مراسيل الأحاديث

عرف الشهيد الثاني المرسل من الاحاديث ب «ما رواه عن المعصوم عليه السلام من لم يدركه». وقال: «والمراد بالادراك هنا التلاقي في ذلك الحديث المحدث عنه، بان رواه عنه بواسطة، وان ادركه بمعنى اجتماعه به ونحوه. وبهذا المعنى يتحقق ارسال الصحابي عن النبي (ص)، بان يروي الحديث عنه (ص) بواسطة صحابي آخر الخ»(6). فتارة تهمل الواسطة لنسيان او غيره، واخرى تذكر بلفظ مبهم، كقول الراوي: عن رجل او عن بعض اصحابنا. ونحوه، والكل مرسل.

واختلف في حجية المرسل، فاختار جماعة حجيته مطلقاً اذا كان المرسل ثقة، سواء كان صحابياً، ام جليلاً ام غيرهما، وسواء اسقط واحداً من السند ام اكثر. وهو المحكي عن البرقي ووالده من الإمامية، وجمع من العامة. منهم الآمدي، ومالك، واحمد، وابو هاشم، واتباعه من المعتزلة، بل حكي عن بعضهم جعله اقوى من المسند واستدلو عليه بامور واضحة الوهن(1).

وادعى الشيخ الطوسي عمل الطائفة بالمراسيل اذا لم يعارضها من المسانيد الصحيحة، كعملها بالمسانيد(2). ومقتضاه حجية المرسل مطلقاً بشرط عدم معارضة المسند الصحيح.

لكن المشهور عدم حجيته. وهو المنسوب الى المحقق، والعلامة، والشهيدين، وسائر من تأخر عنهم من فقهاء الامامية، كما نسب الى الحاجبي والعضدي، والبيضاوي، والرازي، والقاضي ابي بكر، والشافعي، وغيرهم من العامة(3). وجعله الشهيد الثاني اصح الاقوال للاصوليين، والمحدثين مستدلا عليه بقوله: « وذلك للجهل بحال المحذوف، فيحتمل كونه ضعيفاً ويزداد الاحتمال بزيادة الساقط، فيقوى احتمال الضعف. ومجرد روايته عنه ليس تعديلا، بل اعم»(4) فوثاقة الراوي، او حسنه شرط في قبول روايته، ولم يثبت في المرسل. كما لم يثبت ان ابن أبي عمير ونظائره من الثقات لا يرسلون إلا عن ثقة، كي تقبل مراسيلهم مطلقاً. كما التزم به الشافعي في سعيد بن المسيب.

___

___
_______________

(1) مقباس الهداية ص 48.

(2) عدة الاصول ص 63.

(3) مقباس الهداية ص 48.

(4) الدراية للشهيد الثاني ص 48.

نعم لو اعتمدنا على احاديث اصحاب الاجماع مطلقاً، تفسيراً لجملة (تصحيح ما يصح عنهم) بكفاية صحة السند اليهم، صحت مراسيلهم وامتازت على غيرها. لكن سبق الاشكال في اصل الاجماع، وفي تفسير جملته بذلك.

كما انه اذا التزمنا بانجبار ضعف سند الحديث باشتهار عمل الفقهاء به ثبت حجية المرسل الذي عملوا به. ولذا قال استاذنا المحقق الحكيم _ بعد ذكره لمرسلة ايوب بن نوح الواردة في صلاة العاري _: «وإرسالها غير قادح لاعتماد جماعة من الاكابر عليها، كالفاضلين، والشهيدين، والمحقق الثاني، وغيرهم»(1). وسيأتي البحث عن ذلك مفصلا.

_

_______________

(1) المستمسك ج 5 ص 317.

وقد يحصل الوثوق والاطمينان بصدور المرسل عن المعصوم (ع) فيكون حجة لذلك، كما في كل حديث حصل الوثوق بصدوره. ولا يبعد حصوله في بعض المراسيل التي تسالم الفقهاء على العمل بها، كالنبوي الشريف « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي" حيث استدل به الفقهاء على ضمان اليد ما أخذته في عدة مباحث.