الشهرة
بين المتأخرين
وصرح
جماعة، منهم الشهيد الثاني وولده في كلامهما
السابق، والشيخ الأنصاري(4)، بأن الشهرة الصالحة
للجبر والتوهين هي الشهرة لدى قدماء الأصحاب، فلا
عبرة بما اشتهر بين المتأخرين منهم.
وبهذا يقضي
استدلالهم على اعتبار الشهرة بأنها تكشف عن قرينة
شاهدة بصدور الحديث عن المعصوم (ع)، فان القرائن
الشاهدة بذلك توفرت لدى القدماء، وخفت على
المتأخرين، كما سبق في مبحث (تنويع
______________________________
(4) المكاسب
ص 8
الحديث).
ولذا قال الشيخ المامقاني في الايراد على من لم
يعتبر الشهرة «إن هذا المنع مما لا وجه له، فان من
لاحظ كثرة القرائن للمقاربين لعهد الأئمة - عليهم
السلام - واختفاءها علينا اطمأن من اشتهار العمل
بالخبر الضعيف بصدوره من مصدر الحق الخ».
ومع ذلك
صرح بكفاية الشهرة الحاصلة بعد زمن الشيخ. فقال:
«ضرورة أن المدار على الوثوق والاطمئنان، فاذا حصل
من الشهرة الحاصلة بعد زمن الشيخ فما المانع من
جعلها بمنزلة توثيق الشيخ، ومن تأخر عنه»(1).
وتعدى
بعضهم عن ذلك الى كفاية الشهرة ولو في آخر طبقة من
طبقات الفقهاء فقط، فتكون حجة لمن يأتي بعدها. فقال:
«ثم إنه هل المراد بالأصحاب خصوص القدماء منهم، أو
كل طبقة بالنسبة لمن تأخر عنها احتمالان. والذي
يظهر من تعليلات الجابرية في كلامهم هو الأول ولكن
الظاهر عدم الخصوصية، لاتحاد المناط، أعني الوثوق،
فانه متى حصل كل مشمولاً لآية النباء والمستفاد منه
مطلق الوثوق من مطلق السبب لا وثوق خاص».
ويورد عليه
بأن مراده بالوثوق الحاصل من تلك الشهرة، إن كان
شخصياً فمن المستبعد جداً حصوله لشخص في كل مورد،
وعلى فرض حصوله يكون حجة بالنسبة اليه دون غيره. وإن
كان نوعياً، كما هو الظاهر من قياس الشهرة في كلام
بعضهم بالتوثيق الرجالي المفيد للوثوق نوعاً
فسيأتي النقاش فيه من أجل اختلاف مباني الفقهاء في
العمل بالأخبار مع أن المفروض هنا اختصاص الشهرة
ببعض العصور المتأخرة، فلا يصح القول: بأنها تكشف
عن قرينة تشهد بصدور الخبر عن المعصوم (ع) بحيث خفت
على جميع الفقهاء القدامى والمتأخرين دون أولئك
الجماعة الذين عملوا به. واحتمال وجودها لا يجدي
نفعاً. واستدلاله بآية النباء على كفاية
______________________________
(1) مقباس
الهداية ص 37.
الوثوق
بالصدور - على فرض حصوله - سيأتي البحث عنه.
على أن ما
اختاره ينافي قوله في صدر كلامه: «وهذا النوع من
الأخبار يحصل الوثوق بصدوره، لأن سلفنا الصالح -
رضوان اللّه عليهم - كانوا أقرب منا عهداً، وأعرف
بالأخبار، ورواتها، فعملهم بالضعيف لا بد وأن يكون
من جهة احتفافه بقرائن كانت عندهم موجبة للأخذ به».
وقال: «ولا
سيما بعد ملاحظة ما كان عليه السلف من الورع،
والتثبت وقرب العهد الخ».
وهو صريح
في أن الوثوق إنما يحصل من عمل القدماء، لقرب عهدهم
بعصر المعصومين (ع).
ومع ذلك
يقول في تمهيد كتابه، عند ذكر وهن الخبر بإعراض
المشهور: «ويعللها ضعفاء المدرّسين بأن الأصحاب
أقرب عهداً، وأعرف بالأخبار، وهو - كما تراه -
استدلال على الظني بمثله، وعلى حجية الشيء بما لا
حجية فيه»(1). وهذا تهافت ظاهر، حيث ندّد بما استدل
به. والعصمة لأهلها.
______________________________
(1) انظر
قواعد الفقيه ص ح - 26 - 34 - 35.
|