حول اعتبار ابن الغضائري

الأولى أن أحمد بن الغضائري مؤلف هذا الكتاب هل يقبل جرحه وتعديله، وإن كان والده الحسين بن عبيد اللّه من فقهاء المشايخ الثقات الأقدمين أستاذ الشيخين الطوسي والنجاشي، وقد أكثرا من الرواية عنه. وإنما البحث عن ولده احمد.

وحاله غير معلوم من كتب القدماء، فان الكشي سابق على زمانه، والشيخ الطوسي لم يذكره في كتابيه وإن استطرد ذكره في مقدمة (فهرسته) وكذا النجاشي في (رجاله) أهمل ذكره إلا استطراداً عند النقل عنه، وقد ترحما عليه. ولذا اعترف جماعة بعدم الوقوف على جرح فيه، ولا تعديل، وحكي تصريح المجلسي في (البحار) بعدم اعتماده عليه كثيراً.

وقال الميرزا محمد عند ذكره جرح ابن الغضائري لابراهيم بن عمر الصنعاني: «لا بحث على أن الجارح ليس بمقبول القول، نعم ربما قبل قوله عند الترجيح أو عدم المعارض، فانه مع عدم توثيقه قد كثر منه القدح في جماعة لا يناسب ذلك حالهم». وعلّق عليه الوحيد البهبهاني بقوله: «... إن ابن الغضائري غير مصرح بتوثيقه، ومع ذلك قلّ أن يسلم أحد من جرحه أو ينجو من قدحه... ملاحظة حاله توهن الوثوق بمقاله»(1).

ومع هذا القدح فيه من الوحيد فقد وثقه عند ترجمته في باب احمد بن الحسين(2)، فقال: «والظاهر أنه من المشايخ الأجلة والثقات الذين لا يحتاجون الى النص بالوثاقة وهو الذي يذكر المشايخ قوله في الرجال، ويعدوّنه في جملة الأقوال، ويأتون به مقابل أقوال الأعاظم الثقات، ويعبروّن عنه بالشيخ، ويذكرونه مترحماً، ويكثرون من ذكر قوله

____________
___
_______________

(1) منهج المقال وتعليقته ص 24 - 25

(2) أهمل الميرزا محمد في (منهج المقال) ذكر احمد بن الغضائري في (باب احمد) الذي ناسب ذكره فيه، وإنما ذكره في (باب المصدّر بابن)، فقال: «ابن الغضائري هو احمد بن الحسين بن عبيد اللّه الغضائري لم أجد تصريحاً من الأصحاب بتوثيق ولا ضده» (ص 398). لكن الوحيد البهبهاني عكس في تعليقته فلم يذكره في الباب الثانية، وذكره في الأولى (ص 35).

والاعتناء بشأنه». وقال عند ترجمة الصنعاني: «ومن تتبع (الخلاصة) بل والنجاشي أيضاً وجد أنهما يقبلان قوله مطلقاً... ومن تتبع كلام ابن طاووس وجده كثير الاعتماد عليه عظيم الاعتقاد به».

هذا غاية ما يمكن أن يقال: في اعتبار ابن الغضائري، وقبول جرحه وتعديله. ونقول: أما الترحم فقد سبق(1) الحديث عنه، وأنه لا يثبت مدحاً ولا توثيقاً، حيث يصح على كل بر وفاجر.

وأما الشيخوخة فكذلك لا يثبت بها توثيق الشيخ ولا مدحه، كما سبق(2).

وأما اعتماد العلامة على ابن الغضائري فقد ثبت في (خلاصته) حيث قال عند ذكر ظفر بن حمدون: «قال النجاشي: إنه من أصحابنا. وقال ابن الغضائري... كان في مذهبه ضعف. الأقوى عندي التوقف في روايته(3) لطعن هذا الشيخ فيه». وذكر صباح بن قيس بن يحيى المزني في القسم الثاني من (خلاصته)، لأن ابن الغضائري ضعّف حديثه وإن قال عنه النجاشي: «ثقة ثقة»(4).

والنقاش في توثيقات العلامة بأنه من المتأخرين فيضعف احتمال وجود طريق حسي فيها، وأنه يعتمد على خبر كل إمامي لم يجرح، فقد سبق الجواب عنه(5).

____________
___
_______________

(1) أنظر ص 95

(2) أنظر ص 173، وما بعدها

(3) قد الترم العلامة بذكر من يتوقف في روايته في القسم الثاني من (خلاصته)، كما نص عليه في مقدمتها، وفي أول القسم الثاني. وعليه فذكر ظفر بن حمدون في القسم الأول مع توقفه في روايته جرى على خلاف ما التزم به.

(4) خلاصة الرجال ص 44 - 110

(5) أنظر ص 189 ، وما بعدها

وهنا نقاش يخص محل البحث، وهو اضطراب كلام العلامة في العمل بقول ابن الغضائري، فيأخذ به تارة كما سبق، ويهجره أخرى كما في ترجمة ابراهيم بن عمر الصنعاني، حيث قبل روايته وذكره في القسم الأول من (خلاصته) لتوثيق النجاشي له وإن ضعفه ابن الغضائري صريحاً وهكذا في ترجمة سهل بن احمد بن عبد اللّه حيث ذكره في القسم الأول معتمداً عليه لقول النجاشي: «لا بأس به». وإن قال عنه ابن الغضائري «كان يضع الأحاديث»(1).

ولذا قال الوحيد البهبهاني: «والأولى أن يقال: إن بناء (الخلاصة) على التعديل والجرح، وترجيحه قول شيخ على آخر ليس من نفس توثيقهم وجرحهم... ولذا ربما يرجّح ابن الغضائري على النجاشي... مع أنه في الغالب يرجح النجاشي الخ»(2). وقال الشيخ المامقاني: إن العلامة «كثيراً ما يقّدم تعديل النجاشي على جرح ابن الغضائري في مقام ليس له مستند سوى أن ظاهره عدم الاعتماد على ابن الغضائري الخ»(3).

ولكن اعتماده على قوله ولو في مورد واحد يكشف عن اعتباره لديه وتقديم قول النجاشي عليه أحياناً لا يضر بذلك، حيث تكون هناك جهات مرجحة له، كما في تقديم قوله على قول النجاشي.

وأما اعتماد ابن طاووس عليه فكاعتماد العلامة كاشف عن اعتباره لديه وهو يغني في قبول قوله بناء على ما سبق من الاكتفاء بتوثيق أمثاله.

وأما اعتماد النجاشي عليه فهو العمدة، حيث نقل عنه في كتاب (رجاله) بلا واسطة في ثلاثة وعشرين مورداً حسبما استقصيت الكتاب وسيرته، وسبق (4) توثيق النجاشي لشيوخه الذين يروي عنهم بدون واسطة

____________
___
_______________

(1) خلاصة الرجال ص 4 - 40

(2) تعليقة منهج المقال ص 24

(3) تنقيح المقال ج 1 ص 58

(4) أنظر ص 184

وبذلك يثبت وثاقة احمد بن الغضائري واعتباره.