الناقل
لهذا الاجماع
والأصل في
دعوى هذا الاجماع هو الشيخ ابو عمرو محمد بن عمر بن
عبد العزيز الكشي صاحب كتاب (الرجال) المعروف، فهو
أول من ادعاه، ونقله الجماعة عنه. ولذا كان من
التسامح نسبة دعواه الى جميع من ذكره، وتعرض له،
كما فعله الشيخ المامقاني قائلا: «وأول من ادعاه
فيما نعلم الشيخ الجليل ابو عمرو الكشي في (رجاله)،
ثمّ الشيخ، والنجاشي ثمّ من بعدهما من المتقدمين
والمتأخرين، كابن طاووس، والعلامة وابن داود،
وصاحب المعالم، والشهيدين، والشيخ سليمان، والسيد
الداماد، وغيرهم. حتى أنه لو صح وصف الاجماع
المنقول بالتواتر، لصح أن يقال: ان هذا الاجماع قد
تواتر نقله، وصار أصل انعقاده في الجملة من ضروريات
الفقهاء والمحدثين، واهل الدراية والرجال الخ»(1).
فان بعض
هؤلاء الجماعة المذكورين وغيرهم كان ناقلا لدعواه،
لا مدعياً له. وفرق واضح بين دعوى الاجماع، ونقل
دعواه. ولذا صرح الشيخ ابو علي في (رجاله): بأن هذا
الاجماع ربما ذكر في كلام النجاشي، لكن بعنوان
النقل عن الكشي، لا انه ادعاه بنفسه(2). بل ناقش
بعضهم في قبوله صريحاً.
وأما الشيخ
الطوسي فانه لم يدع الاجماع بالشكل الذي ادعاه
الكشي في ثمانية عشر شخصاً، وانما صرح بقبول مراسيل
الثقات «الذين عرفوا بأنهم لا يروون، ولا يرسلون
إلا عمن يوثق به»، ونص على ثلاثة منهم كما سبق. لكن
الشيخ النوري ذكر ان الشيخ الطوسي ناظر الى أصحاب
الاجماع الذين ذكرهم الكشي. وهذا لم يثبت، وسيأتي
بحثنا معه حول ذلك.
نعم ان
الشهيد الثاني نقل عن الشيخ الطوسي: دعوى اجماع
العصابة على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير،
والاقرار له بالفقه والثقة(3) وهو على حد تعبير
الكشي.لكنه لم نعثر على مصدر الشهيد لنرى أن الشيخ
نقله عن
_
__________________
(1) مقباس
الهداية ص 70.
(2) منتهى
المقال ص 10.
(3) شرح
اللمعة ج 2 ص 131.
الكشي، او
ادعاه بنفسه. على أنه ينافي ما فعله الشيخ في كتاب
(العدة) (1)، حيث ذكر عبد الله بن بكير في صف الفطحية،
ولم يميزه عنهم واشترط في جواز العمل بروايتهم
أمرين: عدم وجود المعارض لخبرهم، وعدم إعراض
الطائفة عن مضمونه بالافتاء بخلافه.
فلو تم هذا
الاجماع عند الشيخ لم يبق وجه للتسوية بين ابن
بكير، وسائر الفطحية.
بل إن
الشهيد نفسه نقل عن الشيخ الطوسي: الجرح الصريح
لابن بكير، وأنه قال _ عند ذكر حديث له أسنده الى
زرارة _: «ان اسناده الى زرارة وقع نصرة لمذهبه الذي
أفتى به لما رأى أن أصحابه لا يقبلون ما يقوله
برأيه». وقال: «وقد وقع منه من العدول عن اعتقاد
مذهب الحق الى الفطحية ما هو معروف. والغلط في ذلك
أعظم من الغلط في اسناد فتياً يعتقد صحته لشبهة
دخلت عليه الى بعض أصحاب الأئمة عليهم السلام»(2)
ومقتضى هذا التصريح من الشيخ صدور الكذب الصريح من
عبد الله بن بكير في اسناد الحديث الى ثقات المعصوم
(ع).
وأما السيد
بحر العلوم فانه وإن نظم هذا الاجماع في ابياته
السابقة من غير حكاية له عن احد، إلا أنه قال _ في
كتاب (رجاله) في ابن ابي عمير وروايته لاصل زيد
النرسي _: «وحكى الكشي في (رجاله): اجماع العصابة على
تصحيح ما يصح عنه، والاقرار له بالفقه والعلم.
ومقتضى ذلك صحة الاصل المذكور، لكونه مما قد صح عنه
الخ»(3).
__________________
(1) أنظر ص 61.
(2) شرح
اللمعة ج 2 ص 132.
(3) رجال
السيد بحر العلوم ج 2 ص 366 _ 367.
وكلامه هذا
صريح في إسناد حكاية الاجماع الى الكشي، لكنه سبق
اختلافه معه في ابي بصير في أبياته السابقة، وقوله
في ذيلها: «وشذ قول من به خالفنا».
وأما
الشهيد الثاني فانه بعد ما نقل عن الشيخ الطوسي:
دعوى الاجماع في حق عبد الله بن بكير. لم يرتضه،
وقال: «وفيه نظر، لانه فطحي المذهب». وهو صريح في
نقله حكاية الاجماع، وخدشه فيه. وله نقاش متين في
قبول مراسيل من ادعي: بأنه لا يروي، ولا يرسل إلا عن
ثقة كابن ابي عمير. ونقل عن السيد ابن طاووس في
(البشرى): أنه نازعهم في قبول مراسيله(1) والنقاش
فيها معروف لدى الفقهاء نقله الشيخ ابو علي وغيره(2).
ومقتضاه عدم الاعتناء بهذا الاجماع، والا لزم
قبولها.
وصرح الشيخ
ابو علي: بأن الشيخ الطوسي ربما يقدح في الحديث الذي
صح عن هؤلاء الجماعة بالارسال الواقع بعدهم. وأجاب
عن ذلك بأن: «الشيخ وغيره من المناقشين ربما لم يثبت
عندهم الاجماع، او لم يثبت وجوب اتباعه لعدم كونه
بالمعنى المعهود، بل كونه مجرد اتفاق، او لم يفهموا
على وفق المشهور، ولا يضر ذلك، او لم يقتنعوا بمجرد
ذلك والاول أظهر بالنسبة اليه، لعدم ذكره اياه في
كتابه كما ذكره الكشي والنجاشي وأمثالهما».
وعلل توهين
هذا الاجماع بقوله: «إذ لم نقف على من وافق الكشي في
ذلك من معاصريه، والمتقدمين عليه، والمتأخرين عنه،
الى زمن العلامة او ما قاربه. نعم ربما يوجد ذكر هذا
الاجماع في كلام النجاشي فقط من المتقدمين، وذلك
بعنوان النقل عن الكشي، إلا أن غير واحد من علمائنا
_ منهم الشيخ البهائي طاب ثراه _ صرح: بأن الامور
الموجبة لعد الحديث من الصحيح عند قدمائنا وجوده في
أصل معروف الانتساب الى احد الجماعة الذين اجمعوا
على (تصحيح ما يصح عنهم) الخ »(3).
_________________
(1) الدراية
للشهيد الثاني ص 48 _ 49.
(2) منتهى
المقال ص 9 _ 10.
(3) منتهى
المقال ص 9 _ 10.
وبذلك اتضح
وهن القول: بأن كلمات جميع الذين نقلوا الاجماع
صريحة في المسلمية والقبول(1).
_____________________________________
(1) مقباس
الهداية ص 72.
|