توثيقات
المتأخرين
سبق البحث
(1) في أن توثيق الرجالي لراوي شهادة منه بوثاقته،
فيعتبر استناده الى الحس، ويكفينا احتمال ذلك، فلا
يقبل الحدسي منه.
ومن هنا
نشأ الاشكال في قبول التوثيقات الصادرة عن
المتأخرين كالعلامة ونظائره، بدعوى ضعف احتمال
الحس فيها، لفصل الزمن الطويل بينهم وبين من وثقوه
من الرواة، فيبتني توثيقهم على اجتهادات حدسية إذ
لو كان هناك طريق حسي معتبر للتوثيق لاطلع عليه
القدماء كالشيخ الطوسي ونظائره. وعلى ذلك بنى
أستاذنا المحقق الخوئي، فرد توثيقات المتأخرين
مطلقاً.
لكنه ضعيف
لوجود احتمال الطريق الحسي المعتبر فيها، إذ كم
استدرك المتأخرون على القدماء أموراً فاتتهم. ولذا
قال الشهيد الثاني: «.... ولكن ينبغي للمائز في هذه
الصناعة... تدبّر ما ذكروه ومراعاة ما قرروه، فلعله
يظفر بكثير مما أهملوه، ويطلع على توجيه في القدح
والمدح قد أغفلوه، كما اطلعنا عليه كثيراً ونبهنا
عليه في مواضع كثيرة وضعناها على كتب القوم الخ»(2).
وسبق أن
كتب القدماء الرجالية غير الأصول كثيرة فيمكن وصول
بعضها إلى العلامة ونظائره بطريق معتبر، فاعتمدوا
عليها في التوثيق والتضعيف بالاضافة لما عرفته من
حال أصولنا الرجالية، وعدم وجود كتاب فيها يكشف عن
حال جميع رواة أحاديثنا مدحاً وجرحاً وتوثيقاً
وتضعيفاً. ليصح القول: بأن إهمالها لتوثيق راوي
دليل على عدم وجود الطريق المعتبر
______________________________
(1) أنظر ص 60
- 61
(2) الدراية
للشهيد الثاني ص 63
الى
توثيقه. بل يلزم من ذلك الاشكال في توثيق الشيخ
الطوسي لراوي ذكره النجاشي فلم يوثقه وبالعكس، حيث
يمكن القول: بأنه لو وجد طريق معتبر لتوثيقه لاطلع
عليه الآخر. نعم لو ذكر الموثق مدرك التوثيق ولم نره
مدركاً لا نقبل توثيقه كما في القدماء.
وللسيد بحر
العلوم كلام متين عند البحث عن وثاقة ابراهيم بن
هاشم حيث قال: «الثاني توثيق كثير من المتأخرين،
كما سبق النقل عنهم، ولا يعارضه عدم توثيق الأكثر،
لما عرفت من اضطراب كلامهم، ولأن غايته عدم الاطلاع
على السبب المقتضي للتوثيق، فلا يكون حجة على
المطلع لتقدم قول المثبت على النافي ودعوى حصر
الأسباب ممنوعة فان (في الزوايا خبايا)، وكثيراً ما
يقف المتأخر على ما لم يطلع عليه المتقدم، وكذا
الشأن في المتعاصرين، ولذا قبلنا توثيق كل من
النجاشي والشيخ لمن لم يوثقه الآخر أو لم يوثقه من
تقدم عليهما. نعم يشكل ذلك مع تعيين السبب وخفاء
الدلالة، لأن أكثر الموثقين هنا لم يستند الى سبب
معين فيكون توثيقه معتبراً»(1).
ثم ان
الفقهاء أجمع يعتبرون توثيقات الشيخ الطوسي
والنجاشي ونظائرهما من القدماء مطلقاً حتى إذا
وثقوا بعض أصحاب النبي (ص) وأمير المؤمنين - عليه
السلام - ، مع أن الفصل بين الموثِّق والموثَّق يزيد
على أربعمائة سنة فان النجاشي توفي سنة (450 هجري)،
والشيخ الطوسي توفي سنة (460 هجري) فلو كان فصل الزمن
الطويل بينهما مانعاً من قبول التوثيق لضعف احتمال
الحس كيف تقبل تلك التوثيقات؟.
وعلى فرض
عدم قبول توثيقات المتأخرين يلزم انسداد باب العلم
في التوثيق كما سبق، ويتنزل الى العمل بالظن فتقبل
لذلك، لأنها تفيده،
______________________________
(1) رجال
السيد بحر العلوم ج 1 ص 463
والنتيجة
قبولها إما لعدم الفرق بينهما وبين توثيقات
القدماء، وإما لافادتها الظن الانسدادي.
|