تحقيق البحث

والتحقيق أن مدرك القول: بأن اولئك الثلاثة لا يروون، ولا يرسلون إلا عن ثقة، احد امور ثلاثة ذكرها الشهيد الثاني في (درايته) موجزاً(1) وبسطنا البحث والجواب عنها هنا.

_______________

(1) الدراية للشهيد الثاني ص 48 _ 49.

الاول: استقراء حال جميع من يروون، ويرسلون عنه من الرواة فلم ير فيهم ضعيف. والجواب عنه.

أولا: عدم تصريح احد بذلك الاستقراء.

وثانياً: عدم إمكانه في المراسيل للجهل بمن ارسل عنه، خصوصاً مراسيل ابن ابي عمير التي امتازت على غيرها. ولذا قال الشهيد الثاني: إن دون اثبات هذا المعنى خرط القتاد، وإن صاحب (البشرى) نازعهم في ذلك. فان ابن ابي عمير قد اضطر الى الارسال بسبب ضياع كتبه، فهو نفسه قد غاب عنه اسماء بعض الذين روى عنهم، فكيف يمكن لغيره الاطلاع عليهم، ليعرف حالهم.

قال الشيخ النجاشي في ابن أبي عمير: «وقيل: إن أخته دفنت كتبه في حالة استتاره وكونه في الحبس اربع سنين، فهلكت الكتب، وقيل بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدّث من حفظه، ومما كان سلف له في ايدي الناس، فلهذا اصحابنا يسكنون الى مراسيله»(1) ولا ندري كيف صار ضياع كتبه، وتلفها سبباً للسكون الى مراسيله.

وقال الشيخ الكشي: «وذهبت كتب ابن ابي عمير، فلم يخلص كتب احاديثه فكان يحفظ أربعين مجلداً، فسماه نوادر، فلذلك يوجد احاديث متقطعة الاسانيد»(2).

__

___
_______________

(1) رجال النجاشي ص 229.

(2) رجال الكشي ص 363.

وثالثاً: أنه ثبت رواية اولئك الثلاثة عن بعض الضعفاء، فلم يبق وثوق للاخذ بتلك الكلية المدعاة، وهي: لا يروون إلا عن ثقة.

الثاني: شهادة اولئك الثلاثة واخبارهم: بانهم لا يروون، ولا يرسلون الا عن ثقة. والجواب عنه.

أولا: عدم نقل احد تلك الشهادة عن اولئك الثلاثة، فلا طريق لثبوتها.

وثانياً: انها كسائر الشهادات بتعديل الرواة يمكن معارضتها بجرح الثقات الآخرين لهم على تقدير ثبوته، وبما ان الراوي مجهول في المراسيل لم يثبت عدم جرحه ليخلص توثيقه عن المعارض. ولذا قال الشهيد الثاني: «اذا قال الثقة: حدثني ثقة، ولم يبينه لم يكف ذلك الاطلاق والتوثيق في العمل بروايته، وان اكتفينا بتزكية الواحد، اذ لابد على تقدير الاكتفاء بتزكيتة من تعيينه، وتسميته لينظر في امره، هل اطلق القوم عليه التعديل او تعارض كلامهم فيه، او لم يذكروه. لجواز كونه ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده _ أي عند هذا الشاهد بثقته _ وانما وثقه بناء على ظاهر حاله، ولو علم به لما وثقه. وأصالة عدم الجارج مع ظهور تزكيته غير كاف في هذا المقام اذ لابد من البحث عن حالة الرواة على وجه يظهر به احد الامور الثلاثة من الجرح، او التعديل، او تعارضهما، حيث يمكن»(1).

نعم اختار جماعة كفاية مثل هذا التوثيق، بدليل ان العبرة في باب الجرح، والتعديل بالظن، وهو يحصل من ذلك. قال الوحيد البهبهاني عند ذكر امارات الوثاقة، والمدح: «ومنها ان يقول الثقة: حدثني الثقة وفي افادته التوثيق المعتبر خلاف معروف. وحصول الظن منه ظاهر، واحتمال كونه في الواقع مقدوحاً لا يمنع الظن، فضلا عن احتمال كونه ممن ورد فيه قدح كما هو الحال في سائر التوثيقات، فتأمل الخ»(2).

___

___
_______________

(1) الدراية للشهيد الثاني ص 73.

(2) تعليقة منهج المقال ص 11.

فالاكتفاء بمثل هذا التوثيق يبتني على القول بكفاية الظن بالوثاقة. وسيأتي البحث عنه في مبحث (انسداد باب العلم في التوثيقات).

واكتفى المحقق الحلي بقول الراوي: اخبرني بعض اصحابنا. اذا عنى الامامية وإن لم يصفه بالعدالة اذا لم يصفه بالفسق. وعلل ذلك بقوله: «لان اخباره بمذهبه شهادة بانه من اهل الامانة ولم يعلم منه الفسق المانع من القبول. فان قال: عن بعض اصحابه. لم يقبل، لامكان ان يعني نسبته الى الرواة واهل العلم، فيكون البحث فيه كالمجهول».

وقد تعجب منه الشيخ حسن بن الشهيد الثاني بد اشتراطه العدالة في الراوي. واورد عليه بان الاصحاب لا ينحصرون في العدول. على ان «التعديل انما يقبل مع انتفاء معارضة الجرح له، وانما يعلم الحال مع تعيين المعدل وتسميته لينظر هل له جارح الخ»(1).

__

_______________

(1) معالم الاصول ص 198.

وثالثاً: ثبوت رواية اولئك الثلاثةعن بعض الضعفاء، فنحتمل ان يكون هو الذي ارسلوا عنه فكيف يصح الاخذ بمراسيلهم.

الثالث: ان حسن الظن باولئك الثلاثة لورعهم، واحتياطهم في امور الدين يقضي بان لا يروون، ولا يرسلون الا عن ثقة. والجواب عنه.

أولا: ان الورع والاحتياط لا يختص باولئك، بل يوصف به كثير من رواة احاديث أهل البيت (ع)، فيلزم العمل بجميع ما رووه مسانيد ومراسيل، اخذاً بقاعدة (حسن الظن)، بل متى حسن الظن براوي انه لا يروي، ولا يرسل الا عن ثقة لزم العمل باحاديثه، وان لم يكن من وجوه الرواة.

وثانياً: ان ذلك اجتهاد ممن ادى حسن ظنه بهم الى تلك النتيجة لا شهادة بوثاقة من ارسلوا او رووا عنه، فيختص الحكم بمن اجتهد بذلك وحصل له الوثوق دون غيره. وسبق ان الشيخ الطوسي اعطى قاعدة كلية وهي قبول مراسيل كل من علم: بانه لا يرسل إلا عن ثقة، وطبقها على اولئك الثلاثة، فاذا علم الفقيه ذلك من حال راوي لزمه العمل بمراسيله.

ولذا حكي عن الشيخ محمد بن الحسن الحر في (التحرير)، والشيخ البهائي في شرح (الفقيه)، وظاهر الفاضل السبزواري في (الذخيرة)، جعل مراسيل الصدوق كالمسانيد. وقال الفاضل المقداد في (التنقيح) في حق الشيخ الطوسي: «ومثله لا يرسل إلا عن ثقة». كما قال في حق ابن ابي عقيل مثله. وقال الشهيد في (الذكرى) عند ارسال ابن الجنيد رواية عن اهل البيت (ع): «وارساله في قوة المسند، لانه من اعاظم العلماء» ومقتضى هذا التعليل قبول مراسيل الاعاظم مطلقاً. وقال صاحب (التكملة) إن مراسيل النجاشي كالمسانيد.

قال الشيخ المامقاني بعد نقل ذلك: «يظهر مما سمعته من الشهيد في (الذكرى)، والفاضل المقداد في (التنقيح) القول: بان كل ثقة لا يرسل، ولا يروي الا عن ثقة الخ»(1).

وسبق نقله ذلك عن جماعة بدليل ان «رواية الفرع عن الاصل تعديل له، لان العدل لا يروي الا عن العدل وإلا لم يكن عدلا، بل كان مدلساً وغاشاً»(2). وضعفها ظاهر.

ولما لم يقم دليل يمكن الركون اليه في ان اولئك الثلاثة لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة كانت المناقشة في مراسيل ابن ابي عمير معروفة لدى الاصحاب(3). وصرح جماعة بعدم قبولها. منهم الشهيد الثاني، والسيد ابن طاووس(4)، والمحقق في (المعتبر)، والشيخ محمد السبط(5).

_

___
_______________

(1) مقباس الهداية ص 50.

(2) مقباس الهداية ص 48.

(3) منتهى المقال ص 9.

(4) الدراية للشهيد الثاني ص 48 _ 49.

(5) مقباس الهداية ص 49.

(6) الدراية للشهيد الثاني ص 47.

وحيث انجر البحث الى مراسيل الأحاديث فقد ناسب التحدث عنها ولو موجزاً. فنقول: