اصحاب
الاجماع لا يروون إلا عن ثقة
الرابع: ان
أصحاب الاجماع لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة؛
فيلزم العمل باحاديثهم لذلك. وهذه الدعوى لم تثبت
بالصراحة في حق جميع اولئك الجماعة، وانما ذكرها
الشيخ الطوسي في ثلاثة منهم، محمد بن ابي عمير،
وصفوان بن يحيى، واحمد بن محمد بن ابي نصر، وعطف
عليهم «غيرهم من الثقات الذين عرفوا: بانهم لا
يروون، ولا يرسلون إلا عمن يوثق به » على ما سبق(1)،
ولذا نقل الشهيد في (الذكرى) وغيره عن فقهائنا، قبول
مراسيل اولئك الثلاثة فحسب. للنص عليهم والاجمال في
غيرهم. هذا بلحاظ الاصل والقاعدة.
وأما عند
العمل والتطبيق فنراهم اغفلوا البزنطي، وصفوان،
وخصوا ابن ابي عمير بالذكر، ولاجله أورد الشيخ
المامقاني بقوله: «... ونراهم في الفقه لم يلتزموا
بذلك إلا في حق ابن ابي عمير، ولا ارى للقصر عليه
وجهاً، لان المستند في حق مراسيل ابن أبي عمير هو
الاجماع المزبور، وهو مشترك بينهم، فقبوله في ابن
ابي عمير، والاغماض عنه في يونس وصفوان، والبزنطي
مما لم افهم وجهه»(2).
__________________
(1) انظر ص 41.
(2) مقباس
الهداية ص 49.
ويورد على
الشيخ المامقاني بذكره ليونس مع الثلاثة، ولم
يذكره الشيخ الطوسي في كلامه. كا يورد على الوحيد
البهباني باهماله للبزنطي في قوله _ عند ذكر امارات
الوثاقة _: «ومنها رواية صفوان بن يحيى، وابن ابي
عمير عنه، فانها إمارة الوثاقة، لقول الشيخ في
(العدة): إنهما لا يرويان إلا عن ثقة»(1).
مع ان
الشيخ الطوسي عد البزنطي ثالثاً لهما. نعم ألحقه
الوحيد بهما في ذيل كلامه، لكنه لا وجه لفصله عنهما
اولا ليحتاج الى الحاقه.
وناقش
الشيخ النوري الفقهاء في قبول مراسيل اولئك
الثلاثة فحسب وعده من الخطأ المحض، وصرح: بان الشيخ
الطوسي ناظر الى اصحاب الاجماع، وانهم لا يروون،
ولا يرسلون إلا عن ثقة، ومقتضاه قبول مراسيلهم
جميعاً. وقال: «إلا ان المنصف المتأمل في هذا الكلام
لا يرتاب في ان المراد من قوله: من الثقات الذين
الخ، أصحاب الاجماع المعهودين اذ ليس في جميع ثقات
الرواة جماعة معروفون وبصفة خاصة مشتركون فيها
ممتازون بها عن غيرهم غير هؤلاء، فان صريح كلامه ان
فيهم جماعة معروفين(2) عند الاصحاب بهذه الفضيلة،
ولا تجد في كتب هذا الفن من طبقة الثقات عصابة
مشتركين في فضيلة غير هؤلاء»(3).
____________
(1) تعليقة
منهج المقال ص 10.
(2) الوارد
في النص (معروفون) ولكنه غلط.
(3) مستدرك
الوسائل ج 3 ص 758.
لكن هذا
يتوقف على الجزم بان الشيخ الطوسي ناظر في كلامه
الى أصحاب الاجماع، فيشترك الجميع في هذا الحكم،
ولا يختص بأولئك الثلاثة، لكنه لم يثبت. ولم يحتمله
احد من كلامه، ولذا استدل القائلون بحجية أحاديث
اصحاب الاجماع بعدة وجوه، ولم يشيروا إلى كلام
الشيخ ولو جرى فيهم لكان اولى بالذكر.
والذي يبدو
لي من كلام الشيخ الطوسي انه بصدد بيان كبرى كلية
وهي قبول مراسيل كل من علم بأنه لا يرسل إلا عن ثقة،
ثمّ طبقها على اولئك الثلاثة، لأنهم بعض مصاديقها.
وعليه فتحتاج عند تطبيقها على غيرهم الى احراز عدم
ارسالهم عن غير الثقة. ولذا اختلف الفقهاء في
مراسيل بعض الاعاظم، فقبلها جماعة لما احرزوا ذلك
منهم، وردها آخرون لعدم احرازه، على ما سيأتي.
نعم سبق أن
جماعة فسروا جملة (تصحيح ما يصح عن اصحاب الاجماع)
بقبول ما صح عنهم من الاحاديث مطلقاً، بلا فرق بين
مسانيدهم ومراسيلهم، ومرافيعهم، ومقاطيعهم، فتكون
مراسيلهم حجة لهذا الاجماع لا لما ذكره الشيخ
الطوسي. ولذا قال الشيخ محمد حسن في (جواهره) (1) عند
ذكره مرسلاً لحريز: «وخبر حريز وإن كان مرسلا، إلا
انه في السند حماد، وهو ممن اجمعت العصابة على
(تصحيح ما يصح عنه)، فلا يقدح ضعف من بعده». لكنه سبق
الاشكال على هذا الاجماع من عدة وجوه، فلا يصلح
مدركاً لحجية مراسيل اولئك الجماعة.
|