حول
انسداد باب العلم في التوثيقات
ولما عرفته
من حال أصولنا الرجالية يقوى القول: بانسداد باب
العلم في التوثيقات والاكتفاء بالظن فيها. كما
اختاره المحقق القمي قائلاً: «فالأولى أن يقال: إن
ذلك من باب الظنون الاجتهادية المرجوع اليها عند
انسداد باب العلم، وليس من باب الشهادة، ولا
الرواية المصطلحة»(2).
ولأجله
التجأ المحقق الهمداني الى العمل بكل خبر وصفه
القدماء بالصحة، وترك الفحص عن حال الرواة مستدلاً
عليه بأنه «... لا يكاد يوجد رواية يمكننا إثبات
عدالة رواتها على سبيل التحقيق لولا البناء على
المسامحة في طريقها، والعمل بظنون غير ثابتة
الحجية الخ»(3).
لكن يشكل
الأمر فيما لو اختلف الفقهاء في خبر، فصححه جماعة
وعملوا به، وضعّفه آخرون وتركوه، فما هو الحكم عند
ترك الفحص عن حال الرواة؟.
واستدل
بانسداد باب العلم في العدالة على كفاية تزكية
العدل الواحد فقيل: «... أن العلم بالعدالة متعذر
غالباً فلا يناط التكليف به، بل بالظن، وهو يحصل من
تزكية الواحد.
وقد علّق
الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني على هذه الدعوى بقوله:
«... وربما وجهت بالنسبة الى موضع الحاجة من هذا
البحث، وهو عدالة الماضين من رواة الحديث، بأن
الطريق الى ذلك منحصر في النقل
______________________________
(2) قوانين
الأصول ص 467.
(3) مصباح
الفقيه - الصلاة ص 12
والقدر
الذي يفيد العلم منه عزيز الوجود بعيد الحصول الخ».
ثم أورد على ذلك بأمور.
الأول: «ان
تحصيل العلم بعدالة كثير من الماضين، وبرأي جماعة
من المزكّين أمر ممكن بغير شك من جهة القرائن
الحالية والمقالية، إلا أنها خفّية المواقع متفرقة
المواضع، فلا يهتدي الى جهاتها، ولا يقتدر جمع
أشتاتها إلا من عظم في طلب الإصابة جهده الخ».
الثاني:
«سلمنا ولكن نمنع كون تزكية الواحد بمجردها مفيدة
للظن كيف وقد علم وقوع الخطأ فيها بكثرة الخ».
الثالث:
«سلمنا ولكن العمل بالظن مع تعذر العلم في أمثال
محل النزاع مشروط بانتفاء ما هو أقوى منه، ولا ريب
أن الظن الحاصل من خبر الواحد الذي استفيدت عدالته
من تزكية الواحد قد يكون أضعف مما يحصل من أصالة
البراءة أو عموم الكتاب الخ»(1).
وجميع ما
أفاده قابل للنقاش.
أما الأول
فقد اعترف فيه بأن تحصيل العلم بعدالة كثير وإن كان
ممكناً لكنه ليس بمحض الشهادة، بل بالقرائن
الحالية والمقالية الخفية المواقع المتفرقة
المواضع المحتاجة الى جهد عظيم. وإذا كان حال
القرائن هكذا في زمانه قبل ما يقرب من أربعة قرون
فكيف بزماننا، وأين توجد تلك القرائن المفيدة
للعلم في هذا العصر، بحيث توجب لنا انفتاح بابه في
شأن وثاقة الرواة؟. على أن حكم تلك القرائن مختص بمن
قامت لديه فلا تكون حجة بالنسبة لغيره، نظير دعوى
احتفاف جميع أخبار كتبنا الأربعة بقرائن تفيد
القطع بصدورها عن المعصوم (ع).
وأما
الثاني فلا نسلّم ما ذكره فيه من عدم حصول الظن من
تزكية
______________________________
(1) منتقى
الجمان ج 1 ص 15 - 19 - 20
الواحد،
فان العلم بعروض الخطأ في بعض الموارد غير ضاير
بالنسبة للموارد الأخرى التي لم يعلم وقوع الخطأ
فيها، كما هو الحال في سائر الإخبارات الحسية
والحدسية. نعم قد لا يحصل الظن في بعض الموارد لأمر
ما، فتسقط التزكية عن الاعتبار، لكنه لا يثبت بذلك
أن تزكية الواحد لا تفيد الظن مطلقاً. على أن إيراده
مختص بتزكية العدل الواحد، وبحثنا عن مطلق الظن
بوثاقة الراوي سواء حصل من تلك التزكية أو غيرها
لعدم الفرق بين أسباب حصوله.
وأما
الثالث فأجنبي عن محل البحث، حيث يدور بحثنا حول
الظن بالعدالة، لا الظن بالأحكام كي يصح القول: بأن
الظن بالحكم الحاصل من البراءة، أو عموم الكتاب قد
يكون أقوى من الظن بالحكم الحاصل من خبر الواحد
الذي استفيدت عدالته من تزكية الواحد. على أنه بعد
ما فرضنا كفاية الظن في التعديل، وأخبرنا ذلك العدل
بما ينافي أصل البراءة أو عموم الكتاب، لا مناص من
العمل بخبره، إذ لا يبقى موضوع لجريان الأصل. ولا
عموم بعد ورود الدليل الخاص.
|