الوضع والتقية في الأحاديث

ويمكن الاستدلال على اعتبار تلك الشهرة بوجه لم أرَ مَن ذكره وهو أن كثيراً من الأحاديث صدرت عن أهل البيت(ع) مخالفة لما يرونه من حكم الشرع تقية(1) ليحفظوا الأنفس والأعراض والأموال من سطوة خلفاء الجور وولاتهم، فلا يكون مفادها مراداً بالارادة الجدية. وكذا بعض أفعالهم، وتقاريرهم المحكية عنهم (ع) ببعض الأخبار.

____________
___
_______________

(1) - اضطر الأئمة من أهل البيت (ع) الى استعمال التقية في أقوالهم وأفعالهم خوفاً من الحكام الجائرين في عصري الأمويين، والعباسيين. فكانوا لا يبيحون بالحكم الواقعي إلا عند الأمن على أنفسهم، وشيعتهم من أولئك الحكام.

وقد استفاضت الأخبار بذلك عموماً وخصوصاً. منها صحيح معمّر بن خّلاد عن الامام الباقر (ع) قال: «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له». وبمضمونه عدة من الأخبار (الوسائل ب 24 - الأمر بالمعروف) فتدل باطلاقها على استعمال أهل البيت (ع) للتقية قولاً وفعلاً. ومنها صحيح زرارة عن أحد الصادقين (ع) قال: «ثلاثة

لا أتقي فيهن أحداً، شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحج» (الوسائل ج 1 ب 38 - الوضوء) فتدل على استعمال الامام (ع) للتقية في غير الموارد الثلاثة. ومنها ما رواه علي بن يقطين عن الامام الكاظم (ع) فقد سأله عن الوضوء فأجابه على وفق المذهب السّني، لمّا كان هارون الرشيد يرقب وضوءه. فلما زال الخطر عنه أمره بالوضوء على وفق مذهب أهل البيت (ع) قائلاً: «فقد زال ما كنا نخاف منه عليك» (الوسائل ج 3 ب 23 - الوضوء». ومنها ما رواه خلاد بن عمارة عن الامام الصادق (ع) أنه قال: «دخلت على أبي العباس (*) في يوم شك وأنا أعلم أنه من شهر رمضان وهو يتغذى. فقال: يا أبا عبد اللّه (ع) ليس هذا من أيامك. قلت: لمَ يا أمير المؤمنين، ما صومي إلا بصومك، ولا إفطاري إلا بافطارك، قال فقال أدنُ. قال: فدنوت فأكلت وأنا - واللّه - أعلم أنه من شهر رمضان». وبمضمونه أخبار أخر، ورد في بعضها «أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي». (الوسائل ب 58 - أبواب ما يمسك عنه الصائم). وقد علل الامام الباقر (ع) اختلاف جوابه في بعض الأحكام بقوله: «..... يا زرارة إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم». كما علل الامام الصادق (ع) اختلاف الشيعة في وقت الصلاة بقوله: «..... لو صلوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم». ولذا قال الشيخ يوسف البحراني: «........ فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الاسلام، وعلم الأعلام محمد بن يعقوب الكليني - نور اللّه تعالى مرقده - في جامعه الكافي الخ» (الحدائق ج 1 ص 5 - 6 ).

____________
___
_______________

(*) - أي السفاح، أول خلفاء بني العباس.

= وسار الشيعة على هدى أئمتهم (ع) في استعمال التقية فراراً من غياهب السجون، وأعواد المشانق، فكانوا كمؤمن «آل فرعون يكتم إيمانه» خوفاً من طاغية زمانه، حيث كان التشيع من أعظم جرائم تلك العصور. قال ابن أبي الحديد: إن بني أمية اجتهدوا في إطفاء نور الامام علي (ع) «وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه....» ونقل عن أبي جعفر الاسكافي أنه قال: «وقد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي - عليه السلام - وعاقبوا ذلك الراوي له حتى أن الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب». (شرح نهج البلاغة ج 1 ص 17 - ج 4 ص 73).

فأهل البيت (ع) وشيعتهم لم يستعملوا التقية إلا بعد أن دعت الحاجة اليها. وقد رخص فيها الشرع الاسلامي الأقدس. قال تعالى: «لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة»(آل عمران / 28). بل رخص في إظهار كلمة الكفر عند الاضطرار، كما فعله عمار بن ياسر - رضوان اللّه عليه - حين اضطرته قريش الى النيل من النبي (ص)، فنزل قوله تعالى: «من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان»(النحل / 16) وقال له النبي (ص): يا عمار إن عادوا فعد. (الوسائل ب 29 - الأمر بالمعروف - الدر المنثور ج 4 ص 132 - أسباب النزول ص 212). بالاضافة لما دل من الكتاب والسنة على نفي الضرر والحرج في الشرع، وإباحة ما اضطر اليه المكلف، فانه دال على مشروعية التقية، لأنها عبارة عن وقاية النفس أو المال أو العرض من الأذى. ولذا استعملها جميع المسلمين عند الحاجة.

فذكر الخطيب البغدادي أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن، فاعترضه ابن أبي ليلى واستتابه، فتاب وعدل الى القول: بأن القرآن من كلام اللّه تعالى. فقال له ابنه حماد: «كيف صرت الى هذا وتابعته. قال: يا بني خفت أن يقّدم علي، فأعطيته التقية». (تأريخ بغداد ج 13 ص 379 - 380). ولسنا بصدد نقاش ما اعتذر به عن التقية، وصلاحيته لها.

وقال الآلوسي في (تفسيره) مشيراً الى الآية السابقة الناهية عن اتخاذ الكافرين أولياء: «وفي هذه الآية دليل على مشروعية التقية. وعرّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان، الأول من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم، والثاني من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والامارة ومن هنا صارت التقية قسمين.... وعّد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة، وإلانة الكلام لهم، والتبسم في وجوههم، والانبساط معهم، وإعطاؤهم لكف أذاهم، وقطع لسانهم، وصيانة العرض منهم ولا يعّد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها، بل هي سنة وأمر مشروع، فقد روى الديلمي عن النبي (ص) الخ» ثم ساق الروايات الدالة على ذلك.

إذن فمن العدوان أن تتخذ التقية وسيلة طعن في المذهب الامامي. فقد شرعها الكتاب والسنة. وأقرها العقل، وقام عليها سيرة المسلمين.

ومن الغريب أن يجمع الآلوسي بين اعترافه بمشروعية التقية استناداً الى الكتاب والسنة، وبين نقده للشيعة لنسبتهم القول بالتقية الى الأئمة من أهل البيت (ع)، وحمل بعض أفعالهم عليها. قائلاً: «وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشيدين - رضي اللّه تعالى عنهم - ويأبى اللّه ذلك». وبسط كلامه على هذا النهج (روح المعاني ج 3 ص 107 ، وما بعدها). مع أن استعمال أهل البيت (ع) للتقية غير قابل للتشكيك وسبق بعض أحاديثهم في ذلك، فكيف ساغ هذا النقد؟. واللّه يحكم بين عباده.

كما وأن كثيراً من الأحاديث لم تصدر عن الأئمة (ع)، وإنما وضعها رجال كّذابون ونسبوها اليهم، إما بالدس في كتب أصحابهم أو بغيره(1). وبالطبع لا بد وأن يكونوا قد وضعوا لها أو لأكثرها أسناداً صحاحاً، كي تقبل حسبما فرضته عملية الدس والتدليس.

____________
___
_______________

(1) كما اضطر الأئمة من أهل البيت (ع) الى استعمال التقية فقد ابتلوا بجماعة من الزندقة الكذابين الذين بذلوا أقصى جهودهم في وضع الأحاديث، ونسبتها اليهم (ع). فقد روى الكشي بسنده عن محمد بن عيسى أنه قال: إن بعض أصحابنا سأل يونس بن عبد الرحمان «وأنا حاضر فقال له: يا أبا محمد ما أشدك في الحديث، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا فما الذي يحملك على رد الأحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد اللّه - عليه السلام - يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد - لعنه اللّه - قد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي. فاتقوا اللّه، ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى، وسنّة نبينا (ص)... قال يونس.... وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا - عليه السلام - فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه - عليه السلام - وقال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد اللّه - عليه السلام - لعن اللّه أبا الخطاب. وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الأحاديث الى يومنا هدا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السلام الخ» (رجال الكشي ص 146 - 147).

ولذا قال الشيخ يوسف البحراني: «...... ورد عنهم - عليهم السلام - من أن لكل رجل منا رجلاً يكذب عليه، وأمثاله مما يدل على دس بعض الأخبار الكاذبة في أحاديثهم (ع). (الحدائق ج 1 ص 8).

وليس هذا بغريب بعدما أكثر الكذابون من وضع الأحاديث ونسبتها الى النبي (ص). فروى الكليني بسنده عن سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «وقد كذب على رسول اللّه (ص) على عهده حتى قام خطيباً، وقال: أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذابة، فمن كذب عليُّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. ثم كذب عليه من بعده، وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس. رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالاسلام، لا يتأثم، ولا يتجرح أن يكذب على رسول اللّه (ص) الخ» (الوسائل ح 1 ب 14 - صفات القاضي).

ولذا كثرت الأحاديث الموضوعة في كتب أهل السنة. حتى ألف السيوطي، والصغاني، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم كتباً في التنبيه عليها وأثبت المحقق الحجة الأميني في الجزء الخامس من كتابه (الغدير) تحت عنوان (نظرة التنقيب في الحديث) سلسلة لبعض الكذابين والوضاعين من رجال حديث أهل السنة، فبلغوا ستمائة وعشرين شخصاً. كما وضع قائمة للأحاديث الموضوعة والمقلوبة من قبل بعض أولئك الرجال، فبلغت ثمانية وتسعين ألف وستمائة وأربعة وثمانين حديثاً. وبالاضافة الى الأحاديث المتروكة والمسقطة عندهم بلغت أربعمائة وثمانية آلاف وثلثمائة وأربعة وعشرين حديثاً.

وقد كثر الوضع والكذب في الحديث على عهد معاوية حيث اقتضت مصلحته الدنيوية ذلك فاصطنع رجال سوء من بعض الصحابة وغيرهم، وغرّهم بالأموال الطائلة في هذا السبيل. قال ابن أبي الحديد عند ذكر أمير المؤمنين (ع): «..... استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، والتحريض عليه ووضع المعايب والمثالب له الخ». ونقل عن شيخ المعتزلة أبي جعفر الاسكافي أنه قال: «إن معاوية وضع قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي - عليه السلام - تقتضي الطعن فيه، والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا (*) يُرَغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير». ثم عرض بعض ما رووه في ذلك. (شرح نهج البلاغة ج 1 ص 17 - ج 4 ص 63).

____________
___
_______________

(*) الجعل بضم الجيم وسكون العين الأجر الذي يأخذه الانسان على فعل شيء.

= إذن فمن الحيف أن ينسب القصيمي الكذب الى رجال الشيعة ويقول: «ليس في رجال الحديث من أهل السنة من هو متهم بالوضع و (الكذابة) (*) طمعاً في الدنيا الخ» (الغدير ج 5 ص 184، نقلاً عن الصراع ج 1 ص 85). وما نسبه الدكتور صبحي صالح الى ابن أبي الحديد من قوله: «إعلم أن أصل الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة». (علوم الحديث ومصطلحه ص 321). وعلق في هامش كتابه أن مصدره (شرح نهج البلاغة ج 2 ص 134). كما صرح في مراجع كتابه بأنه نقل عن طبعة القاهرة.

لكن بعد مراجعتنا لمصدره لم نر تلك الجملة التي وضعها بين قوسين إشارة الى كونها منقولة بلفظها. وفتشنا عنها في بعض الأبحاث المناسبة فلم نرها، وإنما وجدنا كلاماً لابن أبي الحديد في الجزء الثاني من تجزئته لكتابه وهو يقع في الجزء الأول (ص 135 طبعة القاهرة الأولى). ويقع في الجزء الثاني (ص 59 طبعة القاهرة الثانية بتحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم). وهو وإن كان أجنبياً عن تلك الجملة ننقله بلفظه وهو.

«وأعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جداً، ومن تأملها وأنصف علم أنه لم يكن هناك نص صريح، ومقطوع به لا تختلجه الشكوك =

____________
___
_______________

(*) هكذا ورد في المصدر، لكن لم أجد لها معنى مناسباً في اللغة فان (الكذابة) بالتشديد أنثى الكذاب، كما أنها تطلق على الثوب المنقوش بألوان الصبغ كأنه موشى. ولو قال (كذبة) لصح، فانها تستعمل بمعنى الكذب مبالغة. قال في (تاج العروس، مادة كذب): «ورجل كذبة مثال همزة... وهو من أوزان المبالغة».

= ولا يتطرق اليه الاحتمالات، كما تزعم الامامية، فانهم يقولون: إن الرسول - صلى اللّه عليه وآله - نص على أمير المؤمنين - عليه السلام - نصاً صريحاً جلياً، ليس بنص يوم الغدير، ولا خبر المنزلة، ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامة وغيرها، بل نص عليه بالخلافة، وبامرة المؤمنين، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بذلك، فسلموا عليه بها وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة له. ولا ريب أن المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفاة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله - يعلم قطعاً أنه لم يكن هذا النص، ولكن قد يسبق الى النفوس والعقول أنه قد كان هناك تعريض، وتلويح، وكناية، وقول غير صريح، وحكم غير مبتوت الخ».

لكن تلك النصوص التي أشار اليها ابن أبي الحديد، الواردة من طرق العامة، لا تختلجها شكوك واحتمالات فهي واضحة الدلالة على استحقاق أمير المؤمنين علي (ع) بالخلافة بعد رسول اللّه (ص)، حيث قرن اللّه تعالى ولاية علي (ع) بولايته، وولاية رسوله (ص) في آية الولاية النازلة يوم تصدق راكعاً. وقرن النبي (ص) ولايته بولايته في حديث الغدير. وقال (ص) يوم جمع عشيرته الأقربين: فأيكم يوازرني على أمري هذا على أن يكون أخي، ووصيي، وخليفتي فيكم. فأحجم القوم عنها غير علي (ع)، وكان أصغرهم، إذ قام فقال: أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ رسول اللّه (ص) برقبته وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له، وأطيعوا.

وقد بسط البحث عن ذلك أعلام الامامية الباحثون عن الامامة، ولم يبقوا مجالا لتشكيك مشكك. وكتبهم مشهورة فراجعها، خصوصاً كتاب (المراجعات) للمرحوم المجاهد آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين. ومن الغريب أن يستشهد ابن أبي الحديد على عدم النص بما جرى بعد وفاة النبي (ص)، وما هو إلا تنافس بين المسلمين في شأن الإمرة فطمع فيها الأنصار، وادعاها المهاجرون والسيوف مسلولة في سبيل ذلك، حتى كانت (الفلتة) في جو من الارهاب. والامام علي، وبنو هاشم مشغولون بتجهيز النبي (ص). وما أن فرغوا حتى رأوا حدثاً لم يكن في الحسبان، فامتنعوا من البيعة، ومعهم نفر من الصحابة المخلصين، وأقاموا الأدلة، والنصوص النبوية على أن الخليفة الشرعي للنبي (ص) هو أمير المؤمنين علي (ع). ولم يبق إلا القتال في سبيل الخلافة، فصبر علي (ع) «وفي العين قذى، وفي الحلق شجاً» حقناً للدماء، ورعاية لمعالم الاسلام ومظاهره.

ثم إن الدكتور صبحي صالح قد وصف ابن أبي الحديد بالشيعي تتميماً لحجته حيث يكون الشاهد على الشيعة منهم مع أن تسننه أشهر من أن يخفى. وأبحاثه في (شرح النهج) شاهدة بذلك، وإن فضّل أمير المؤمنين (ع) على غيره، ومدحه بما يستحقه، فان محض تفضيله، ومدحه لا يوجب صدق التشيع.

وقد اضطرب الاستاذ محمد أبو الفضل ابراهيم في مذهب ابن أبي الحديد فجعل له أدواراً ثلاثة تقّلب مذهبه فيها. الأول حينما نشأ في المدائن، وتلقى عن شيوخها. وكان مذهبه الاعتزال. الثاني حين مدح أمير المؤمنين - عليه السلام - بقصائده السبع العلويات، وكان مذهبه المغالاة في التشيع، يقول الاستاذ: «وفيها غالى وتشيع، وذهب به الاسراف في كثير من أبياتها كل مذهب». وقد كبر على الاستاذ أن يصدر ذلك المدح من أحد أعلام السنة، فاضطر الى القول بتشيعه، واستعرض أبياتاً من قصيدته العينية مستشهداً بها على ذلك، مع أن قوله فيها:

ورأيت دين الاعتزال وإنني*** أهوى لأجلك كل من يتشيع

صريح في بقائه على اعتزاله ولسنا بصدد مناقشة الاستاذ حول ما سماه مغالاة واسرافاً. الثالث حين شرح (نهج البلاغة)، وكان مذهبه الاعتزال الجاحظي. (مقدمة شرح نهج البلاغة ص 14 - 15).

وقد اُتهم الاستاذ محمود أبو رية بالتشيع أيضاً، لأنه كشف الحال عن أبي هريرة في كتابيه (أضواء على السنة المحمدية، وشيخ المضيرة)، أنظر كتابه الثاني ص 13.

وحيث لا علم لنا بتلك المجموعة من الأخبار المؤلفة من ذينك الطائفتين أعني الموضوعة، والصادرة تقية، ولا طريق لنا الى تمييزها عن الأخبار المعتبرة فكيف يسوغ العمل بكل خبر سالم السند من الضعف، مع احتمال أن يكون من تلك المجموعة التي لا يصح العمل بها؟.

وترك العمل بجميع الأخبار المعتبرة سنداً المروية عن أهل البيت (ع) باطل قطعاً، حيث لا طريق الى معرفة الأحكام الصادرة عنهم (ع) غالباً إلا تلك الأخبار، فيتعين الرجوع الى فقهائنا الأقدمين في تمييز الحجة منها عن غيره لكثرة القرائن لديهم، فيكشف عملهم بخبر عن عدم كونه من تلك المجموعة، وقد فرضناه سالم السند من الضعف فيكون حجة، كما يوجب إعراضهم عن خبر قوة احتمال كونه منها فيسقط عن الاعتبار.

وهذا العلم الاجمالي بوجود تلك المجموعة من الأخبار الغير المعتبرة في طي أخبارنا التي يجب العمل بها مهم جداً. ويتلخص الجواب عنه بوجوه.

الأول أن العلم الاجمالي بوجود الأخبار الموضوعة في ضمن الأخبار الصادرة عن أهل البيت (ع) مختص بعصرهم، فلا علم لنا بوجودها في ضمن الأخبار الواصلة الينا عن طريق كتبنا المعتبرة. ويدل على ذلك أمور هي:

أولاً: أن الأئمة الأطهار (ع) مذ أحّسوا بعروض الوضع والدس في الأحاديث أخذوا في تهذيبها، وميزوا الصادر عنهم منها بأنه الموافق للكتاب والسنة. كما حّذروا شيعتهم من أولئك الواضعين، وسمّوهم ليحذروهم، كما سبق.

ولذا اهتم الرواة بذلك فعرضوا أحاديثهم، وما صنفوه من كتب فيها على الائمة (ع) فانكروا المكذوب منها وأقروا الباقي. فعرض عبيد اللّه بن علي الحلبي كتابه على الامام الصادق (ع) فصححه واستحسنه، وقال - عليه السلام - ، «ليس لهؤلاء مثله». وعرض يونس بن عبد الرحمان كتابه على الامام العسكري (ع). وعرض عبد اللّه بن سعيد بن حنان الكناني كتابه الذي رواه عن آبائه في (الديات) على الامام الرضا (ع).

قال الشيخ محمد بن الحسن الحر بعد أن حكى ذلك: «وقد صرح المحقق فيما تقدم أن كتاب يونس بن عبد الرحمان، وكتاب الفضل بن شاذان كانا عنده ونقل منهما الأحاديث. وقد ذكر المحدثون وعلماء الرجال أنهما عرضا على الأئمة(ع)». وقال: «مع أن كثيراً من الكتب التي ألفها ثقات الامامية في زمان الأئمة (ع) موجودة الآن موافقة لما ألفوه في زمان الغيبة»(1).

وحّدث يونس بن عبد الرحمان فقال: «وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر - عليه السلام - ووجدت أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السلام - متوافرين فسمعت منهم، وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن - عليه السلام - فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه عليه السلام الخ»(2).

وروى اسماعيل بن الفضل الهاشمي في الصحيح قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع): عن المتعة فقال (ع): الق عبد الملك بن جريح فسله عنها فان عنده منها علماً. فلقيته فأملى عليّ شيئاً كثيراً في استحلالها.... فأتيت بالكتاب أبا عبد اللّه(ع) فقال: صدق. وأقر به»(3).

إذن فلم يبق في تلك الكتب المعروضة على الأئمة الأطهار (ع) أي حديث موضوع قد دس فيها. وتلك الكتب ونظائرها هي التي اعتمد عليها أصحاب المجاميع في نقل الأحاديث.

وثانياً: أن قدماء أصحابنا - رضوان اللّه عليهم - قد تنّبهوا لذلك وبذلوا أقصى جهودهم حول تمييز الأخبار المعتبرة عن غيرها، وانتقاء ما دلت القرائن على أنه ليس بموضوع ولا مدسوس، حتى أن الكليني لم يتم له جمع أحاديث كتابه (الكافي) إلا في مدة عشرين سنة (4). ولذا شهد

____________
___
_______________

(1) الوسائل ج 3 - الفائدة 7 - 9.

(2) رجال الكشي ص 146

(3) الوسائل ج 5 ب 11 - صفات القاضي.

(4) رجال النجاشي ص 266.

هو والصدوق بصحة ما في كتابيهما من الأخبار، وقال الشيخ يوسف البحراني: «إن هذه الأحاديث التي بأيدينا إنما وصلت الينا بعد أن سهرت العيون في تصحيحها وذابت الأبدان في تنقيحها وقطعوا في تحصليها من معادنها البلدان الخ»(1).

وثالثاً: أن أصول ثقات الرواة وكتبهم التي أخذ أصحاب المجاميع منها الأخبار كانت مشهورة بين الامامية. ونقل الشيخ الطوسي إجماعهم «على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه حتى أن واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فاذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل مشهور وكان راويه ثقة، لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله الخ»(2). ومقتضاه أن تلك الأصول والكتب المشهورة خالية من الأخبار الموضوعة، وإلا كان للنقاش فيها مجال واسع.

ولذا قال السيد التفرشي: «إعلم أن الشيخ الطوسي - قدس اللّه سره - صرح في آخر (التهذيب والاستبصار) بأن هذه الأحاديث التي نقلناها من هذه الجماعة أخذت من كتبهم وأصولهم. والظاهر أن هذه الكتب والأصول كانت عنده معروفة (كالكافي والتهذيب) وغيرهما عندنا في زماننا هذا. كما صرح به الشيخ محمد بن علي بن بابويه - رضي اللّه عنه - في أول كتاب (من لا يحضره الفقيه). فعلى هذا لو قال قائل: بصحة هذه الأحاديث كلها، وإن كان الطريق إلى هذه الكتب والأصول ضعيفاً، إذا كان مصنفو هذه الكتب والأصول وما فوقها من الرجال الى المعصوم (ع) ثقاتاً لم يكن مجازفاً»(3).

____________
___
_______________

(1) - الحدائق ج 1 ص 8

(2) عدة الأصول ص 51

(3) - جامع الرواة ج 2 ص 548

ورابعاً: أن بعض تلك الكتب والأصول التي أخذ منها الأحاديث كانت أجوبة مسائلها بخط المعصوم (ع). كما وأن بعضها كان بخط الثقة من أصحاب المعصوم (ع)، فلا يحتمل عروض دس فيها من قبل واضعي الحديث. قال الشيخ محمد بن الحسن الحر: «وقد صرح الصدوق في مواضع أن كتاب محمد بن الحسن الصفار المشتمل على مسائله، وجوابات العسكري (ع) كان عنده بخط المعصوم (ع). وكذلك كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي المعروض على الصادق (ع) وغير ذلك»(1). وقال الصدوق عند روايته لبعض مكاتبات الصفار الى العسكري (ع): «هذا التوقيع في جملة توقيعاته (ع) الى محمد بن الحسن الصفار عندي بخطه في صحيفة»(2).

وخامساً: أن غالب الأحاديث التي دوّنها القدماء في مجاميعهم إنما تلقّوها عن مشايخهم الثقات بطريق السماع حتى تتصل بالمعصوم (ع). ومثل هذا الطريق لا يعرض له دس أو تزوير.

وخلاصة البحث أن وجود الأخبار الموضوعة في عصر المعصومين (ع) لا يمنع من العمل بالأخبار التي ضمتها مجاميع قدماء أصحابنا المعتبرة، مثل كتبنا الأربعة ونظائرها، فانها خالية من ذلك.

____________
___
_______________

(1) الوسائل ج 3 - الفائدة 9

(2) الوسائل 2 ب 28 - غسل الميت