حول حجية هذا الاجماع

الثاني: ان الاجماع الذي بحث الفقهاء عن حجيته، واقاموا الادلة عليها، إنما هو الاجماع على الفتوى في الحكم الشرعي، ولذا عرفه الشيخ حسن بن الشهيد الثاني ب «اتفاق من يعتبر قوله من الامة في الفتاوى الشرعية على امر من الأمور الدينية»(1).

وعرفه الخضري _ من اهل السنة _ ب «اتفاق المجتهدين من هذه الامة في عصر على حكم شرعي»(2).

نعم إن تعريف الشيخ الطوسي له ب «اتفاق اهل الحل والعقد من أمة محمد (ص) ». وقول صاحب (المبادي) في تعريفه: «الاجماع في اصطلاح فقهاء أهل البيت (ع) هو اتفاق أمة محمد (ص) على وجه يشمل قول المعصوم (ع) »(3). وإن كان ظاهراً في الاطلاق، إلا أن المراد به الاجماع على الحكم الشرعي. ولذا استدل الشيخ الطوسي على حجيته ب (قاعدة اللطف)، وأنه لا يخلوا عصر من امام معصوم حافظ للشرع(4). وقال _ عند البحث عما لو اتفق فتوى الاصحاب على خلاف قول الإمام (ع) _: لو «كان على القول الذي انفرد به الإمام (ع) دليل من كتاب او سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور، ولا الدلالة على ذلك، لان ما هو موجود من دليل الكتاب، والسنة كاف في باب ازاحة التكليف. ومتى لم يكن على القول الذي انفرد به دليل على ما قلناه، وجب عليه الظهور، وإظهار من يبين الحق في تلك المسألة، على ما قد مضى القول فيه، وإلا لم يحسن التكليف»(5).

وعليه فدليل حجية الاجماع لا يشمل مورد البحث لانه اجماع في موضوع، وأجنبي عن الحكم والتكليف. نعم بالنظر لما استدل به اهل السنة على حجيته من قوله (ص): «لا تجتمع أمتي على خطأ». ونظائره(6) يشمل المورد في

___
_______________

(1) معالم الاصول ص 164.

(2) أصول الفقه للخضري ص 299.

(3) فرائد الاصول ص 48.

(4) عدة الاصول ص 232.

(5) عدة الاصول ص 247.

(6) أصول الفقه للخضري ص 315.

فرض اجتماع الامة. لكنه مفقود. بالإضافة الى أن الاجماع المدعى منقول لم تثبت حجيته في الاحكام فضلا عن الموضوعات. بل ناقش البعض حتى في حجية الاجماع المحصل(1).

فالقول بأن هذا الاجماع تعبدي وكاشف عن رأي المعصوم (ع) في غاية الوهن. ولذا رده الشيخ النوري. وقال الشيخ ابو علي: «لكن هذا الاجماع لم يثبت وجوب اتباعه كالذي بالمعنى المصطلح لكونه مجرد وفاق»(2).

على أن المصدر لنقل هذا الاجماع كتاب (رجال الكشي)، الذي رماه النجاشي بكثرة الأغلاط عند ترجمة مؤلفه بقوله: «وكان ثقة عيناً وروى عن الضعفاء كثيراً... له كتاب الرجال، كثير العلم، وفيه أغلاط كثيرة»(3) وتبعه العلامة الحلي في ذلك(4).

وجاء في كتاب (قاموس الرجال) (5): «وأما رجال الكشي فلم تصل نسخته صحيحة الى احد حتى الشيخ والنجاشي... وتصحيفاته اكثر من ان تحصى، وإنما السالم منه معدود... وقد تصدينا فيما سوى ذلك في كل ترجمة على تحريفاته، بل قل ما تسلم رواية من رواياته عن التصحيف بل وقع في كثير من عناوينه، بل وقع فيه خلط اخبار ترجمة باخبار ترجمة أخرى، وخلط طبقة بأخرى... ثمّ ان الشيخ اختار مقداراً منه مع ما فيه من الخلط والتصحيف... وبعد ما قلنا من وقوع التحريفات في اصل الكشي بتلك المرتبة لا يمكن الاعتماد على ما فيه اذا لم تقم قرينة على صحة ما فيه... ثمّ انه حدث في الاختيار من الكشي ايضاً تحريفات غير ما كان في أصله، فانه شأن كل كتاب، إلا انها لم تكن بقدر الأصل ولذا ترى نسخ الاختيار ايضاً مختلفة الخ».

______________

(1) الحدائق ج 1 ص 35.

(2) منتهى المقال ص 10.

(3) رجال النجاشي ص 363.

(4) خلاصة الرجال ص 71.

(5) أنظر ج 1 ص 43 _ 46.

ومن هنا يمكن عروض الزحاف في تعبيره عن الستة الاواسط والاواخر ب «تصحيح ما يصح عنهم»، وأن الصحيح ما عبر به عن الاوائل من التصديق والانقياد لهم بالفقه فقط.