حول وثاقة
مشايخ الاجازة
ولأجل قلة
التوثيقات اضطروا الى القول: بأن مشايخ الاجازة
أجمع لا يحتاجون الى توثيق، حيث لم ينص على توثيق
كثير منهم، فجعلوا الشيخوخة كافية في اعتبار
الحديث. وصرح الوحيد البهبهاني: بأن المتعارف عد
شيخوخة الاجازة من أسباب الحسن، ونقل عن ظاهر
المجلسي الأول والميرزا محمد الاسترابادي دلالتها
على الوثاقة، وأن المحقق البحراني قال: مشايخ
الاجازة في أعلى درجات الوثاقة والجلالة(1).
ويرجع ذلك
الى وجه اعتباري، وهو أن الشيخ لا يركن اليه في
الاجازة إلا اذا كان ثقة، أو حسن الظاهر ممدوحاً،
فيحصل من وصفه بالشيخوخة وثوق باعتباره، ولذا قال
المحقق الهمداني: «ولا شبهة في أن قول بعض المزكّين:
بأن فلاناً ثقة. أو غير ذلك من الألفاظ التي اكتفوا
بها في تعديل الرواة لا يؤثر في الوثوق أزيد مما
يحصل من إخبارهم بكونه من مشايخ الاجازة الخ»(2).
لكن خالف
في ذلك جماعة فلم يعتبروها، إلا إذا وثق الثقة
مشايخه إجمالاً فيقبل. كما فعله النجاشي، وهو
بمنزلة التوثيق التفصيلي، أو وصف الشيخ بما أوجب
مدحه فيكون حسناً.
وبهذا أورد
الفيض الكاشاني على تنويع الحديث قائلاً: «فان
كثيراً من الرواة المعتنين بشأنهم الذين هم مشايخ
لمشايخنا المشاهير الذين يكثرون الرواية عنهم
ليسوا بمذكورين في كتب الجرح والتعديل بمدح ولا
قدح،
______________________________
(1) تعليقة
منهج المقال ص 9.
(2) مصباح
الفقيه - الصلاة ص 12.
ويلزم على
هذا الاصطلاح أن يعد حديثهم في الضعيف الخ»(1).
وللسيد بحر
العلوم مسلك آخر في تصحيح روايات مشايخ الاجازة،
حيث قال عند البحث عن حال سهل بن زياد: «ان الرواية
من جهته صحيحة، وإن قلنا: بأنه ليس بثقة. لكونه من
مشايخ الاجازة، لوقوعه في طبقهم، فلا يقدح في صحة
السند كغيره من المشايخ الذين لم يوثقوا في كتب
الرجال وتعد أخبارهم - مع ذلك - صحيحة.. لسهولة الخطب
في أمر المشايخ، فانهم إنما يذكرون في السند لمجرد
الاتصال والتبرك، وإلا فالرواية من الكتب والأصول
المعلومة، حيث أنها كانت في زمان المحمدين الثلاثة
ظاهرة معروفة كالكتب الأربعة في زماننا، وذكرهم
المشايخ في أوائل السند كذكر المتأخرين الطريق
اليهم مع تواتر الكتب، وظهور انتسابها الى مؤلفيها
الخ»(2).
وهو صريح
في عدم كون الشيخوخة إمارة الوثاقة، واعتبار حديث
الشيخ من أجل تواتر الكتب والأصول التي أخذ منها.
ولكن من
الغريب أن السيد بعد ذلك عقد فائدة لاثبات عدم
تواتر تلك الكتب وأقام الشواهد على ذلك(3).
نعم إن
مشايخنا السالفين الذين اشتهرت وثاقتهم والركون
اليهم كأصحاب الكتب الأربعة ونظائرهم لا يحتاجون
الى توثيق، فان تلك الشهرة أقوى بمراتب من توثيق
عدل أو عدلين، وهذا غير كون الراوي شيخ إجازة وقد
نبه عليه الشهيد الثاني بقوله: «تعرف العدالة
العزيزية في الراوي بتنصيص عدلين عليها،
وبالاستفاضة بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل
______________________________
(1) الوافي ج
1 ص 11
(2) رجال
السيد بحر العلوم ج 3 ص 25 ، وما بعدها.
(3) رجال
السيد بحر العلوم ج 4 ص 147 ، وما بعدها.
وغيرهم من
أهل العلم، كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن
يعقوب الكليني وما بعده الى زماننا هذا، لا يحتاج
أحد من هؤلاء المشايخ الى تنصيص على تزكية ولا
تنبيه على عدالة، لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم
وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة، وإنما يتوقف على
التزكية غير هَؤلاء الرواة من الذين لم يشتهروا
بذلك ككثير ممن سبق على هؤلاء الخ»(1).
وعلى فرض
البناء على وثاقة مشايخ الاجازة فلا يصح التعدي
عنهم الى كل شيخ يروي عنه الثقة، لما رأيناه
بالوجدان من ضعف بعض مشايخ الأعاظم، فقد روى الصدوق
عن احمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد النيسابوري
المرواني، الذي قال عنه في كتاب (العلل)(2): «وما لقيت
أنصب منه». ونظيره في كتاب (معاني الأخبار)(3). وقال
في كتاب (العيون)(4): «وما لقيت أنصب منه، وبلغ من
نصبه أنه كان يقول: اللهم صل على محمد فرداً. ويمتنع
من الصلاة على آله».
ومع قلة
التوثيقات الصادرة من القدماء لا تجدي بالنسبة
لصنفين من الرواة.
______________________________
(1) الدراية
للشهيد الثاني ص 69
(2) أنظر ج 1
ص 128
(3) أنظر ص 56
(4) أنظر ج 2
ص 279 - 280
|