4 - الحديث
وَشهرة الفتوى .. (آراء الفقهاء)
اشتهر بين
الفقهاء المتأخرين أن الخبر الضعيف السند ينجبر
بشهرة العمل له، أي بفتوى أكثر الفقهاء بمضمونه،
واستنادهم اليه في مقام استنباط الحكم، فيكون حجة
لذلك. كما اشتهر أن الخبر الصحيح السند يوهن بشهرة
الاعراض عنه، أي باعراض أكثر الفقهاء، وهجرهم له
بالفتوى على خلافه.
قال الشهيد
الثاني: إن جماعة كثيرة أجازوا العمل بالخبر الضعيف
اذا اعتضد بشهرة الفتوى بمضمونه في كتب الفقه.
بتعليل أن ذلك يوجب قوة الظن بصدق الراوي، وإن ضعف
الطريق، فان الطريق الضعيف قد يثبت به الخبر مع
اشتهار مضمونه(1).
يعني صدق
الراوي في خصوص ذلك الحديث الذي اشتهر العمل
بمضمونه لا مطلقاً، وإلا لكان موثقاً، وزال ضعف
الطريق الذي فرض ثبوته. ولذا لا يعامل ذلك الراوي
معاملة الثقات في بقية أحاديثه التي لم يشتهر العمل
بها. فيكون المراد حصول قوة الظن بصدور ذلك الحديث
عن المعصوم (ع).
نعم لو
اشتهر العمل بجميع أحاديثه، ولم ينصّوا على ضعفه
أمكن القول: بأن منشأ ذلك كونه ثقة لكن يضعّفه
احتمال احتفاف أحاديثه لديهم بقرائن أفادتهم
وثوقاً بصدورها عن المعصوم (ع).
وقال اليخ
المامقاني عندما عدّ الأخبار المعتبرة: «ومنهم من
زاد على ذلك الضعيف المنجبر بالشهرة نظراً الى
كشفها عن قرينة شاهدة بصدوره
______________________________
(1) الدراية
ص 27
من مصدر
الحق، وأن الشهرة القائمة على طبق الخبر لا تقصر في
إيراث الوثوق عن التوثيق الرجالي»(1). يعني كشف
الشهرة عن قرينة قائمة لدى أولئك الذين تحققت
الشهرة بفتواهم.
واختاره
المحقق الحلي قائلاً: «والتوسط أصوب. فما قبله
الأصحاب أو دلت القرائن على صحته عُمل به. وما أعرض
الأصحاب عنه، أو شذ يجب إطراحه لوجوه الخ»(2). وقال
عند ذكر خبر رفعه محمد بن احمد بن يحيى: «وهذا وإن
كان مرسلاً إلا أن فضلاء الأصحاب أفتوا بمضمونه»(3).
كما اختاره
المحقق الهمداني بقوله: «... فلا يكاد يوجد رواية(4)
يمكننا إثبات عدالة رواتها على سبيل التحقيق، لولا
البناء على المسامحة في طريقها، والعمل بظنون غير
ثابتة الحجية، بل المدار على وثاقة الراوي أو
الوثوق بصدور الرواية وإن كان بواسطة القرائن
الخارجية التي عمدتها كونها مدوّنة في الكتب
الأربعة، أو مأخوذة من الأصول المعتبرة، مع اعتناء
الأصحاب بها، وعدم إعراضهم عنها... ولأجل ما تقدمت
الاشارة اليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حال
الرجال، والاكتفاء في توصيف الرواية بالصحة كونها
موصوفة بها في ألسنة مشايخنا المتقدمين الذين
تفحّصوا عن حالهم»(5).
وخالف في
ذلك جماعة من المحققين، وبنوا على أن شهرة العمل
بحديث لا تجبر ضعف سنده، وشهرة الاعراض عنه لا توهن
صحته. منهم
______________________________
(1) مقباس
الهداية ص 37.
(2) المعتبر
ص 6.
(3) المعتبر
ص 286.
(4) المذكور
في النسخة المطبوعة (خبر) لكن الضمائر المؤنثة
العائدة عليه تقتضي بأن الصحيح (رواية). ويناسبه
السياق.
(5) مصباح
الفقيه، الصلاة ص 12.
الشهيد
الثاني. فقال: «ووجهه على نحو الايجاز أنا نمنع من
كون الشهرة التي ادعوها مؤثرة في جبر الخبر الضعيف،
فان هذا إنما يتم لو كانت الشهرة متحققة قبل زمن
الشيخ، والأمر ليس كذلك، فان من قبله من العلماء
كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقاً، كالسيد
المرتضى. والأكثر على ما نقله جماعة، وبين جامع
للأحاديث من غير التفات (الى)(1) تصحيح ما يصح، ورد ما
يرد. وكان البحث عن الفتوى مجردة لغير الفريقين
قليلاً جداً، على من اطلع على حالهم. فالعمل بمضمون
الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس
بمتحقق. ولما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية،
جاء مَن بعده من العلماء، واتبعه منهم عليها الأكثر
تقليداً له إلا من شذ منهم. ولم يكن فيهم من يسبر
الأحاديث وينقّب عن الأدلة بنفسه سوى الشيخ المحقق
ابن إدريس، وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد
مطلقاً. فجاء المتأخرون بعد ذلك، ووجدوا الشيخ، ومن
تبعه قد عملوا بمضمون ذلك الخبر الضعيف لأمر ما
رأوه في ذلك، لعل اللّه يعذرهم فيه، فحسبوا العمل
به مشهوراً، وجعلوا هذه الشهرة جابرة لضعفه، ولو
تأمل المنصف، وحرر المنقّب لوجد مرجع ذلك كله الى
الشيخ، ومثل هذه الشهرة لا تكفي في جبر الخبر
الضعيف... وممن اطلع على هذه القاعدة التي بينتها،
وحققتها، ونقبتها من غير تقليد، الشيخ الفاضل
المحقق سديد الدين محمود الحمصي، والسيد رضي الدين
بن طاووس، وجماعة. قال السيد في كتاب (البهجة لثمرة
المهجة): أخبرني جدي الصالح ورّام بن أبي فراس، أن
الحمصي حدّثه أنه لم يبق للامامية مفتي على
التحقيق، بل كلهم حاكٍ. وقال السيد عقيبه: والآن فقد
ظهر أن الذي يفتى به، ويجاب عنه على سبيل ما حفظ من
كلام
______________________________
(1) لم توجد
كلمة (الى) في المصدر، لكنه غلط
العلماء
المتقدمين»(1).
وقال الشيخ
حسن ابن الشهيد الثاني «.... وبأن الشهرة التي تحصل
معها قوّة الظن هي الحاصلة قبل زمن الشيخ - رحمة
اللّه - لا الواقعة بعده وأكثر ما يوجد مشهوراً في
كلامهم حدث بعد زمان الشيخ، كما نبه عليه والدي في
كتاب (الرعاية) الذي ألفه في دراية الحديث الخ» ثم
ساق كلام والده الشهيد ملخصاً(2).
وقال
المحقق الأصبهاني في (شرح الكفاية): «نعم الانصاف أن
استناد المشهور اذا كشف عن ظفر الكل بموجب الوثوق
كان ذلك مفيداً للوثوق نوعاً. لكنه غالباً ليس
كذلك، بل الغالب في تحقق الشهرة تبعية المتأخر
للمتقدم في الاستناد الى ما استند اليه لحسن ظنه به
واللّه أعلم»(3) واختاره استاذنا المحقق الخوئي.
____________________________________
(1) الدراية
للشهيد الثاني ص 27 ، وما بعدها.
(2) معالم
الأصول ص 168 - 169.
(3) نهاية
الدراية ج 2 ص 166.
|