حول تزكية
الراوي
وثالثاً:
بأن توثيق الراوي، وتزكيته في تلك الكتب، مستند الى
سبر حياته، ومعرفة اقواله، وأفعاله الكاشفة عن
وثاقته تارة، وضعفه اخرى لانها امارات يعرف بها حال
الرجل، وتقواه. ولا اشكال في الاعتماد عليها لدى
الشرع، والعرف، في الجرح، والتعديل. فيبتني عليها
الحكم بعدالته ليؤتم به في الصلاة، وتقبل شهادته،
وينفذ حكمه في القضاء اذا كان مجتهداً كما يبتني
عليها الحكم بفسقه، فلا يصح ذلك كله.
فتوثيق
الرجالي للراوي شهادة منه بوثاقته. فان اكتفي بخبر
الثقة الواحد في الموضوعات فهو، وإلا لزم التعدد،
والعدالة، كسائر الامور التي يتوقف ثبوتها على
البينة، وقد التزم بذلك بعض المحققين(1).
وصرح الشيخ
الانصاري _ عند البحث عن حجية قول اللغويين _: ب «ان
المتيقن من هذا الاتفاق هو الرجوع اليهم مع اجتماع
شرائط الشهادة من العدد والعدالة، ونحو ذلك لا
مطلقاً!. ألا ترى أن أكثر علمائنا على اعتبار
العدالة فيمن يرجع اليه من اهل الرجال، بل وبعضهم
على اعتبار التعدد. والظاهر اتفاقهم على اشتراط
التعدد، والعدالة في اهل الخبرة في مسألة التقويم،
وغيرها »(2). واين هذا من دعوى الاجماع على التصحيح،
فانها اجنبية عن الشهادة، فكيف يصح قياسها
بالتوثيق.
وحيث كان
التوثيق من باب الشهادة فلابد وأن يصدر عن حسن،
لعدم قبول الاخبار الحدسي فيها، كما في خبر الثقة
في الأحكام. ولذا قال الشيخ الأنصاري - عندما نفى
الملازمة بين حجية الخبر وحجية الاجماع المنقول -:
" ان الأدلة الخاصة التي أقاموها على حجية خبر
العادل لا تدل الاّ على حجية الاخبار عن حسن
الخ"(3).
_______________
(1) منتقى
الجمان ج 1 ص 14.
(2) فرائد
الاصول ص 46.
(3) فرائد
الاصول ص 47.
وقال: «...
فيما ذهب اليه المعظم، بل اطبقوا عليه، كما في
(الرياض) من عدم اعتبار الشهادة في المحسوسات اذا لم
يستند الى الحس وان علله في (الرياض) بما لا يخلو عن
نظر: من أن الشهادة من الشهود وهو الحضور، فالحس
مأخوذ في مفهومها. والحاصل انه لا ينبغي الاشكال في
ان الإخبار عن حدس، واجتهاد، ونظر، ليس حجة إلا على
من وجب عليه تقليد المخبر في الاحكام الشرعية
الخ»(1).
نعم لا
يشترط الجزم بكون الإخبار حسياً، بل يكفي احتمال
صدوره عنه، فلو اخبر النجاشي عن وثاقة راوي، وشككنا
في استناده الى حس أو حدس، قبلنا خبره، لقيام
السيرة على كفاية احتمال الحس في قبول خبر الثقة،
فلو اخبر عن موت رجل قبل العقلاء خبره، سواء علموا
بانه اخبر عن حس ومشاهدة، او احتملوا فيه ذلك، كما
احتملوا ان يكون اخبر عن حدس، بان سمع صياحاً من جهة
داره فاعتقد انه قد مات.
اما اذا لم
يحتمل الحس في التوثيق فلا يقبل، ولاجله نوقش في
توثيقات الرواة التي يرسلها المتأخرون بدعوى عدم
احتمال وجود طريق معتبر لهم يتصل بمن احس بوثاقتهم،
للفصل الطويل بين الموثق والموثق وسيأتي البحث عن
ذلك.
وعليه
فحصول الحدس بوثاقة من روى عنه اصحاب الاجماع لا
يجدي في ثبوت وثاقتهم. والتوثيق في كتب الرجال لا
يقبل منه إلا الحسي قطعاً او احتمالا، فلا يقاس به
الحدسي المحض.
وهناك وجوه
اخرى في شأن التوثيق استدل بها على كفاية تزكية
الواحد في ثبوت الوثاقة.
أولها: ان
«التزكية فرع الرواية، فكما(2) لا يعتبر العدد في
الاصل فكذا في الفرع»(3)، لان الاحتياط في الفرع لا
يزيد على الاحتياط في الاصل. واشتهر الاستدلال بذلك
بين المتأخرين. لكن نوقش بعدة وجوه(4).
______________
(1) فرائد
الاصول ص 48.
(2) الوارد
في المصدر لفظ «فكلما» والصحيح ما ذكرناه.
(3) الدراية
للشهيد الثاني ص 69.
(4) مقباس
الهداية ص 59.
ثانيها: ان
التزكية بنفسها رواية مقابل القول بانها شهادة.
وعلى هذا الاختلاف في حقيقتها بنى كثير من الفقهاء
الخلاف في كفاية تزكية الواحد وعدمها، حيث يكتفى به
في الاول دون الثاني.
وناقش فيه
المحقق القمي: بان الرواية لها اطلاقان، احدهما،
الخبر المصطلح الذي هو احد أدلة الفقه. ثانيهما:
الخبر المقابل للانشاء. والتزكية ليست من الاول
ليشملها دليل حجية خبر الواحد في الاحكام، ولم يقم
دليل على كفاية الواحد في مطلق الخبر(1).
لكن
استاذنا المحقق الحكيم قد استدل على كفاية تزكية
الواحد الثقة بما دل على حجية خبره في الاحكام،
باعتبار ان التوثيق بمدلوله الالتزامي يؤدي الى
الحكم الكلي(2). ولنا تعليق عليه في مبحث آخر.
ومقتضى
هذين الوجهين عدم صحة قياس هذا الاجماع بالتوثيق
الرجالي.
ثالثها: ان
حجية خبر الواحد لما كانت من باب الاطمئنان
العقلاني واشتراط العدالة تنبيه على ان خبر العادل
مفيد له دون خبر الفاسق، فلا شبهة في كفاية تزكية
الواحد اذا افاد الاطمينان(3).
______________
(1) قوانين
الاصول ص 464، وما بعدها.
(2)
المستمسك ج 1 ص 30 _ 31.
(3) مقباس
الهداية ص 59.
ومقتضى هذا
الوجه كون العبرة بالاطمينان، ولا اشكال في حجيته
لو حصل لشخص، سواء كان مصدره تزكية الواحد، او هذا
الاجماع او غيرهما. لكن الاشكال في حصول الاطمينان
بوثاقة من روى عنه اصحاب الاجماع بعد المناقشات
السابقة فيه.
رابعها: ان
الاكتفاء بتزكية الواحد من باب الظنون الاجتهادية
المرجوع اليها عند انسداد باب العلم»(1).
ومقتضاه
كفاية الظن بالوثاقة وان حصل من هذا الاجماع. لكنه
يتوقف على القول: بانسداد باب العلم في توثيقات
الرواة. وسيأتي البحث عنه. على انه يمكن النقاش في
حصول الظن بالوثاقة من هذا الاجماع، لما سبق من
النقاش فيه.
___________
___
_______________
(1) قوانين
الاصول ص 467.