الحجة من
الأخبار لدى القدماء
الأول:
الأخبار المحفوفة بتلك القرائن. ولأجله صحح
الكليني والصدوق رحمهما الله جميع الأخبار التي في
كتابيهما (الكافي والفقيه)، وإن كان فيها الضعاف
بلحاظ السند، قال الكليني في مقدمة كتابه: «.. ويأخذ
منه من يريد علم الدين، والعمل بالآثار الصحيحة عن
الصادقين عليهم السلام الخ». وقال بعد روايات ذكرها
في ميراث ابن الأخ: «هذا قد روي، وهي أخبار
صحيحة»(3)، وقال الصدوق في مقدمة كتابه: «بل قصدت الى
ايراد ما أفتي وأحكم بصحته، وأعتقد فيه انه حجة
فيما بيني وبين ربي»، ولذا قال الفيض الكاشاني: «
وقد جرى صاحبا كتابي (الكافي والفقيه) على متعارف
المتقدمين في اطلاق الصحيح على ما يركن اليه،
ويعتمد عليه فحكما بصحة جميع ما أورداه في كتابيهما
من الأحاديث، وإن لم يكن كثير منه صحيحاً على مصطلح
المتأخرين»(4).
_
__________________
(3) الكافي ج
7 ص 115.
(4) الوافي ج
1 ص 11.
الثاني
الأخبار التي رواها الموثوقون في النقل الممدوحون
في السيرة، ولأجله شرعوا في الجرح والتعديل
تمييزاً للأخبار الضعيفة السند عن غيرها وقد ألفوا
مجموعة كبيرة من الكتب في التراجم وبيان أحوال
الرواة غير الأصول الرجالية المعروفة الآتية
الذكر، فألف البرقي _ أحمد بن محمد بن خالد _ المتوفى
سنة 274 أو 280 هجري كتابه المعروف ب (رجال البرقي ) (1)
المطبوع أخيراً منضماً الى (رجال ابن داود).
__________________
(1) رجال
النجاشي ص 55 _ 69 وفهرست الشيخ الطوسي ص 21 _ 28.
وكتب ابن
عقدة _ أحمد بن محمد بن سعيد _ المتوفى سنة 333 هجري
عدة كتب في الرواة عن أهل البيت عليهم السلام منها
(كتاب الرجال) الذي جمع فيه الراوين عن الإمام
الصادق(2) وهم أربعة آلاف رجل، وأخرج لكل رجل الحديث
الذي رواه(3) وألف الصدوق المتوفى سنة 381 هجري كتابه
الرجالي الكبير المسمى ب (المصابيح) المشتمل على
خمسة عشر مصباحاً ذكر فيها الراوين عن النبي (ص) من
الرجال والنساء، والراوين عن الزهراء وعن الأئمة
المعصومين (ع)، وذكر في المصباح الاخير الرجال
الذين خرجت اليهم توقيعات من الإمام المنتظر عجل
الله تعالى فرجه(4).
وجروا على
هذا النهج حين العمل بالروايات، فاعتبروا صفات
الراوي ولذا قال الصدوق في مقدمة كتابه (المقنع): «
وحذفت الاسناد منه، لئلا يثقل حمله، ولا يصعب حفظه،
ولا يمله قاريه، اذا كان ما أبينه فيه في الكتب
الأصولية موجوداً مبيناً على المشائخ العلماء
الفقهاء الثقات رحمهم الله الخ»، وقال في كتابه
(الفقيه) (5): «وأما خبر صلاة يوم غدير خم، والثواب
المذكور فيه لمن صامه، فان شيخنا محمد بن الحسن _
رضي الله عنه _ كان لا يصححه، ويقول: إانه من طريق
محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة، وكل مالم
يصححه... من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح».
_____________________________
(2) رجال
النجاشي ص 55 _ 69 وفهرست الشيخ الطوسي ص 21 _ 28.
(3) خلاصة
الرجال للعلامة ص 98.
(4) رجال
النجاشي ص 377.
(5) انظر ج 2
ص 55.
وجاء في
مقدمة كتاب (كامل الزيارات) لابن قولويه « لكن ما
وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا رحمهم الله
برحمته، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشذاذ من
الرجال يؤثر ذلك عن المذكورين غير المعروفين
بالرواية المشهورين بالحديث والعلم». ومثله ورد في
مقدمة كتاب (مزار محمد بن المشهدي).
وقال الشيخ
الطوسي عند استدلاله على حجية خبر الواحد الذي لا
يطعن في روايته: « ومما يدل أيضاً على صحة ما ذهبنا
اليه أنا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذه
الأخبار، ووثقت الثقات منهم وضعفت الضعفاء، وفرقوا
بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على
خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم،
وقالوا: فلان متّهم في حديثه وفلان كذاب وفلان
مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان
واقفي. وفلان فطحي وغير ذلك من الطعون التي ذكروها،
وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنونا الرجال من جملة ما
رووه من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحداً منهم
اذا انكر حديثاً نظر في اسناده وضعفه بروايته. هذه
عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم. فلولا ان
العمل بما يسلم من الطعن ويرويه من هو موثوق به
جائز. لما كان بينه وبين غيره فرق، وكان يكون خبره
مطرحاً مثل خبر غيره، فلا يكون فائدة لشروعهم فيما
شرعوا فيه من التضعيف والتوثيق، وترجيح الأخبار
بعضها على بعض، وفي ثبوت ذلك دليل على صحة ما
اخترناه(1).
_
__________________
(1) عدة
الأصول ص 58.
وهذا
البيان من الشيخ الطوسي صريح في أن التوثيق
والتضعيف والمدح والذم لرواة الأحاديث. كان
معروفاً لدى القدماء ومعمولا به عندهم فكانوا
يلحظون رجال سند الحديث حين العمل به. وعلى ذلك جرى
السيد ابن طاووس، فنقح ما أسسوه باطلاق لفظ الصحيح
على الامامي(1) الموثق ولفظ الحسن على الامامي
الممدوح، وخص لفظ الموثق بغير الامامي.
_______________
(1) وهو
المعتقد بامامة الأئمة الاثني عشر فقط من أهل البيت
(ع).
اذا وثق،
ولفظ الضعيف بغير الثلاثة تمييزاً لرجال الحديث
بعضهم عن بعض. وبالطببع تتصف الأحاديث نفسها بهذه
الأوصاف تبعاً لأوصاف رواتها. ولا ضير في ذلك.
فلم يحدث
السيد ابن طاووس شيئاً يستحق ان تثار الضجة من أجله
وإنما جرى على سنة القدماء في شأن تمحيص الرواة،
وعمل بالأدلة القائمة على حجية كل خبر اعتبر راويه
لتوثيق. او مدح.
ولعل
كثيراً من القائلين بحدوث التنويع. يعنون به ما
ذكرناه من تجديده وتنقيحه من قبل السيد ابن طاووس،
لكن هذا ليس له تلك الأهمية، ولا يناسب مزيد اعتناء
الاخباريين في توهينه.
فالقدماء
والمتأخرون متفقون على انقسام الخبر بلحاظ رجال
سنده الى الحجة، وغير الحجة، وانما البحث في تعيين
مصاديقهما. كما أنهم متفقون على العمل بالخبر الذي
احتف بقرينة أوجبت حصول القطع بصدوره عن المعصوم
(ع)، وان كان ضعيف السند. ولذا عمل كثير من المتأخرين
بأخبار الرواة الذين ادعى الكشي الاجماع على (تصحيح
ما يصح عنهم). ولم ينظروا الى حال الواسطة بينهم
وبين المعصوم (ع)، بناء على اقتران أحاديثهم بما
يوجب الوثوق بصدورها عنه (ع). كما اشتهر بين
المتأخرين أن عمل قدماء الفقهاء بخبر ضعيف يوجب
اعتباره. فيكون عملهم بمنزلة القرينة المصححة
للخبر.
وقد اعترف
الفيض الكاشاني بذلك، وقال، «وعلى هذا جرى العلامة
والشهيد في مواضع من كتبهما، مع أنهما الأصل في
الاصطلاح الجديد الخ»(1).
غايته أن
تلك القرائن متوفرة لدى القدماء، ونادرة لدى
المتأخرين وسبق الاشارة اليه، ولذا يقول الشيخ حسن
بن الشهيد الثاني: « وغير خافٍ انه لم يبق لنا سبيل
الى الاطلاع على الجهات التي عرفوا منها ما ذكروا
حيث حظوا بالعين، وأصبح حظنا الأثر... ولو لم يكن الا
انقطاع طريق الرواية عنا من غير جهة الاجازة التي
هي أدنى مراتبها لكفى بها سبباً لإباء الدراية على
طالبها»(2).
وخلاصة
البحث أن حجية الخبر تثبت بأحد امرين، إما: سلامة
سنده من الضعف، وإما: احتفافه بقرينة الصحة، وقد
عمل القدماء والمتأخرون بهذين القسمين معاً،
وذكرهما الشيخ الطوسي بقوله: «إن خبر الواحد إذا
كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالامامة،
وكان ذلك مروياً عن النبي (ص)، او عن احد من الأئمة
(ع)، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديداً في
نقله، ولم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه
الخبر _ لانه إان كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان
الاعتبار بالقرينة، وكان ذلك موجباً للعلم _... جاز
العمل به. والذي يدل على ذلك اجماع الفرقة المحقة،
فاني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الأخبار التي
رووها في تصانيفهم، ودونوها في أصولهم، لا
يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه الخ»(3).
__________________
(1) الوافي ج
1 ص 11.
(2) منتقى
الجان ج 1 ص 3.
(3) عدة
الأصول ص 51.
وحيث عرفت
صحة تنويع الحديث، فقد عرفوا كل نوع بما يميزه عن
الآخر.
|