الحجة من
هذه الأنواع
وبعد ثبوت
صحة تنويع الحديث، وتعريف كل نوع بما يميّزه عن
الآخر، بحث عن الحجة من تلك الانواع.
فالصحيح
منها حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية خبر الواحد،
وهو القدر المتيقن ارادته من دليل الحجية، بشرط أن
لا يكون شاذاً، او معارضاً بغيره من الأخبار
المعتبرة، حيث يطلب المرجح عند التعارض وربما عمل
بالشاذ كما اتفق للشيخين في بعض الموارد(2).
_
_______________
(2) الدراية
للشهيد الثاني ص 25 _ 26.
وأما
الموثق والحسن، فالمشهور حجيتهما. وخالف فيها
جماعة، فاشترطوا في اعتبار خبر الواحد أن يكون جميع
رواته اماميين عدولاً، ولذا قال الشهيد الثاني:
«واختلفوا في العمل بالحسن. فمنهم من عمل به مطلقاً
كالصحيح، وهو الشيخ على ما يظهر من عمله، وكل من
اكتفى في العدالة بظاهر الإسلام، ولم يشترط ظهورها.
ومنهم من رده مطلقاً، وهم الأكثرون، حيث اشترطوا في
قبول الرواية الايمان والعدالة، كما قطع به
العلامة في كتبه الاصولية وغيره... وكذا اختلفوا في
العمل بالموثق نحو اختلافهم في الحسن. فقبله قوم
مطلقاً. ورده آخرون وفصّل ثالث بالشهرة وعدمها الخ
»(1).
والحق
حجيتهما معاً، لقيام السيرة العقلائية على قبول كل
خبر كان المخبر به موثوقاً به في نقله، او حسن
الظاهر ممدوحاً، ولم يثبت ردع عنها من قبل الشرع.
وسبق(2) نقل الشيخ الطوسي اعتبار الطائفة للمدوح
وللموثوق به من الرواة، واهتمامها بأمر المدح
والذم. ودلت الروايات العديدة على اعتبار خبر
الثقة.
فروى عبد
العزيز بن المهتدي، والحسن بن علي بن يقطين جميعاً
عن الرضا (ع) قال: « لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما
أحتاج اليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمان
ثقة آخذ عنه ما أحتاج اليه من معالم ديني؟ فقال (ع):
نعم»(3) فيكشف هذا السؤال عن أن حجية خبر الثقة مفروغ
عنه لدى السائل، وانما كان السؤال عن الصغرى وهي
__________________
(1) الدراية
للشهيد الثاني ص 26.
(2) انظر ص 21.
(3) الوسائل
_ ح 34 _ ب 11 _ صفات القاضي _ رواه عن الكشي في رجاله، عن
محمد بن مسعود، وهو العياشي، عن محمد بن نصير، عن
محمد بن عيسى، عن عبد العزيز بن المهتدي، والحسن بن
علي بن يقطين، عن الرضا(ع). والرواية ضعيفة السند،
لان محمد بن نصير مشترك بين النميري الضعيف، وبين
الذي هو من أهل (كش) الثقة الجليل، وكلاهما في طبقة
واحدة، ولم يعلم أن المراد هنا ايهما، وذلك كافٍ في
ضعف الرواية. على انهم ذكروا: أن الذي يروي عنه
الكشي هو الثقة الذي من أهل (كش)، والذي يروي عنه
العياشي هو النميري الضعيف. والراوي عنه في هذه
الرواية هو العياشي رواها عنه، عن محمد بن عيسى
وعين هذا السند ورد في روايتين ذكرا في (جامع
الرواة) وجاء في التعليقة عليه: أن الذي يروي عنه
العياشي هو الثقة لا النميري ولكن مراعاة الطبقة لا
تأبى كونه النميري الخ. انظر (جامع الرواة ج 2 ص 208).
وثاقة
يونس، وقد أقرّه الإمام (ع) على ذلك. وروى أحمد بن
اسحاق عن ابي الحسن (ع)، قال: «سألته وقلت: من أعامل،
وعمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال (ع): العمري ثقتي...
فانه الثقة المأمون قال: وسألت ابا محمد (ع) عن مثل
ذلك فقال: العمري وابنه ثقتان... فانهما الثقتان
المأمونان»(1).
وفي
التوقيع الشريف الصادر عن الإمام المهدي (ع) « فانه
لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا
ثقاتنا الخ»(2). وعن الحسين بن روح _ رضوان الله عليه
_: أن الحسن العسكري (ع) سئل عن كتب بني فضّال. فقال
(ع): «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا»(3). مع أنهم من
الفطحية.
__________________
(1) الوسائل
_ ح 4 - 5 - ب 11 _ صفات القاضي _ رواه عن الكليني عن محمد
بن عبد الله الحميري، ومحمد بن يحيى جميعاً، عن عبد
الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن اسحاق، عن ابي
الحسن (ع). والسند صحيح.
(2) الوسائل
ح 41 _ ب 11 _ صفات القاضي، رواه عن الكشي، عن علي بن
محمد بن قتيبة المعروف بالقتيبي النيسابوري، عن
احمد بن ابراهيم المراغي قال: « ورد على القسم بن
العلا، وذكر توقيعاً شريفاً يقول فيه: « فانه لا عذر
لاحد الخ». وقد اختلفوا في اعتبار القتيبي
والمراغي، ولكن العلامة أدرجهما في القسم الاول من
كتاب (خلاصة الرجال ص 11 _ 46)، ووصف القتيبي بالفاضل
كما ذكرهما ابن داود في القسم الاول من كتاب (رجاله
ص 23 _ 250). وقال في المراغي: «ممدوح عظيم الشأن».
(3) الوسائل
ح 14 _ ب 11 _ صفات القاضي، رواه عن الشيخ الطوسي في
كتاب (الغيبة)، عن ابي الحسين بن تمام، عن عبد الله
الكوفي خادم الحسين بن روح، عن الحسين بن روح.
والسند ضعيف، لعدم وثاقة ابي الحسن بن تمام، وعبد
الله الكوفي.
واستدل
الشيخ الأنصاري بهذا الحديث على لزوم الأخذ بما
رواه بنو فضّال بلا حاجة الى النظر في حال رجال
السند بعدهم(1).
ونقل الشيخ
الطوسي: أن الطائفة قد عملت بأخبار الفطحية،
والواقفه، ونظائرهم إذا كان الراوي منهم موثوقاً
به، ولا يوجد في اخبارنا ما يخالف خبره، ولم يعرف من
الطائفة العمل على خلافه(2). فيكشف عن حجية خبر
الموثق.
وهنا أمران
ينبغي التنبيه عليهما.
_
__________________
(1) كتاب
الصلاة للشيخ الأنصاري ص 2.
(2) عدة
الأصول ص 61.
|