مع الدكتور فياض

وقد ظهر بهذا وهن ما كتبه الدكتور عبد اللّه فياض تحت عنوان (كتب الحديث عند الشيعة الامامية)، حيث قارن بينها وبين كتب الحديث عند أهل السنة. فقال: «ومن الجدير بالذكر أنه لم تجرِ عملية تهذيب وتشذيب شاملة لكتب الحديث عند الشيعة الامامية على غرار العملية التي أجراها المحدثون عند أهل السنة، والتي تمخض عنها ظهور الصحاح الستة المعروفة. ونتج عن فقدان عملية التهذيب لكتب الحديث المشهورة عند الشيعة الامامية مهمتان هما أولا: بقاء الأحاديث الضعيفة بجانب الأحاديث المعتبرة في بعض المجموعات الحديثية عندهم....... وأعتقد أن إهمال العلماء الذين جاؤا بعد ابن ادريس الحلي لآرائه، ورميه بالتخليط، يمكن أن يعد من أهم الأسباب التي أدت الى بقاء مجموعات الحديث عند الشيعة الامامية دون تهذيب وتشذيب حتى يومنا هذا. ثانياً: تسرّب أحاديث الغلاة....... إلى بعض كتب الحديث عند الشيعة، وقد تنّبه أئمة الشيعة الامامية، وعلماؤهم الى الأخطار المذكورة وحاولوا خنقها في مهدها، ولكن نجاحهم لم يكن كاملاً نتيجة لعدم قيام عملية تهذيب شاملة لكتب الحديث»(1). وبحثنا معه.

أولاً: في كتب الحديث عند أهل السنة، فان أصحها لديهم (صحيح البخاري) الذي لم يروِ فيه عن الامام الصادق (ع)، وإنما روى عن كثير ممن اشتهر بالفسق والكذب، مثل عمران بن حطان الخارجي، وحريز بن عثمان الرحبي، وسمرة بن جندب سفاك الدماء، وعكرمة الخارجي(2)

____________
___
_______________

(1) الاجازات العلمية عند المسلمين ص 98، وما بعدها.

(2) اشتهر عكرمة هذا بوضع الحديث، والكذب فيه. ولذا كذبه مجاهد، وابن سيرين، كما في (طبقات القراء) للجزري ج 1 ص 515. وأعرض عنه مالك بن أنس، ومسلم، كما في (تذكرة الحفّاظ) للذهبي ج 1 ص 96. وقال مالك: «لا أرى لأحد أن يقبل حديثه». كما في (تهذيب التهذيب)لابن حجر ج 7 ص 269. وللمزيد من ذلك راجع كتابنا (آية التطهير) ص 55 - 59 - 126 - 127.

ولذا قال السيد محمد بن عقيل في (نصائحه): «وهنا يتحير العاقل، ولا يدري بماذا يعتذر عن البخاري الخ»(1).

وجاء في كتاب (أضواء على السنّة المحمدية)(2) للاستاذ محمود أبي ريّة: أن البخاري كان يروي بالمعنى، وأن الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد ج 2 ص 11) روى عنه أنه قال يوماً: «رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر. فقيل له: يا أبا عبد اللّه بكماله. فسكت».

وجاء فيه أيضاً: أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه، وأنه اسُتنسخ من الأصل الذي عند صاحبه، وفيه أشياء لم تتم، وأشياء مبّيضة منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضيف بعض ذلك الى بعض. وقد انتقده الحّفاظ في عشرة ومائة حديث، منها 32 حديثاً وافقه مسلم على تخريجها، و 78 حديثاً انفرد هو بتخريجها. وكذلك ضّعف الحفاظ من رجال البخاري نحو 80 رجلاً، ومن رجال مسلم 160 رجلاً. والأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت مئتي حديث وعشرة.

وقد أورد الشيخان البخاري، ومسلم في صحيحيهما كثيراً من الأحاديث التي يمتنع صدورها عن النبي (ص) ذكر المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين منها أربعين حديثاً لراوي واحد، وهو أبو هريرة الدوسي في كتابه الذي عنونه به، وجعلها نموذجاً لأحاديثه. قائلاً: «الأذواق الفنية لا تسيغ كثيراً من أساليب أبي هريرة في حديثه، والمقاييس العلمية عقلية ونقلية لا تقّرها. وحسبك عنواناً لهذه الحقيقة أربعون حديثاً صحت عنه الخ». ثم ساق الأحاديث بتعاليقها. وعد فصلاً لانكار السلف

____________
___
_______________

(1) النصائح الكافية ص 93

(2) انظر ص 274 - 275

لأحاديثه(1).

وبحث الاستاذ محمود أبو ريّة عن أبي هريرة، وأحاديثه في كتابه (أضواء على السّنة المحمدية). ثم تّوسع في البحث، ونشره في كتاب بعنوان (شيخ المضيرة). وقد أثبت فيه أن أبا هريرة كان وضاعاً يدلّس في حديثه، ويستقي من كعب الأحبار، الذي بث اسرائيلياته من طريقه وقد كّذبه الصحابة، وردّوا عليه في حياته باعترافه. وانقطع الى بني أمية فوضع أحاديث في فضل معاوية، وأخرى على الامام علي (ع). كما وأن له أحاديث لا يمكن قبولها، أخرجها عنه البخاري، ومسلم في صحيحيهما وأنه لم يصحب النبي (ص) إلا سنة، وتسعة أشهر، ثم انتقل الى البحرين لا كما اشتهر من صحبته ثلاث، أو أربع سنين. وعلى كلا التقديرين فقد روى عن النبي (ص) عدداً ضخماً من الأحاديث بلغت 5374 حديثاً، أخرج البخاري منها 446 حديثاً.

ولذا كبر على الاستاذ أبي زهرة وجماعته أن يمس أبو هريرة، لأن كشف حاله يوجب خدش أصول حديثهم التي اعتمدوا عليها، يقول أبو زهرة: «... كأولئك الذين لا يحلو لهم إلا أن يتهجموا على الصحابي أبي هريرة، ليهدموا البخاري، ومسلماً، وغيرهما من كتب السنة الصحاح»(2).

وعليه كيف تكون رواية البخاري ومسلم عن أمثال أولئك الرواة، وأمثال تلك الأحاديث عملية تهذيب وتشذيب، كما يقوله الدكتور؟، ليكون «كتابهما أصح الكتب بعد كتاب اللّه العزيز»، كما ينقله الدكتور عن ابن الصلاح بدون تعقيب.

وإن غاية ما يقال في اعتبار صحاح أهل السنة: إن مؤلفيها قد اجتهدوا

____________
___
_______________

(1) ابو هريرة ص 54 - 182

(2) الامام الصادق ص 460

في صحة أخبارها، فالبخاري اجتهد في صحة الأحاديث التي أثبتها في صحيحه، وهكذا كل مؤلف اجتهد في صحة أحاديث كتابه، وقلّدهم خلفهم في ذلك، كتقليدهم في فروع الفقه مذاهب أربعة على وجه الحصر فأين عملية التهذيب الشاملة «التي أجراها المحدثون عند أهل السنة، والتي تمخض عنها ظهور الصحاح الستة المعروفة»؟.

نعم هناك جماعة أجروا عملية تهذيب لأحاديث أهل السنة بعد ظهور الصحاح الستة، لا قبلها لتكون وليدة تلك العملية. منهم السيوطي في كتابه (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة). ومنهم الحسن بن محمد الصغاني في كتابه (الدرر الملتقطة). ومنهم أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي ألفّه لهذا الغرض. ومنهم محمد طاهر بن علي الهندي الفتني في كتابه (تذكرة الموضوعات). وقد جمعه من كتب ألّفت في هذا الموضوع، أشار اليها بقوله: «ومما بعثني اليه أنه اشتهر في البلدان (موضوعات الصغاني) وغيره، وظني أن إمامهم كتاب ابن الجوزي ونحوه....... وأنا أورد بعض ما وقع في (مختصر) الشيخ محمد بن يعقوب الفيروزابادي........ وفي (المقاصد الحسنة) للشيخ العلامة أبي الخير شمس الدين السخاوي، وفي كتاب (اللآلئ) للشيخ جلال الدين السيوطي، وفي كتاب (الذيل) له، وفي كتاب (الوجيز) له، و(موضوعات الصغاني)، و(موضوعات المصابيح) التي جمعها الشيخ سراح الدين عمر بن علي القزويني، و(مؤلّف) الشيخ علي بن ابراهيم العطار، وغير ذلك الخ»(1). وسبق الاشارة أيضاً الى ذلك(2).

وثانياً: في كتب الحديث عند الشيعة الامامية، حيث ذكر الدكتور

____________
___
_______________

(1) تذكرة الموضوعات ص 3 - 4

(2) انظر ص 136

الكتب الثمانية المشهورة منها(1)، ونظر اليها على مستوى واحد، فحكم بأن أحاديثها خام لم يجر عليها عمليات تهذيب وتشذيب الى يومنا هذا.

ويوهنه الأدلة السابقة التي ثبت بها أن ثقات رواة الامامية، والقدماء من مؤلفي كتبهم الأربعة، ونظائرها من الكتب المعتبرة قد أجروا أكبر عملية تهذيب للأحاديث، حتى لم يبق مجال للقول بتسرّب الأحاديث المدسوسة الى تلك الكتب. كما أنهم صرفوا العمر في سبيل انتقاء الأحاديث الصحيحة بنظرهم، وقد استغرقت جهود الشيخ الكليني في ذلك زمناً يناهز ربع القرن حتى انتج كتابه (الكافي)، وشهد بصحة جميع أحاديثه. كما شهد الصدوق بصحة أحاديث كتابه (الفقيه)، وأنها الحجة فيما بينه وبين اللّه تعالى.

ولم أدر كيف لا تعتبر تلك الجهود عملية تهذيب لتكون كتبنا الأربعة ونظائرها ناجمة عنها؟، فهي تفوق ما أجراه المحدثون من أهل السنة عند جمع أحاديث صحاحهم الستة. مع الغض عما سبق من النقاش في بعض رواتها، وأحاديثها.

وإنا وإن لم نلتزم بصحة جميع أحاديث كتاب ما، بل ننظر إليها من طريق مدارك حجية خبر الواحد، وقواعد الجرح والتعديل، لكنا نقول: إن مؤلفي تلك الكتب الأربعة، ونظائرهم من قدامى المؤلفين لم يوردوا في كتبهم كل حديث رأوه أو سمعوه، وإنما اجتهدوا، وأجهدوا أنفسهم في انتقاء ما كان معتبراً لديهم على ضوء قرائن التصحيح، وأصول التزكية، ولذا اهتموا بطرق الأحاديث، والبحث عنها. ولا نعرف شيئاً وراء ذلك يسمى تهذيباً، وتشذيباً. فالحكم بخلو جميع تلك الكتب من عملية

____________
___
_______________

(1) وهي الكافي 1 ، الفقيه 2 ، التهذيب 3 ، الاستبصار 4 ، الوافي 5 الوسائل 6 ، مستدرك الوسائل 7 ، بحار الأنوار 8.

التهذيب، وجريانها في جميع الصحاح الستة عند أهل السنة، فيه حيف ظاهر.

وقد صرح الدكتور بأن الناتج عن فقدان عملية التهذيب بقاء الأحاديث الضعيفة بجانب الأحاديث المعتبرة في بعض المجموعات الحديثية عند الشيعة ومثّل لذلك ب(الكافي والفقيه والبحار). ولا ندري ما يعني بالبعض الآخر الذي لم يبق فيه حديث ضعيف من الكتب الثمانية.

وقد أجمل الدكتور في قوله: «تسرب أحاديث الغلاة... الى بعض كتب الحديث عند الشيعة»، حيث يصلح لارادة كل كتاب من تلك الثمانية، وإن قال عن أحاديث (البحار) عند ذكره: «وربما كان بعضها موضوعاً».

وحيث كان عملنا بالأخبار على ضوء تلك المدارك والقواعد فلا يمكن إعطاء ضابطة كلية تميز الأحاديث المعتبرة عن غيرها، لاختلاف مباني الفقهاء في العمل بالأخبار، كاختلافهم في الجرح والتعديل، ولذا اضطروا الى تنقيح تلك المباني، والاجتهاد فيها. وعليه فتكثر الأحاديث الضعيفة على مبنى وتقل على مبنى آخر، وقد تنعدم بالنسبة للكتب التي ادعي احتفاف أخبارها بالقرائن المفيدة للوثوق بصدورها أجمع عن المعصوم (ع).

وهذا الاختلاف في شأن الجرح والتعديل، وقواعد العمل بالحديث ثابت لدى أهل السنة أيضاً.

يبقى البحث في دعوى أن اللازم من تلك الأمور السابقة وجوب العمل بجميع الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة، ونظائرها من كتب القدماء المعتبرة.

والجواب عنها أن الثابت بتلك الأمور سلامة الأخبار الواردة في تلك الكتب من الوضع والدس، بمعنى أن كل راوي ورد في أسنادها قد حدّث

بها، لا أنها مكذوبة عليه، ومدسوسة في كتابه من قبل الواضع الداس لكنه لا يلزم من ذلك التعبد بصدورها أجمع عن الامام (ع)، لتوقف حجية الخبر على أمرين، أحدهما إحراز نقل الراوي له. ثانيهما إحراز وثاقته. والأمور السابقة إنما تثبت لنا أن الراوي كمحمد بن سنان نقل الخبر عن الامام (ع)، لا أنه مكذوب عليه. أما وثاقته فنحتاج الى إحرازها من طريق آخر، كوثاقة بقية رجال سند الخبر.

نعم لو حصل من تلك الأمور وثوق، واطمئنان بصدور تلك الأخبار بأجمعها عن المعصوم (ع) كانت حجة لذلك وإن لم يثبت وثاقة رواتها وكذا لو اطمأن الفقيه بصدور بعضها لكونه موجوداً في الكتاب المعروض على المعصوم (ع)، أو قامت القرائن على أن الجواب بخطه (ع).

وهذا جاري في اعتبار نفس الكتاب، والأصل الناقل للأخبار، حيث لا يثبت اعتباره إلا بعد إحراز وثاقة مؤلفه، وصحة نسبته اليه، فلا يجدي أحدهما. ولذا بحث الفقهاء عن صحة طرق الشيخين الطوسي، والصدوق الى أصحاب الكتب، والأصول التي نقلا عنها الأخبار، فحكموا بصحة بعضها، وضعف البعض الآخر. كما هجر كثير منهم روايات كتاب الفقه المنسوب الى الامام الرضا (ع)، لعدم ثبوت تلك النسبة لديهم.

نعم لو حصل اطمئنان بصحة نسبة الكتاب الى مؤلفه كفى وثاقته في اعتباره، وإن لم يثبت صحة الطريق اليه.

هذا كله بالنسبة للأحاديث الموضوعة،

وأما الأحاديث الصادرة تقية فقد انحصرت بالأحاديث المتعارضة، إذ لا يمكن عادة صدور الحكم عن المعصوم (ع) مخالفاً للواقع تقية ولا يصدر ما يخالفه من بيان الحكم الواقعي، لا عنه، ولا عن معصوم آخر طيلة عصور المعصومين (ع). بل ورد التصريح في بعض الأخبار بالقاء

المعصوم (ع) الخلاف في الحكم بين الشيعة حفظاً لهم من جور الحاكمين وعلل في بعض الأخبار بقوله (ع): لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم الخ»(1). وبقوله (ع): «لو صلّوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم»(2).

وقد وضع الأئمة من أهل البيت (ع) طريقاً لمعرفة الحجة من الخبرين المتعارضين، وهو عرضهما على كتاب اللّه تعالى، والأخذ بما وافقه، وترك ما خالفه. إذ لا إشكال في أن الموافق هو الذي صدر لبيان الحكم الواقعي فان لم يذكر الحكم في الكتاب أخذ بما خالف العامة، وهجر ما وافقهم إذ لا إشكال في أن الموافق هو الذي صدر تقية.

الوجه الثاني: أن العلم الاجمالي بوجود ذينك الطائفتين من الأخبار أعني الموضوعة، والصادرة تقية ضمن الأخبار الواصلة الينا، على تقدير تحققه، لا أثر له، فان هذه الأخبار على قسمين، أحدهما تضمن حكماً غير الزامي، والأخر تضمن حكماً إلزامياً. ولا أثر للعلم الاجمالي في الأول فيجري الأصل في الثاني بلا معارض، ويعمل بأخباره بعد سلامة السند والدلالة من الضعف.

ويورد عليه بأن الأثر ثابت لهذا العلم حتى في القسم الأول، من أجل استناد الفقيه الى أخباره، وفتواه على طبقها، إذ تارة يفتي الفقيه بالوجوب، وأخرى بالاستحباب، وثالثة بالكراهة، وفي جميع ذلك محتاج الى حجة يستند اليها في فتواه، وعليه فالحكم الالزامي وغيره سواء في اعتبار سلامة مدركه من الخدش، فيتنجز ذلك العلم الاجمالي.

الوجه الثالث: أن العلم الاجمالي المذكور على تقديره قد اتحل بعدم العمل بكثير من الأخبار الواصلة الينا، لأمور دعت الى ذلك، منها ضعف

____________
___
_______________

(1) الكافي ج 1 ص 65

(2) الحدائق ح 1 ص 6

سند الخبر أو دلالته، وعدم وجود الجابر لهما. ومنها شذوذه، وهجر الفقهاء له، ومنها حمله على التقية عند اقتضاء القواعد ذلك. ومنها وجود المعارض له المسقط عن الاعتبار. وعليه نحتمل بل نظن بوجود ذينك الطائفتين من الأخبار في تلك المجموعة التي لم نعمل بها، فلا يبقى لنا علم إجمالي بوجودهما ضمن أخبارنا المعمول بها.

واحتمال وجودهما بينها غير ضاير، حيث لا يعتنى باحتمال كون الخبر موضوعاً ومدسوساً بعد إطلاق دليل حجية خير الثقة، كما لا يعتنى باحتمال صدوره تقية بعد جريان أصالة الظهور، فان مقتضى حجية ظاهر الكلام أن مفاده مراد للمتكلم بالارادة الجدية، فلا عبرة باحتمال إرادة خلاف ظاهره من سخرية، أو امتحان، أو تقية، أو غيرها ما لم تقم قرينة على ذلك. هذا ما بنى عليه العقلاء عند التحاور، والتفهيم.

وخلاصة البحث أنه لم يقم دليل يمكن الركون اليه في إثبات قاعدة كلية مقتضاها حجية كل خبر اشتهر عمل الفقهاء به وإن كان ضعيف السند ووهن كل خبر اشتهر الاعراض عنه وإن كان صحيح السند.

نعم لو حصل الوثوق في مورد بصدور الخبر عن المعصوم (ع) من شهرة العمل أو غيرها كان حجة، وإن ضعف سنداً. كما أنه لو حصل الوثوق بعدم صدوره أصلاً، أو بعدم صدوره لبيان الحكم الواقعي من شهرة الاعراض، أو غيرها سقطت حجيته، وإن صح سنداً. فالعبرة بذلك الوثوق.

وعليه فلو تعارض خبران في الدلالة، أحدهما حصل الوثوق برواته والآخر بصدوره جرى عليهما أحكام المتعارضين لحجية كل منهما في نفسه.

نعم لو قلنا بانسداد باب العلم في توثيقات الرواة، واكتفينا بالظن فيها كان الخبر الموثوق بصدوره هو الحجة دون معارضه الذي حصل الظن

بوثاقة رواته. كما أنه لو انعكس الأمر، فانسد باب العلم بالنسبة للوثوق بالصدور، دون الوثوق بالرواة، كان خبر الثقة هو الحجة دون معارضه الذي حصل الظن بصدوره. أما لو انسد باب العلم فيهما كان الخبر الذي حصل الظن بصدوره معارضاً لما حصل الظن بوثاقة رواته لحجية الظن فيهما معاً. فانسداد باب العلم بالنسبة للوثوق بصدور الأحاديث الواصلة الينا لا يثبت حجية الظن به ما لم ينسد باب العلم في توثيقات الرواة، وبالعكس.

وعليه يلزم النظر في شأن التوثيقات الصادرة في حق رواة الأحاديث وهل أنها تفي بالمطلوب ليكون باب العلم منفتحاً فيها، فلا يضطر الى التنّزل الى العمل بالظن.

وتفصيل البحث عن ذلك يستدعي النظر في الأصول الرجالية التي هي المرجع في باب التوثيقات فنقول.