حديث

الفوائد الرجالية

از مؤلفى ناشناخته
تحقيق: محمدحسين مولوى

 

263

بسم اللّه الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وعليه التكلان

الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم من الآن إلى يوم الدين
وبعد فهذه كلمات نافعة في توضيح المقال في علم الرجال، و فوائد وافية ممّا يحتاج إليه في منتهى المقال في أحوال الرجال، وهي مقدّمات:

المقدّمة الأولى: في تعريف علم الرجال وموضوعه وفائدته
أمّا الكلام في الأوّل فقد يعرّف بـ«أنّه ما وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتا ووصفا، مدحا وقدحا»1 وباعتبار الوضع يحترز عن التاريخ وعلم الحديث إذا كان مشتملا على بيان أحوال جملة من الرواة.
واعترض في عكسه بما يشتمل على الرمي بالجهالة، فقد يصرّح بكون الراوي مجهولا بل مهملا، ومثله من مقاصد هذا الفنّ ومسائله، ولايشمله التعريف، لاختصاصه ببيان الذات والمدح والقدح، وشيء منهما ليس بمتحقّق في المفروض.
واعتذر عنه بدخوله في القدح، نظرا إلى اشتراكهما في الغاية، وليس بشيء فإنّ
 

264

القدح والتضعيف يبنيان على العلم بصفة تمنع من الركون إلى الخبر.
والذي يختلج بالبال أن يقال: إنّ الوضع لغرض لايوجب ترتّب حصول ذلك الغرض في جميع أبواب الموضوع، فالبحث لأجل التمييز بين الممدوح والمقدوح، وقد يؤدّي إلى التصريح بوصف ثالث أو نفي الوصفين، إذ لايؤدّي شيئا منهما، كما أنّ تمهيد قواعد الأصول لإثبات دليليّة الدليل أو دلالته، وكثيرا ما يتوقّف في المقال ويبقى الإجمال، بل قد يؤدّي النظر إلى عدم الدليليّة وانتفاء الدلالة مما يحتمل بادئ الرأي دليليّته أو دلالته أو يراه الخصم دليلا كالقياس وأشباهه، فلا ضير في كون وضع هذا العلم للظفر بأحد الوصفين مع عدمه.
ومنه يعلم شمول الحدّ لبيان المشترك بين المقدوحين والممدوحين والموثّقين أو المختلفين وإن لم يفد شيء من المميّزات تميّز بعضهم عن بعض ذاتا، فتدبّر.
ومن العجب ما وقع من بعض الأعاظم من التحرّز بالوضع أيضا عن علم الكلام قال: «أن يخصّ الرواة بغير الأئمّة عليهم السلام، ولذا رووا عن آبائهم، وفي كثير من الأخبار إطلاق المحدّث عليهم، وهو بمعنى الراوي كما هو ظاهر هذه الأخبار وغيرها»2.
ويقرب من هذا ما صدر عن الشهيد في شرح البداية في الباب الثالث في شرائط تحمّل الحديث من أنّه لايشترط البلوغ، قال: «فيصحّ تحمّل من دونه على الأصحّ، وقد اتّفق الناس على رواية جماعة من الصحابة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله قبل البلوغ كالحسنين عليهما السلام»3.
أقول: علوم الأئمّة عليهم السلام مأخوذة عن النبي ّصلّى الله عليه وآله، وبيانهم قد يكون مشتملا على الحكاية، وتلك الحكاية من حيث إنّها صادرة عن المعصوم ليس بحديث اصطلاحا، ولا روايتهم رواية اصطلاحيّة، وليسوا برواة اصطلاحا، وإن صدقت الرواية لغة فإنّ الظاهر كون الحديث في الاصطلاح عبارة عمّا يحكي قول المعصوم عليه السلام أو ما بحكمه، والسند عبارة عن الطريق إلى المعصوم، والصادر من المعصوم عليه
 

265

السلام هو متن الحديث.
قال الشهيد: «المتن: ما اكتنف الصلب من الحيوان، وبه شبّه المتن من الأرض، ومتن الشيء: قوي متنه،ومنه حبل متين، فمتن كلّ شيء هو ما يتقوّم به ذلك الشيء ويتقوّى به، كما أنّ الإنسان يتقوّم بالظهر ويتقوّى به، فمتن الحديث لفظ الحديث الذي يتقوّم به المعنى، وهو مقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وما في معناه
والسند: طريق المتن، وهو جملة من رواه من قولهم: فلان سند،أي معتمد. فسمّي الطريق سندا، لاعتماد العلماء في صحّة الحديث وضعفه عليه»4 انتهى.
وهذا ـ كما ترى ـ ينادي بأنّ النظر في علم الرجال وبعض أبواب علم الدراية هو السند، بالمعنى الذي صرّح به الشهيد طاب ثراه.
وبالجملة: الحديث إنّما يطلق على مجموع الحاكي والمحكيّ باعتبار أنّه قول المعصوم أو فعله أو تقريره، وكما لايطلق على أوّل السند باعتبار الحكاية عن الوسط، كذلك لايطلق اصطلاحا على ما انتهى إليه السند، الذي هو متن الحديث وإن اشتمل على الحكاية وصدق عليها الرواية لغة، كما أنّ قول النبيّ صلّى الله عليه وآله متن الحديث وإن اشتمل على الحكاية عن جبرائيل، والاستشهاد بإطلاق المحدّث أضعف ممّا مر، حيث إنّ المحدّث في مناقبهم إنّما هو بالفتح، والمراد تحديث الملائكة لهم.
فعليك ببصائر الدرجات في هذا المقام تظفر على أخبار صريحة فيما ذكرنا، وهي وإن لم تناف الكسر فيما تحمله إلاّ أنّ الظاهر وحدة السياق، مع أنّ الأخبار يكشف بعضها عن بعض.
والتمثيل الصادر عن الشهيد رحمه الله لعلّه بالنظر إلى العامّة، فإنّه طاب ثراه كثيرا ما يتعرّض لما يناسب طريقتهم، بل يحكي من مصطلحاتهم بعض ما لا يوافق مصطلحنا.
وقد يعّرف بـ«أنّه العلم بأحوال رواة الخبر الواحد، ذاتا ووصفا، مدحا وقدحا، وما في حكمهما»5 والأحوال تشمل اختصاص بعض بالرواية عن بعض وبرواية شخص عنه،
 

266

والاشتراك في الصنعة والبلد والعلم والطائفة واتّحاد الطبقة والملازمة وقرب العهد، وأمثال ذلك ممّا يذكر في مقام تميّز المشتركات وتعيين الطبقات.
ومن زعم أنّ علم تميّز المشتركات مغاير لعلم الرجال، وأنّه خارج بإضافة الأحوال إلى الرواة،إذ التميّز ليس من أحوالهم، فقد أخطأ. كيف وجلّ أسباب التميّز أو كلّها موجودة في كلماتهم؟ مضافا إلى تعرّضهم لتميّز جملة من الرجال المختلف فيهم، كمحمّد بن إسماعيل المتكرّر في طريق الكليني وأبي بصير ومحمد بن سنان وأضرابهم حتّى صنّف فيهم ما صنّف، وأيضا كتاب المشتركات للكاظميّ طاب ثراه، وغيره، معدود من أهمّ كتب الرجال كتعليقة المولى البهبهاني، وقد أدرجهما الشيخ أبو علي في منتهى المقال.
والتقييد بالواحد لإخراج المتواتر، زعما عدم الحاجة في المتواتر إلى تعرّض رواته، وهو فاسد والتقييد محال، إذ البحث عن رواته ـ كالخبر المحفوف بالقرائن العلمية وإن لم يحتج إليه بعد التواتر وحصول القطع ـ يعدّ من علم الرجال، ومجرّد عدم الحاجة لايوجب الخروج عن العلم، مع أنّ أحوال المخبرين وصفاتهم في المتواتر من القرائن الداخلة التي لاتنافي صدق التواتر كما زبر في محلّه، فربّ خبر متواتر لايكون علميّا إلاّ بعد ملاحظة أحوال المخبرين، وكثيرا ماتختلف المتواترات بحسب المخبرين كثرة وقلّة، بسبب شدّة الوثوق بأقوالهم.
وقد يقال: إنّ في جعل الذات من الأحوال مالايخفى.
أقول: الظاهر من التفصيل أنّ المراد بقولهم: ذاتا ما يقابل المدح والقدح وما في حكمهما من الرمي بالجهالة أو الإهمال، فعلى هذا يشمل الأحوال التي لها مدخل في تشخيص الأعيان، مثل بيان الميلاد وتاريخ الوفاة، وكونه أخا أو أبا أو ولدا لفلان، وكونه من بني فلان أو من بلد فلان أو من علماء فنّ خاص، وغير ذلك ممّا له دخل في تميّز المشتركات.
وقد يعرّف بـ«أنّه ما يبحث فيه عن أحوال الراوي من حيث اتّصافه بشرائط قبول الخبر وعدمه»6.
 

267

وقد يعرّف بـ«أنّه ما وضع لمعرفة الحديث المعتبر عن غيره»7.
ويرد النقض بذكر بعض المرجّحات المذكورة في باب الترجيح، مثل موافقة الكتاب ومخالفة العامة والشهرة ومايقابلها، فإنّ البحث عنها ـ من حيث إنّها ميزان صدق الخبر وكذبه ـ موضوع للتميّز بين الراجح المعتبر عن غيره.
والذبّ عنه أنّ الأظهر كون الخبرين المتعارضين دليلين معتبرين، وأنّ الرجوع إلى المرجّحات لأجل تقديم أحد الدليلين، وبيان ذلك في الأصول فليراجع.

تنبيهان:
الأوّل:
الفرق بين هذا العلم و بين علم الدراية: أنّ هذا العلم في بيان أحوال الأشخاص المخصوصين من الرواة، ولذا يقال: إنّ حدّه من العلوم ليس كما ينبغي، إذ العلوم الحقيقيّة يستفاد منها قواعد كليّة وليس منها إدراكات الحواس الجزئيّة، وعلم الدراية علم يبحث فيه عن أحوال سند الخبر ومتنه وكيفيّة تحمّله وآداب نقله، كما عرّفه الشهيد رحمه الله في البداية بأنّه «علم يبحث فيه عن متن الحديث وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها وما يحتاج إليه ليعرف المقبول والمردود»8.
وبالجملة البحث في علم الدراية متعلّق بالمفاهيم الكلية كقولهم: إنّ الخبر الصحيح ما اتّصل سنده إلى المعصوم عليه السلام بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات، وعلم الرجال يتعلّق بحثه بالمصاديق، مثل أنّ الحديث الفلاني صحيح أم لا، وأشخاص سنده إماميّ أم لا،عدل أم لا، غاية الأمر إفراد اشخاص الرواة وبيان حالاتهم بكتاب معهود وباب موعود.
ومن هنا اتّضح أنّ موضوع هذا العلم هؤلاء الأشخاص الذين وقعوا في أسانيد رواياتنا من حيث إنّهم يروون تلك الأحاديث.

الثاني:
أنّ الفحص عن أحوال رجال ادّعى الشيخ رحمه الله عمل الطائفة بما رووا من
 

268

بني فضال ووطاطريان وأضرابهم، ليس بحثا عن أحوال الراوي من حيث كونه واقعا في سند الأحاديث وإن كان ترتّب عليه ذلك بالآخرة، بل من حيث إنّهم وقعوا معقدا للإ جماع، فيبحث عن أحوالهم تحصيلا للعلم بما اعتبر في معقد الإجماع ليلحق غيرهم بهم، فتدبّر جدّا.
وأمّا الكلام في الفائدة فمطلقها كلّ ثمرة ترتّبت على استعلام ما في الأخبار الشريفة المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام، فهي مرتّبة على هذا العلم، حيث إنّ الركون إلى ما يصحّ أن ينسب إليهم لايتيسّر إلاّ بهذا العلم، وتميّز الصحيح عن المزيّف موقوف عليه، وقد أشرنا سابقا أنّ ملاحظة السند ربّما كان له مزيد دخل في التواتر.
وبالجملة حال هذا العلم بالإضافة إلى فقه أهل البيت عليهم السلام ـ أصلا أو فرعا أو فرع أصل أو أصل فرع ـ كحال الأصول بالنسبة الى الاجتهاد، فكما أنّ كلّ ثمرة تترتّب على الاجتهاد فهي مترتّبة على علم الأصول، فكذلك كلّ ثمرة ترتّبت على تعلّم ما صدر عن أهل البيت عليهم السلام فهي مرتّبة على هذا العلم.
وأمّا الثمرة الخاصّة ـ أعني مدخليّة هذا العلم في الاجتهاد وتوقّفه عليه في الجملة لايغني عنه غيره ـ فواضحة لمن تفطّن إلى أنّ الأخبار المرويّة عنهم مطلقة، بل الواصلة وإن كانت مدوّنة لاتخلو عن احتمال اختلاق بعضها وهو ـ بعد العلم باشتمالها في الصدر الأوّل على الأخبار المكذوبة، وعدم الاطمئنان بخلوص ما في أيدينا عنها بمجرّد اهتمام الرواة الثقات من أصحابنا شكرالله مساعيهم الجميلة ـ كاف في تحقّق الحاجة وعدم الغنية عن هذا العلم المتكفّل لتميّز الغثّ من السمين بغيره، وناهيك في هذا الباب ملاحظة الأخبار الدالّة على ذلك في باب علاج التعارض وغيره
ففي النبويّ: «ستكثر بعدي القالة عليّ»9.
والجعفريّ: «إنّ لكلّ رجل منّا رجلا يكذب علينا»10.
وفي الآخر عنه: «إنّا أهل بيت صادقون لانخلو عن كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه»11.
 

269

وفي الآخر: «أنّ المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولاتقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنة نبيّنا»12.
وقد عرض يونس كتبا على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبدالله قال: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبدالله، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبدالله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن.
وفي جملة من الأخبار العلاجيّة : أنّ ماخالف القرآن، وفي بعضها: ماخالفه وخالف السنّة، إلى آخره. وفي آخر الأمر بضرب مخالفه وجه الجدار، وفيها أيضا الأمر بالرجوع إلى الأعدل والأورع والأفقه13.
والناقد البصير يعرف أنّ غير هذا العلم لايغني عنه في كفالة هذا الخطب بوجه أبدا. ثمّ إنّ المعروف ـ بل لاأظنّ خلافا يعتدّ بقوله ـ عدّ هذا العلم بخصوصه ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد، وقد تسالموا على ذلك في كتبهم الأصولية وبنوا عليه في كتبهم الفقهيّة.
ومن التزم بخلاف ذلك أو يلزمه جماعة على اختلاف مشاربهم:
منهم: الحشويّة الذين فرّطوا وانقادوا لكلّ خبر، وغفلوا عمّا تحته من التناقض.
نعم إن كان من مذهبهم التزام الترجيح عند التعارض بالعدالة والأعدليّة ونحوهما ـ دون التخيير أو الطرح أو الترجيح بغير ما ذكر ممّا يعرف بغير هذا العلم ـ لزمهم القول بالاقتصار حينئذ.
ومنهم: المنكرون لحجيّة أخبار الآحاد بدعوى قطعيّة الأحكام بالكتاب والسنّة القطعية المستفيضة أو المتواترة والإجماع أو غير ذلك ممّا لادخل لهذا العلم فيه، كالسيد وابن إدريس وأضرابهما.
 

270

ومنهم: المدّعون لقطعيّة الصدور في الأخبار المدوّنة في كتب أصحابنا أو خصوص الأربعة، بزعم استفادته من أمور ذكروها، ومحصّلها القطع بأخذ ما فيها عن الأصول المعتبرة التي عليها المعوّل وإليها المرجع، المعروفة في أعصار الأئمّة عليهم السلام كما زعمه بعض الضعفاء من الأخباريّة، وبعضهم راعى بعض الإنصاف وادّعى قطعيّة الحكم باعتبار ما في الكتب الأربعة بقرينة شهادة مصنّفيها الثقات، ومن خلط بين الطريقين فجمع في الحكاية بين الطائفتين فقد خبط واضحا إلاّ أن يكون ذلك على سبيل التنزيل.
ومنهم: المكتفون بتصحيح الغير قياسا له ـ خصوصا إذا كان المصحّح من أهل الرجال بصيرا به كصاحبي المنتقى والتعليقة وأمثالهما ـ على أقوال علماء الرجال شهادة كانت أو رواية أو أمارة للظنّ.
وقد يدّعى العلم بحصول ذلك من أكثر العلماء في كتبهم الفقهيّة وغيرها، وهي بعيدة جدّا والاكتفاء به في حال الاضطرار كفقد كتب هذا الفنّ في سفر ونحوه، فليس على خلاف المشهور.
ومنهم: من فصّل بين صورة التعارض فالتوقّف، و بين غيرها فالغنية، حكاه بعض الأعاظم14 واحتمل تفصيلا آخر، ففرّق بين موافقة الشهرة ولو محكيّة ببعض الأخبار، أو اختصاص المرجّحات بأحد المتعارضين منهما، فلاحاجة، و بين ما عداهما فالتوقّف.
قال دام عمره:«ولعلّ عليه عمل بعض أو جماعة و إن لم أقف على من اختاره أوحكاه عن واحد»15 انتهى.
أقول: لاغناء بشيء من المسالك عن الاطّلاع بأحوال رجال الأسانيد
أما مقالة الحشويّة والأخباريّة فلا ينبغي بناء المقال عليها. وأمّا دعوى انفتاح باب العلم فلاتتمشّى إلاّ من المتبحّر البارع في هذاالعلم، إذا المفتاح لذلك الباب هوالبصيرة التامّة و سبرالأسانيد فيما يدّعى قطعيّته من الأخبار والسنّة.
وأمّا القول بحجيّة الأخبار الصحيحة أو الموثوق بها فلا محيص لهم عن إحراز
 

271

الوصفين في مقام الاستدلال بما في أيدينا، وهو في عهدة كفاية هذا المضمار. وأوضح منه توقّف حصول الظنّ والوثوق والاطمئنان على ملاحظة جميع أماراتها إن لم يكن عمدها فيها الظنّ بكون الراوي متحرّزا عن الكذب ضابطا مصونا عن النسيان.وغيره فخالف المشهور في الأخيرة.
وربّما يحتمل احتمالان آخران: التفصيل بين صورة وجود الشهرة محقّقة أو محكية في خصوص بعض الأخبار أو اختصاص الراجحة منها بجانب وبين غيره فيقتصر في الاقتصار على الأخير.
قيل: ولعلّ عليه عمل بعض أو جماعة، و إن لم أقف على من اختاره أو حكاه عن واحد، انتهى.
أقول: أما الحشويّة والأخباريّة فنحن في غنية عن بيان فساد مذاهبهم بما حرّرنا في الأصول، فقد انتهى الكلام ثمّة إلى ابتناء الأمر على كفاية ما علم حجيّته من خصوص أخبار صحيحة أو مطلق الموثّقات من الأخبار في دفع محظور الخروج من الدين والمخالفة القطعيّة بالرجوع إلى الأصول التعبديّة.
وأنت خبير بأنّ تحقيق موضوع الحجّة ـ وتثبت تلك الصغرى بأنّ جلّ الأخبار بحيث تكون كافية في جلّ الأبواب والمسائل المحتاج إليها صحيحة السند أو موثوق بها على وجه اقتضى الدليل حجيته ـ في عهدة كفاية هذا الفنّ دون غيره، بل الإنصاف أنّ هذا الشأن مقصور على المتبحّرين المتوغّلين في هذا العلم.
ولايتوهّم أنّ من يرى حجيّة الظنّ مطلقا في غنية عن ذلك العلم، لعدم انحصار سبب حصول الظنّ في ملاحظة أحوال الرواة، بل عمدة أسبابه الشهرة بين الأصحاب فتوى أو رواية، مع أنّ تصحيح الغير سيما إذا توافق عليه جملة من العلماء الأعلام لايقصر عن فحص المجتهد بل قوة الظنّ فيه، وذلك لأنّ مجرد تعميم الحجيّة إلى أسباب الظنّ لايقتضي جواز الاقتصار على ملاحظة بعض أسبابه، بل لابدّ له من تتبّع جميع مظانّه واستقصاء أسبابه وأماراته، وتصحيح الغير وإن كان من جملتها إلاّ أنّه لايفي باستقرار الظنّ غالبا مع عدم اليأس عن المعارض و ملاحظة وقوع الخطإ من العلماء طاب
 

272

ثراهم الذي يشهد به اختلافهم في تصحيح بعض الروايات والخطأ ليس بمأمون عليهم، ومع قيام ذلك الاحتمال لاتحصل قوة الظنّ إلاّ بعد فحصه و بذل الوسع في التحرّي عن حال الرواة وسائر الأمارات.
وناهيك في هذا الباب ما وقع في وصيّة الفاضل في آخر شرح القواعد إلى علماء الدين وإخوانه المجتهدين قال رحمه الله في جملة كلام له: «ولايستندوا في تصحيح الطرق والتضعيف ـ والترجيح لبعضها عن بعض والتضعيف ـ إلى مايوجد في بعض كتب الفروع من غير سبر السند برجاله والبحث عن كلّ رجل وحقيقة حاله، فإنّه إهمال وعن الحق ّإغفال»16.
وقال الشهيد رحمه الله في شرح البداية في الباب الثاني في من تقبل روايته ومن يردّ ـ بعد كلام ـ: «نعم يجب على المتكلّم في ذلك التثبّت في نظره وجرحه، لئلاّ يقدح في بريء غير مجروح بما ظنّه جرحا فيجرح سليما ويسم بريئا بسمة سوء تبقي عليه الدهر عارها، فقد أخطأ في ذلك غير واحد فطعنوا في أكابر من الرواة استنادا إلى طعن ورد فيهم له محمل، أو لايثبت عنهم بطريق صحيح.
ومن أراد الوقوف على حقيقة الحال فليطالع كتاب الكشّي رحمه الله في الرجال.
وقد كفانا السلف الصالح من العلماء بهذا الشأن مؤونة الجرح والتعديل غالبا في كتبهم التي صنّفوها في الضعفاء كابن الغضائري، أو فيهما معا كالنجاشي والشيخ أبي جعفر الطوسي والسيد جمال الدين أحمد بن طاوس والعلاّمة جمال الدين المطهّر الحلّي والشيخ تقي بن داود، وغيرهم.
ولكن ينبغي للماهر في هذه الصناعة، ومن وهبه الله تعالى أحسن بضاعة، تدبّر ما ذكروه ومراعاة ما قرّروه، فلعلّه يظفر بكثير ممّا أهملوه، ويطّلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه، كما اطّلعنا عليه كثيرا، ونبّهنا عليه في مواضع كثيرة وضعنا ها على كتب القوم خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والقدح، فإنّه وقع لكثير من أكابر
 

273

الرواة، وقد أودعه الكشّي في كتابه من غير ترجيح، وتكلّم من بعده في ذلك واختلفوا في ترجيح أيّهما على الآخر اختلافا كثيرا، فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك، بل ينفق مما آتاه الله فلكلّ مجتهد نصيب، فإنّ طريق الجمع بينهما ملتبس على كثير حسب اختلاف طرقه وأصوله في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثّقة ـ إلى أن قال طاب ثراه ـ: وكثيرا ما يتّفق لهم التعديل بما لايصلح تعديلا، كما يعرفه من يطالع كتبهم سيّما خلاصة الأقوال»17.

وقال في آخر الباب الرابع: «ومن المهم معرفة طبقات الرواة، وفائدته الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الاطّلاع على تبيّن التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. ومن المهم ّأيضا معرفة مواليدهم ووفاتهم، فبمعرفتهما يحصل الأمن من دعوى المدّعي اللقاء ـ أي لقاء المرويّ عنه ـ والحال أنّه كاذب في دعواه وأمره في اللقاء ليس كذلك. وكم فتح الله علينا بواسطة معرفة ذلك بالعلم بكذب أخبار شائعة بين أهل العلم فضلا عن غيرهم، حتّى كادت تبلغ مرتبة الاستفاضة، لو ذكرناها لطال الخطب»18.
 

274

المقدّمة الثانية: في وجه الرجوع إلى علماء الرجال
هل هو من باب اتّباع الفتوى، أو قبول الشهادة، أو تلقّي الرواية بالقبول أو غير ذلك؟ ينبغي تمهيد مقدّمة في بيان الفرق بين الأمور المزبورة:
قال الشهيد طاب ثراه في القواعد في:«الفرق بين الحكم والفتوى مع أنّ كلا منها إخبار عن حكم الله يلزم المكلّف اعتقاده من حيث الجملة: إنّ الفتوى مجرد إخبار عن الله بأنّ حكمه في هذه القضية كذا، والحكم إطلاق أو إلزام في المسائل الاجتهاديّة وغيرها مع تقارب المدارك فيها ممّا يتنازع فيه الخصمان لمصالح المعاش، فبالإنشاء تخرج الفتوى لأنّها إخبار19 ـ وقال في موضع آخر في بيان الفرق بين الرواية والشهادة ـ: الشهادة والرواية تشتركان في الجزم، وتنفردان في أنّ المخبر عنه إن كان أمرا عامّا لايختصّ بمعيّن فهو الرواية كقوله عليه السلام:«الشفعة فيما لايقسّم»20 فإنّه شامل لجميع الخلق إلى يوم القيامة، وإن كان لمعيّن فهو الشهادة كقوله عند الحاكم:أشهد بكذا لفلان.
قال طاب ثراه: وقد يقع لبس بينهما في صور»21 فأخذ في عدّها، و عدّ منها رؤية الهلال والمترجم عندالحاكم، وقوّى فيهما اعتبار التعدّد والمقوّم والقاسم، والمخبر عن عدد الركعات والأشواط، والمخبر بالطهارة والنجاسة، والمخبر عن دخول الوقت، والمخبر عن القبلة، والخارص ـ ثمّ قال ـ: وأمّا قبول الواحد في الهديّة ودخول دار الغير فليس هو رواية، إذ هو حكم خاصّ لمحكوم عليه خاص، بل هو شهادة لكن اكتفى فيها بالواحد عملا بالقرائن المفيدة للقطع، ولهذا قبل وإن كان صبيّا.
ومنه إخبار المرأة في إهداء العروس إلى زوجها.
ولو قيل: إنّ هذه الأمور قسم ثالث خارج عن الشهادة والرواية وإن كان مشبها
 

275

للرواية كان قويا وليس إخبارا، ولهذا لايسمّى المخبر عن فعله شاهدا ولا راويا مع قبول قوله وحده كقوله:«هذا مذكّى» أو «ميتة» لما في يده، وقول الوكيل: «بعت» أو «أنا وكيل» أو «هذا ملكي».
ولايرد على الفرق أنّ من الشهادات ما يتضمّن العموم كالوقف العامّ، والنسب المتّصل إلى يوم القيامة، وكون الأرض مفتوحة عنوة أو صلحا.
ومن الروايات ما يتضمّن حكما خاصّا كتوقيت الصلوات بأوقاتها المخصوصة، لأنّ العموم هناك عارض، وفي الحقيقة التعيين هو المقصود بالذات، فإنّها شهادة على الواقف، وهو شخص واحد، وليس العموم من لوازم الوقف، وكذا النسب المشهود عليه إلحاق معيّن بمعيّن ولعموم طرأ عليه، وأمّا أوقات الصلوات وإن كانت متّحدة بحسب كلّ صلاة إلاّ أنّها شرع عام على جميع المكلّفين»22 انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه الشريف.
ولا يخفى أنّ منشأ اللبس هو الفارق الذي ذكره من اعتبار العموم والخصوص، فما من عامّ إلاّ وله جهة خصوص، وكذلك ما من خاصّ إلاّ وله جهة عموم، كما في الشهادة بملكيّة مال معيّن لشخص معيّن، فإنّه يشمل العموم بالإضافة إلى نفيه عن غيره، والظاهر أنّ الإشكال ناشئ عن الخلط بين معنى الرواية لغة واصطلاحا، فشبهة شمولها لموارد صدق الشهادة باعتبار معناها اللغويّ، والظاهر أنّها بهذا الاعتبار أعمّ من الشهادة، والتي تقابلها الرواية اصطلاحا.
قال المحقّق القمّي رحمه الله بعد نقل كلام الشهيد: «ولايخفى على المتأمّل في كلامه ما فيه من المسامحة في البيان، واشتباه ماهو المقصود من الرواية والشهادة، ووجه التفرقة بينهما وحكمهما. فإنّ من يقول بأنّ الواحد يكفي في الرواية دون الشهادة، إن أراد بالرواية الخبر المصطلح الذي هو واحد من أدلّة الفقه بناء على حجية خبر الواحد لامطلق الخبر المقابل للإنشاء، فهو لايتمّ، لأنّه لامعنى حينئذ للتفريعات التي ذكروها من رؤية الهلال والمترجم وغيرهما ممّا ذكروه، ولا لجعل التزكية رواية بهذا المعنى مطلقا، كما لايخفى.
 

276

وإن قيل: إنّ المراد مقابلة الشهادة بسائر أفراد الخبر، والغرض من الرواية هو سائر أفراد الخبر، فيشمل الخبر المصطلح وغيره أيضا.
ففيه أنّه لامعنى حينئذ لاشتراط كون المخبر عنه في الخبر عامّا وفي الشهادة خاصّا، إذ قد يكون المخبر عنه في الخبر خاصّا مع كونه غير شهادة، كإخبار زيد بمجيء ولده من السفر مثلا، مع أنّ أكثر الروايات إخبار عن سماع خاص أو رؤية خاصّة، فإنّ قول الراوي: قال النبيّ(ص) أو الإمام كذا، إخبار عن جزئيّ حقيقيّ.
وإن اعتبر نفس إلزام الحقّ في الشهادة فلا وجه لتخصيص الفرق بالتخصيص والتعميم، كما يظهر منه رحمه الله في أوّل كلامه، ولا لتخصيص الحقّ بالمخلوق في الشهادة ،كما يظهر من أواسط كلامه طاب ثراه، إذ قد تكون الشهادة في حقّ الله تعالى كالشهادة على شرب الخمر لإجراء الحدّ، وجعله رحمه الله الأمور المذكورة أخيرا قسما ثالثا ـ أيضا ـ ينافي إرادة المعنى الأعمّ أيضا.
والظاهر أنّ مرادهم من الرواية هنا مطلق الخبر غير الشهادة، لا الخبر المصطلح.
فالتقرير الواضح حينئذ أن يقال: إنّ كلّ خبر يسمع فيه الواحد إلاّ الشهادة، وهو إخبار جازم عن حقّ لازم للغير عن غير الحاكم23.
وقال طاب ثراه: «إنّه يمكن توجيه كلامه طاب ثراه حيث قال: وينفردان في أنّ المخبر عنه»24 بأنّ المراد أنّ العموم إنّما يوجد في الرواية دون الشهادة لا أنّ المخبر عنه في الرواية دائما يكون عامّا، ويلزمه أنّ الشهادة دائما مخصوصة، وهو كذلك، ومراده بيان أحد المميّزات لا الجميع حتّى يرد أنّ بينهما فرقا آخر وهو أنّ الشهادة إخبار بحقّ لازم للغير البتة» انتهى ما أردنا إيراده.
وأقول: الظاهر أنّ شيئا من الألفاظ الثلاثة لم يبق على معناه اللغوي وإنّما اختصّ في
 

277

العرف أو الاصطلاح به بعض أفراده أو ما يناسبه.
أمّا الفتوى فالظاهر أنّه بمعنى الخبر، ففي المجمع قوله: «فاستفتهم»25 أي سلهم واستخبرهم، من استفتيته: سألته أن يفتي: قوله: «ولاتستفت فيهم منهم أحدا»26 أي لاتسأل «ويستفتونك»27 في الكلالة28 :أي يطلبون منك الفتيا. والفتيا بالياء وضمّ الفاء، والفتوى بالواو وفتح الفاء: ما أفتى به الفقيه.
يقال: استفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني، وتفاتوا إلى الفقيه استفتيت: إذا ارتفعوا إليه في الفتيا، وأفتاني في المسألة: بيّن حكمها، والجمع الفتاوي بكسر الواو، وقيل: ويجوز الفتح29 وقد عرّفها بعض الأصحاب بأنّها إخبار عن الله تعالى بأنّ حكمه في هذه القضيّة كذا.
وأما الرواية فالظاهر أنّه بمعنى الحكاية، ففي المجمع: «وفي المصباح30 روى البعير الماء ـ من باب رمى ـ: حمله فهو راوية، ثمّ أ طلقت الراوية على كلّ دابة يستقى الماء عليها، ومنه قيل: رويت الحديث رواية: حملته، ورويته الحديث تروية: حملته على روايته. والرواية في الاصطلاح العلمي: الخبر المنتهي بطريق النقل من ناقل إلى ناقل حتّى ينتهي إلى المنقول عنه من النبي(ص) أو الإمام على مراتبه من المتواتر أو المستفيض»31.
و أمّا الشهادة فهي بمعنى الحضور أو العلم، ففي المجمع: «وشهدت على الشيء: اطّلعت عليه وعاينته فأنا شاهد، والجمع أشهاد وشهود. وشهدت العيد: أدركته، وشاهدته مثل عاينته، وشهدت المجلس: حضرته. وقولهم: الشاهد يرى مالايرى الغائب، أي الحاضر يعلم ما لايعلمه الغائب، وهو شاهد في بلده، أي حاضر. وشهد
 

278

بكذا يتعدّى بالباء، لأنّه بمعنى أخبر، وأشهد أن لاإله إلاّ الله يتعدّى بنفسه، لأنّه بمعنى أعلم، وقد تستعمل«أشهد» في القسم نحو: أشهد باللّه لقد كان كذا، أي أ قسم، فالشهادة خبر قاطع والمعنى واضح32.
وفي الصحاح: «الشهادة خبر قاطع، أشهد بكذا أي أحلف، والمشاهدة المعاينة، وشهده شهودا: حضره فهو شاهد، وقوم شهود أي حضور، والمشهد محضر الناس»33 انتهى.
وفي كتاب الشهادات من الجواهر: «وهي لغة الحضور، ومنه قوله تعالى «فمن شهد منكم الشّهر»34 أو العلم الذي عبّر بعضهم عنه بالإخبار عن اليقين. وشرعا إخبار جازم عن حقّ لازم للغير واقع من غير حاكم ـ قال في آخر كلامه ـ: والأولى إيكال الفرق بينهما ـ يعني الشهادة وغيرها من الأخبار ـ إلى العرف»35 انتهى.
أقول: الذي يترجّح في النظر القاصر ـ ولعلّ كلمات أهل اللغة والفقهاء والأصوليّين مطابقة عليه، يجده المتتبع المتأمل ـ أنّ الرواية لغة أعمّ من الشهادة لغة، عرفا واصطلاحا.
وأمّا الرواية اصطلاحا فهي عبارة عن حكاية ما يتعلّق بأمر الدين أصلا وفرعا، موضوعا أو حكما، اقتضائيّا أو وضعيّا.
وبالجملة ما يتعلّق به التبليغ ممّا يرتبط بأمر المعاد أو تكميل المعاش، فهي شاملة للأخبار الواردة عن أهل العصمة في الآداب والطبّ وأمثال ذلك.
والشهادة عبارة عن حكاية الجزئيّات الخارجيّة من الأمور التكوينيّة والعاديّة التي تترتّب عليها الأحكام، لانفس الأحكام الجزئية التي تتعقّبها الموضوعات الصرفة الخارجيّة فضلا عن الأحكام الكليّة أو الموضوعات المستنبطة، ومن هنا وقع الإشكال في صحّة الشهادة على الأحكام الشرعيّة من غير ذكر السبب واعتبر في صحّتها وجوازها ذكر السبب.
 

279

وعبّر عنه بعض الأعلام بأنّ الأحكام لايجوز جعلها متعلّقة للشهادة، فلا تسمع الشهادة بالحرمة الأبديّة مثلا من غيرذكر السبب من رضاع أو مصاهرة. ويتفرّع عليه أنّه لورتّب الشاهد الشهادة على نفس الأحكام فليس بصحيح، ولو سلّم فإنّما هو باعتبار ما يتضمّن من الأمور العادية الخارجية التي تستعقب تلك الأحكام.
وبالجملة الشهادة بيان أمر خارجي من حيث إنّه يترتّب عليه حكم شرعيّ، وهذا المعنى أخصّ من المعنى اللغوي، وهو معنى عرفيّ. والظاهر أنّ المعنى الاصطلاحيّ كما سمعت آنفا أخصّ من ذلك أيضا. وعلى هذا فلايبقى لبس بين مصداقي اللفظين بالنظر إلى خصوص المصطلحين، فلو حكى الراوي فعلا عاديّا عن المعصوم، فهو باعتبار دلالته على جوازه رواية، وباعتبار أنّه يترتّب عليه حكم شرعي من الملكيّة والسلطنة واليد فهو شهادة، وباعتباره في نفسه خارج عنهما داخل في موضوع الرواية بالمعنى اللغوي.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّهم بنوا اعتبار التعدّد في المزكّى وعدمه على كون التزكية شهادة أو رواية.
قال الشهيد رحمه الله في شرح البداية: «وفي الاكتفاء بتزكية الواحد العدل في الرواية قول مشهود لنا ولمخالفينا، كما يكتفى بالواحد في أصل الرواية، وهذه التزكية فرع الرواية، فكما لايعتبر العدد في الأصل، فكذا في الفرع، وذهب بعضهم إلى اعتبار الاثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات»36 انتهى، فتأمّل.
قال المحقق القمّيّ رحمه الله: «واختلفوا في أنّ الواحد هل يكفي في التزكية أولابدّ من التعدّد على قولين، وبنى كثير منهم ذلك على أنّ التزكية رواية أو شهادة، فعلى الأوّل يكفي دون الثاني»37.
وقال ـ بعد ذلك في جملة كلام له ـ: «فلابدّ حينئذ من ملاحظة أدلّة حجيّة خبر الواحد، هل تقيّد حجيّة الخبر المصطلح أو مطلق خبر الواحد؟ وقد عرفت أنّ آيةالنفر38
 

280

ظاهرة في الفتوى، غايته دخول الخبر المصطلح فيه أيضا، وأمّا غيرهما فلا، وأمّا آية النبأ39 فهو وإن كان أعمّ من ذلك، لكنه ينافي ما ذكروه من اشتراط عموم المخبر عنه في الخبر، فإنّه أعمّ من ذلك، بل حكاية الوليد التي هي شأن نزول الآية واقعة خاصة، وهي بالشهادة أشبه.
وكيف كان فالشهادة داخلة، ولذلك استدلّ الفقهاء في ردّ شهادة الفاسق والمخالف بهذه الآية.
وحينئذ فلا دلالة فيها على قبول الواحد، إذ مقتضاها لابدّ أن يكون إن كان عادلا لايجب التوقّف من حيث يحصل الصدق، بل يجوز العمل به حينئذ في الجملة، وإن كان من جهة كونه أحد شرطي السنّة، وذلك لايفيد إلاّ جواز العمل في الجملة، لاخصوص العمل إذا كان واحدا مطلقا كما هو المطلق، وإرادة المعنيين معا بالنسبة إلى الشهادة وغير الشهادة استعمال للفظ في المعينين: الحقيقيّ والمجازيّ، وهو باطل كما حقّقناه سابقا .
وجعل الأصل والظاهر من الآية العمل بالواحد، والقول بأنّ الشهادة مخرج بالدليل ـ مع كون الآية واردة فيما هو من باب الشهادة على ما هو شأن نزول الآية ـ محلّ إشكال، سيّما وهو مستلزم لتخصيص المنطوق بالخبر أيضا، لأنّ الظنّ الحاصل بالتثبّت لايفيد في الشهادة.
وأمّا الإجماع فهو ظاهر في الخبر المصطلح.
وأمّا الدليل الخامس فهو لايفيد الاعتماد على الواحد من جهة أنّه خبر الواحد، بل لأنّه ظنّ، ولامناص عن الظنّ عند انسداد باب العلم.
فالحقّ والتحقيق أنّ هذا البناء باطل، إذ ليس ذلك من باب الخبر المصطلح، ولادليل على كفاية الواحد بالخصوص في غير الشهادة من أقسام الخبر، ولا دليل على كونه من باب الشهادة، لعدم صدق تعريفها عليه عند التأمّل. فإنّ المراد من التزكية ليس إثبات حقّ لازم للمخلوق أو للخالق، وإفادته لذلك بالآخرة بعد العمل بالرواية بسبب التعديل
 

281

مشترك الورود في الخبر والشهادة، مع أنّ العلم معتبر في الشهادة غالبا، بخلاف ما نحن فيه،لاستحالة العلم بالعدالة عادة.
سلّمنا أنّه شهادة، لكن لا دليل على وجوب التعدّد في مطلق الشهادة، قال بعض الأصحاب: قد اعتبر الواحد في بعض الموارد، بل اعتبروا المرأة الواحدة أيضا في بعض الأحيان، ولا دليل على عدم كون التزكية ممّا يقبل فيه الواحد.
فالأولى أن يقال: إنّ ذلك من باب الظنون الاجتهاديّة المرجوع إليها عند انسداد باب العلم، وليس من باب الشهادة ولا الرواية المصطلحة»40 انتهى.
ولقد أجاد طاب ثراه فيما أفاد، وسيأتي إن شاء الله بعض ما تبقّى فيه من الإشكالات.
إذا تمهّد ذلك فلنرجع إلى أصل المرام، فنقول: إخبار علماء الرجال بما يفيد تشخيص ذوات الرواة ببيان الأسامي والكنى والألقاب والأنساب وغيرها، وصفاتهم ببيان أوصاف المدح والقدح وغيرهما، هل هو من باب العمل بالشهادة لتشمله أدلّتها وعموم اعتبار البيّنة أو مطلق الشهادة وإن كان بشاهد واحد في واجد كما عن دراية الشهيد41 حكايته عن بعض، ولعلّه بالنظر إلى عبارته المتقدّمة، وعليه فمنسوب إلى قول مشهور لنا ولمخالفينا، واختار هذا صاحب المعالم وبعض من تبعه. أو من باب قبول مطلق النبأ والرواية، فيشمله دليلها كما عن صريح جماعة. أو من باب الرجوع إلى أهل الخبرة بناء على مغايرته لوجه الشهادة ومنه قبل، ولم أقف على قائله بل على حكايته في الكتب، وإنّما حكي عن بعض الفضلاء.
أو من باب الظنون الاجتهاديّة المعتبرة مطلقا أو بعد انسداد باب العلم لأربابها و من كان عاريا عن طرقها، فيكون إخبار علماء الرجال بما يقولون إخبارا عمّا اختاروه باجتهاداتهم، نظير الفتوى في الأحكام، ورجوع من عداهم إليهم من قبيل التقليد للعامّي،وحينئذ تشمله أدلّة التقليد وحجج صحّة رجوع العامّي إلى العالم من الأدلّة الخاصّة، أو انسداد باب العلم وما هو في مرتبته ممّا يثبت اعتباره بدليل قطعيّ.
 

282

أو من باب الرجوع إلى أمارات الظنّ وأسبابه، فتكون الحجّة في الحقيقة هي الظنون الحاصلة للراجعين باجتهاداتهم من أقوال العلماء وسائر القرائن، إمّا لاعتبار الظنّ في خصوص المقام، أو لاستلزامه الظنّ بالفروع الفقهية أو طرقها أو لإيجابها الوثوق بالخبر، فيكون بمنزلة التبيّن فيه، فيكون الحجّة في الحقيقة هو الخبر أو الوثوق مطلقا بناء على حجّية مطلق الوثوق؟
احتمالات، أقربها الأخير ثمّ ما قبله، وما عداهما ضعيف جدّا.
أمّا الشهادة فلأنّ من تتبّع الكتب الرجاليّة وتأمّل في كيفيّة رجوع الفقهاء إليها يعلم جزما أنّ ذلك ليس منهم، بناء على عنوان الأخذ بالشهادة التي اعتبروا فيها شرائط كثيرة، لم يلتزموا هنا بشيء منها من العدالة والعدد والمشافهة دون المكاتبة والأصالة دون الفرع وفرع الفرع مع الإسناد أو الإرسال عن الأصل، وكونها عن حسّ دون الحدس، وجزم دون الظنّ.
والقول بأنّ الشهادة وإن اعتبر فيها القطع إلاّ أنّه خرج عن تلك الكلّية موارد:
منها: التزكية فيجوز الشهادة على العدالة استنادا إلى حسّ ظاهر وأمارات ظنّية وأمور حدسية قريبة من الحسّية وإن لم تكن عن جزم، ولاضير أن تكون أقوال العلماء في تزكيتهم الرواة من هذا القبيل، والرجوع إليهم على ذلك الوجه ليس بأولى من القول بأنّ تلك الأقوال والمكاتبات أيضا من الأمارات المطلقة التي توجب للراجعين ظنّا بالعدالة، والعبرة بحصول الظنّ لهم دون المزكّي، ولذا يرفعون اليد عن التزكية بأمارات موهنة. ولو كانت من باب الشهادة لما جاز رفع اليد عنها، إذ لايصلح غير الحجّة لمعارضة الحجّة التعبديّة الشرعيّة.
وبالجملة اعتبار شرائط النيّة أو مطلـق الشهـادة فيمن يرجع إليه مـن المعدّلين والمزكّين والجارحين ممّا يقطع بفساده، مع أنّ ما استجمع الشرائط غير كاف في تميّز المقبول من المردود ممّا في أيدينا لندرته جدّا، فيبقى مسيس الحاجة إلى الرجوع حتّى ينتهي السبر إلى آخر الأشخاص. والقصر على تزكية من علم عدالته أو تثبت عدالته بتزكية عدلين، يوجب إهمال أكثر الأخبار المعتبرة كما لايخفى، ومع إهمال الظنّيات يبقى الكلام في
 

283

اعتبارها وإن كانت شهادة غير مستجمعة للشرائط.
وأمّا الرواية فلأنّا نرى السلف قدّس الله تعالى أرواحهم ـ بتباعد مسالكهم وتباين آرائهم في القول بحجيّة الخبر واعتبار شرائطها ـ من صرّح منهم بأنّ الواحد منه لايفيد علما ولاعملا، ومن لايرى اعتبارها في الموضوعات ما لم تكن دعوى خالية عن المعارض أو المخبر عنه داخلا تحت يده، ومن احتمل قبوله في الموضوعات في وجه على تأمّل منه فيه، ومن اشترط الإيمان والعدالة والضبط وغيرها ممّا ذكروه في آداب التحمّل والأداء وصور الإجازة والقراءة متسالمين على الرجوع إلى الكتب الرجالية متوافقين في الأخذ بكلّ ما فيها، ممّا له دلالة أو إشعار بحسن حال الراوي أو إزراء به، كما يظهر من الألفاظ المتداولة بينهم في المدح والقدح، وبالأخبار الضعيفة المروية في شأن ثلّة من الرواة، منوطا ذلك كلّه بالظنّ وقوّته، غير متوقّفين فيما أفاد منها الظنّ ولا في ردّ ما يقصر عنه كتضعيف ابن الغضائريّ، أو عارضه أمور ظنّية ممّا لايعهد منهم طرح الأصول التعبّدية لأجلها؛ ولا مقتصرين على كون المزكّي والجارح عدلا تثبت عدالته بتزكية عدلين؛ ولاملتزمين بتبيّن بيّن تامّ فيما كان المخبر فاسقا أو غير معلوم العدالة كتبيّنهم فيه في سائر الموارد، ولامشترطين لإيمانه، فيتلقّون مقالة ابن فضّال وابن عقدة بالقبول، ولا على كون خبرهم عن أمور حسية أو قريبة منها أو منتهية إليها، بل يقولون على ما علموا صدوره عن اجتهادات وترجيحات ظنّية ولو تبعا لمن لم يدرك المزكّى والمجروح ولم يعاشره بخلطة، وشيء من ذلك لايجتمع مع القول بكون اعتبار أقوال العلماء الرجال بعنوان الرواية وحجيّة الخبر.
وأمّا حكاية أهل الخبرة فمع مجهولية القائل لايخفى ما فيها من مشاركته لأخويه في بعض ما مرّ، مثل كونه مقصورا على الأمور الحسّيّة والعاديّة دون الاجتهاديّة وغير ذلك.
ولقد أجاد بعض الأعاظم في دفعه بـ «أنّه وإن كان معتضدا بالرجوع إليهم في كثير من المقامات، مثل معرفة العيب واختلاف قيمة المعيب والصحيح، ومعالجة الأمراض في الإنسان بل مطلق الحيوان، وفي معرفة الساعات والأوقات الصالحة عن غيرها إلى غير ذلك، حتّى أنّه يمكن دعوى السيرة بل الإجماع عليه، وفيهما الحجّة. كما حكي دعواهما
 

284

عن قائله أيضا إلاّ أنّه ليس بذلك، للتصريح من الجميع أو الجماعة باعتبار التعدّد في الأوّلين، لكونهما من الشهادة، وكون الرجوع في الأخيرين ونظائرهما بل في الأوّلين مع تعذّر إقامة الشهادة الشرعيّة، كتقويم الخنزير مثلا، من جهة قاعدة الانسداد ورفع الخوف على الترك الموجب لحرمته، أو لتحقّق الصدق العرفي الذي هو المناط والمعيار في كثير من موارد الرجوع إليهم، كما في المسافة بل القيمة بل العيب وغير ذلك»42 انتهى.
وذكر دام عمره في مقام آخر أنّ جملة ممّا صدر عن علماء الرجال من باب الشهادة، وهو أكثر ما في كلمات المتقدّمين كعلي بن الحسن بن فضال والفضل بن شاذان ونحوهما، وجملة منه من باب الفتوى والإخبار عن المختار بالاجتهاد في فحاوى كلمات المتقدّمين والقرائن الخارجيّة.
قال: «من تتبّع كتب الرجال لاسيّما التعليقة ومنتهى المقال يعلم أنّ الأمر كما ذكرناه، فإنّ فيهما توثيق كثير ومدح آخرين كتضعيف جماعة بالاجتهاد والاستدلال، واستظهر في منتهى المقال في الفائدة الأخيرة ـ ممّا التقطه من فوائد التعليقة ـ كون تعديلهم من اجتهادهم أو من باب الرواية وتوصيف الأكثر بالأوصاف المزبورة بالنقل عن النجاشيّ والشيخ والكشيّ والغضائريّ وغيرهم، وهو الغالب في الخلاصة والإيضاح والنقد ونحوها، وفي جماعة كثيرة أيضا من معاصريهم أو قريبي العصر إليهم بالشهادة.
ومنه يظهر أنّ إطلاق كون الجميع من باب الشهادة كما ترى، كإطلاق كونه من النبإ والرواية في مقابل الشهادة وإن أسند إلى الشهرة مع التأمّل في صحة الإسناد بهذا المعنى المقابل لما اخترناه، إذ الموجود في كلمات الأكثر كفاية تعديل وتضعيف الواحد، ولادلالة في ذلك على ما ذكر، فإنّا نكتفي بالواحد فلعلّ، بل هو الظاهر من كلمات جمع وصريح آخرين كون وجهه الاكتفاء بحصول الظنّ لانسداد باب العلم والعلمي، لوضوح عدم حصوله من أقوالهم وعدم الغنى بما هو من شهاداتهم، مع مامرّ في المنع عن كفاية الكتب عنها.
 

285

قال في الفصول ـ بعد إسناد الاكتفاء بالواحد إلى المشهور، واعتبار التعدد إلى قائل مجهول ـ «ومرجع النزاع إلى أنّ تزكية الراوي، هل هي من باب الشهادة أو من باب الرواية أو بناؤها على الظنون الاجتهادية؟ فمن اعتبر فيها التعدّد جعلها من القسم الأوّل، ومن لم يعتبر فيها التعدّد جعلها من القسمين الأخيرين»43 انتهى.
ويؤيّد ذلك مامّر عن التعليقة من ركون الأصحاب إلى توثيق وتضعيف ابن فضال، بل أخذ الجميع منه وكذا عن ابن عقدة، وهما على خلاف المذهب لاتقبل شهاداتهما بالإجماع وظهور الكتاب المفيد لكون الشاهد ممّن نرضى به ولانرضى بمخالف المذهب إلاّ في مقام الإلجاء والضرورة بحكم القتل، وكونه على وصف العدل الظاهر ولو بانصراف الإطلاق إلى العدل بالمعنى الأخصّ المعتبر فيه الإيمان، وكذلك السنّة، وكذلك روايتهما لاشتراط الإيمان والعدالة بالمعنى الأخصّ، كما هو الظاهر منهما في أدلّة اعتبارها حتّى محكيّ الإجماع عن الشيخ.
وتوجيه قبولهم، بأنّ شرط العدالة بالمعنى الأعمّ ليس هنا بأولى ممّا ذكرناه، مضافا إلى أنّ مقتضى كونه من النبإ عدم قبول المرسل منه، وقد عرفت أنّ أكثر ما في الخلاصة ونظائرها من هذا القبيل كما أنّ مقتضاه عدم قبول ما كان بالاجتهاد في حقّ المجتهدين، بل الاكتفاء بالواحد في مطلق الجرح والتعديل بصدق النبإ في مطلقها.
ودفع هذا الإلزام بقيام الدليل في غير المقام على اعتبار التعدّد مدفوع، لشموله للمقام حيث كان التوثيق ونحوه بالشهادة كما ذكرناه.
وأما تخيّل توجيه مقالة المشهور بكون الاكتفاء من جهة الشهادة، وأنّه يكفي فيها الواحد في المقام أو مطلقا إلاّ فيما نصّ فيه على التعدّد، فيدفعه ما فرغنا عنه في القضاء من ثبوت العموم على اعتبار العدد في الشهادة مطلقا، وقلنا: إنّ ظاهرهم كونه من المسلّمات فليس أو لايصحّ إلاّ ما ذكرنا، لأنّه الذي يجامع الاكتفاء بالواحد عدلا كان أو غيره، بقول كان توصيفه أو بكتب، بقطع آخرأو بظنّ إلى غير ذلك، ممّا ينافي الطريقين دون المختار.
 

286

نعم يشكل عليه حيث كان التوصيف بطريق الشهادة القوليّة، إذ مقتضى عموم اعتبار التعدّد فيها اعتباره في المقام، فيلزم التفصيل.
ويمكن دفعه:

أوّلا
بأنّه خارج عن مفروض البحث الذي هو المراجعة إلى كتب الرجال.
وثانيا بإلزام التخصيص العموم المزبور، لظهور الإجمـاع المركّب فـي كفايـة الواحـد وحصول الظنّ المكتفى به للانسداد في الغالب، ولذا لايجب تحصيل العلم مع إمكانه، فمثله العلمي.
وثالثا بالتزام التفصيل بعد ما اقتضاه الدليل، والأمر سهل بعد ندور الفرض، انتهى.
أقول: وأنت خبير بسلامة ما اخترنا عن أمثال هذا الإشكال أيضا، فتدبّر.
وأمّا التقليد فلازمه التخيير بين القولين المخالفين كما في محمّد بن سنان وغيره، وجواز تقليد الميت ابتداء، وجواز تقليد من لايقصر عن المرجوع إليه إيّاه، وربّما يؤدّي نظره إلى خلاف من يريد اتّباعه، زعما كونه أبصر وأعلم شركائه بنحو أحسن وأتقن.
والتزام أمثال هذه الأمور ودعوى انطباقه مع ذلك على الطريقة المستمرّة في كيفية الرجوع كما ترى، مع ما ترى من قصور أدلّة التقليد عن شموله للمقام والتفصّي عن التمسّك بآية السؤال بعد ما يقال في بيان عدم شموله للمجتهد: إنّه ظاهر في سؤال الجاهل الذي تقصر يده عمّا بلغ العالم إيّاه لا الظانّ، فتدبّر.
وحيث تبيّن ضعف ما عدا الوجه الأخير، فعليه هل يكون اعتبار الظنّ من جهة كونه محصّلا للوثوق برواة الأخبار، فيكون محصّلا لموضوع الحجّة وهو الموثوق به أو رواية الثقة ،أو من جهة اعتبار الظنّ في خصوص المسألة ـ أعني علم الرجال ـ أو لاعتباره في الطريق، أو من جهة اعتباره في نفس الأحكام الفقهيّة، نظرا إلى استلزام الظنّ فيه الظنّ فيها ولو بحسب الغلبة، فإنّ الظنّ بوثاقة الراوي من أسباب الظنّ بالحكم المطابق لما يكون في حديث رفع سنده ذلك الراوي، فالأول يستلزم الثاني ما لم يعارضه معارض؟
وجوه: أقواها الأخير، فإنّ مستند القائلين بحجّية الظنّ الخاصّ واعتبار الخبر الموثوق
 

287

به من الكتاب والسنّة وغيرهما لايثبت إلاّ حجّية خبر العادل أو الثقة، أعني من يكون موثوقا به، والظنّ لايثبت العدالة الواقعيّة التي هي المعتبرة في الموضوع الواقعيّ، ومجرّد الوثوق بالخبر لايحرز كون الراوي ثقة.
ومن هنا قالوا: عموم العلّة في الأخبار مقصور على شخص ثقة ولايتعدّى إلى كل ما يوثق به، مع أنّ الإنصاف أنّ الأخبار لاتنصرف إلى من يوثق به مع جهالة شخصه، كيف وجلّ أخبار ذلك الباب من قبيل مادلّ على الأمر بالرجوع إلى زكريّا بن آدم، والتعدّي بكونه ثقة مأمونا في الدين والدنيا ينصرف إلى مثله لا إلى كلّ ما يوثق به وإن جهل شخصه، فهل ترى دعوى ظهوره فيما يسمع من وراء الجدار ونظنّ ظنّا غالبا بأنّه الرجل الفلاني الموثوق به المأمون في دينه ودنياه.
ولايبعد المنع عن ظهوره في مثل المفروض وإن قلنا بشمول العلّة لكلّ موثوق به، فيكون من أدلّة اعتبار مطلق الظنّ، فتدبّر جدّا.
وأما البناء على اعتبار الظنّ في خصوص المقام فموقوف على جريان قاعدة الانسداد في خصوص المسألة، ودون تماميتها على هذا الوجه خرط القتاد، حيث لاتكليف في المقام حتّى يقال ببقائه وانسداد باب العلم به، إذ الحكايات وبيان صفات الرجال ليست من مقولة الأحكام والتكاليف، على أنّ في رفع اليد عن جميع الظنون الرجاليّة والإعراض عن أمارات الظنّ لايستلزم خروجا عن الدين أو مخالفة قطعيّة إذا بني على العمل بالظن في الفروع الفقهيّة. وإعمال الظنّ فيما نحن فيه ليس مغنيا عنه فيها بخلاف العكس، فقد يحصل للمكلّف ظنون كثيرة من الإخبارات المستفيضة وأقاويل الفقهاء العظام والشهرة بينهم إذا عمل بها المكلّف يندفع به محذور الخروج عن الدين، ولايبقى معه مجال لدعوى المخالفة القطعيّة إلاّ لمن يدّعيها مع إعمال الظنون الرجاليّة أيضا.
وقبح العدول عن القويّ إلى الضعيف إنّما يتمّ إذا كان العادل في صدد تحصيل ما كان ذلك القويّ وهذا الضعيف طريقا إليه، وأمّا مع انتفاء القبح عن الإعراض عن ذلك الأمر الأصلي المفروض كونه ذا مقدّمة فلا قبح في رفع اليد عن القويّ والضعيف كليهما.
وبالجملة حال الظنون الرجاليّة ـ كحال الظنون اللغويّة ـ ليس المطابق للواقع منها أمرا
 

288

تهمّ مراعاته إلاّ من جهة الاهتمام على التكاليف الواقعيّة، وليس فيها خصوصيّة ملحوظة لذاتها ليقال: إنها مردّدة بين جميع المحتملات فلابدّ من إحرازها ظنّا بعد تعذّر إحرازها قطعا، حيث إنّ القطعيّ فيها ليس مغلوبا فضلا عن غيره.
وأمّا البناء على حجّية الظنّ في الطريق فشيء من أدلّته غير جار فيما نحن فيه، فإنّ مقتضى جلّها أو كلّها اعتبار الظن بتعيين المعتبر عن غيره وتشخيص الحجّة المجعولة عن غيرها، فكلّما حصل ظنّ بأنّ المجعول من الطرق المحتملة للحجيّة جعلا أو تقريرا هو الطريق الفلانيّ من قول الثقة أو ظاهر الكتاب مثلا، كان ذلك الظن معتبرا. وهذا لايفيد إلاّ بعد تشخيص ذات ذلك الطريق المجعول وشخصه في الخارج، فلو شكّ فيما يحتمل كونه كتابا كما في بعض ما يحتمل كونه كتابا منسوخا قراءته فلا يجدي ذلك الظنّ الذي ثبت اعتباره في تشخيص أصل الحجّة عن غيرها.
وبالجملة في كون شيء كتابا أو خبرا مرويّا عن الثقة أو كون الراوي ثقة وأمثال ذلك شبهة في الموضوع الصرف، والذي ينفع اعتبار الظنّ في الطريق فيه هو الموضوع الكلّيّ، وغاية ما يسلم أفاد من أدلّته هو اعتبار الظنّ المتعلّق بتعيين ذلك الموضوع الكلّيّ وتشخيصه من بين كلّ ما يحتمل فيه ذلك، وأين ذلك من اعتبار الظنّ في تشخيص مصاديق ذلك الموضوع الكلّي؟
ومن الواضح افتقار اعتبار الظنّ فيه إلى دليل آخر وراء ما ذكروه في هذا المبحث أيضا بمثل ما ذكر في ذلك المقام بيّن.
والقول بأنّا نعلم إجمالا بأنّا مكلّفون عقلا بالعمل بأقوال رجال مأمونين على الدين والدنيا وأشخاصهم غير متميّزة عن كل ما يشاركهم في الاسم ـ فهم مردّدون بين جماعة منهم دالّة أسماؤهم بين علماء الرجال ومسطورة في كتبهم، ولا سبيل إلى تشخيصهم إلاّ بالظن، فلابدّ من العمل به والالتزام بالمخالفة القطعيّة والإعراض عن أخبار جماعة ثبتت حجية أقوالهم ـ فيه وضوح المنع عن حجيّة قول من علم وثاقته ولم يعلم شخصه، فإنّ القدر الثابت على فرض تسليمه اعتبار قول شخص علم وثاقته وشخصه.
وأمّا وجوب العمل بقول كلّ من كان موثوقا به في نفس الأمر بحيث يجب التفحّص
 

289

عن شخصه مقدّمة لذلك الواجب فدون إثباته خرط القتاد، وهو أوّل شيء يتوجّه إليه المنع، كيف ولم يلتزم بمثله في شيء من الموارد ولا احتمله أحد من الأصحاب، مع أنّ ذلك ليس تكليفا نفسيا! فتدبّر.

تذنيب في اعتبار التفسير وذكر السبب والجرح والتعديل وعدمه
لايخفى أنّ ما ذكره أصحاب كتب الرجال جلّها بل كلّها من أمارات الوثوق يختلف باختلافها واختلاف الأسباب سيما مع ملاحظة اختلافهم في أسباب الجرح والتعديل، فالحريّ في مقام تعارض أقوالهم التحرّي في استعلام رأي المعدّل والجارح، لم التحرّي في أسبابهما؟ فمطلقهما يستلزمهما إلاّ أنّ قوّة الظنّ إنّما تستقرّ بعد ملاحظة السبب والعلم بمأخذه، فمن هنا يتّجه أن يقال: لافرق بين القدح والمدح في عدم اشتراط السبب ولزوم التحرّي عن أسبابهما، وأدخل شيء في ذلك ملاحظة رأي القادح والمادح، ومثله التحرّي عن الأسباب في حقّ الأشخاص.
قال شيخنا الشهيد طاب ثراه في شرح البداية: «التعديل مقبول من غير ذكر سبب على المذهب المشهور، لأنّ أسبابه يصعب ذكرها، فإنّ ذلك يحوج المعدّل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا؟ وذلك شاقّ جدّا.
وأمّا الجرح فلا يقبل إلاّ مفسّرا، مبيّنا السبب الموجب له،لاختلاف الناس فيما يوجبه، فإنّ بعضهم يجعل الكبيرة القادحة ماتوعّد عليها في القرآن بالنار، وبعضهم يعمّ التوعّد، وآخرون يعمّون المتوعّد فيه بالكتاب والسنّة، وبعضهم يجعلون جميع الذنوب كبائر، وصغر الذنب وكبره عندهم إضافيّ، إلى غير ذلك من الاختلاف.
فربّما أطلق بينهم القدح بشيء بناء على أمر اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الآمر أو في اعتقاد الآخر، فلابدّ من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا، وقد اتّفق لكثير من العلماء جرح بعض، فلمّا استفسر ذكر مالا يصلح جارحا.
قيل لبعضهم: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون.
وسئل آخر عن رجل من الرواة فقال: ما أصنع بحديثه، ذكر يوما عند حمّاد فامتخط حمّاد.
 

290

ويشكل بأنّ ذلك آت في باب التعديل، لأنّ الجرح كما تختلف أسبابه، كذلك التعديل يتبعه في ذلك، لأّن العدالة تتوقّف على اجتناب الكبائر مثلا، فربّما لم يعدّ المعدّل بعض الذنوب كبائر، ولم يقدح عنده فعلها في العدالة، فزكّى مرتكبه بالعدالة، وهو فاسق عند الآخر بناء على كونه مرتكبا لكبيرة عنده.
ومن ثمّ ذهب بعضهم إلى اعتبار التفصيل فيهما، ومن نظر إلى صعوبة التفصيل ونحوه اكتفى بالإطلاق فيهما.
أمّا التفصيل باختلاف الجرح والتعديل في ذلك فليس بذلك الوجه. نعم لو علم اتّفاق مذهب الجارح والمعتبر ـ بكسر الباء ـ وهو طالب الجرح والتعديل، ليعمل بالحديث أو يتركه في الأسباب الموجبة للجرح بأن يكون اجتهاد هما فيما به يحصل الجرح والتعديل واحدا، أو أحدهما مقلّدا للآخر، أو كلاهما مقلّدا لمجتهد واحد، اتّجه الاكتفاء بالإطلاق في الجرح كالعدالة، وهذا التفصيل هو الأقوى فيهما.
واعلم أنّه يرد على المذهب المشهور من اعتبار التفسير في الجرح إشكال مشهور، من حيث إنّ اعتماد الناس اليوم في الجرح والتعديل على الكتب المصنّفة فيهما وقلّما يتعرّضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف ونحوه، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسدّ باب الجرح في الأغلب.
وأ جيب بأنّ ما أطلقه الجارحون في كتبهم من غير بيان سببه وإن لم يقتض الجرح على مذهب من يعتبر التفسير، لكن يوجب الريبة القوية في المجروح كذلك، المفضية إلى ترك الحديث الذي يرويه، فيتوقّف عن قبول حديثه إلى أن تثبت العدالة أو يثبت زوال موجب الجرح، ومتى انزاحت عنه تلك الريبة بحثنا عن حاله بحثا أوجب الثقة بعدالته، فقبلنا روايته ـ ولم نتوقّف ـ أو عدمها»44 انتهى كلامه.
 

291

المقدّمة الثالثة في كيفية الرجوع إلى كتب الرجال
اعلم أنّ أكثر كتب هذا العلم مرتّبةعلى ثلاثة أبواب، وبعضها بزيادة مقدّمة وخاتمة يذكر فيها فوائد، فالباب الأوّل في الأسامي، والثاني في الكنى، والثالث في الألقاب.
ويذكرون في باب الأسماء أبوابا أو فصولا على عدد الحروف الهجائية وترتيبها، فيكتبون باب الألف وباب الباء وباب التاء وهكذا، ويتعرّضون في كلّ باب لجميع من صدّر اسمه بحرف ذلك الباب على ترتيب حروف الهجاء أيضا بالنسبة إلى الحرف الثاني والثالث والرابع، وأيضا المكبّر مقدّم على المصغّر كالحسن والحسين وعمر وعمير، بل كلّ ما فيه زيادة حرف أو حركة مؤخّر عمّا ليس فيه كالحارثة وعمارة عن حارث وعمّار.
ثمّ إنّ هذا إذا اختلفت الأسماء المصدّرة بحرف الباب ولو في حرف واحد إمّا في الثاني أو الثالث وهكذا، وأمّا إذا اتفقت في الجميع كما في المشتركات المتّفق فيها عدّة الخاصّ في اسم واحد. فالمدار بإعمال نحو ما سمعت على أسماء الآباء، فمن أول حرف اسم أبيه مقدّم على أوّل اسم أب غيره يقدّم على الآخر و إن تأخّر ثاني حروف اسم أبيه عن ثاني بل ثالث بل رابع اسم أب باسم غيره، مثلا يقدّم آدم بن إسحاق على آدم بن عبدالله، لأنّ أوّل إسحاق مقدّم على أوّل عبدالله وإن تأخّر ثاني إسحاق عن ثاني عبدالله، ومع اتّفاق أوائل أسماء الآباء يراعى ثوانيها، ومع الاتفاق فيها أيضا يراعى ما ذكر في ثالثها. ولو اشتركت أسماء الآباء أيضا كأوائل أسماء الأولاد روعي ما ذكر في أسماء الأجداد، وكذا يتصاعد إلى أسامي الآباء الأجداد على النحو المزبور. ولو كان الاشتراك في الجمع أو لم يكن أسامي أجداد الجميع أو البعض مذكورة يراعى ما ذكر فيما ذكر لهم من الألقاب والكنى، سواء كان في مقابل اللقب أو الكنية وأحدهما في الآخر كما في أحمد بن علي العلوي وأحمد بن علي الأسدي، أو كان في مقابله الاسم كما في محمد بن خالد الطيالسي و محمد بن خالد بن عبدالرحمن، إذ الابن غير ملحوظ في الترتيب فالمقابلة بين الطيالسي و عبدالرحمن إلى غير ذلك.
 

292

وقد يكون نظر الترتيب في الكنى بينها و بين الألقاب أو الأسامي إلى ما أضيف اليه الأب بإسقاطه عن الملاحظة كما هو الغالب، بل على الإطلاق في المصدّرة بـ«ابن»، فيقدّم أحمد بن عبد الله الأصفهاني على أحمد بن عبدالله بن أميّة، مع أنّ الباء مقدّم على الصاد، فيظهر أنّه لم يلاحظ المضاف في الترتيب إلاّ أنّ مثل ذلك نادر لايوجب تشويشا للراجع، وإن كان اطّراد الأمر على القاعدة المتقدّمة أولى.
بقي شيء آخر وهو أنّ مقتضى القاعدة تقدّم ما صدّر بالابن على ما صدّر بالأب، لتقدّم النون على الواو والياء، وكذا تقديم ما صدّر بالأخت على ما صدّر بالأخ، لتقدّم التاء على الحرفين، والموجود فيها العكس، ولعلّ وجهه مراعاة جانب الأبوّة مع أنّ التصدير بها هو الأصل والغالب في الكنى، ومع ذلك لم يكن الحرفان من لوازم المصدّر بالأبوّة لقلبهما فى حالة النصب إلى الألف المقدّم على الجميع و إن ندر أو لم يتحقّق ذكره بهذه الحالة مضافا إلى الحرفين، بل الحروف أ قيمت عندهم مقام الإعراب، فكأنّما خرجت بذلك عن جوهر الكلمة وببعض ما ذكر الاعتذار عن تقديم الأخ على الأخت. هذا إذا لم يفرد للنساء باب على حدة وإلاّ كما صنعه في منتهى المقال فما صدر بالأمّ أو الأخت موضعه الباب المنفرد لهنّ.
 

293

المقدّمة الرابعة في أسباب التميّز:
والضابط فيه ما يختصّ قطعا أو ظنّا ببعض المشتركين في الاسم أو الكنية أو اللقب، ومرجعه بعد الاختصاص الاسميّ إلى الاختصاص المستفاد من المميّزات إلى الاختصاص الحقيقي.
منها: اتّحاد العشيرة والقبيلة.
ومنها: التلمّذ وكثرة المصاحبة.
ومنها: كون الراوي أومع المروي عنه من أهل علم كالكلام مثلا والرواية قد أوفى مشكلاته.
ومنها: كونـه أو مـع المروي عنـه مـن خواصّهـم وكثيري المعرفـة بحقّهم والروايـة فيما لايتحمّلها غير أمثالهم.
ومنها: أن يقال في حقّ بعضهم: إنّه كثر الرواية أو كثير الرواية عن المرويّ عنه سيّما إذا انضمّ إليه القول في حقّ الآخرين بقلّتها وفرض الاشتراك في كثير من الروايات.
ومنها: أن يقال في حقّ بعضهم: إنّه روى خطب الأمير عليه السلام أو قضاياه أو خطب النكاح مثلا فكانت الرواية فيها.
ومنها: كون الرواية موصولـة إلى الأمير أو النبي صلـى الله عليه وآله وكان بعضهم من العامّة كالسكوني والنوفلي.
ومنها: كون الراوي المشترك مرجعا لأهل بلد و كان الراوي منهم.
ومنها: كون الراوي من جباية الصدقات والزكوات والرواية في كيفيّتها.
ومنها: اضطراب الرواية، وقد قيل في حقّ بعضهم: إنّه مضطرب الرواية.
ومنها: كون بعضهم من أهل صنعـة أو حرفة وكـان الراوي عنـه أو الذي يروي هو عنـه مشاركا له في تلك الحرفة، و يتقوّى ذلك بكون الرواية فيما يتعلّق بتلك الصنعة.
ومنها: اختصاص بعضهم برواية كتاب خاصّ من أصل أو نوادر أو كثرة الرواية عنه، و كانت الرواية مرويّة عنه.
ومنها: رواية شخص مخصوص أو إكثار الرواية عن بعض المشتركين أو روايته عن شخص
 

294

مخصوص أو إكثار الرواية عنه، وكان اللاحق في السند أو الباني على المشترك في سلسلة السند ذلك الشخص الراوي والمرويّ عنه المعلومين أو المكثرين للرواية عنه، من غير شقّ بين إحراز ذلك بملاحظة كثرة الرواية في مقامات، أو يقول بعض العلماء في حقّ المعلوم: إنّه يروي عن فلان، أو في حقّ فلان: إنّه يروي عن ذلك الشخص.
ومنها: أن يكون بعض المشتركين ممّن يعتقد بعلم وورع شخص معلـوم واقع في السند، ولايرى ذلك سائر المشاركين أو يرى خلافه فيتقوّى الظنّ، أو يقال ذلك في حقّ الراوي المعلوم بالنسبة إلى بعض المشتركين.
ومنها: كون الراوي المعلوم بالنسبة إلى بعض المشتركين أو هو بالنسبة إلى المروي عنه الواقع في السند، بحيث يتّفق منهما مراسلات و مكاتبات في حوائجهم من أمر دينهم أو دنياهم، وكان بينهما ملاقاة بنزول أحدهما في منزل الآخر.
ومنها: كون أحد المشتركين أظهر وأشهر فينصرف إليه إطلاق اللفظ المشترك حيث إنّ النادر يحتاج إلى أن ينبّه عليه كأحمد بن محمد وأبي بصير والبزنطي، المنصرفة إلى الأشعريّ القميّ وإلى أحمد بن محمد و ليث البختري الراوي، وحيث كان الأشهر ممّن يقطع بهم إرادته، ففى انصراف اللفظ إلى الأشهر بعده ثمّ الأشهر هكذا فيه وجهان.
ومنها: اشتهار الأب والجدّ فينصرف الإطلاق إليه فينوي الولد الواقع في السند.
ومنها: تعيين الطبقة، فإنّه أهم وأصعب شيء وأفيد شيء في الباب، ويشمله اتّحاد الزمان بحيث كان زمان صلاحية الرواية والمرويّ عنه متقاربا في زمان لايبعد الملاقاة والسؤال، فلو اتّحد الزمان ولكن كان الراوي صغيرا جدّا فيبعد كونه هو الراوي، وإنّما يظنّ كونه الأكبر منه المشارك فيه أو الأقدر على حفظ الرواية.
 

295

المقدّمة الخامسة فيما يتعلّق بمعرفة رجال السند مدحا وقدحا
وفيها فصول:

الأوّل: في بيان جملة ألفاظ مستعملة عندهم في المدح على التوثيق بمعناه الأخصّ أو الأعمّ أم لا. وبالجملة في أسباب المدح والقوة وما له دخل في القبول أو الترجيح.

الثاني: في أسباب الضعف.

الثالث: في جملة ألفاظ لايترتّب عليها قبول الرواية ولا ردّها.
الفصل الأوّل: في أسباب المدح، وألفاظه بكثرتها على أقسام
منها: ما يستفاد منه مدح الراوي وحسن حاله مطابقة وحسن روايته التزاما كعدل وثقة وخيّر وديّن.
ومنها: عكسه، كصحيح الحديث، وثقة في الحديث على وجه، وصدوق، وشيخ الإجازة، وأجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه أو تصديقه وأقواله بالفقه.
وكلّ منهما إمّا يبلغ المدح المستفاد منه حدّ التوثيق أم لا، ثمّ كلّ منهما إمّا يتضمّن الدلالة على اعتقاد الحقّ أوخلافه أم لا.
وهذه اثنا عشر قسما، وربّما يضمّ إلى بعض منها ما له دخل في قوة المتن، كفقيه، ورئيس العلماء، وفهيم، وحافظ، وله ذهن وقّاد وطبع نقّاد. كما أنّه قد يذكر ما ليس له دخل في السند ولا في المتن كقارئ وشاعر ومنشئ.
وكيف كان فالألفاظ الدالّة على المدح كثيرة جدّا. منها قولهم: اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، وفيه مدح بليغ كثير ربّما يركن به إلى رواية وقع الممدوح به في سندها و به يترجّح على معارضها.
وعن فوائد المولى البهبهاني طاب ثراه: «وعندي أنّ رواية هؤلاء إذا صحّت إليهم لاتقصر عن أكثر الصحاح»45.
 

296

وفي منتهى المقال: «الإنصاف أنّ مثل هذا الصحيح ليس في القوة كسائر الصحاح، بل وأضعف من كثير من الحسان بوهن الإجماع المزبور إذ لمن نقف على موافق له إلى زمان العلاّمه طاب ثراه عدا النجاشيّ، و هو منه بعنوان النقل عن الكشّي»46ـ انتهى.
والتعليل بوهن الإجماع دالّ على قوة الدلالة وسيجيء إن شاء الله أنّ جلا من الأصحاب رضوان الله عليهم تلقّاه بالقبول، ثم إنّ العبارة المزبورة مع مايقرب منها لاتخلو من شوب إجمال وإشكال.
وتفصيل المقال: أنّ المقصود منها إمّا اتّفاق العصابة على تصديق الممدوح بها في الحكم بصحّة الروايات التي رواها ورءاها صحيحة، فمعقد الإجماع تصويبه فيما صوّبه وصحّ عنه، أي لديه.
وإمّا اتفاقهم على صحّة روايته فهي بمنزلة صحيح الحديث، بمعنى كونه بنفسه فحسب ثقة في الحديث متحرّزا عن الكذب أو على صحّة روايته الصادرة عنه، فلابدّ أن يكون الحديث الواقع بينه وبين المرويّ عنه صحيحا، فهذا الحديث كما لايحتمل اختلاقه من الممدوح كذلك لايحتمل اختلاقه من المرويّ عنه، أو على صحّة الرواية التي وقع الممدوح في سندها بمعنى صحّة الرواية بقول مطلق أو على كون الممدوح ثقة فتكون بمنزلة قولنا: ثقة.
وأمّا على كون المرويّ عنه أيضا ثقة فتكون بمنزلة قولنا: ثقة لايروي إلاّ عن ثقة.
وأمّا على وثاقة جميع السند فهى بمنزلة قولنا: رجال سند الحديث ثقات.
ووجه ضبط المحتملات أنّها إمّا مسوقة لبيان تصحيحهم ما صحّحه الممدوح والإقرار بما أقرّ به، أو لبيان حسن روايته أو لحسن الرواية المتقوّمة به وممّن يروي هو عنه، أو لحسن الرواية بقول مطلق، أو كناية عن وثاقة الممدوح أو وثاقة من روى عنه أيضا أو وثاقة جميع رجال السند. فباعتبار كلّ من المعاني المتقدمة كناية عن التوثيقات الثلاثة، وترتقي إلى سبعة، ثلاثة أو أربعة منها معدودة في كتب القوم رضوان الله عليهم:
أحدها: أنّ المقصود من العبارة المزبورة بيان اتّفاق العصابة على تصديق الممدوح بها في الحكم بصحة الروايات التي رواها ورءاها صحيحة، فمعقد الإجماع حينئذ تصويبه فيما تلقّاه
 

297

بالقبول وصحّ لديه، فيقال: إنّه صحيح عنه،ويحكم بصحّته على لسانه.
قال دام علاه في توضيح المقال: «ولايخفى أنّ الموجود عن الكشّي في حقّ بعض المذكورين غير العبارة المذكورة، مثلا في الفضيل: أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصديقه والإقرار له بالفقه، والمغايرة والثمرة ظاهرة»47.
أقول: وسيجيء في المحكيّ عن ابن داود طاب ثراه أنّه قال في الستّة الأوائل: أجمعوا على تصديقهم وإنفاذ قولهم والانقياد لهم في الفقه، وفي الأواسط: أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم وأقرّوا لهم بالفقه، وفي الدرجة الثالثة: أجمعوا على تصديقهم وثقتهم وفضلهم. وقريب منها يأتي من خطّ مولانا وشيخنا الأستاذ طاب ثراه.
وكيف كان فهذه الدعوى بعيدة عن الاعتبار جدّا، إذ لم يعهد منهم التحرّي عن كون الرواية متلقّاة بالقبول لدى من وقع من أصحاب الإجماع واحدا في سنده، وإّنما يحكم بصحتّها ورجحانها بمجرّد انتهاء سندها إليه.
ودعوى أنّ ظاهر الرواية والتحديث القبول، وظاهر المشايخ أنّهم لايروون إلاّ مايرونه صحيحا، قاضية بأنّ موضوع الكلام هي الروايات المضبوطة، فيرجع المعنى حينئذ إلى المعنى الأخير.
ثانيها: أنّ المقصود دعوى الإجماع على صحّة الحديث من جهة الممدوح، فلايتوقّف من جهته، وهذا يحتمل معنيين متقاربين:
أحدهما: تصحيح الحديث، فتكون العبارة بمنزلة صحيح الحديث.
ثانيهما: توثيق الممدوح، فيكون بمنزلة ثقة كناية عن الملزوم بذكر اللازم، وليس فيه وجه تعرّض لحال الرواية بالإضافة إلى من بعد الممدوح، فإن وثّق من عداه أو صحّح السند ولو بغير التوثيق بالنسبة إلى غيره عدّ الحديث صحيحا ويحكم بصحّته ووجوب قبوله، كما هو شأن الصحيح عند القدماء.
وحاصل العبارة حينئذ اتّفقت العصابة على عدّ الروايات التي انتهت إلى الممدوح
 

298

صحيحة، أي صحّت إليه ومنه إلى المعصوم عليه السلام صحيحة من غير تأمّل من جهته.
وبما أشرنا إليه من تقارب الوجهين وإمكان إرجاع كلّ منهما إلى الآخر ـ مع احتمالهما في كلمات الأصحاب في بيان محتملات العبارة ـ ينقدح ما في توضيح المقال من عدّهما وجهين.
وقال في بيان الأوّل: «حكاه في منتهى المقال عن أستاذه صاحب الرياض وعن بعض أفاضل عصره مصرّحا بأن ليس لهما ثالث»48.
وبعد ذكر الثاني «أسنده في الفوائد إلى قائل غير معلوم، وفي الفصول حكاية إسناده إلى الأكثر عن قائل، واختاره بعض أفاضل عصرنا في رسالته المسمّاة بـ«لبّ اللباب»49 وادّعى إجماع العصابة عليه»50 فإنّ نفى تثليث القائل والإسناد الى قائل غير معلوم وإلى الأكثر، ودعوى إجماع العصابة في مرحلة واحدة ممّا يقضى منه العجب، ومجرد تغيير العبارة والألفاظ مع التوافق في المعنى والثمرة لاتفي بتجويز مثل ذلك، فتدبّر.
وكيف كان فهذا المعنى مع غمض العين عن خصوص المحتملين هو القدر المتيقّن من العبارة، إذ مع عدم إرادته أيضا لايبقى لها مفاد ولالدعوى الإجماع مورد كما لايخفى، فهو بالإضافة إلى المحتملات الآتية قدر متيقّن، وهو الذي يساعده الاعتبار، ويقرب من الأذهان خصوصا بعد ما يأتي إن شاء الله من بيان بعدّ المحتملات الآتية، ولعلّه تجتمع سائر العبارات المسوقة في هذا المضمار، فإنّ الظاهر من تضاعيفها أنّ الأصحاب رضوا برواية هؤلاء لكونهم ضابطين متحرّزين عن الكذب وإن اتّصف بعضهم بفساد العقيدة أو لم تثبت عدالته.
والتحقيق أنّ العبارة المسطورة وما قاربها مسوقة لبيان قبول الرواية التى انتهت إلى واحد من هؤلاء الممدوحين بها على وجه جمعيّ، ويلزم منه الاعتداد بحالهم والظنّ بوثاقتهم دون
 

299

عدالتهم نظرا إلى بعد اتفاقهم على قبول رواية من لا ثقة به مع اختلاف مشاربهم وتباعد مسالكهم ورميهم كثيرا من الأعاظم بالضعف واتّهامهم غير واحد بفساد العقيدة لاسيما القمّيين، خصوصا بعد ما حكي من استثناء الصدوق وشيخيه رحمهم الله روايات جماعة عن أخرى، كرواية محمد بن عيسى من كتب يونس، ورواية محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن يحيى أو عن أبي عبدالله الراوي، ويتقوّى ذلك لو كان المراد نقل الاتّفاق على صحّة جميع الروايات التي رووها.
وفي فوائد منتهى المقال: «يمكن أن يقال: يبعد أن لايكون رجل ثقة ومع ذلك تتفق العصابة على تصحيح جميع مارواه، سيما بعد ملاحظة دعوى الشيخ الاتفاق على اعتبار العدالة لقبول الخبر، و ربّما يظهر ذلك من الرجال أيضا وخصوصا مع مشاهدة أنّ كثيرا من الأعاظم الثقات لم يتّفقوا على تصحيح حديث، وسيجيء في عبدالله سنان مايؤكّده، نعم لايحصل بكونه ثقة إماميا بل الأعمّ كما لايخفى»51 انتهى.
ثالثها: أن يكون المراد تصحيح الرواية من حيث قيامها بالممدوح ومن روى عنه، بمعنى الحكم بصحة الرواية بينهما، فتكون صحيحة من جهتهما، بالغة من الصحة مرتبة لايتوقف فيها من جهتهما، لايتفحّص عن حالهما، فيكون الممدوح صحيح الحديث بالغا فيها لايروي إلاّ مايراه صحيحا، ومايراه صحيحا فهو صحيح، وإن جعلت العبارة كناية عن الوثاقة فهي بمنزلة ثقة لايروي إلاّ عن ثقة.
وفي منتهى المقال:«وربّما يتوهّم بعض من إجماع العصابة وثاقة من روى عنه هؤلاء، وفساده ظاهر. نعم يمكن أن يفهم منه اعتداد مّا بالنسبة إليه»52 انتهى.
أقول: كذلك هذا الاحتمال بعيد في الغاية، كيف ولو كان الأمر بهذه المثابة لكان من يروي عنه أصحاب الإجماع أولى بالتنصيص بالمدح، فإنّه البعيد عن الأذهان، فكان اللازم التصريح بأنّ من أسباب مدح الراوي و توفيقه أن يروي عنه أحد من أصحاب الإجماع ولم يعهد مثله فيما أظنّ، وما ذكره طاب ثراه من الاعتداد لعلّه مبنيّ على استبعاد رواية أمثالهم
 

300

عن ضعيف، فإنّ الغالب أنّ مشايخ المعروفين من المشايخ محلّ اعتماد.
رابعها: أن يكون المراد صحّة الرواية التي وقع الممدوح في سندها بقول مطلق، ولايتمّ ذلك إلاّ بملاحظة جميع الطبقات فكان الإجماع على صحّة الروايات المتعيّنة في الخارج، وهذا الوجه أيضا يحتمل التكنية عن تمام رجال السند.
وعن الفصول أنّه «ربّما قيل بأنّها تدلّ على وثاقة الرجال الذين بعده أيضا»53.
أقول: لا تظهر ثمرة في اختلاف الوجهين و إن كان الأخير بعيدا خصوصا مع ما ذكروا في حقّ بعضهم إلاّ أن يكون المراد مجرد الوثوق في الصدق و التحرّز عن الكذب.
وكيف كان فهذا المعنى وإن كان بعيدا عن تحقق الاتّفاق عليه ـ كما سيجيء إن شاء الله ـ إلاّ أنّه الظاهر من العبارة و ما ساوقها.
وفي فوائد منتهى المقال: «المشهور أنّ المراد صحّة ما رواه حيث تصحّ الرواية، فلا يلاحظ ما بعده إلى المعصوم عليه السلام وإن كان فيه ضعف، وهذا هو الظاهر من العبارة. و قال: الظاهر هو ما اختاره الأ ستاذ طاب ثراه، وعزاه إلى المشهور، وصرّح بعض أجلاّء العصر بأنّ عليه الشهرة، بل نسب ذلك المحقّق الداماد إلى الأصحاب مؤذنا بدعوى الإجماع حيث قال في الرواشح: هؤلاء على اعتبار الأقوال المختلفة في تعيينهم واحد وعشرون أو اثنان وعشرون رجلا، ومراسيلهم و مرافيعهم ومقاطيعهم و مسانيدهم إلى من يسمّون من غير المعروفين معدودة عند الأصحاب من الصحاح من غير اكتراث منهم، لعدم صدق حدّ الصحيح ـ على ما قد علمته ـ عليها54.
وقال مثل ذلك في أوائل الوافي إلاّ أنّه لم ينسب ذلك إلى الأصحاب بل إلى المتأخّرين55.
وقال نحو ذلك في مشرق الشمسين56.
وقال محمد أمين الكاظمي: المراد بهذه العبارة أنّه إذا صحّ السند إلى الرجل فالحديث
 

301

صحيح، فلا ينظر إلى من بعده ولا يسأل عنه، ومن هنا صحّح العلاّمة وابن داود و البهائيّ والسيد محمد رواية أبان بن عثمان مع أنّه ناوسيّ، ولتكن هذه الصحّة يراد بها ما ثبت نقله عن الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام وإن كان الراوي غير إماميّ، انتهى» فتأمّل.
و قال الشهيد رحمه الله في نكت الإرشاد في كتاب البيع بعد ذكر رواية عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن حريز، عن أبي الربيع الشاميّ هكذا: وقال الكشّي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن الحسن بن محبوب. قلت: في هذا التوثيق لأبي الربيع الشاميّ57 انتهى، فتأمّل.
ووصف الشارح في المسالك في بحث الارتداد خبرا فيه الحسن بن محبوب عن غير واحد بالصحّة58 وما ذلك إلاّ لذلك كما صرّح به في موضع آخر منه، وعقله في مشرق الشمسين59 و غيره، و ذهب إلى ما قلناه أيضا العلاّمة المجلسي طاب ثراه على ما نقل، ونسبه إلى جماعة من المحقّقين منهم والده المقدّس التقي طاب ثراه .
ويأتي في حمزة بن حمدان ما يرشد إليه، واستدلّ في الفوائد النجفيّة على صحّة خبر ضعيف بأنّ في سنده عبد الله بن المغيرة، وهو ممّن أجمعت العصابة…، وفي موضع آخر مثله، ثمّ قال على ما فهمه الشيخ البهائيّ و قبله الشهيد وقبلهما العلاّمة في المختلف من تلك العبارة.
والسيد الأستاذ بعد حكمه بذلك وسلوكه في كثير من مصنفاته كذلك بالغ في الإنكار وقال: بل المراد دعوى الإجماع على صدق الجماعة وصحة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقّف فيه، فإذا قال أحد الجماعة: حدّثني فلان يكون الإجماع منعقدا على صدق دعواه، وإذا كان فلان ضعيفا أو غير معروف لايجديه ذلك نفعا، وذهب إلى ما ذهب إليه بعض أفاضل العصر، وليس لهما ثالث.
وسائر أساتيذنا على ما ذهب إليه الأستاذ، وادّعى السيد الأستاذ أنّه لم يعثر على عمل
 

302

فقيه بخبر ضعيف، محتجّا بأنّ في سندها أحد الجماعة، وإذا وقفت على ما تلوناه عليك عرفت أنّ كلامه سلّمه الله تعالى ليس على حقيقته، على أنّ من لم يعمل يجاب عنه بنحو ما أجاب الأستاذ عن قدح الشيخ فيما صحّ عن هؤلاء بالإرسال.
والإنصاف أنّ مثل هذا الصحيح ليس في القوّة كسائر الصحاح، بل وأضعف من كثير من الحسان، لا لما فهمه السيد الأستاذ، إذ لا يكاد يفهم من تلك العبارة أبدا، ومن المعلوم أنّ صدق الرجل غير تصحيح ما يصحّ عنه، بل تعيين الإجماع المزبور إذ لم نقف على من وافق الكشّي إلى زمن العلاّمة أو ما قاربه، وذكروا في كلام النجاشي من المتقدّمين بعنوان النقل عن الكشي إلاّ أنّ غير واحد من علمائنا منهم الشيخ البهائي طاب ثراه صرّح بأنّ من الأمور الموجبة لعدّ الحديث من الصحيح عند القدماء وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنه، فتدبّر، لكن هذا الإجماع لم يثبت وجوب اتّباعه، لكونه مجرّد وفاق، ولعلّ ما ذكرناه هو الداعي للسيد الأستاذ لحمل الكلام المزبور على خلاف معناه المعروف المشهور، فتأمّل»60انتهى.
والذي يختلج بالبال أنّ الظاهر من غير واحد تلقّي الإجماع المزبور بالقبول، كما أنّ التأمّل من غير واحد منهم في ذلك، والتحري عن أحوال الرجال المزبورين كغيرهم، والاعتماد على ما علم من أحوالهم من الخارج ممّا لايقابل بالإنكار، مع أنّ الإجماع المذكور توهّم اقتضى كون الروايات المزبورة بأسرها مجمعا عليها أمر بالأخذ بها ونفي الردّ عنها ومعارضتها لو كان شاذّا نادرا أمر بتركها، والتزام مثله بعيد غايته غير معهود أصلا.
وقال سلّمه الله تعالى في توضيح المقال: «ناقل الإجماع المزبور فهو الكشيّ على ما هو المعروف، وربّما ينقل عن غيره كما في فضالة بن أيّوب حيث قال: قلت: بعض أصحابي إنه ممّن أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم.
و ربّما يشاركه في النقل المزبور غيره كالنجاشيّ والعلاّمة لابطريق النقل عنه وكالشيخ في العدّة وغيرها مرة بالتعبير المزبور وآخر بقوله: إنّ الطائفة عملت بما رواه فلان كما ذكر
 

303

ذلك في عبدالله بن بكير وقد يشاركه فيما ذكر في خصوص طائفة من روايات أحد الجماعة المذكورة كبعض كتبه وكمراسيله في ابن أبي عمير فقد شاركه الشيخ.
و في أوائل الذكرى61: أنّ الأصحاب أجمعوا على قبول مراسيله، وعن النجاشي: أنّ أصحابنا يسكنون إلى مراسيله، إلى غير ذلك.
فمع المشاركة يتقوّى الاعتماد على الإجماع المزبور حيث لم يكن التخصيص مشعرا بنفيه في غيره، وكذا فيضعف الاعتماد لمكان التعارض فيلتمس الترجيح أو يتوقّف، وليس منه التخصيص بالمراسيل، بل هو موجب لقوته في غيره.
هذا و لايخفى أنّ الموجود عن الكشي في حقّ بعض المذكورين غير العبارة المزبورة في الفضيل مثلا: أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصديقه والإقرار له بالفقه، والمغايرة والثمرة ظاهرة، إذ هنا لاتستفاد الوثاقة أو الصحّة فيمن روى عنه هؤلاء كظهور المغايرة والثمرة بين عبارة الكشيّ المتقدّمة وبين قولهم: عملت الطائفة بما روى فلان»62.
ثمّ أقول: لما كان الأصل في الرجوع الى علماء الرجال تحصيل الظنّ بصدق الرواية والوثوق بصدوره فلا مانع من الرجوع إلى هذا الاجماع، بل هو من أقوى الأمارات في الباب، ولما كان وجب في الرجوع إليه في حقّ من لم يتّفق على ذكره من الدليل.
وعلى هذا فلا فرق بين العبارات المتحقّقة في المقام ممّا في عبارة الكشي و ابن داود وغيرهما في حقّ من ذكروا وغيرهم. ومن هنا لايهمّنا البحث عن تعيين من وافق الكشي وإلاّ فلا يبعد نسبة هذا إلى ابن داود أيضا.
البحث الثالث: في تعداد الجماعة. وهذا وإن لم يكن ممّا يتعلّق به الغرض من هذه المقدّمات إلاّ أنّ في كيفية البيان هنا ما له نفع في البحث السابق، وفيه الإشارة إلى اختلاف العبارات، فنقول: ممن ظفرنا على ذكر الإجماع المزبور ابن داود، قال رحمه الله: «فصل: أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم، غير أنّهم يتفاوتون،
 

304

وهم ثلاث درج:
الدرجة العليا لستّة منهم من أصحاب أبي جعفر، أجمعوا على تصديقهم وإنفاذ قولهم والانقياد لهم في الفقه، وهم زرارة بن أعين ومعروف بن خرّبوذ وبريد بن معاوية و أبو بصير ليث بن البختري، الفضيل بن يسار، محمد بن المسلم الطائفي.
الدرجة الوسطى: فيها ستّّة أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم وأقرّوا لهم بالفقه، وهم من أصحاب أبي عبدالله: يونس بن عبدالرحمن، صفوان بن يحيى بيّاع السابري، محمد بن أبي عمير، عبدالله بن المغيرة، الحسن بن محبوب، أحمد بن محمد بن أبي نصر.
الدرجة الثالثة: فيها ستّة أجمعوا على تصديقهم وثقتهم وفضلهم، وهم: جميل بن درّاج، عبدالله بن مسكان، و عبد الله بن بكير، حمّاد بن عيسى، حمّاد بن عثمان، أبان بن عثمان، وأفقههم جميل بن درّاج»63.
أقول: وفي حاشية ذلك الكتاب معلّقا على يونس بن عبدالرحمن: ذكر في الفصل السابق أنّه لم يرو عن أبي عبدالله بين الصفا والمروة64، قيل: ثقة، ومعلّقا على ابن أبي عمير في كونه من أصحاب الصادق عليه السلام نظر وإن أثبته المصنّف في الأسامي.
وهكذا الكليني ولاسبيل لنا إلى تصريح الكليني القول في الحسن بن محبوب وأحمد بن محمد بن أبي نصر، فإنّ المصنّف عدّهما من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام، وظاهر بحر العلوم في نظمه الجزم بالنسبة وإن أجمل الحكاية كما في نظم غيره ووجدت بخطّ شيخنا الأستاذ دام علاه
تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله عليهما السلام .
قال الكشي: «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله(ع) وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأوّلين ستّة: زرارة ومعروف بن خربوذ وبريد وأبوبصير الأسديّ والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستّة زرارة. وقال بعضهم مكان أبوبصير الأسدي: أبوبصير المرادي، وهو ليث البختري»65.
 

305

«تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبدالله(ع): أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه، من دون أولئك الستّة الذين عددناهم وسمّيناهم، وهم ستّة نفر: جميل بن دراج وعبدالله بن مسكان وعبدالله بن بكير وحمّاد بن عيسى وحمّاد بن عثمان وأبان بن عثمان، قالوا: وزعم أبوالحسن الفقيه ـ وهو ثعلبة بن ميمون ـ أنّ أفقه هؤلاء جميل بن درّاج، وهم أحداث أصحاب أبي عبدالله»66.
«تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم،وهم ستة نفر آخر دون الستّة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبدالله منهم: يونس بن عبدالرحمن وصفوان بن يحيى بيّاع السابري ومحمد بن أبي عمير وعبدالله بن المغيرة والحسن بن محبوب وأحمد بن محمد بن أبي نصر.
وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضّال أو فضالة بن أيّوب.
وقال بعضهم مكان فضالة: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبدالرحمن و صفوان بن يحيى»67 انتهى.
وأنت إذا تأمّلت هذه العبارات تعرف أنّ شيئا منها لايخلو عن مدح بليغ واف كاف على الطريقة المشار إليها سابقا، بل جلّ العبارات لايقصر شيء منها عن العبارة المصدّر بها البحث، ولذلك جعلوا المدار عليها مع أنّ هذه العبارات بأسرها متداولة بين أيديهم.
ثمّ لايخفى أنّ الذين لم يتّفقوا على ذكره من هؤلاء الجماعة ممّن ذكر بدلا أو ذكر مكانه بدل لم يتحقّق بعد تحقّق الإجماع على قوله وحديثه، فالرجوع إلى الإجماع بالنسبة إليهم لايجدي إلاّ على الطريقة المشار إليها، وهو مع ذلك فالأمر في غيرهم أتقن، فتدبّر.
تذنيب: «حكي عن الشيخ رحمه الله في العدّة وفي غيرها أيضا أنّه أسند العمل بروايات بعض إلى الطائفة، وادّعى إجماع الإمامية على العمل بروايات آخرين مثل السكوني وحفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج ومن ماثلهم من العامّة مثل طلحة بن زيد وغيره،
 

306

وكذا مثل عبدالله بن بكير وسماعة بن مهران وبني فضال والطاطريين وعمار الساباطي وعلي بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى من غير العامّة.
قال في الفوائد بعد عدّهم: «فإنّ جميع هؤلاء نقل الشيخ عمل الطائفة بما رووه، ثمّ حكى عن المحقّق الشيخ محمّد أنّه قال: قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله في مواضع من كتبه: إنّ الإماميّة مجمعة على العمل برواية السكونيّ وعمّار ومن ماثلهما من الثقات. وحكى من المحقّق المزبور أيضا أنّه قال: الإجماع على العمل بروايتهم لايقتضي التوثيق كما هو واضح. قال: أقول: يبعد أن لايكون ثقة على قياس ما ذكر في قولهم: أجمعت العصابة.
قلت: الاحتمالات السابقة في أجمعت العصابة جارية في المقام، بل بعض ما فيه من الأقوال كاستفادة وثاقة من قيل في حقّه على ما سمعت من بعد نفيه في الفوائد، لكن المتيقّن منه، بل لعلّه الظاهر من العبارة ومنهم، مجرّد البناء على قبول روايتهم من جهتهم لا مطلقا، وعلى ما في الفوائد مجرّد وثاقتهم لاوثاقة غيرهم ممن يروون عنه مع احتمال البناء على قبول روايتهم مطلقا، فلا يلاحظ من بعدهم في السند كما أنّه المراد من قولهم: يسكنون إلى مراسيله وأجمعوا على قبولها، ولعلّ من الأوّل دعوى الشهيد الثاني إطباق أصحابنا عدا ابن داود على الحكم بصحّة حديث محمد بن إسماعيل النيسابوريّ، هذا كلّه في دعوى الإجماع والاتّفاق على التصحيح أو العمل، وأما دعوى الشهرة على أحدهما فهي تعتبر كالأولى أم لا؟
الأظهر الأوّل.
أمّا على حجية الشهرة للنصّ أو لقاعدة الانسداد فظاهر، وكذا على اعتبارها في تعيين الطريق.
وأمّا على عدم البناء عليها في الأحكام وفي التعيين المزبور فالظاهر الاعتبار هنا أيضا، لما بيّنّاه في تتمّة المقدّمة.
إذا عرفت هذا فالشهرة إمّا متحقّقة أو محكيّة، والأولى تعلم بمراجعة الكتب الاستدلاليّة مع زيادة التتبّع بها أو بملاحظة كتب الرجال أو الدراية أو الحديث أو غير ذلك.
ومن ذلك ما في فوائد المولى البهبهاني حيث قال: «اعلم أنّ المشهور يحكمون بصحّة حديث أحمد بن محمد المذكور، يعني أحمد بن محمد بن يحيى، وكذا أحمد بن محمد بن
 

307

الحسن بن الوليد والحسين بن الحسن بن أبان، إذا لم يكن في سنده من يتأمّل في شأنه.
قلت: ومنه يظهر أنّ الحكم بصحة حديث هؤلاء ليس إلا لبيان توثيقهم أو لمجرّد الاعتماد عليهم، لاصحّة رواياتهم بحيث يستغني من يلاحظ أحوال من يروون عنه، كما فيما مرّ.
وهذه الشهرة حكاها غيره أيضا وإن كان في نقله كفاية، وقد نقل أقوالا في بيان مستند المشهور،فمن قائل: إنّه حكم العلاّمة بالصحّة، وعن جماعة أنّهم مشايخ الإجازة، وهم ثقات لايحتاجون إلى التوثيق نصّا، وعن أخرى أنّ مشايخ الإجازة لايضرّ مجهوليتهم، لأنّ حديثهم من الأصول المعلومة، وذكرهم لمجرد اتّصال السند أو للتبرّك.
قلت: لايخفى ضعف الجميع، حيث لاتعتبر في اعتبار الشهرة متأصّلة أو مرجّحة ثبوت مدركها لم يكن لنا حاجة إلى تطويل الكلام في إثبات مدرك صحيح لها كما لم يحتج الى إثبات مدرك الإجماع كما مرّ، انتهى.
ومنها قولهم: صحيح الحديث، ولاريب في إفادته مدح الراوي في روايته مدحا كاملا، بل في نفسه أيضا كما مرّ، وهل يفيد وثاقته وعدالته أيضا أم لا؟
عدّه الشهيد في شرح البداية من الألفاظ الصريحة في التعديل، وعلّقه بأنّه يقتضي كونه ثقة ضابطا، وفيه زيادة تزكية»68 انتهى كلامه رفع مقامه.
وفي فوائد منتهى المقال قولهم: «صحيح الحديث هو ما وثقوا بكونه من المعصوم(ع) أعمّ من أن يكون الراوي ثقة أولا، لأمارات أخر يقطعون أو يظنّون بها صدوره عنه (ع) ثمّ إنّ بين صحيحهم والمعوّل به عندهم لعلّه عموم من وجه، وبينهما عند المتأخّرين أيضا عموم من وجه. وبما ذكرنا ظهر فساد ما توهّم بعض من أنّ قول مشايخ الرجال: صحيح الحديث، تعديل، نعم هو مدح»69.
أقول: هذا الاحتمال بعيد جدّا فضلا عن احتمال إفادته توثيق من أدّى عنه من ورد في حقّه وتعديله أيضا، بل لايدلّ على مدح المرويّ عنه حتّى في روايته .
وتوهّم إرادة أنّ مايضاف أو يسند إليه من الأحاديث فهو صحيح، فاسد، فإنّ الصحة
 

308

في العبارة المزبورة صفة الحديث الصادر عن الممدوح ولم يصدر عنه إلاّ مجرّد رواية عمّن قبله، وليس الأمر فيما نحن فيه بمثابة الأمر في الإجماع على تصحيح مايصحّ عنه، فإنّه في مقام بيان الحديث المروي من المعصوم على ما ذكرنا في سرّ فهم المشهور، بخلاف ما نحن فيه، فإنّ مقتضى القرينة الحاليّة، وسياق الكلام بيان حالة الراوي، فلا يدلّ إلاّ على صحّة روايته الصادرة عنه.
فغاية مايستفاد منه في حقّ الراوي أنّه لا يكذب في حديثه عامدا ولاسهو فيه غالبا، وأما أنّه عدل فلا، سواء صدرت الكلمة عن القدماء أو المتأخّرين. أمّا على الأوّل فلأنّ المراد بصحّة الحديث كونه موثوقا بصدوره أعمّ من أن يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات أو أمارات أخر كما تقدّم عن الفوائد.
وهذا المعنى لايستلزم عدالة الراوي بوجه من الوجوه، ولا ينافي ذلك اشتراطهم العدالة، فلعلّه لأجل أخذ الرواية عن الراوي من دون حاجة إلى التثبّت وتحصيل أمارات تورث الوثوق، أو لأنّ المراد بالعدالة مجرّد ظهور التحرّز عن الكذب ولو في خصوص رواية فيختصّ العمل بها على ما هو ببالي من حكاية تفسير العدالة بالتحرز عن الكذب عن عدّة الشيخ طاب ثراه ما تقدّم عن الفوائد من جعل النسبة بين الصحيح باصطلاحهم و بين ما عملوا به من الأخبار عموما من وجه.
ولا يذهب عليك أنّ توصيف الحديث بالصحّة على وجه الإطلاق وإن دلّ على الوثوق بصدوره عن المعصوم عليه السلام، إلاّ أنّ توصيف حديث شخص خاصّ لايدلّ على الوثوق بصدور مطلق رواياته وأحاديثه.
وأمّا على اصطلاح المتأخّرين فلأنّ الصحيح عندهم وإن كان هو ما كان جميع سلسلة سندها إماميّين ممدوحين بالتوثيق، مع اتّصال السند إلى المعصوم عليه السلام، لكن الظاهر أنّه لو كان المراد توثيق الراوي دون خصوص الرواية لما عدلوا عن التصريح بتوثيقه إلى تصحيح الحديث.
فيقوى في النظر أنّ المراد الإشعار بأنّ الحديث موثوق به مع السكوت عن حال الراوي، فلا يستفاد من العبارة المزبورة إلاّ اشتمال الحديث على شرائط القبول، وأمّا كونه خبر عدل فلا.


1. انظر: توضيح المقال، ص3، طبعة حجرية.
2. توضيح المقال، ص3
3. الرعاية في علم الدراية، ص221ـ223
4. الرعاية، ص52ـ53
5. انظر: توضيح المقال، ص3، الطبعة الحجرية.
6. انظر: توضيح المقال، حاشية ص3
7. انظر: توضيح المقال، ص4
8. الرعاية، ص45
9. نقله المحقق في «المعتبر، ج1، ص29ـ30 ولم أعثر عليه في المصادر الحديثيّة.
10. نقله المحقق في «المعتبر، ج1، ص29، ولم أعثر عليه في المصادر الحديثيّة.
11. رجال الكشي، ص108، الرقم: 174
12. رجال الكشي، ص224، الرقم: 401
13. وسائل الشيعة، ج27، ص106 وما بعدها، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة.
14. هو الشيخ علي الكني الطهراني رحمه الله في توضيح المقال، ص5، ولم يذكر القائل بهذا التفصيل.
15.توضيح المقال، ص5
16. كشف اللثام، ج2، ص355
17. الرعاية، ص176ـ180
18. الرعاية، ص 386ـ387
19. القواعد والفوائد، ج1، ص320
20. غوالي اللّئالي، ج3، ص675، ح2
21. القواعد والفوائد، ج1، ص247ـ248
22. القواعد والفوائد، ج1، ص149
23. قوانين الأصول، ص465ـ466
24. قوانين الأصول، ص467
25. النساء(4)/ 176
26 . الصافات(37)/11
27. الكهف(18)/22
28. «في الكلالة» لم ترد في «مجمع البحرين» ولعلّها من زيادات المصنّف رحمه الله.
29. مجمع البحرين، ج1، ص325ـ326
30. المصباح المنير، ص299
31. مجمع البحرين، ج1، ص199، روا.
32. مجمع البحرين،ج3، ص81ـ82، شهد.
33. الصحاح، ج2، ص494، شهد.
34. البقرة(2)/185
35. الجواهر، ج41، ص7ـ8
36. الرعاية، ص193
37. القوانين، ص464
38. التوبة(9)/122
39. الحجرات(49)/6
40. القوانين، ص466ـ467
41. انظر: الرّعاية، ص193
42. توضيح المقال، ص18
43. الفصول الغروية، ص297
44. الرعاية، ص194ـ196
45 . انظر: منتهى المقال في أحوال الرجال، ج1، ص53
46 . منتهى المقال، ج1، ص57 ـ 58، نقله بإيجاز .
47. توضيح المقال، ص42
48. توضيح المقال، ص41
49. هذا البعض هو محمد جعفر الاسترآبادي المتوفّى في 1263 من تلامذة سيّد علي الطباطبائي البهبهاني صاحب الرياض. انظر «لبّ اللباب» الورقة 90، مخطوط برقم 4023 في مكتبة آية اللّه المرعشي، وهذه الرسالة هي الآن بأيدينا قيد التحقيق، وستصدر قريبا إن شاء اللّه تعالى.
50. توضيح المقال، ص41
51. منتهى المقال، ج1، ص51
52. منتهى المقال، ج1، ص52
53. الفصول الغروية، ص303
54. الرواشح السماوية، ص47
55. الوافي في شرح الكافي، المجلّد1، ص27
56. مشرق الشمسين، ص269 ـ 270
57. غايةالمراد في شرح نكت الإرشاد، ج2، ص41
58. مسالك الأفهام، ج2، ص58
59. مشرق الشمسين، ص270
60. منتهى المقال، ص53 ـ 58
61. الذكرى، ص4
62. توضيح المقال، ص42
63. رجال ابن داود، ص384 ـ 385
64. انظر:رجال ابن داود، ص381
65. رجال الكشي، ص238، الرقم431
66. رجال الكشي، ص375، الرقم705
67. رجال الكشي، ص556، الرقم1050
68. توضيح المقال، ص42 ـ 43
69. منتهى المقال، ج1، ص58 ـ 62