الأصول ورواة الحديث

وليس في تلك الأصول الرجالية الستة كتاب شامل لجميع رواة أحاديثنا بحيث يكشف عن حالهم، توثيقاً وتضعيفاً ومدحاً وجرحاً.

1 - فالشيخ الكشي اقتصر في كتاب (رجاله) على الرواة الذين ورد فيهم أحاديث مدحاً أو ذماً، وأهمل الباقين جميعاً. وبتعبير آخر، إنه اقتصر على ذكر الروايات الواردة في حق الرواة. على أن كتابه قد رماه النجاشي بكثرة الأغلاط، كما سبق(1).

2 - والشيخ النجاشي وضع كتاب (رجاله) لذكر كتب الامامية وتصانيفهم، وإنما ذكر المؤلفين لها بالعرض، فلم يذكر من ليس له كتاب من الرواة. ولذا قال في مقدمة كتابه: «فاني وقفت على ما ذكره السيد الشريف... من تعيير قوم من مخالفينا، أنه لا سلف لكم، ولا مصنّف

____________
___
_______________

(1) أنظر ص 51

وهذا قول من لا علم له بالناس... وقد جمعت من ذلك ما استطعته ولم أبلغ غايته، لعدم أكثر الكتب، وإنما ذكرت ذلك عذراً الى من وقع اليه كتاب لم أذكره... أذكر المتقدمين في التصنيف من سلفنا الصالحين».

وقد جرح وضعّف كثيراً من أولئك الرواة المؤلفين. كما لم يوثق كثيراً منهم، مثل عبد اللّه بن بكير(1) ولم يشر الى خلافه في المذهب.

3 - والشيخ الطوسي في كتابه (الفهرست) جرى على ذلك مقتصراً على ذكر كتب الشيعة من تصانيف وأصول وذكر أصحابها تبعاً لذكرها. وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه، فقال: «فاني لما رأيت جماعة من شيوح طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا (فهرست) كتب أصحابنا، وما صنّفوه من التصانيف، ورووه من الأصول، ولم أجد أحداً استوفى ذلك... عمدت الى كتاب يشتمل على ذكر المصنفات والأصول... فاذا ذكرت كل واحد من المصنّفين، وأصحاب الأصول فلا بد من أن أشير الى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعّول على روايته أولاً...

____________
___
_______________

(1) هو من وجوه الرواة الذين نقل الكشي الاجماع على تصحيح ما يصح عنهم، وتصديقهم لما يقولون، والاقرار لهم بالفقه، وقال: «قال محمد بن مسعود: عبد اللّه بن بكير، وجماعة من الفطحية، هم فقهاء أصحابنا... وعد عدة من أجلة الفقهاء العلماء»(رجال الكشي ص 239 - 221). وصرح الشيخ الطوسي بتوثيقة في (الفهرست ص 106).

نعم إن بعض المتأخرين لا يعملون بروايته من أجل أنه فطحي. لكن الحق أن اختلال مذهبه لا يضر بوثاقته، والعمل بروايته. وقد وثق النجاشي كثيراً من الفطحية ونظائرهم، فقال عند ذكر عمار بن موسى الساباطي، وأخويه قيس وصباح: «وكانوا ثقاتاً في الرواية» (رجال النجاشي ص 206).

فاذا سهل الله إتمام هذا الكتاب فانه يُطلع على أكثر ما عمل من التصانيف والأصول الخ».

فلم يذكر الشيخ في (فهرسته) غير المصنّفين وأصحاب الأصول من الرواة.

على أنه لم يجر على ما وعد به في المقدمة من الاشارة الى ما قيل فيهم «من التعديل والتجريح»، حيث أهمل توثيق كثير من وجوه الرواة، مثل زكريا بن آدم (ص 73)، وزرارة بن أعين (ص 74)، وسلمان الفارسي (ص 80)، وعبيد بن زرارة (ص 107)، وعبد الرحمن بن الحاج (ص 108)، وعمار بن موسى الساباطي (ص 117)، وليث المرادي (ص 130)، ومحمد بن اسماعيل بن بزيع (ص 139)، ومحمد بن الحسن الصفار (143)، ومحمد بن علي بن محبوب (ص 145) ومعاوية بن عمار (ص 166).

ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأن أمثال هؤلاء الرواة لا يحتاجون الى توثيق، لأن بعضهم محتاج اليه مثل عمار الساباطي الفطحي ونظائره، حيث خدش فيه جماعة، وإن اشتهر توثيقه، واعتبار حديثه، وصرح الشيخ بوثاقته في كتاب (التهذيب)، فقال: «...عمار بن موسى الساباطي وهو واحد قد ضعفه جماعة من أهل النقل، وذكروا أن ما ينفرد بنقله لا يعمل به، لأنه كان فطحياً، غير أنا لا نطعن عليه بهذه الطريقة، لأنه وإن كان كذلك فهو ثقة في النقل لا يطعن عليه فيه»(1). فكان يلزمه النص على توثيقه في (الفهرست) حسبما ألزم به نفسه. كما نص عليه النجاشي عند ترجمته(2).

على أنه لم يهمل توثيق كل من لا يحتاج اليه. ولذا وثق الشيخ الكليني

____________
___
_______________

(1) - التهذيب ج 7 ص 101

(2) رجال النجاشي ص 206

صريحاً (ص 135)، ومحمد بن أبي عمير (ص 142). وعظّم الصدوق (ص 145).

فترك الشيخ الطوسي لتوثيق راوي في كتابه (الفهرست) لا يصلح دليلاً لبنائه على عدم وثاقته.

4 - وابن الغضائري ألّف كتابه في الضعفاء من الرواة خاصة. على أنه جرح فيه كثيراً ممن لا يستحق الجرح على ما سيأتي بيانه.

5 - والبرقي لم يذكر في كتابه جرحاً ولا تعديلاً للرواة وإنما عد طبقاتهم بدون استيفاء، وإن وصف بعض أصحاب أمير المؤمنين (ع) بما سبق.

6 - والشيخ الطوسي وإن وضع كتاب (رجاله) لاستقصاء جميع الرواة من مؤلفين وغيرهم، موثقين ومجروحين، حتى الذين لم يدركوا عصر المعصومين (ع)، ولذا قال في مقدمته: «فاني أجبت الى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه من جميع كتاب يشتمل على أسماء الذين رووا عن النبي (ص)، وعن الأئمة (ع) من بعده الى زمان القائم (ع)، ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (ع) من رواة الحديث، أو من عاصرهم ولم يروِ عنهم (ع)».

لكنه لم يلتزم بالتصريح بالتوثيق في كل مورد يقتضيه. فكان غرضه استقصاء الرواة فحسب وإن صرح بتوثيق كثير منهم بالعرض. وعليه فلا يكون تركه لتوثيق راوي دالاً على عدم وثاقته عنده، ولذا أهمل النص على توثيق كثير من وجوه الرواة وثقاتهم.

منهم أبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، ذكرهما في أصحاب النبي (ص) (ص13 - 27).

ومنهم صعصعة بن صوحان، وكميل بن زياد النخعي، ذكرهما في أصحاب أمير المؤمنين (ع) (ص 45 - 56).

ومنهم أبان بن تغلب، ذكره في أصحاب علي بن الحسين (ع) (ص82). وفي أصحاب الامام الباقر (ع) (ص 106). وفي أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 151).

ومنهم محمد بن مسلم الثقفي، ذكره في أصحاب الامام الباقر (ع) (ص 135). وفي أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 300). وفي أصحاب الامام الكاظم (ع) (ص358).

ومنهم زرارة بن أعين، ذكره في أصحاب الامام الباقر (ع) (ص 123)، وفي أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 201) ولم يوثقه فيهما، وذكره في أصحاب الامام الكاظم (ع)(1) (ص 359) ووثقه.

ومنهم ليث المرادي أبو بصير، ذكره في أصحاب الامام الباقر (ع) (ص 134)، وفي أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 278)، وفي

____________
___
_______________

(1) إن تأخر وفاة زرارة عن وفاة الامام الصائق (ع) يقضي بامكان روايته عن الامام الكاظم (ع)، ليصح عده من أصحابه (ع)، كما فعله الشيخ الطوسي في كتاب (رجاله). لكنه ورد في الأحاديث أن زرارة كان بالكوفة، فوصله نبأ وفاة الامام الصادق (ع)، فأرسل ولده عبيداً ليفحص عن الامام (ع) بعده، ثم توفي قبل رجوع ولده (رجال الكشي ص 102 - 104)، ومقتضاه أن زرارة لم يصحب الامام الكاظم (ع) ولم يروِ عنه. بالاضافة لما صرح به الشيخ المامقاني بقوله: «وقد تصفحنا (وسائل الشيعة) الجامعة لأخبار الكتب الأربعة من البدو الى الختام في أيام متتالية فلم نجد لزرارة عن أبي الحسن موسى (ع) رواية واحدة، ولا يعقل روايته في غير الفروع وعدم روايته في الفقه مع كونه عمدة فنه ولا يصدق كونه من أصحاب الكاظم (ع) مع عدم روايته عنه» (تنقيح المقال ج 1 ص 445).

أصحاب الامام الكاظم (ع) (ص 358).

ومنهم زكريا بن آدم القمي ذكره في أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 200)، وفي أصحاب الامام الرضا (ع) (ص 377)، وفي أصحاب الامام الجواد (ع) (ص 401).

ومنهم معاوية بن عمار ذكره في أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 310).

فهؤلاء الأعاظم من ثقات الرواة لم ينص الشيخ الطوسي على توثيقهم إلا زرارة وثقه في باب وترك توثيقه في بابين. أفهل يمكن القول بأن الشيخ الطوسي لم يبنِ على وثاقتهم؟ كلا.

وهؤلاء مثال للرواة الذين ترك الشيخ توثيقهم في كتاب (رجاله) وإلا فهم كثيرون. بل لم يوثق أحداً من أصحاب الحسن والحسين وعلي بن الحسين (ع)، ولم يذكر توثيقاً لأحد من أصحاب رسول اللّه (ص) وأمير المؤمنين (ع)، إلا بعض كلمات التعظيم للنادر منهم، مثل وصف سلمان الفارسي بأنه من الأركان (ص 43)، ووصف زيد بن صوحان بأنه من الأبدال (ص 41).