت نفسي قد خجلت واستحييت من الأنام أن يروني وأنا في ذلك المقام، فعلمت أنّ ذلك التقدّم في الصف الأوّل ما كان للَّه جلّ جلاله على اليقين، وإنّما كنتُ أقصد به التميّز عند الحاضرين(96).
وممّاينبغي أن تحفظ أعمالك كلّها وصلواتك منه وتنزّهها عنه لتعرض على اللَّه جلّ جلاله في جملة ما يعرضه المَلكان من صالح العمل.
(128) 17 - ما رويناه بإسنادنا عن معاذ بن جبل بالإسناد الذي ذكرته في خطبة الكتاب، إلى الشيخ الصدوق هارون بن موسى جمع اللَّه جلّ جلاله الشمل به في ديار الثواب، قال الشيخ الصدوق هارون بن موسى المشار إليه رضوان اللَّه عليه: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عقدة قال: حدّثنا محمّد بن سالم بن جبهان عن عبدالعزيز عن الحسن بن عليّ عن سنان، عن عبدالواحد، عن رجل، عن معاذ بن جبل قال قلت: حدّثني بحديث سمعت من رسول اللَّه(ص) حفظته وذكرته كلّ يوم من دقّة ما حدّثك به، قال: نعم، وبكى معاذ فقال: اسكت، فسكت، ثمّ قال: بأبي واُمّي حدّثني وأنا رديفه(97)، قال: فبينا نسير إذ رفع بصره إلى السماء فقال: الحمد للَّه يقضي في خلقه ما أحبّ، قال: يا معاذ، قلت: لبّيك يا رسول اللَّه، إمامَ الخير ونبيَّ الرحمة، فقال: اُحدّثك ما حدّث نبيّ اُمّته، إن حفظتَه نفعك عيشُك، وإن سمعتَه ولم تحفظه انقطعت حجّتُك عند اللَّه.
ثمّ قال: «إنّ اللَّه خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات، فجعل في كلّ سماء مَلكاً قد جلّلها بعظمته، وجعل على كلّ باب منها مَلكاً بوّاباً، فتكتب الحفظةُ عملَ العبد من حين يصبح إلى حين يمسي.
ثمّ ترتفع الحفظة بعمله له نور كنور الشمس حتّى إذا بلغ سماء الدنيا فيزكّيه ويكثّره، فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الغِيبة فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري أمرني بذلك ربّي.
ثمّ يجيء من الغد ومعه عمل صالح فيمرّ به ويزكّيه ويكثّره حتّى يبلغ السماء الثانية فيقول الملك الذي في السماء الثانية: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه إنّما أراد بهذا العمل غرضَ الدنيا، أنا صاحب الدنيا لا أدع عمله يتجاوز إلى غيري.
قال: ثمّ يصعد بعمل العبد مبتهجاً بصدقةٍ وصلاةٍ فتعجب الحفظة، ويجاوزه إلى السماء الثالثة فيقول الملك: قف فاضرب بهذا العمل وجهَ صاحبه وظهره، أنا ملك صاحب الكِبْر فيقول: إنّه عمل تكبّر فيه على الناس في مجالسهم، أمرني ربّي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري.
قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدرّي في السماء له دويّ بالتسبيح والصوم والحجّ، فيمرّ به إلى مَلك السماء الرابعة فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، أنا مَلك العُجْب فإنّه كان يُعجَب بنفسِه وأنّه عمل وأدخل نفسه العُجب، أمرني ربّي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري فأضرب به وجه صاحبه.
قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها، فيمرّ به إلى مَلك السماء الخامسة بالجهاد والصلاة ما بين الصلاتين ولذلك رنين كرنين الإبل عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول المَلك: قف أنا مَلك الحسد فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه - ويحمله على عاتقه - إنّه كان يحسد من يتعلّم ويعمل للَّه بطاعته، وإذا رأى لأحد فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع عليه فيحمله على عاتقه ويلعنه عمله.
قال: وتصعد الحفظة(98) فيمرّ بهم إلى السماء السادسة، فيقول المَلك: قف أنا صاحب الرحمة اضرب بهذا العمل وجه صاحبه واطمس عينيه، لأنّ صاحبه لم يرحم شيئاً إذا أصاب عبداً من عباد اللَّه ذنباً للآخرة أو ضرّاً في الدنيا شمت به، أمرني رَبّي أن لا أدعَ عملَه يجاوزني إلى غيري.
قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد أعمالاً بفقه واجتهاد وورع، له صوت كالرعد وضوء كضوء البرق، ومعه ثلاثة آلاف(99) مَلك، فيمرّ به إلى مَلك السماء السابعة فيقول المَلك: قف واضرب بهذا العمل وجه صاحبه، أنا مَلك الحجاب أحجب كلّ عملٍ ليس للَّه، إنّه أراد رفعةً عند القوّاد، وذكراً فيالمجالس، وصوتاً في المدائن، أمرني ربّي أن لا أدعَ عملَه يجاوزني إلى غيري ما لم يكن خالصاً.
قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به من خلق حسن، وصمت وذكر كثير، تشيّعه ملائكة السماوات والملائكة السبعة بجماعتهم فيطؤون الحُجب كلّها حتّى يقوموا بين يديه فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء، فيقول اللَّه: أنتم حفظة عمل عبدي، عمل وأنا رقيب على ما في نفسه، لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي، فيقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا».
قال: ثمّ بكى معاذ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما أعمل !؟ قال: «اقتد بنبيّك يا معاذ في اليقين»، قال: قلت: أنت رسول اللَّه وأنا معاذ بن جبل.
قال: «وإن كان في عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن إخوانك، وعن حملةِ القرآن ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على إخوانك، ولا تزكّ نفسك بتذميم إخوانك(100)، ولا ترفع نفسك بوضع إخوانك، ولا تُراءِ بعملك، ولا تدخل من الدنيا في الآخرة، ولا تفحّش في مجلسك لكي يحذروك بسوء خُلقك، ولا تناج مع رجل وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فيقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تُمَزِّق الناس فَتُمَزِّقُك كلاب أهل النار.
قال اللَّه: (وَالناشِطَاتِ نَشْطاً)(101) أَتدري ما الناشطات؟ كلاب أهل النار تَنشط اللحمَ والعظمَ، قلت: من يطيق هذه الخصال؟ قال: يا معاذ، أما إنّه يسير على من يسّر اللَّه عليه. قال: وما رأيت معاذاً يُكثر تلاوة القرآن كما يُكثر تلاوة هذا الحديث»(102).
1. صلاة الأوّابين: في الحديث « صلاة الأوابين حين ترمض الفِصال من الضحى » ذكره مسند ابن حنبل، ج 7 ، ص 74، ح 19284. يريد صلاة الضحى عند ارتفاع النهار وشدّة الحرّ. (لسان العرب، ج 1، ص 219).
2. الذاريات(51): 56.
3. زاد في ش « جديدة ».
4. في الأصل « زيد » بدل « ربّك ».
5. هنا كناية عمّا يحصل للقلب من الاعتقاد الذي يصل إلى الحقّ وبه يدوم ثباته عليه. (مجمع البحرين، ج 2، ص 782).
6. زاد في ش و ط « حضرة ».
7. زاد في ط « أداء وإن كانت قضاء فتقصد ذلك وإن كانت ».
8. الكافي، ج1، ص117، ح8 و 9 نحوه؛ التوحيد، ص312، ح1 و، ص313، ح2 نحوه ؛ معانيالأخبار، ص11، ح2 و 1 نحوه: المحاسن، ج1، ص376، ح827 عن جميع بن عمرو عن رجل نحوه.
9. «فكان» من ش و ط « فكان ».
10. وفي الأصل « لوضاقة العبارات ».
11. ليس في ش « علّمهم ».
12. في ش «تصوّر» بدل «قصور».
13. في الأصل « وقتك » بدل « قلبك ».
14. التوبة (9) : 24.
15. في ش «العارفين» بدل «العالمين».
16. عنه البحار، ج 70، ص 24، ح 25.
17. أمالي الصدوق، ص 414، ح 542 ؛ علل الشرايع، ص 140، ح 3 مع تقدّم وتأخّر ؛ بشارة المصطفى، ج 52 و، ص 168 نحوه كلّها عن أبي ليلى ؛ روضة الواعظين، ص 298 ؛ مشكاة الأنوار، ص 81 ؛ وراجع تنبيه الخواطر، ج 1، ص 223 ؛ الطرائف، ص 506 ؛ نهج الحقّ، ص 308.
18. عنه البحار، ج 84، ص 366، ح 21 ؛ وراجع الكافي، ج 3، ص 300، ح 5 ؛ التهذيب، ج 2، ص 286، ح 1145.
19. عدّة الداعي، ص 139 وليس فيه « التمع » وفيه « حقّ على ذي العر، الرقم أن يتغيّر لونه ».
20. ليس في ش و ط ما بين المعقوفين.
21. اقشعرّ جلده: القشعريرة: الرعدة واقشعرار الجلد، وأخذته قشعريرة قد اقشعرّ جلد الرجل. (لسان العرب ، ج 5، ص 95).
22. مقتل الحسين(ع) للخوارزمي، ص 124 عن سدير عن الإمام الباقر(ع) ؛ حلية الأبرار، ج 3، ص243، ح 13 عن الإمام الصادق(ع) كلاهما فيه « ترتعد فرائضه » بدل « ارتعد كالسعفة » ؛ عنه البحار، ج 84، ص 267، ح 39 و مستدرك الوسائل، ج 4، ص 92، ح 4213.
23. لم أعثر له على مصدر.
24. زاد في ش « في الصلاة ».
25. في ش « العارفين » بدل « العالمين ».
26. زاد في ش و ط « والأرض ».
27. ليس في ش «ما أحسن ما تقبل بوجهك على الصلوات، فقال: إن كان وجهي لا يلتفت فإنّ وجه قلبي».
28. ليس في ش « ويقوم تارة ».
29. زاد في ش و ط « والأرض ».
30. في ش « متشاغل » بدل « متثاقل ».
31. « وياله » ص ط.
32. الكافي، ج 2، ص 602، ح 13 ؛ عنه البحار، ج 84، ص 247، ح 39.
33. أخنى عليهم الدهر: أهلكهم وأتى عليهم. (لسان العرب «خنا»، ج 14، ص 245).
34. النحل (16) : 105.
35. المُباهِت: الذي يقول مالا يفعل.
36. في ش « محروماً » بدل « مصدوداً ».
37. النكال: نكلت بفلان: إذا عاقبته في جرمٍ أجرمه عقوبة تنكّل غيره عن ارتكاب مثله. (لسان العرب «نكل»، ج 11 ، ص 677).
38. التوحيد، ص 288، ح 7 عن زيد بن عليّ عن أبيه عن الإمام الكاظم عن الإمام الصادق: وفيه «لأنّكم» بدل « أنّكم ».
39. في ش و ط « بحفظ » بدل « تحفظ ».
40. الأعراف(7): 143.
41. لم أعثر عليه.
42. ليس في ش « عظامي ».
43. « المستسلمين » من ش وط.
44. في ش و ط « رويناه » بدل « رأينا ».
45. في ش و ط « الفضل » بدل « المفضّل » وجاء في معجم رجال الحديث ، ج 13، ص 302، الرقم 9357 و ج 18، ص 284 بلفظ « المفضّل » وهو الصواب.
46. عنه البحار، ج 85، ص 110، ح 20 و مستدرك الوسائل، ج 4، ص 425، ح 5069.
47. ليس في ش « حاضر » .
48. ليس في ش « على صفة ».
49. في ش « السجدة » بدل « السجود ».
50. ليس في ش و ط « الأدب ».
51. في ش « بهتاناً » بدل « بهتاً ».
52. العلق(96): 19.
53. « علامات » من ش و ط.
54. المائدة(5) : 54 .
55. ليس في ش « في قوم يثني عليهم ممّن كانوا يعرفونه يحبّهم ويحبّونه، وقال جلّ جلاله ».
56. البقرة(2): 165.
57. في ش و ط « عقلت » بدل »غفلت ».
58. في ش « المحسن فإذا كانت » بدل « مَن أحسن إليها أفتكون ».
59. زاد في ش « خالية ».
60. في ش و ط « قلب » بدل « قلوب ».
61. التوبة(9): 24.
62. وفي ط « خ ل هب ».
63. ليس في ش « فصل ».
64. البقرة (2): 222 .
65. الصفّ(61): 4.
66. المائدة(5): 54.
67. الزخرف(43): 55.
68. الصحّاح «أسف»، ج 4، ص 1330.
69. راجع تفسير التبيان: ج 9 ص 208، مجمع البيان: ج 9 ص 80.
70. النساء(4) : 93.
71. في ش « العقاب » بدل « العذاب ».
72. « كانوا يستحقّون » من ط.
73. في ط « العقل » بدل « العدل ».
74. ليس في ش و ط « فقد صار جلّ جلاله يعفو عن العبد وهو غضبان ».
75. « بسنتين » من ط.
76. جامع البيان، ج 1، ص 80.
77. ليس في ش بين المعقوفين.
78. الكافي، ج 3، ص 300، ح 5 ؛ التهذيب، ج 2، ص 286، ح 1145 كلاهما عن الفضيل بن يسار ؛ المناقب لابن شهرآشوب، ج 4، ص 150 نحوه.
ومعنى يرفضّ عرقاً: في حديث البراق « أنّه استصعب على النبيّ(ص) ثمّ ارفضّ عرقاً وأقرّ » أي جرى عَرَقه وسال. (لسان العرب «رفض»، ج 7، ص 156).
79. الجاثية(45): 23 ؛ الفرقان(25): 43.
80. التوبة(9): 31.
81. راجع الكافي، ج 1، ص 53، ح 3 ؛ المحاسن، ج 1، ص 383، ح 848 ؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 86، ح 45 ؛ مجمع البيان، ج 5، ح 37 ؛ مشكاة الأنوار، ص 259 ؛ روضة الواعظين، ص 27 ؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 2.
82. ليس في الأصل « أن ».
83. الحجّ(22): 78.
84. ليس في ش « هواك ».
85. راجع المحجّة البيضاء، ج 8، ص 147.
86. التوحيد، ص27، ح26؛ ثوابالأعمال، ص19، ح1؛ صفاتالشيعة، ص83، ح6 وح7 عن زيدبن أرقم عن رسول اللَّه(ص)؛ معاني الأخبار، ص370، ح1، كلّها عن محمّد بن حمران وح2؛ مكارم الأخلاق، ج2، ص83، ح2218، كلاهما عن زيد بن أرقم عن رسول اللَّه(ص).
87. في ش « هويت » بدل « هوّنت ».
88. في ش « الدينار » بدل « المبارّ ».
89. في ش « للذي يهودي » بدل « للذمّي ».
90. الحجرات(49): 17.
91. ليس في ش « أبي زيد بن الحسن »، والصواب هو: حدّثني أبي - يزيد بن الحسن - كما في مصدره.
92. معاني الأخبار، ص 115، ح 1 وفيه « قبلت » بدل « قلت ؛ مختصر بصائر الدرجات، ص 159 ؛ والآية 172 من سورة الأعراف.
93. معاني الأخبار، ص 175، ح 1.
94. ليس في ش ما بين المعقوفين.
95. في ط « عرفت معنى » بدل « فرغت من ».
96. لم أعثر له على المصدر.
97. رديفه: أي راكبٌ خلفَه على دابّة. (لسان العرب«ردف»، ج 9، ص 114).
98. في المصدر زاد « بعمل العبد صلاة وزكاة وحجّ وعمرة فيتجاوزون به ».
99. في ط « ألف » بدل « آلاف ».
100. ليس في ش « ولا تزكّ نفسك بتذميم إخوانك ولا ترفع نفسك بوضع إخوانك ».
101. النازعات(79): 2.
102. عدّة الداعي، ص 228 ؛ عنه البحار، ج 70، ص 246، ح 20.