شهرة
الاعراض عن الخبر
وأما شهرة
الاعراض عن الخبر فالمعروف تبعيتها في الحكم لشهرة
العمل به، فكل من قال بانجبار ضعف سنده بالعمل قال
بتوهين صحته بالاعراض، لوحدة الملاك بين
المسألتين، فكما يكشف العمل عن احتفاف الخبر
بقرائن الصحة والصدور عن المعصوم (ع)، يكشف الاعراض
عن وجوه خلل في الخبر مانع من العمل به، لأنه بمرأى
من الأصحاب ومسمع وهو صحيح السند، فلا يكون لهم عذر
في هجره إلا ذلك الخلل المسقط له عن الاعتبار.
وفصل
المحقق الخراساني في (كفايته) بين الظن بصدور الخبر
الضعيف السند الحاصل من شهرة العمل به أو غيرها،
وبين الظن بعدم صدور الخبر الصحيح السند الحاصل من
شهرة الاعراض أو غيرها، فقرّب انجبار ضعفه في
الأول، كما سبق، وعدم وهن صحته في الثاني، مستدلاً
عليه بقوله: «لعدم اختصاص دليل اعتبار خبر الثقة،
ولا دليل اعتبار الظهور بما إذا لم يكن ظن بعدم
صدوره، أو ظن بعدم إرادة ظهوره»(1).
وحكي عن
الشيخ الطوسي أنه بنى على العمل بالخبر الصحيح
السند وإن لم يعمل به الفقهاء، ولذا عمل في
(النهاية) بما رواه علي بن المغيرة من جواز التمتع
بأمة المرأة من غير إذنها، وإن طرحه الفقهاء»(2).
وبنى على ذلك كل من ناقش في شهرة العمل، وجبر ضعف
السند بها.
وتحقيق
البحث أن شهرة الاعراض عن الخبر ولو لدى المتأخرين
من الفقهاء إذا حصل منها الاطمئنان الشخصي بعدم
صدوره عن المعصوم (ع)
______________________________
(1) كفاية
الأصول ج 2 ص 218 (2) شرح اللمعة ج 2 ص 65
أو بوجود
خلل فيه مانع من العمل به سقطت حجيته، لما سبق من
حجية الاطمئنان في نفسه كالقطع الوجداني. لكن يختص
حكمه بالشخص المطمئن دون غيره. ولا يبعد دعوى حصوله
فيما لو تسالم جميع الفقهاء على هجر الخبر وعدم
العمل به. أما اذا لم يحصل ذلك فلا تصلح تلك الشهرة
لتوهينه بعدما كان حجة في نفسه. لأمور.
الأول ما
سبق من الاشكال في تحصيل شهرة إعراض قدامى الفقهاء
الذين هم العبرة في شأن جبر ضعف سند الخبر، وتوهين
صحته.
الثاني ما
سبق الإشارة اليه في مقدمة الكتاب من اختلاف قدامى
الفقهاء في حجية خبر الواحد، حيث أنكرها السيد
المرتضى وجماعة، حتى قيل باستحالة التعبد به،
واشترطوا التواتر في حجيته. وعليه فلا يصلح إعراضهم
عن الخبر الصحيح السند موهناً حيث يستند إلى عدم
تواتره لديهم. ونحن لا نعتبر التواتر في حجيته.
على أن بعض
الفقهاء لم يعمل إلا بالخبر الصحيح الذي رواه
الامامي العدل. وحيث ثبت لدينا حجية الموثق والحسن
أيضاً فلا يكون إعراضه عنهما موجباً لوهنهما.
الثالث أن
الاعراض عن الخبر لا يثبت بمحض عدم فتوى الفقهاء
بمضمونه، بل يتوقف بالاضافة لذلك على اطلاعهم
عليه، واستفادتهم منه نفس المضمون الذي استفدناه
بدون معارض له من الأخبار ويشكل إحراز هذه الشروط،
حيث نحتمل أنهم لم يروه دالاً على ما نراه دالاً
عليه، ولا يكون فهمهم حجة على أفهامنا. وبالطبع هذا
لا يجري في الأخبار البالغة من الصراحة حداً بحيث
لا يقع التشكيك في مفادها. واذا اتفقنا في مفاد
الخبر نحتمل أنهم اطلعوا على ما يعارضه بنظرهم،
فتساقط الخبران أو تخيروا فاختاروا معارضه، أو
رجحوه لأمر ما. ومن البديهي أن هذا
لا يحقق
معنى الاعراض. وحيث لم نطلع على ذلك المعارض، أو
اطلعنا عليه فلم نر فيه أي معارضة، أو رأينا
مرجوحاً بمقتضى قواعد التعارض فأي مانع من العمل
بذلك الحديث الذي أعرض عنه الأكثر بعدما تم سنداً
ودلالة.
|