اختلاف
مباني الفقهاء
الرابع: إن
مباني الفقهاء مختلفة في العمل بالاخبار.
1 _ فيرى
بعضهم حجية خبر كل مسلم لم يظهر منه فسق وإن لم يوثق
او يمدح، لان عدم الفسق ليس شرطاً في قبول خبر
المسلم، وإنما ظهور الفسق يكون مانعاً من قبوله،
لقوله تعالى «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا الخ»(2).
فمتى لم
يعلم الفسق لا يجب التثبت، لان الاصل عدم الفسق في
المسلم، وصحة قوله.
نسب الشهيد
الثاني هذا القول الى بعض آراء الشيخ الطوسي، من
اجل «أنه كثيراً ما يقبل خبرغير العدل، ولا يبين
السبب». وقال: «وبهذا احتج من قبل المراسيل». لكنه
نسب الى أئمة الحديث، والاصول الفقهية اشتراط
عدالة الراوي. كما نسب الى الاكثر اشتراط الايمان
والعدالة معاً.
2 _ ونسب الى
جماعة الاكتفاء في ثبوت العدالة بظاهر الإسلام،
ولم يشترطوا ظهورها(3). وقال الشيخ الاصفهاني في
(الفصول) _ عند البحث عن عدالة الراوي _: «الثاني ما
حكي عن جماعة من المتقدمين من أنها عبارة عن
الإسلام مع عدم ظهور الفسق. وعن (الخلاف) دعوى
الاجماع عليه الخ».
_______________
(2) الحجرات
/ 7.
(3) الدراية
للشهيد الثاني ص 26 _ 27 _ 65.
لكن
المشهور فتوى وعملا بحيث لا نعرف فيه خلافاً في
العصور الاخيرة عدم الاكتفاء بالإسلام في ثبوت
العدالة وإنما الإيمان شرط فيها لابد من إحرازه.
ومن
المستبعد أن يريد اولئك الجماعة اجراء جميع أحكام
العدالة على ظهور الإسلام حتى جواز الايتمام في
الصلاة، وقبول الشهادة في الحكم والقضاء. ويكشف عن
ذلك تفصيل الشيخ الطوسي بين العدالة المعتبرة في
قبول الرواية فاكتفى فيها بوثاقة الراوي وسماها
عدالة، وبين العدالة المعتبرة في الشهادة وفي
ترجيح أحد الخبرين المتعارضين فلم يكتف بذلك. فقال
«... وأما العدالة المراعاة في ترجيح احد الخبرين
على الآخر فهو أن يكون الراوي معتقداً للحق
مستبصراً ثقة في دينه متحرجاً من الكذب، غير متهم
فيما يرويه الخ». وقال «فاما من كان مخطئاً في بعض
الافعال، او فاسقاً بافعال الجوارح، وكان ثقة في
روايته متحرزاً فيها فان ذلك لا يوجب رد خبره،
ويجوز العمل به، لان العدالة المطلوبة في الرواية
حاصلة فيه، وانما الفسق بافعال الجوارح يمنع من
قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولاجل ذلك
قبلت الطائفة اخبار جماعة هذه صفتهم»(1).
_
_______________
(1) عدة
الاصول ص 60، وما بعدها.
3 _ ويرى
جماعة وجوب العمل بجميع اخبار الكتب الاربعة، بل
بجميع اخبار الكتب الموثوق بها حتى ادعي عليه
الاجماع، كما سبق ويأتي.
4 _ ويرى
آخرون عدم احتياج مشائخ الاجازة الى توثيق،
فيعملون باخبارهم اجمع وان لم يوثقوا.
5 _ وبنى
بعضهم على كفاية الظن في باب التوثيق لانسداد باب
العلم بعدالة الرواة، كما سيأتي البحث عنه.
6 _ وحكي عن
احمد بن محمد بن خالد البرقي ووالده وجمع من العامة
الاستدلال على حجية الخبر المرسل اذا كان المرسل له
ثقة، بان «رواية الفرع عن الاصل تعديل له، لان
العدل لا يروي إلا عن العدل وإلا لم يكن عدلا، بل
كان مدلساً، وغاشاً "(1).
فلا حاجة
بعد ذلك الى التفتيش عن حال من روى عنه العدل، لثبوت
عدالته بروايته عنه.
7 _ واعتمد
الشيخ الصدوق في تصحيح الاخبار على شيخه محمد بن
الحسن بن الوليد، وصرح: بان ما صححه شيخه المذكور هو
الصحيح، ومالم يصححه فمتروك، وغير صحيح(2).
8 _ وعمل
الشيخ الانصاري بروايات بني فضال اذا صح السند
اليهم مطلقاً، وان ارسلوا الحديث، فهم بمنزلة
اصحاب الاجماع عنده. واستند في ذلك الى ما رواه
الحسين بن روح _ رضوان الله عليه _ عن الإمام العسكري
(ع): انه سئل عن كتب بني فضال. فقال (ع): خدوا بما رووا،
وذروا ما رأوا»(3). ولذا قال الشيخ الانصاري _ عند
ذكره لرواية داود بن فرقد الواردة في الاوقات _:
«وهذه الرواية، وان كانت مرسلة، إلا ان سندها الى
الحسن بن فضال صحيح. وبنو فضال ممن امر بالاخذ
بكتبهم، ورواياتهم الخ»(4).
__________________
(1) مقباس
الهداية ص 48.
(2) الفقيه ج
2 ص 55.
(3) الوسائل
ح 14 ب 11 _ صفات القاضي.
(4) صلاة
الشيخ الأنصاري ص 2.
لكن
استاذنا المحقق اورد على ذلك، اولاً: بضعف سند هذه
الرواية الواردة في بني فضال، حيث رواها الشيخ
الطوسي، عن ابي الحسين بن تمام، عن عبد الله
الكوفي، وكلاهما لم يوثقا. وثانياً: بأن المستفاد
منها ان بني فضال وان كانوا من الفطحية، إلا انهم
كسائر الثقات الآخرين من الإمامية، فلا يضر
انحرافهم رأياً في قبول رواياتهم، لا انها تقبل
باجمعها، وان رووا عن ضعيف، او ارسلوا الحديث، وإلا
لكانوا اعلى قدراً من زرارة، ومحمد بن مسلم،
ونظائرهما من فقهاء الرواة، واعاظم الإمامية.
وعليه
فقبول كثير من الفقهاء أحاديث أصحاب الاجماع
مطلقاً، لاجل هذه المباني الخاصة ونظائرها، لا
يكون حجة على فقيه يرى بطلان تلك المباني.
مناقشة
أدلة حجية هذا الاجماع
وبما قرأته
وتقرؤه ظهر وهن الوجوه التي ذكروها لدلالة هذا
الاجماع على أخبار اولئك الجماعة مطلقاً، وسبق
بيانها، وانها اربعة.
الأول:
كونه اجماعاً تعبدياً، وكاشفاً عن رأي المعصوم (ع)،
وسبق انه اضعف الوجوه(1).
__
_______________
(1) انظر ص 49
_ 51.