التسامح
في دعوى الاجماع
الثالث: إن
التسامح في دعوى الاجماع، واستعمال لفظه في غير ما
وضع له حدث كثيراً في كلام القدماء، وذلك مما يوهن
الاعتماد على دعواه في محل البحث. توضيح ذلك:
أن الاجماع
في اللغة عبارة عن الاتفاق، فيقال: أجمع القوم على
الامر أي اتفقوا عليه(1).
وبذلك عرفه
الفقهاء كما سبق، وقال الشيخ الأنصاري: «ان الاجماع
في مصطلح الخاصة، بل العامة الذين هم الاصل له، وهو
الأصل لهم، هو اتفاق جميع العلماء في عصر، كما
ينادي بذلك تعريفات كثير من الفريقين... كما نراهم
يعتذرون كثيراً عن وجود المخالف بانقراض عصره»(2).
____
__________________
(1) أقرب
الموارد، مادة جمع.
(2) فرائد
الأصول ص 48.
ومع ذلك
نرى القدماء يدعون الاجماع أحياناً مع وجود
المخالفين في المسألة، بل ان الشخص منهم قد يتفق
دعواه الاجماع على حكم ثمّ يدعيه على خلافه في موضع
آخر. وبهذا أورد الشيخ يوسف البحراني على حجية
الاجماع قائلا: « إن أساطين الاجماع، كالشيخ
والمرتضى وابن ادريس واضرابهم، قد كفونا مؤنة
القدح فيه، وابطاله بمناقضاتهم بعضهم بعضاً في
دعواه، بل مناقضة الواحد منهم نفسه في ذلك... ولقد
كان عندي رسالة، الظاهر أنها لشيخنا الشهيد الثاني
_ قدس سره _، كتبها في الاجماعات التي ناقض الشيخ
فيها نفسه»(1).
__
_______________
(1) الحدائق
ج 1 ص 37.
وعلة هذا
التناقض في دعوى الاجماع الصادرة من أعلام الفقه،
أن مدرك حجية الاجماع دخول قول المعصوم (ع) في
المجمعين، فكما أن خبر الثقة، وروايته عن المعصوم
(ع)، يكشف عن قوله (ع) كشفاً حسياً، فالاجماع كذلك
يكشف عن قوله (ع)، اما كشفاً حدسياً كما عليه
الاكثر، لقاعدة اللطف ونحوها، او حسياً كما عن
بعضهم، فيكون بمنزلة مالو سمع الحكم من الإمام (ع)
في جملة جماعة لا يعرف اعيانهم، فيحصل بذلك العلم
بقوله (ع).
وقد أورد
الشيخ الانصاري على الكشف الحسي بأنه « في غاية
القلة بل نعلم جزماً: أنه لم يتفق لاحد من هؤلاء
الحاكين للاجماع، كالشيخين والسيدين، وغيرهما.
ولذا صرح الشيخ في (العدة) في مقام الرد على السيد،
حيث انكر الاجماع من باب وجوب اللطف، بأنه لولا
(قاعدة اللطف) لم يمكن التوصل الى معرفة موافقة
الإمام (ع) للمجمعين»(2).
_______________
(2) فرائد
الاصول ص 51.
وعليه فاذا
حصل العلم للفقيه بقول المعصوم (ع) من فتوى جماعة
بحكم يدعي الاجماع عليه، وإذا اتفق له بعد ذلك حصول
العلم بقول المعصوم (ع) من فتوى جماعة آخرين على
خلاف الحكم الاول يدعي الاجماع على الثاني، حيث
ينكشف له خطأ الدعوى الاولى، فيحدث التناقض بين
دعوييه. ومثله اختلاف الفقيهين في دعوى الاجماع.
قال المحقق الحلي: «وأما الاجماع فعندنا هو حجة
بانضمام المعصوم (ع)، فلو خلا المائة من فقهائنا عن
قوله (ع) لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما
حجة، لا باعتبار اتفاقهما، بل باعتبار قوله (ع)، فلا
تغتر إذن بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة
والعشرة من الاصحاب مع جهالة قول الباقين، إلا مع
العلم القطعي بدخول الإمام (ع) في الجملة»(1).
وقريب منه
كلام السيد المرتضى، والعلامة الحلي(2).
لكن تسمية
هذا المعنى إجماعاً مخالف لمعنى الاجماع لغة
وعرفاً. ولذا قال الشيخ الانصاري: «إنهم قد تسامحوا
في إطلاق الاجماع على اتفاق الجماعة التي علم دخول
الإمام (ع) فيها لوجود مناط الحجية فيه، وكون وجود
المخالف غير مؤثر شيئاً، وقد شاع هذا التسامح...
فالنكتة في التعبير عن الدليل بالاجماع مع توقفه
على ملاحظة انضمام مذهب الإمام (ع) الذي هو المدلول
الى الكاشف عنه، وتسمية المجموع دليلا، هو التحفظ
على ما جرت سيرة أهل الفن من ارجاع كل دليل الى احد
الادلة المعروفة بين الفريقين، أعني الكتاب،
والسنة، والاجماع، والعقل. ففي إطلاق الاجماع على
هذا مسامحة الخ»(3).
واعتذر
الشهيد الاول عن تناقض الاجماعات المنقولة بأمور
فقال: «يثبت الاجماع بخبر الواحد مالم يعلم خلافه،
لانه إمارة قوية كروايته. وقد اشتمل كتاب (الخلاف _
والانتصار _ والسرائر _ والفقيه) على اكثر هذا
الباب، مع ظهور المخالف في بعضها حتى من الناقل
نفسه. والعذر، إما بعدم اعتبار المخالف المعلوم
المعين كما سلف. وإما تسميتهم لما اشتهر إجماعاً.
وإما بعدم الظفر حين ادعي الاجماع بالمخالف. وإما
بتأويل الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى
الاجماع، وإن بعد، كجعل الحكم من باب التخيير. وإما
إجماعهم على روايته، بمعنى تدوينه في كتبهم
منسوباً الى الأئمة (ع) (4).
_______________
(1) المعتبر
ص 6.
(2) فرائد
الاصول ص 49.
(3) فرائد
الاصول ص 49 _ 50.
(4) الذكرى ص
4.
وقيل في
الاعتذار عن ذلك ايضاً: إن أصول الحديث كانت بأيدي
القدماء «وربما اختلفت الاخبار في ذلك الحكم
بالتقية وعدمها، والجواز والكراهة ونحوها، فيدعي
كل منهم الاجماع على ما يؤدي اليه نظره وفهمه من تلك
الاخبار، بعد اشتمال اكثر تلك الاصول او كلها على
الاخبار المتعلقة بما يختاره، ويؤدي اليه نظره..(1).
_
_______________
(1) الحدائق
ج 1 ص 39 _ 40.
وحيث كان
للقدماء اصطلاحات خاصة في دعوى الاجماع، كيف يصلح
دليلا لنا، كما في مسألتنا هذه.
|