الفصل الثامن عشر فيما نذكره من صفة الأذان والإقامة وبعض أسرارهما



فيما نذكره من صفة الأذان والإقامة وبعض أسرارهما
ذكر بعض ما رويناه من أسرار الإقامة
ذكر ما نريد وصفه من أحكام الأذان والإقامة


فيما نذكره من صفة الأذان والإقامة وبعض أسرارهما


يقول السيّد الإمام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل الكامل الزاهد العابد، ركن الإسلام جمال العارفين أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس شرّف اللَّه قدره وقدّس في الملأ الأعلى ذكره:
قد كنّا ذكرنا في كتاب غياث سلطان الورى لسكّان الثرى أسراراً جليلة للأذان‏(1) فتطلب من ذلك المكان، ونحن نذكر الآن طرفاً ممّا رويناه من أسراره بحسب ما نؤثره من الإمكان‏(2).
(156) 1 - قال الشيخ السعيد أبو جعفر محمّد بن بابويه رضوان اللَّه عليه: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عبدالرحمن المؤذّن بن الحاكم المقرئ قال: حدّثنا أبوعمرو جعفر بن محمّد المقرئ الجرجانيّ قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن الموصليّ ببغداد قال: حدّثنا محمّد بن عاصم الطريفيّ قال: حدّثنا أبو زيد عيّاش بن يزيد بن الحسن الكحّال مولى زيد بن عليّ قال: أخبرني أبي زيد بن الحسن قال: حدّثني موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ‏(3) عن أبيه عليّ بن أبي طالب: قال: «كنّا جلوساً في المسجد إذ صعد المؤذّن‏(4) فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، فبكى أمير المؤمنين عليّ بن أبي‏طالب(ع) وبكينا لبكائه، فلمّا فرغ المؤذّن قال: «أتدرون ما يقول المؤذّن؟» قلنا: اللَّه ورسوله ووصيّه أعلم، قال: «لو تعلمون ما يقول‏(5) لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فلقوله «اللَّه أكبر» معان كثيرة منها:
أنّ قول المؤذّن «اللَّه أكبر» يقع على قِدَمه وأزليّته وأبديّته‏(6) وعلمه وقوّته وحلمه وكرمه وجوده وعطائه وكبريائه، فإذا قال المؤذّن «اللَّه أكبر» فإنّه يقول: اللَّه الذي له الخلق وله الأمر وبمشيّته كان الخلق، ومنه كلّ شي‏ء للخلق، وإليه يرجع الخلق، هو الأوّل قبل كلّ شي‏ء لم يزل، والآخر بعد كلّ شي‏ء لا يزال، والظاهر فوق كلّ شي‏ء لا يدرك، والباطن دون كلّ شي‏ء(7) لا يحدّ، فهو الباقي وكلّ شي‏ء دونه فان.
والمعنى الثاني «اللَّه أكبر» أي العليم الخبير عَلِم ما كان وما يكون قبل أن يكون.
والثالث «اللَّه أكبر» أي القادر على كلّ شي‏ء يقدر على ما يشاء، القوي لقدرته، المقتدر على خلقه، القويّ لذاته، قدرته قائمة على الأشياء كلّها، إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون.
والرابع «اللَّه أكبر» على معنى حلمه وكرمه، يحلم حتّى كأنّه لا يعلم، ويصفح حتّى كأنّه لا يرى، ويستر كأنّه لا يعصى، لا يعجل بالعقوبة كرماً وصفحاً وحلماً.
والوجه الآخر في معنى «اللَّه أكبر» أي الجواد جزيل العطاء كريم الفعال.
والوجه الآخر في معنى «اللَّه أكبر» فيه نفي كيفيّته، كأنّه يقول: اللَّه أجلّ من أن يدرك الواصفون قَدْرَ وصفه الذي هو موصوف به، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى اللَّه عن أن يدرك الواصفون صفته علوّاً كبيراً.
والوجه الآخر «اللَّه أكبر» كأنّه يقول: اللَّه أعلى وأجلّ، وهو الغنيّ عن عباده لا حاجة به إلى أعمال خَلْقِه.
وأمّا قوله «أشهد أن لا إله إلّا اللَّه» فإعلام بأنّ الشهادة لا تجوز إلّا بمعرفة من القلب، كأنّه يقول: اعلم أنّه لا معبود إلّا اللَّه عزّوجلّ، وإنّ كلّ معبود باطل سوى اللَّه عزّوجلّ، وأُقرّ بلساني بما في قلبي من العلم بأنّه لا إله إلّا اللَّه وأشهد أن لا ملجأ من اللَّه إلّا إليه، ولا منجى من شرّ كلّ ذي شرّ وفتنة كلّ ذي فتنة إلّا باللَّه.
وفي المرّة الثانية «أشهد أن لا إله إلّا اللَّه» معناه: أشهد أن لا هادي إلّا اللَّه، ولا دليل لي إلّا اللَّه، واُشهد اللَّه بأنّي أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، واُشهد سكّان السماوات وسكّان الأرضين وما فيهنّ من الملائكة والناس أجمعين، وما فيهنّ من الجبال والأشجار والدوابّ والوحوش، وكلّ رطبٍ ويابسٍ بأنّي أشهد أنّ لا خالق إلّا اللَّه ولا رازق ولا معبود، ولا ضارّ ولا نافع ولا قابض ولا باسط ولا معطي ولا مانع ولا دافع ولا ناصح ولا كافي ولا شافي ولا مقدّم ولا مؤخّر إلّا اللَّه، له الخلق والأمر، وبيده الخير كلّه، تبارك اللَّه ربّ العالمين.
وأمّا قوله «أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه» يقول: اُشهد اللَّه أنّه لا إله إلّا هو وأنّ محمّداً عبده ورسوله ونبيّه وصفيّه ونجيّه أرسله إلى كافّة الناس أجمعين بالهدى ودِين الحقّ ليظهره على الدِين كلّه ولو كره المشركون، واُشهد من في السماوات والأرض من النبيّين والمرسلين والملائكة والناس أجمعين أنّ محمّداً سيّد الأوّلين والآخرين.
وفي المرّة الثانية «أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه» يقول: أشهد أنّ لا حاجة لأحد إلّا إلى اللَّه الواحد القهّار الغنيّ عن عباده والخلائق أجمعين، وأنّه أرسل محمّداً إلى الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللَّه بإذنه وسراجاً منيراً، فمن أنكره وجحده ولم يؤمن به أدخله اللَّه عزّوجلّ نار جهنّم خالداً مخلّداً لا يَنْفَكُ‏(8) عنه أبداً.
وأمّا قوله «حيّ على الصلاة» أي هلمّوا إلى خير أعمالكم ودعوة ربّكم، وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم (9)، وإطفاء ناركم التي أوقدتموها، وفكاك رقابكم التي رهنتموها، ليكفّر اللَّه عنكم سيّئاتكم ويغفر لكم ذنوبكم ويبدّل سيّئاتكم حسنات، فإنّه ملك كريم ذو الفضل العظيم، وقد أذن لنا معاشر المسلمين بالدخول في خدمته والتقدّم بين يديه.
وفي المرّةالثانية«حيّ على‏الصلاة» أي قوموا إلى مناجاة ربّكم وعرض حاجاتكم على‏ربّكم،وتوسّلوا إليه بكلامه وتشفّعوا به،وأكثروا الذكر والقنوت والركوع والسجود والخشوع والخضوع،وارفعوا إليه حوائجكم، فقد أذن لنا في ذلك.
وأمّا قوله «حيّ على الفلاح» فإنّه يقول: أقبلوا إلى مالٍ لا فناء معه ونجاةٍ لا هلاك معها، وتعالوا إلى حياة لا موت معها، وإلى نعيم لا نفاد له، وإلى مُلكٍ لا زوال عنه، وإلى سرور لا حُزن معه، وإلى اُنس لإ؛ه‏ه وحشة معه، وإلى نور لا ظلمة معه، وإلى سعةٍ لا ضيق معها، وإلى بهجةٍ لا انقطاع لها، وإلى غناءٍ لا فاقة معه، وإلى صحّةٍ لا سقم معها، وإلى عزٍّ لا ذلّ معه، وإلى قوّةٍ لا ضعف معها، وإلى كرامةٍ يا لها من كرامة، واعجلوا إلى سرور الدنيا والعقبى ونجاة الآخرة والاُولى.
وفي المرّة الثانية «حيّ على الفلاح» فإنّه يقول: سابقوا إلى ما دعوتكم إليه وإلى جزيل الكرامة وعظيم المنّة وسنيّ‏(10) النعمة والفوز العظيم، ونعيم الأبد في جوار محمّد(ص) (في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرِ)(11).
فأمّا قوله «اللَّه أكبر» فإنّه يقول: اللَّه أعلى وأجلّ من أن يعلم أحد من خلقه ما عنده من الكرامة لعبدٍ أجابه وأطاعه وعرفه وعبده واشتغل به وبذكره، وأحبّه وأَنِس إليه واطمأنّ إليه ووثق به وخافه واشتاق إليه، ووافقه في حكمه وقضائه فرضي به.
وفي المرّة الثانية «اللَّه أكبر» فإنّه يقول: اللَّه أكبر وأعلى وأجلّ من أن يعلم أحد مبلغ كرامته لأوليائه وعقوبته لأعدائه، ومبلغ عفوه وغفرانه ونعمته لمن أجابه وأجاب رسوله، ومبلغ عذابه ونكاله وهَوانِهِ لمن أنكره وجحده.
وأمّا قوله «لا إله إلّا اللَّه» معناه: للَّه الحجّة البالغة عليهم بالرسول والرسالة والبيان والدعوة، وهو أجلّ من أن يكون لأحد منهم عليه حجّة، فمن أجابه فله الفوز والكرامة، ومن أنكره فإنّ اللَّه غنيٌّ عن العالمين وهو أسرع الحاسبين.
ومعنى «قد قامت الصلاة» في الإقامة: أن قد حان وقت الزيارة والمناجاة وقضاء الحوائج ودرك المنى، والوصول إلى اللَّه عزّوجلّ، وإلى كرامته وعفوه ورضوانه وغفرانه»(12).
قال الشيخ الجليل أبو جعفر بن بابويه رضوان اللَّه عليه: أمّا ترك الراوي «حيّ على خير العمل» للتقيّة.
(157) 2 - وقد روي في خبر آخر أنّ الصادق(ع) سُئل عن معنى «حيّ على خير العمل» فقال: «خير العمل الولاية»(13).
(158) 3 - وفي خبر آخر: «خير العمل برّ فاطمة وولدها»(14).
(159) 4 - رواية اُخرى في أسرار الأذان مرويّة عن ابن عبّاس رضوان اللَّه عليه وهو تلميذ مولانا عليّ(ع)، ورواياته في مثل هذا إمّا إلى النبيّ(ص) وإمّا إلى مولانا عليّ(ع).
قال السعيد أبو جعفر بن بابويه: حدّثني أبو الحسين‏(15) محمّد بن عمرو بن عليّ بن عبداللَّه البصريّ قال: حدّثنا أبو محمّد خلف بن محمّد البلخيّ بها عن أبيه محمّد بن أحمد قال: حدّثنا عيّاش بن الضحّاك، عن مكّي بن إبراهيم، عن ابن جريح، عن عطاء قال: كنّا عند ابن عبّاس بالطائف أنا وأبوالعالية(16) وسعيد بن جبير وعكرمة، فجاء المؤذّن فقال: «اللَّه أكبر اللَّه أكبر» واسم المؤذّن قثم بن عبدالرحمن الثقفيّ. قال: فقال ابن عبّاس: أتدرون ما قال المؤذّن؟ فسأله أبو العالية وقال: أخبرنا بتفسيره.
قال ابن عبّاس: إذا قال المؤذّن: «اللَّه أكبر اللَّه أكبر» يقول: يا مشاغيل الأرض قد وجبت الصلاة فتفرّغوا لها. وإذا قال: «أشهد أن لا إله إلّا اللَّه» يقول: تقوم القيامة ويشهد لي ما في السماوات وما في الأرض على أنّي أخبرتكم في اليوم خمس مرّات. وإذا قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه» يقول: يقوم يوم القيامة ومحمّد يشهد لي عليكم أن قد أخبرتكم بذلك في اليوم خمس مرّات وحجّتي عند اللَّه قائمة. فإذا قال: «حيّ على الصلاة» يقول: ديناً قيّماً فأقيموه. وإذا قال: «حيّ على الفلاح» يقول: هلمّوا إلى طاعة اللَّه خذوا سهمكم من رحمة اللَّه - يعني الجماعة - وإذا قال العبد: «اللَّه أكبر» يقول: حرمت الأعمال. وإذا قال: «لا إله إلّا اللَّه» يقول: أمانة سبع سماوات وسبع أرضين والجبال والبحار وضعت على أعناقكم، إن شئتم فأقبلوا وإن شئتم فأدبروا (17).

ذكر بعض ما رويناه من أسرار الإقامة


(160) 5 - قال الشيخ السعيد أبو جعفر ابن بابويه رضوان اللَّه عليه: حدّثني عليّ بن عبداللَّه الورّاق وعليّ بن محمّد بن الحسن المقرئ القزوينيّ المعروف بابن‏مقبره‏(18) قالا: حدّثنا سعد بن عبداللَّه بن أبي خلف الأشعريّ قال: حدّثنا العبّاس بن سعد الأزرق قال: حدّثنا أبو نصر عيسى بن مهران، عن الحسن بن عبدالوهاب، عن محمّد بن مروان‏(19) عن أبي جعفر(ع) قال: «تدري تفسير قوله حيّ على خير العمل»؟ قال: قلت: لا، قال: «دعاك إلى البرّ، أتدري برّ من؟» قال: قلت: لا، قال: «دعاك إلى برّ فاطمة وولدها:»(20).
(161) 6 - قال: وحدّثني عليّ بن عبداللَّه الورّاق وعليّ بن محمّد بن الحسن القزوينيّ قالا: حدّثنا(21) سعد بن عبداللَّه قال: حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق قال: حدّثنا أبو نصر عن عيسى بن مهران‏(22) عن يحيى بن الحسن الفرات‏(23) عن حمّاد بن يعلى عن عليّ بن الحزّور(24) عن الأصبغ بن نباتة عن محمّد بن الحنفيّة(ره) أنّه ذُكِرَ عنده الأذان قال: لمّا اُسري بالنبيّ(ص) إلى السماء وتناهى إلى السماء السادسة (25) نزل مَلك من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قطّ، فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، فقال اللَّه جلّ جلاله: أنا كذلك. فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، فقال اللَّه جلّ جلاله: أنا كذلك، لا إله إلّا أنا. فقال: أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه، قال اللَّه عزّوجلّ: عبدي وأميني على خلقي، اصطفيته برسالاتي. ثمّ قال: حيّ على الصلاة، قال اللَّه جلّ جلاله: فرضتها على عبادي وجعلتها لي ديناً. ثمّ قال: حيّ على الفلاح، قال اللَّه جلّ جلاله: أفلح من مشى إليها وواظب عليها ابتغاء وجهي. ثمّ قال: حيّ على خير العمل، قال اللَّه جلّ جلاله: هي أفضل الأعمال وأزكاها عندي. ثمّ قال: قد قامت الصلاة، فتقدّم النبيّ(ص) فأمّ أهل السماء فمن ثمّ عرف‏(26) النبيّ(ص)(27).
يقول السيّد الإمام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل الكامل، رضيّ الدين ركن الإسلام جمال العارفين، أبوالقاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس، شرّف اللَّه قدره وقدّس في الملأ الأعلى ذكره:
وإذ قد ذكرنا بعض ما روينا من أسرار الأذان والإقامة، فلنذكر ما نريد ذكره ممّا يحتاج إليه أهل الاستقامة.
فنقول: إذا فرغ من نوافل الزوال كما شرحناه، فليؤذّن كما سيأتي ذكره وبيانه بواضح المقال، وإنّ شاء قدّم الأذان بعد ستّ ركعات من نوافل الزوال وجعل الركعتين الباقيتين من الثمان ركعات ودعاءهما بعد الأذان والإقامة، فقد رويت في ذلك روايات عامّة.
(162) 7 - منها ما حدّث به أبو الفضل محمّد بن عبداللَّه(ره)(28) قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن أحمد بن بطّة القمّيّ قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي‏الأعلى الأماطيّ، عن أبي عبداللَّه أو(29) أبي الحسن(ع) قال: «تؤذّن للظهر على ستّ ركعات، وتؤذّن للعصر على ستّ ركعات بعد الظهر»(30).

ذكر ما نريد وصفه من أحكام الأذان والإقامة


هما مسنونان وفيهما أسرار، نذكر بعضها بحسب المصلحة الآن، وهما فيما يجهر به من الصلوات أعظم تأكيداً بمقتضى الروايات، وخاصّة صلاة الغداة وصلاة المغرب فإنّهما فيهما من المهمّات، ومن كمالهما ودلائل حضور قلب العبد مع الربّ، وأنّه من المستعدّين لخدمة سلطان العالمين، ولا يكون من المطرودين كما قال جلّ جلاله في المجاهدين: (وَلَوْ أَرادُوا الخُرُوجَ لأَعَدَّوُا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُم فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ)(31).
فيكون العبد على طهارة ومستقبل القبلة، وقائماً تعظيماً للمرسل والرسول والملّة، ويرتّل الأذان ويحدر الإقامة(32)، ويقول كلّ كلمة منهما بالصدق وموافقة السريرة للعلانية على صفة أهل الاستقامة.
فيقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أنّ لا إله إلّا اللَّه أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه لا إله إلّا اللَّه.
(163) 8 - ويفصل بين الأذان والإقامة كما رواه أبو محمّد هارون بن موسى(ره) قال: أخبرنا أبومحمّد الحسن بن حمزة العلويّ الطبريّ، عن أحمد بن مابنداد(33) عن أحمد بن هليل الكرخيّ، عن أبي عمير(34) عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي عبداللَّه(ع) قال: «كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) يقول لأصحابه: مَن سجد بين الأذان والإقامة فقال في سجوده: رَبِّ لَكَ سَجَدْتُ خاضِعاً خاشِعاً ذَلِيلاً يقول اللَّه تعالى: ملائكتي وعزّتي وجلالي لأجعلنّ محبّته في قلوب عبادي المؤمنين، وهيبته في قلوب المنافقين»(35).
(164) 9 - رواية اُخرى قال: حدّثنا عبداللَّه بن الحسين بن محمّد(36) قال: حدّثنا حمزة بن القاسم العلويّ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم‏(37) عن يعقوب بن يزيد الأنباريّ عن محمّد بن أبي عمير، عن أبيه، عن أبي‏عبداللَّه(ع) قال : «رأيته أذّن ثمّ أهوى للسجود ثمّ سجد سجدة بين الأذان والإقامة، فلمّا رفع رأسه قال: يا أبا عمير، من فعل مثل فعلي غفر اللَّه تعالى ذنوبه كلّها، وقال: من أذّن ثمّ سجد فقال: لا إله إلَّا أَنْتَ رَبِّي سَجَدْتُ لَكَ خاضِعاً خاشِعاً غفر اللَّه له ذنوبه» (38).
(165) 10 - أقول أنا: فإذا رفع رأسه من السجدة بين الأذان والإقامة يقول ما رواه أبو عبداللَّه محمّد بن وهبان‏(39) قال: حدّثنا عليّ بن حبشي بن قوني‏(40) قال: حدّثنا حميد بن زياد قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة قال: حدّثنا الحسن بن معاوية بن وهب، عن أبيه قال: سمعت أبا عبداللَّه(ع) يقول بين الأذان والإقامة: «سُبْحانَ مَن لا تَبِيدُ مَعالِمُهُ، سُبْحانَ مَن لا يَنْسَى‏ (مَن) ذَكَرَهُ، سُبْحانَ مَن لا يُخَيّبُ سَائِلَهُ، سُبْحانَ مَن لَيْسَ لَهُ حاجِبٌ يُغْشَى‏ وَلا بَوَّابٌ‏(41) يُرْشَى‏ وَلا تُرْجُمانٌ‏(42) يُناجَى‏، سُبْحانَ مَن اخْتارَ لِنَفْسِهِ أَحْسَنَ الأَسْماءِ، سُبْحانَ مَن فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسَى‏، سُبْحانَ مَن لا يَزْدادُ عَلَى‏ كَثْرَةِ العَطاءِ إِلَّا كَرَماً وَجُوداً، سُبْحانَ مَن هُوَ هكَذا وَلا هَكَذا غَيْرُهُ»(43).
أقول: ثمّ يدعو بينهما بما يفتح من اللَّه جلّ جلاله عليه، ويبدأ بالدعاء لأعظم الخلق في زمانه عند اللَّه جلّ جلاله وأعزّهم عليه، فإنّه موضع خاصّ لإجابة الدعاء ممّن يقوم بشروط الدعاء (44) كما ندب إليه.
ثمّ تقوم إلى الإقامة. فتقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلّا اللَّه أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، أشهد أنّ محمّداً رسول اللَّه أشهد أنّ محمّداً رسول‏اللَّه،حيّ على‏الصلاةحيّ على‏الصلاة،حيّ على‏الفلاح‏حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل حيّ على خير العمل، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللَّه أكبر اللَّه أكبر، لا إله إلّا اللَّه‏(45).
يقول السيّد الإمام العالم العامل الفقيه العلّامة الفاضل الكامل البارع الورع، رضي الدين ركن الإسلام جمال العارفين، أبو القاسم عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس، شرّف اللَّه قدره وقدّس في الملأ الأعلى ذكره:
أيّها العبد الضعيف الذي ينسى من حيث لا يدري، وينام مغلوباً من حيث لا يدري، ويمرض من حيث لا يدري، ويهرم من حيث لا يدري، ويصاب بالنوائب من حيث لا يدري، ويفجع بفقد الحبائب من حيث لا يدري، ويموت في آخر الأمر من حيث لا يدري، ما الذي قوّاك وأقدمك على سوء الأدب على سلطان العالمين؟! وإنَّك سمعت نداءه مراراً تلويحاً لتقوم إلى خدمته فهوّنت بذلك ولم تلتفت إلى دعوته، فأعاد النداء تصريحاً وقال مراراً في الأذان والإقامة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل وأنت مع ذلك تسمع باُذنيك - أي مسكين - فلا تلتفت إلى إجابته !.
فإذا كان اليهود والنصارى يسمعون هذا ولا يلتفتون، أنت تسمع مثلهم ولا تلتفت بأبلغ ما يكون، فما الفرق بينك وبينهم في التحقيق؟ فهل يخفى عليك أو على عاقلٍ ان صفاتك ما هي صفات أهل التصديق؟ ويحك ! لو كنت من ذوي البصائر، كان يكفيك في تعجيل القيام والاهتمام بالخواطر والسرائر، تجويز أنّه يمكن أن يكون هذا النداء من سلطان الأوائل والأواخر، فإنّك لو سمعت نداء من وراء دارك وقال لك قائل‏(46) لا تعلم صدقه: هذا نداء الخليفة والمَلك فلان، أو مَن ترجو منه بلوغ شي‏ء من ايثارك‏(47)، أمّا كنت - أي سقيم - تترك أشغالك وتقوم إلى النداء، فما قام عندك نداء جميع الأنبياء والأوصياء وكافّة الدعاة إلى سلطان الأرض والسماء مقام قول واحد(48) لا تعلم صدقه على اليقين، داوِ نفسك فإنّك إن كنت من ذوي العقل فأنت سقيم وبك داءٌ دفين أو من الهالكين.
فإيّاك إذا سمعت هذا النداء أن تتخلّف عنه، بل تقوم قيام مستبشر قد أهّله مولاه للدخول إلى حضرة مشافهته والإقبال عليه والقبول منه، وما أجدُ لك عذراً في النصيحة لك والشفقة عليك فأقول لك: إن كنت معذوراً، لأنّك تعلم أنّ صاحب هذه الصلاة كلّف القيام بها حتّى لمن كان محارباً وجريحاً وغريقاً ومريضاً ومأسوراً وما عذر فيها(49)، فارحم روحك فإنّ بين يديك يوماً عسيراً وخطراً كثيراً(50).
أقول: وإن كنت ممّن لا ينفع عندك في القيام إلى الصلاة أوّل الوقت صعوبة التهديد والوعيد، فنحن نورد لك بعض ما ورد في تقديمها من الوعود.
(166) 11 - فمن ذلك ما رويناه عن أبي جعفر محمّد بن بابويه في كتابه مدينة العلم بإسناده فيه إلى أبي عبداللَّه(ع) «فضل الوقت الأوّل على الأخير كفضل الآخرة على الدنيا»(51).
(167) 12 - ومن ذلك بإسنادنا من الكتاب المذكور عن أبي عبداللَّه(ع) قال: «لَفَضْلُ الوقتِ الأوّل على الأخير خيرٌ للمؤمن من ولده وماله»(52).
أقول: فإذا لم تنهض لوعيده ولا وعوده فهل ترى عندك تصديقاً لمقدّس مقاله أو معرفة بحرمة جلاله؟ فإذا قام العبد للصلاة كما قدّمناه وقَبَل النصيحة والاهتمام كما ذكرناه، فليدع بما رويته بعدّة طرق إلى الشيخ أبي محمّد هارون بن موسى قال: حدّثنا محمّد بن عليّ‏بن معمّر قال:
(168) 13 - حدّثنا محمّد بن الحسين‏(53) بن أبي الخطّاب، عن عبدالرحمن بن نجران، عن الرضا(ع) قال: يقول بعد الإقامة قبل الاستفتاح في كلّ صلاة: « اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاةِ القائِمَةِ بَلِّغْ مُحمَّداً صلّى اللَّه عليه وآله الدَّرَجَةَ وَالوَسِيلَةَ وَالفَضْلَ وَالفَضِيْلَةَ، بِاللَّهِ أَسْتَفْتِحُ وَبِاللَّهِ أَسْتَنْجِحُ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَآلِ مُحَمَّدٍ صلّى اللَّه عليه وآله أَتَوَجَّهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى‏ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَاجْعَلْني بِهِم عِنْدَكَ وَجِيهاً في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ »(54).
(169) 14 - ويقول أيضاً ما رواه ابن أبي عمير، عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي‏عبداللَّه(ع) في حديث، هذا المراد منه: قال: «كان أمير المؤمنين(ع) يقول لأصحابه: من أقام الصلاة وقال قبل أن يحرم ويكبّر: يا مُحْسِنُ قَدْ أَتاكَ المُسي‏ءُ وَقَدْ أَمَرْتَ المُحْسِنَ أَن يَتَجاوَزَ عَنِ المُسْي‏ء، وَأَنْتَ المُحْسِنُ وَأَنا المُسي‏ء، فَبِحقِّ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلِّ على‏ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّد، وَتَجاوَز عَن قَبِيْحِ ما تَعْلَمُ مِنِّي فيقول اللَّه تعالى: ملائكتي اشهدوا أنّي قد عفوت عه وأرضيت عنه أهل تبعاته»(55).

1. زاد في ش « والإقامة ».
2. ليس في ش « نحن نذكر الآن طرفاً ممّا رويناه من أسراره بحسب ما نؤثره من الإمكان ».
3. ليس في ش « الحسين بن علي ».
4. زاد في ش « المنارة ».
5. ليس في الأصل « ما يقول ».
6. ليس في ش « أبديّته ».
7. ليس في ط « لا يزال والظاهر فوق كلّ شي‏ء لا يدرك، والباطن دون كلّ شي‏ء ».
8. « لا ينفكّ » من ش و معاني الأخبار والتوحيد.
9. ليس في الأصل « وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم ».
10. السنيّ: الرفيع. (لسان العرب «سنا»، ج 14، ص 404).
11. اقتباس من سورة القمر(54): 55.
12. التوحيد، ص 238، ح 1 ؛ معاني الأخبار، ص 38، ح 1 كلاهما عن أبي يزيد بن الحسن عن الإمام الكاظم عن آبائه(ع).
13. التوحيد، ص 241، ح 2 ؛ معاني الأخبار، ص 41.
14. التوحيد، ص 241، ح 2 ؛ معاني الأخبار، ص 41 ؛ وراجع المناقب لابن شهرآشوب، ج 3، ص 326.
15. في ش « أبو الحسن ».
16. « أبو العالية » من ش و ط.
17. معاني الأخبار، ص 41، ح 2.
18. في الأصل وط « عليّ بن الحسن المقري غير المعروف بابن معين »، والصواب هو ما أثبتناه عن، الرقم ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 12، ص 135، الرقم 8408.
19. في ش و ط « هارون » بدل « مروان » والصواب ما أثبتناه من الأصل ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج‏17، ص 216، الرقم 11739.
20. علل الشرائع، ص 368، ح 5 ؛ معاني الأخبار، ص 42، ح 3 كلاهما عن محمّد بن مروان عن الإمام الباقر(ع).
21. ليس في ش « قال: وحدّثني عليّ بن عبداللَّه الورّاق وعليّ بن محمّد بن الحسن القزويني قالا: حدّثنا».
22. في ش و ط « يحيى بن الحسن بن الفرات ».
23. في الأصل و ط « عيسى بن محمّد بن مهران » وما أثبتناه هو الصواب ؛ وراجع معجم رجال الحديث، ج‏13، ص 207، الرقم 9223.
24. في ش « الحرور » وفي الأصل « الخزور » وما أثبتناه عن ط هو الصواب ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 11، ص 309، الرقم 7981.
25. ليس في الأصل « السادسة ».
26. في ش « شرف » بدل « عرف ».
27. معاني الأخبار، ص 42، ح 4 وفيه « تناهز » بدل « تناهى » و « شرف » بدل « عرف ».
28. في ش و ط « عبيداللَّه ».
29. في ش و ط « و » بدل « أو ».
30. التهذيب، ج 2، ص 286، ح 1144.
31. التوبة(9): 46.
32. يحدر الإقامة: في حديث الأذن « إذا أذّنت فترسّل، وإذا أقمت فاحدر » أي أسرع. (لسان العرب «حدر»، ج‏4، ص‏172).
33. في ش و ط « ماينداد » وجاء أيضاً بألفاظ اُخرى من قبيل: ما بنداذ ومابندار ؛ وراجع معجم رجال الحديث، ج 2، ص 191، الرقم 766.
34. في ط « ابن أبي عمير ».
35. عنه البحار، ج 84، ص 152، ح 548 ؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 400، ح 6919.
36. زاد في ش و ط « حدّثنا الحسن بن حمزة العلوي قال: حدّثنا حمزة بن القاسم العلوي ».
37. في ش « هاشم بن هاشم ».
38. عنه البحار، ج 84، ص 153، ح 48 ؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 400، ح 6920.
39. في ط « رهبان » ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 17، ص 316، الرقم 11938.
40. في الأصل وط « قوتي » والصحيح ما أثبتناه عن، الرقم ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 11، ص 300، الرقم 7975.
41. رجل بوّاب: لازم للباب وحرفته البوابة. (لسان العرب«بوب»، ج 1، ص 223).
42. ترجمان: المفسّر، ويقال: قد ترجم كلامه إذا فسّره بلسانٍ آخر. (لسان العرب«رجم»، ج 12، ص‏229).
43. مكارم الأخلاق، ج 2، ص 64 ؛ المصباح للكفعمي، ص 14 ؛ عنه البحار، ج 84، ص 178 ح 9.
44. ليس في ش « ممّن يقوم بشروط الدعاء ».
45. زاد في ش « لا إله إلّا اللَّه ».
46. ليس في الأصل « قائل ».
47. في ش « اشارك » بدل « ايثارك ».
48. ليس في ش « واحد ».
49. زاد في ش و ط « صحيح العقل ».
50. في ش و ط « كثيراً » بدل « كبيراً ».
51. التهذيب، ج 2، ص 40، ح 129 عن قتيبة الأعشى ؛ مكارم الأخلاق، ج 2، ص 66، ح 2166 ؛ الكافي، ج 3، ص 274 ح 6 سنده كما في التهذيب ؛ ثواب الأعمال، ص 58، ح 2 فيهما « الآخر » بدل « الأخير » وفي ش و ط كذلك.
52. الكافي، ج 3، ص 274، ح 7 وفيه « رجل » بدل « مؤمن » ؛ التهذيب، ج 2، ص 40، ح 126 ؛ ثواب الأعمال، ص 58، ح 1 كلّها عن بكر بن محمّد الأزدي عن الإمام الصادق(ع) ؛ مكارم الأخلاق، ج‏2، ص‏66 ، ح 2166.
53. في ش « الحسن » بدل « الحسين » ؛ وراجع معجم رجال الحديث ، ج 15، ص 291، الرقم 10554 و ج 17 ، ص 29، الرقم 11352.
54. عنه البحار، ج 84، ص 375 و مستدرك الوسائل، ج 4، ص 123، ح 4293 ؛ وراجع الكافي، ج 3، ص 309 ، ح 3 ؛ التهذيب، ج 2، ص 287، ح 1149 ؛ الفقيه، ج 1، ص 302، ح 916.
55. مصباح المتهجّد، ص 30 ؛ عنه البحار، ج 84، ص 375، ح 29 و مستدرك الوسائل، ج 4، ص 123، ح 4294.