لا يخفى على القارئ اللبيب أنّ جميع العلوم و المعارف اجتاحتها موجة من التشعّب و الاتساع و التغيير الذي طال مختلف جوانبها و أبعادها و بدّلها جوهرا و ظاهرا.
و من جملة الميادين التي خضعت لمثل هذا التغيير و الاتساع هو ميدان علوم الحديث الشريف، فهذا الميدان الحيوي الذي صُنّفت فيه كتب وفيرة عالجت فيه شتى فروعه عند مختلف المذاهب الإسلامية.
و يوجد لدى الشيعة -كما لدى إخوانهم من أهل السنّة- كتب و معاجم متعدّدة في هذا المجال بعضها سلّط الأضواء على المصطلحات في علمَي الرجال و الدراية، و ذلك لا يكون إلّا لأهمية دور التعرّف على المصطلحات في مجال التفهيم و التفهّم العلمي في كلّ العلوم، و أخصّ بالذكر العلوم النقلية التي مرّت عليها القرون، و لذلك قد تغيّر بعض التعابير عن مفهومه آنذاك.
كان علماء الحديث في مستهل الأمر يبيّنون أغراضهم و يعكسونها إلى الآخرين من خلال استلهام العرفية، التي كان لها مدلولاً واضحا يومذاك. بَيد أنّ تقادم الزمن و التغييرات التي طرأت عبر القرون على حقلي اللغة و العرف أفضت إلى أن تتّخذ الألفاظ المستخدمة من قبلهم طابع المصطلح الذي غدا بدوره بحاجة إلى التفسير، هذا من جانب.
و من جانب آخر، بما أنّ عملية وضع المصطلحات لم تكن عملية منهجية و منظّمة، و إنّما كانت تخضع لطبيعة استخدام الكلمات، لذلك اختلطت معاني المصطلحات في حالات كثيرة، و لم يعد من الممكن التمييز بين مدلولاتها بسهولة. نُشير على سبيل المثال -لا الحصر- إلى أن مصطلحات «المنقطع» و «المقطوع»، أو «الغريب» و «المفرد» تداخلت مع بعضها و تلابست معانيها إلى درجة بات من الصعب، بل من المتعذّر معها التمييز بين مدلولاتها و معطياتها.
و هكذا لم يبقَ ثمّة سبيل لاستيعاب أبحاث هذه العلوم إلّا من خلال تعلّم معاني هذه المصطلحات بدقّة.
و من الطبيعي تَمسّ الحاجة إلى تدوين معاجم مصطلحات في علوم الحديث خاصّة الرجال و الدراية، و بما أنّ ما كتب في ذلك لا يكاد يخلو من النقص، و أصبحت قاصرة عن أداء الغرض المنشود و عاجزة عن مواكبة المتطلبات الحديثة المتزايدة، إضافة إلى أنّها تفقد في كثير من الحالات خصوصيتها الشيعية بسبب تعويلها على مصادر سنّية، و من هنا فقد ظهرت الحاجة إلى تدوين معجم جديد يتلافى نقاط الضعف المشار إليها آنفا، و يروي ظمأ الباحثين المتعطّشين للاستزادة من فيض الحديث و ينابيع بركاته.
و تلبيةً لهذه الحاجة اضطلعنا بمهمّة إعداد هذا المعجم الجديد الماثل بين أيديكم.
راعينا في تأليف «المعجم» النقاط التالية:
1. اُستخرجت جميع مصطلحاته من المصادر الأصلية لعلمي الرجال و الدراية الشيعية، و لم نكتف بمراجعة فهارس المصطلحات و المعاجم الحالية، و حرصنا على تفسير معنى كل كلمة تستلزم التوضيح و إن لم تكن مصطلحا بالمعنى الدقيق للكلمة.
2. تتألف مداخل هذا المعجم من مصطلحات علمي الرجال و الدراية، و هذه المداخل تعكس طبيعة الاُسس التي يقوم عليها هذان العلمان. نشير مثلاً إلى أنّ هذا المعجم يُعنى أيضا بشرح أُمور من قبيل التوثيقات العامّة و أسباب المدح و القدح، و أمارات المدح، و غير ذلك.
3. اعتمدنا في تفسير الألفاظ و المصطلحات على المصادر الشيعية فقط. بينما اعتمدنا على مصادر غير شيعية عند شرح الفرق المذهبية.
4. حرصنا جهد الإمكان عند توضيح المداخل على استخدام نفس العبارات التي وردت في المصادر، و استخدمنا في الحالات الضرورية اُسلوب التقطيع و التلخيص و النقل بالمعنى بالشكل الذي يعكس غرض المؤلف.
5. في حالة تشابه العبارات في المصادر المختلفة أوردنا إحداها و ذكرنا أسماء المصادر الاُخرى حسب قدمها التاريخي. و هذا يعني أن العبارة ربّما تكون مستقاة من المصدر الثالث أو الرابع، إلّا أنّ المعنى نفسه موجود في جميع تلك المصادر المدرجة في ذيل العبارة.
6. عند شرح معنى كل مدخل من المداخل، هناك عدّة اُمور تسترعي الاهتمام و هي:
أولاً: تقديم العبارة التي تحتوي على شرح لغوي و اصطلاحي للكلمة.
ثانيا: عند وجود شروح متعدّدة للمُصطلح، حاولنا جهد الإمكان رعاية التسلسل التاريخي لها.
ثالثا: أوردنا على حِدة كلّ اختلاف في الألفاظ ينطوي على اختلاف في المعنى، و إن كان يترآءى لبعض القرّاء عدم وجود فارق محسوس بينها.
7. عندما يحتوي المصطلح الواحد على أقسام متعددة، و قد تناول علماء الحديث كل واحد منها على حدة، جَعلنا كل واحد منها مدخلاً و عنوانا مستقلاً، و أشرنا عند شرح المصطلح الأصلي إلى وجود هذه الأقسام.
8. شرحنا عددا من الرموز المتداولة بكثرة في كتب الحديث و علومه.
9. عند مواجهتنا لمصطلحات أو عبارات مجرّدة من ذكر التفسير في المصدر، أوردنا تفسيرها بأنفسنا اعتمادا على المصادر المتوفّرة.
10. في حالة وجود تفسير يتنافى مع فهم عامة القوم لمصطلح ما، و عند عدم وجود ما ينبّه إلى ذلك الخطأ في شروحات العلماء الآخرين، أشرنا إليه. إلّا أنّ هذا الأمر حصل في مواضع نادرة.
و أخيرا لابدّ أن نشير إلى أنّ هذا المجهود قد تمّ باقتراح و إشراف سماحة الاُستاذ حجة الإسلام و المسلمين محمّد كاظم رحمان سِتايِش فله الشكر و التقدير لاهتمامه به، فجزاه اللّه خير الجزاء.
و في الختام نأمل من القراء الكرام أن يقدّموا كلّ ما لديهم من آراء حول مواطن الضعف و الخلل في هذا الكتاب إلى «مركز بحوث دار الحديث»؛ لكي تؤخذ بنظر الاعتبار في الطبعات اللاحقة. و نحن ننظر بعين الشكر و التقدير لأية اقتراحات و توجيهات من جميع الإخوة الأكارم. و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.