حول تعدد الراوي

ثم إن الشيخ الطوسي وضع كتاب (رجاله) على قسمين. أحدهما أعده لذكر الرجال الذين رووا عن النبي (ص) أو عن الأئمة المعصومين - عليهم السلام - بعده. ثانيهما أعده لذكر الرجال الذين لم يعاصروا الأئمة (ع) أو عاصروهم ولكن لم يرووا عنهم.

ولازم هذا ثبوت التغاير بين الرواة المذكورين في القسم الأول،

والمذكورين في القسم الثاني وإن اشتركوا في الأسماء، كسائر الرواة المشتركين فيها. وعليه فلو ذكر شخصاً في أحد القسمين فوثقه، وذكره ثانياً في القسم الثاني بدون توثيق، ولم يحصل التمييز بينهما لا يصح العمل بروايته اعتماداً على ذلك التوثيق بعد احتمال أنه الثاني الذي لم يوثق. فيجري عليه جميع أحكام المشترك حتى لو صدر التوثيق من غير الشيخ لراوي بهذا الاسم.

وقد حدث ذلك في القاسم بن محمد الجوهري، حيث ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 276)، وفي أصحاب الامام الكاظم (ع) (ص 358)، وفي باب (من لم يروِ عن الأئمة (ع) ص 490)، فان ذكره في أصحاب الامامين (ع) وإن لم يدل على تعدده، لعدم المانع من رواية شخص واحد عنهما معاً، وإنما الاشكال في ذكره ثالثاً في ذاك الباب. ولذا استظهر ابن داود منه التعدد في (رجاله) حيث قال: «إن الشيخ ذكر القاسم بن محمد الجوهري في رجال الكاظم - عليه السلام - ، وقال: كان واقفياً. وذكر في باب من لم يروِ عن الأئمة (ع): القاسم بن محمد الجوهري روى عنه الحسين بن سعيد. فالظاهر أنه غيره، والأخير ثقة»(1).

وأورد عليه استاذنا المحقق الخوئي بأن ذكر الشيخ الطوسي للرجل في ذينك القسمين لا يكشف عن تعدده، وإنما يدل على أنه صحب الامام (ع) ولم يروِ عنه بالذات بل بالواسطة، حيث أعد القسم الأول لذكر من صحب الأئمة (ع) سواء روى عنهم بالذات، أو بالواسطة، وأعد القسم الثاني لذكر من لم يرو عنهم (ع) بالذات. نعم لو ذكر رجلاً في القسم الثاني وذكره في باب أصحاب النبي (ص) من القسم الأول دل على تعدده، حيث عنون تلك الباب بمن روى عن النبي (ص) من الصحابة، فيختص بمن

____________
___
_______________

(1) رجال ابن داود ص 276 - 277

روى عنه بالذات دون الراوي بالواسطة، فيختلف باب أصحاب النبي (ص) عن أبواب أصحاب الأئمة (ع).

ويندفع هذا بما صرح به الشيخ الطوسي في مقدمة كتاب (رجاله) فقال: «... كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (ص) وعن الأئمة من بعده الى زمان القائم (ع)، ثم أذكر بعد ذلك من تأخر زمانه عن الأئمة (ع) من رواة الحديث، أو من عاصرهم ولم يرو عنهم».

فقد أخذ في القسم الأول عنوان الراوين عن الأئمة (ع) لا المصاحبين لهم، كالراوين عن النبي (ص)، فلا فرق إذن بين أصحاب النبي (ص) وأصحاب الأئمة في اشتراط الرواية، حيث ذكرهما في سياق واحد. وأخذ في القسم الثاني عنوانين. أحدهما من تأخر زمانه عن الأئمة (ع) من الرواة، أي لم يدركهم. وروى عنهم بالواسطة. ثانيهما من عاصر الأئمة (ع) ولم يرو عنهم، سواء لم يرو أصلاً، أو روى بالواسطة، إن لم يرد بذلك خصوص الرواة المعاصرين، وإلا اختصّ بمن روى عنهم بالواسطة، ويكون نظره إلى نفي الرواية بالذات، فلا يشمل من لم يرو عنهم(ع) أصلاً.

وهذا التزام من الشيخ الطوسي بأن الراوي المعاصر للامام (ع) الذي لم يرو عنه بالذات إنما يذكره في القسم الثاني فيختص الأول بمن روى عن الامام (ع) بالذات، ويشمل الثاني من عاصر الامام (ع) من الرواة ولم يرو عنه بالذات، ومن لم يعاصره. فلا يتم ما أفاد الاستاذ حول وحدة الراوي المذكور في كلا القسمين.

نعم كُتب عند ذكر أبواب الراوين عن الأئمة (ع) عنوان الأصحاب مثل «أصحاب أبي عبد اللّه (ع)» ولكنه لاينافي ما ذكره الشيخ في صدر الكتاب من اختصاص القسم الأول بالراوين، ويكون المراد بذكر

الأصحاب خصوص الراوين بالذات. على أنه لم يكتب ذلك في باب من روى عن أمير المؤمنين (ع)، وإنما عنون ب«أسماء من روى عن أمير المؤمنين». بل لم يعلم أن الشيخ نفسه قد وضع عناوين تلك الأبواب فلاينافي كلامه في صدر كتابه.

وهذا بحث نافع بالنسبة لبعض الرواة. منهم الجوهري السابق. ومنهم غياث بن ابراهيم، حيث ذكره الشيخ الطوسي في أصحاب الامام الباقر (ع) (ص 132) بعنوان «غياث بن ابراهيم بتري». وذكره في أصحاب الامام الصادق (ع) (ص 270) قائلاً: «غياث بن ابراهيم أبو محمد التيمي الأسدي أسند عنه، وروى عن أبي الحسن عليه السلام». وذكره في باب (من لم يرو عنهم (ع) ص 488) قائلاً: «غياث ابن ابراهيم روى محمد بن يحيى الخزاز عنه».

نعم إن استبعاد اشتراك شخص مع آخر في اسمه، واسم أبيه، ولقبه حاصل، إلا أنه لا يوجب الوثوق بالاتحاد بعد وجود ما يقتضي التعدد، مثل ذكرهما في ذينك القسمين من (رجال الشيخ). ويضعف ذلك الاستبعاد عند اختلافهما في اللقب.

وقد اختلف الرجاليون في الحكم بالوحدة والتعدد في محل البحث، ولذا قال الشيخ المامقاني: «إن مما شاع بين أواخر علماء الفن الحكم باتحاد اثنين جزماً أو ظناً أو احتمالاً بمجرد اشتراكهما في الاسم، أو فيه واسم الأب أو فيهما وفي الكنية، أو في الكنية أو في اللقب فقط، ولهم في ذلك سابق من الأوائل في جملة من الموارد...... وقد جرى الأواخر على هذا المسلك في جملة كثيرة من الرجال، كما ستسمع، سيما الناقد والوحيد، وذلك في نظري القاصر خطأ صرف لا يساعد عليه طريق شرعي بعد كونه حدساً صرفاً، وتخميناً محضاً، وأي ملازمة بين اتحاد الاسم، أو اسم الأب،

أو الكنية، أو اللقب، وين اتحاد الشخصين بعد وجود المايز بينهما الخ»(1).

______________________
___
_______________

(1) تنقيح المقال ج 1- المقدمة ص 203.