تحقيق البحث

وتحقيق البحث يستدعي النظر أولاً: في شهرة العمل بالحديث، وجبرها لضعف سنده. وثانياً: في شهرة الاعراض عنه، وتوهينها لصحته.

أما شهرة العمل فالبحث عنها في جهات. الأولى: في إمكان إحرازها الثانية: في حصول الوثوق منها بصدور الحديث عن المعصوم (ع) الثالثة: في حجية الحديث الموثوق بصدوره لأجلها.

أما الأولى فقد سبق نقاش الشهيد الثاني فيها، لأن العبرة بعمل القدماء بمضمون الخبر، ولم يحرز، لأنهم بين مانع من العمل بخبر الواحد مطلقاً كالسيد المرتضى، فلا نحتمل استناد فتياه اليه، خصوصاً مع ضعف سنده. ولذا ادعى السيد الاجماع في كثير من فتاواه. واحتمال كون الخبر متواتراً لديه لا يثبت استناد فتياه اليه. وبين جامع للأحاديث بدون فتوى، وبلا تمييز بين ما يصح منها عن غيره، ولو للبناء على صحة جميعها عنده، كالكليني في كتابه (الكافي). وبين جامع لفتاوى مجردة عن الدليل، فلم يعلم مستنده غالباً فيها، مثل الشيخ المفيد في كتابه (المقنعة).

ومحض موافقة الفتوى لمضمون الحديث لا تصلح لجبر ضعفه حتى عند القائلين بالجبر، وإنما العبرة في ثبوت الاستناد اليه. ولذا قال المحقق الهمداني: «..... الشهرة تصلح جابرة للضعف من جميع الجهات ولكن بشرط استناد المشهور اليه في فتاواهم، وعملهم به، لا مجرد موافقة قولهم لمضمونه، فانه خارجي غير مجدٍ في جبر ضعف الخبر، كما تقرر في محله الخ»(1). وقال المحقق النائيني: «والشهرة العملية عبارة عن اشتهار الرواية من حيث العمل، بأن يكون العامل بها كثيراً. ويعلم ذلك من استناد المفتين اليها في الفتوى الخ»(2).

نعم إن القديمين من فقهائنا، وهما ابن أبي عقيل الحسن بن علي العماني الحذّاء، وابن الجنيد محمد بن أحمد الاسكافي الكاتب، المعاصرين للشيخ الكليني، قد كتبا في الفروع الفقهية، واستدلا عليها. فكتب ابن أبي عقيل كتابه (المتمسك بحبل آل الرسول ص)، وهو على ما ذكره الشيخ النجاشي «كتاب مشهور في الطائفة، وقيل: ما ورد الحاج من خراسان

____________
___
_______________

(1) مصباح الفقيه - الصوم ص 181.

(2) أجود التقريرات ج 2 ص 99.

إلا طلب، واشتري منه نسخ الخ»(1). وكتب ابن الجنيد كتابه الكبير (تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة) المشتمل على عدة كتب، عدها النجاشي عند ترجمته(2)، واختصره في كتابه (الأحمدي في الفقه المحمدي).

قال السيد بحر العلوم في ابن أبي عقيل: «وهو أول من هذّب الفقه، واستعمل النظر، وفتق البحث عن الأصول، والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى. وبعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد، وهما من كبار الطبقة السابقة، وابن أبي عقيل أعلى منه طبقة الخ»(3).

ولكن كتب هذين العلمين لم تصل الينا، وإنما نقل القدماء عنهما فتاوى خالية من الدليل غالباً. وكثير منها نادر انفردا به. بالاضافة لما اشتهر من عمل ابن الجنيد بالقياس، فلا يركن الى قوله. قال النجاشي: «وسمعت شيوخنا الثقات يقولون عنه إنه كان يقول بالقياس»(4). وقال الشيخ الطوسي فيه: «..... كان يرى القول بالقياس، فتركت لذلك كتبه، ولم يعوّل عليها الخ»(5).

وعليه فأقدم كتاب استدلال وصل الينا هو المبسوط للشيخ الطوسي بل تشير مقدمته الى أنه أول كتاب ألف لهذا الغرض، بعد الغض عما كتبه الشيخان القديمان، حيث ورد فيها «... فاني لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهين، والمنتسبين الى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الامامية، ويستنزرونه، وينسبونه الى قلة الفروع، وقلة المسائل. ويقولون إنهم أهل حشو، ومناقضة، وإن من ينفي القياس، والاجتهاد لا طريق له الى كثرة المسائل، ولا التفريع على الأصول... وكنت على قديم

____________
___
_______________

(1) رجال النجاشي ص 35 - 36

(2) رجال النجاشي ص 273

(3) رجال السيد بحر العلوم ج 2 ص 220

(4) رجال النجاشي ص 276

(5) الفهرست للشيخ الطوسي ص 134

الوقت وحديثه متشوق النفس الى عمل كتاب يشتمل على ذلك الخ.»

فالسابقون على الشيخ الطوسي من الفقهاء لم يحرز عملهم بالأخبار، والمتأخرون عنه قلده الأكثر في ذلك، كما اتبع الصدوق شيخه محمد بن الحسن بن الوليد في شأن تصحيح الخبر، وعدمه. وعليه فلا تبقى شهرة يركن اليها في جبر ضعف سند الحديث.

ويمكن القول بامكان إحراز تلك الشهرة.

إما لأن فتاوى القدماء كانت مضمون روايات، فيفهم من الفتوى وإن تجردت عن الدليل أن المفتي قد استند فيها الى الخبر الوارد بمضمونها ولذا نقل عمل قدامى الفقهاء بفتاوى الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه الواردة في رسالته (الشرائع) «عند إعواز النصوص تنزيلاً لفتاواه منزلة رواياته»(1). بل يمكن ان يستفاد من قول الصدوق في مقدمة كتابه (المقنع): «وحذفت الاسناد منه لئلا يثقل حمله، ولا يصعب حفظه، ولا يمله قاريه، إذا كان ما أبينه في الكتب الأصولية موجوداً الخ». أن ما أورده فيه من فتاوى عين متون الأحاديث. ولذا قال المحقق الهمداني: «... ووقوع التصريح بخروج مؤنة القرية، وخراج السلطان في عبارة (الرضوي) و(الهداية) و(المقنع)، وغيرها مما يغلب على الظن كونه تعبيراً عن متون الأخبار لا يبقى مجال للتشكيك فيه»(2). كما وأن تعقيب بعض الروايات بالفتاوى موجود كما في (الفقيه) فمن هذا وذاك يمكن القول باحراز شهرة العمل في عصر الشيخ الطوسي، ومن قبله.

وإما لكفاية عمل الشيخ الطوسي، ومن تأخر عنه، فأنه بمنزلة عمل السابقين عليه ودعوى تقليد المتأخرين له في العمل بالأخبار سوء ظن بحملة

____________
___
_______________

(1) فرائد الأصول ص 98

(2) مصباح الفقيه - الزكاة ص 67

الشرع، على حد تعبير البعض(1).

وأما الجهة الثانية، وهي حصول الوثوق بصدور الحديث عن المعصوم عليه السلام من تلك الشهرة التي فرضنا ثبوتها، فالنقاش فيها من أجل اختلاف مباني الفقهاء في العمل بالأخبار. فمنها البناء على حجية خبر كل مسلم لم يظهر منه فسق، وإن لم يوثق. ومنها تصحيح جميع أخبار كتبنا الأربعة، بل جميع أخبار الكتب المعتبرة. ومنها الاكتفاء بالظن بالوثاقة لانسداد باب العلم فيها. ومنها الاعتماد على مشايخ الاجازة بلا توثيق لهم ونحوها كما سبق تفصيله(2). وعليه كيف يحصل الوثوق النوعي بصدور الحديث من العمل المبتني على وجوه اختلف الفقهاء في حجيتها.

وأما الوثوق الشخصي فيختص حكمه بالواثق سواء حصل له من شهرة العمل، أو غيرها من الطرق التي قد يحصل الوثوق لشخص منها.

وأما الجهة الثالثة، وهي حجية الحديث الضعيف السند الموثوق بصدوره لشهرة العمل به، أو غيرها مما يفيد الوثوق فالبحث عنها يستدعي النظر أولاً في معنى الوثوق، وهل أنه الاطمئنان، أو غيره. فنقول.

____________
___
_______________

(1) مقباس الهداية ص 37

(2) انظر ص 55، وما بعدها