تحقيق البحث

وتحقيق البحث أن يقال: بناء على ما اشتهر بين جميع المسلمين من كفاية تزكية العدل الواحد في باب التوثيق، للأدلة التي أقيمت على ذلك غير دليل الانسداد. وقد سبق الاشارة اليها (1). وبناء على قبول شهادة المتأخرين فيه، كابن طاووس والعلامة وابن داود ونظائرهم، لثبوت احتمال الحسن فيها، لا مجال لدعوى انسداد باب العلم في التوثيق، فان ضم

____________
___
_______________

(1) انظر ص 60 ، وما بعدها.

توثيقات القدماء الى توثيقات المتأخرين، وبعض القرائن التي يمكن تحصيلها يغنينا عن التنزّل الى العمل بالظن، إلا إذا تحكّم إشكال مراسيل التوثيقات وسيأتي البحث عنه.

أما بناء على اشتراط التعدد في التزكية، كما اختاره الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، ونسبه الى جماعة من الأصوليين والى المحقق الحلي(1) يقوى القول بانسداد باب العلم، لتعذر تحصيل شهادة عدلين بالنسبة لكل راوي من الثقات.

نعم إن المرحوم السيد حسن الصدر ألّف رسالة في خصوص من تعدد توثيقه من الرواة سماها (عيون الرجال)، وقال في مقدمتها: «قد التمس السيد الأجل... أن أصنّف رسالة فيمن تعدد توثيقه من الرواة لتخف المؤونة على من كان لا يرى التزكية من باب الخبر، أو من باب الظنون الاجتهادية، بل يراها من باب الشهادة. وقد حققنا المسألة في (نهاية الدراية)(2)، وحكينا فيها رأي المحقق بن سعيد في اشتراط قبول العدالة بشهادة اثنين من ثقات الامامية الخ».

لكنه لا يخفى عدم وفاء تلك الرسالة بالمطلوب، لكثرة الرواة وقلة من ذكر فيها. وقد اعترف السيد المصّنف - قدست نفسه - بأن رسالته مخففة للمؤنة، لا رافعة لها.

كما أنه يقوى القول بالانسداد بناء على عدم العبرة بشهادة أولئك المتأخرين في شأن التوثيق بدعوى ضعف احتمال الحس في شهادتهم، لفصل الزمن الطويل بينهم وبين من وثقوهم من الرواة، فإن الاقتصار على

____________
___
_______________

(1) منتقى الجمان ج 1 ص 14.

(2) وهو كتاب للسيد الصدر في علم الدراية شرح به (الرسالة الوجيزة) للشيخ البهائي.

التوثيقات الواردة في أصولنا الرجالية لا تفي بالمطلوب وإن ضممنا اليها ما ذكره الشيخ المفيد في (إرشاده)(1)، والشيخ الصدوق في بعض كلماته، وما ورد في بعض أسناد الأحاديث من أوصاف الراوي، مثل حدثني فلان وكان رجلاً صالحاً، أو صادقاً، أو ثقة. فان جميع ذلك قليل بالنسبة لكثرة الرواة، فكيف يصح البناء على ضعف أكثر الرواة لأجل عدم توثيق القدماء لهم، خصوصاً اذا لم يكونوا من المؤلفين وأصحاب الكتب؟.

____________
___
_______________

(1) قال الشيخ المفيد في (الارشاد ص 307) : فممن روى صريح النص بالامامة من أبي عبد اللّه - عليه السلام - على ابنه أبي الحسن موسى - عليه السلام - من شيوح أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السلام - وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين - رحمة اللّه عليهم - المفضّل بن عمر الجعفي، ومعاذ بن كثير، وعبد اللّه الرحمان بن الحجاج، والفيض بن المختار، ويعقوب السراج، وسليمان بن خالد، وصفوان الجمال، وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب، وقد روى ذلك من إخوته إسحاق وعلي ابنا جعفر - عليه السلام - ، وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه اثنان».

وقال في (ص 325): «فممن روى النص على الرضا علي بن موسى - عليهما السلام - بالامامة من أبيه، والإشارة اليه منه بذلك من خاصته وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته، داود بن كثير الرّقي، ومحمد بن اسحاق بن عمار، وعلي بن يقطين، ونعيم القابوسي، والحسين بن المختار، وزياد بن مروان، والمخزومي، وداود بن سليمان، ونضر بن قابوس، وداود بن زربي، ويزيد بن سليط، ومحمد بن سنان».