تحقيق البحث

فهنا دعويان: إحداهما حجية مضمرات أجلة الرواة وفقهائهم. الثانية عدم حجية مضمرات غيرهم.

أما الأولى فان الراوي لمّا أسند الحكم في حديثه الى غيره بالضمير لم نحتمل فيه استناده الى رأيه وإن قلنا بصحة اجتهاد أولئك الفقهاء في عصر المعصوم (ع)، فيدور الأمر بين استناده الى المعصوم (ع) بعود الضمير اليه، وبين استناده الى غيره من أهل الرأي والفتوى. وحيث فرضنا الراوي من الأجلة الذين لا نحتمل فيهم أن يستفتوا غير المعصوم (ع) عن أحكام الدين تعين صدور الحكم عن المعصوم (ع) فكان حجة.

فزرارة ومحمد بن مسلم ويونس بن عبد الرحمان ونظائرهم من فقهاء رواة حديث أهل البيت (ع) كانوا مرجع الشيعة في الحكم والفتوى. وقد نّوه الأئمة (ع) بفضلهم، وأرجعوا الشيعة اليهم، ورغبوا في أن يفتوا بينهم. فيحصل الوثوق بأنهم لا يستقون الحكم من غير المعصوم (ع).

بل كانوا مرجع غير الشيعة من المسلمين عندما يرتج عليهم باب الحكم فلا يهتدون اليه إلا بمصباح أولئك الفقهاء الذي استمد نوره من أهل بيت الوحي (ع). ولذ لمّا اختصم رجلان الى ابن أبي ليلى في جارية اشتراها أحدهما من الآخر فلم يجد على رَكبَها شعراً فقال: «أيها القاضي إن كان عيباً فاقض لي به... فأتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له أي شيء تروون عن أبي جعفر (ع) في المرأة لا يكون على ركبها شعر أيكون ذلك عيباً؟. فقال له محمد بن مسلم: أما هذا نصاً فلا أعرفه، ولكن حدثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه (ع) عن النبي (ص) أنه قال: كل

ما كان في أصل الخلقُ فزاد أو نقص فهو عيب. فقال له ابن أبي ليلى: حسبك. ثم رجع الى القوم فقضى لهم بالعيب»(1).

وكانوا يناظرون فقهاء العامة وينقضون بعض فتاواهم. فروى عمر بن أذينة قضاء ابن أبي ليلى في واقعة. وقول محمد بن مسلم الثقفي له: «أما إن علي بن أبي طالب (ع) قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت فقال: وما علمك بذلك. قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (ع) يقول: قضى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) برد الحبيس، وإنفاذ المواريث. فقال ابن أبي ليلي: هذا عندك في كتاب. قال: نعم. قال: فأرسل وأئتني به. قال له محمد بن مسلم: على أن لا تنظر في الكتاب إلا في ذلك الحديث. قال: لك ذاك. قال: فأراه الحديث عن أبي جعفر (ع) في الكتاب، فرّد قضيته»(2).

ولذا قال الشهيد الثاني عند ترجيح كون الراوي عبد الرحمان بن سيابة في رواية تردد راويها بينه وبين عبد اللّه بن سنان: «ويؤيده كونه سأل ابن أبي ليلى في ذلك، ومن المستبعد جداً أن عبد اللّه بن سنان الفقيه الجليل الامامي سأل ابن أبي ليلى في ذلك، بل الموجود في الأخبار أن ابن أبي ليلى كان يسأله ويسأل أصحابه مثل محمد بن مسلم وغيره عن كثير من المسائل»(3). وقال الشيخ يوسف البحراني عند ذكر مضمر رواه زرارة والفضيل بن يسار: «.... وإن كان إضمار مثل هذين العمدتين غير ضائر، لأنه من المعلوم أنهما وأمثالهما لا يعتمدون على غير الامام عيه السلام»(4).

____________
___
_______________

(1) الكافي ج 5 ص 215 - 216

(2) الكافي ج 7 ص 34 - 35

(4) الحدائق ج 4 ص 226

(3) المسالك ج 1 - كتاب الوصايا - مبحث الوصية المبهمة

بل إن فقاهة أولئك الرواة، ومعرفتهم بمزايا الأحكام وفن الحديث تمنع من نقلهم كلام غير المعصوم (ع) بأسلوبهم الذي ينقلون به الأحاديث عن المعصومين (ع) حذراً من عروض الالتباس ولو بعد حين. وسبب الاضمار أحد أمور.

الأول: وجود القرينة المعيّنة للامام (ع) الذي صدر عنه الحكم عند نقل الراوي، فاتكل عليها في معرفة مرجع الضمير، حالية كانت أو مقالية.

الثاني: التقية فلم يجرأ الراوي على التصريح بالامام (ع) خوفاً من ولاة الجور وأذنايهم، حتى أن الرجل في بعض تلك العصور إذا حّدث عن الامام علي (ع) قال: «عن أبي زينب». كما سبق(1).

الثالث: تقطيع الأحاديث عند نقلها عن الأصول وتبويبها في المجاميع الواصلة الينا، كما أشار اليه الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، فان فقهاء الرواة كانوا يسألون الامام (ع) عن عدة فروع في مجلس واحد أو أكثر ثم يحررون الجميع في أصولهم، وينقلونه الى غيرهم، فيصرحون في صدر الكلام بالامام المسؤل ويعطفون عليه مضمرين، كما في أسئلة علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع). ولما بّوب مشايخنا الأحاديث قطّعوها، وذكروا كل قطعة في بابها فعرض الاضمار.

وأما الدعوى الثانية، وهي عدم حجية مضمرات باقي الرواة فمن أجل توقف الحجية على إحراز استناد الحكم الى المعصوم (ع) ولو تعبداً بنقل الثقة عنه، وهذا لم يثبت هنا، إذ كما يحتمل استناده اليه (ع) يحتمل استناده الى بعض فقهاء الامامية الذين أمرهم الامام (ع) بالافتاء بين الناس، لتعذر الوصول اليه غالباً، وأمر الشيعة بالرجوع اليهم وأخذ الحكم منهم، ولذا نقل عنهم

____________
___
_______________

(1) أنظر ص 131 ، وما بعدها

كثير من التفاوى في كتب الفقه. كما يحتمل استناده الى بعض فقهاء العامة حيث كانوا قضاة حكّام الدولتين الأموية والعباسية، فيرجع بعض الشيعة اليهم في الحكم أحياناً لاضطرار أو جهل، واليك بعض الشواهد على ذلك.

فروى عبد الرحمان بن سيابة فقال: «إن امرأة أوصت اليَّ، وقالت: ثلثي يقضى به ديني وجزء منه لفلانة. فسألت عن ذلك ابن أبي ليلى، فقال: ما أرى لها شيئاً، ما أدري ما الجزء؟. فسألت بعد ذلك أبا عبد اللّه (ع) عنه... فقال (ع): كذب ابن أبي ليلى: لها عشر الثلث، إن اللّه عز وجل أمر ابراهيم (ع) فقال: اجعل على كل جبل منهن جزءاً (1). وكانت الجبال يومئذٍ عشرة، فالجزء هو العشر من الشيء»(2).

وروى أبو ولاد الحنّاط قائلاً: «اكتريت بغلاً الى قصر ابن هبيرة... فتوجهت نحو النيل... فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلل منه.... فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل... فقال ما أرى لك حقاً... فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئاً الخ»(3).

وروى خالد بن بكير الطويل فقال: «دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يا بني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به... فقدمتني أم ولد أبي بعد وفاة أبي الى ابن أبي ليلى... فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي فقلال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك الخ»(4).

____________
___
_______________

(1) البقرة / 260

(2) - الوسائل ح 2 ب 54 - الوصايا

(3) الكافي ج 5 ص 290 - التهذيب ج 7 ص 215.

(4) الوسائل ح 2 ب 92 - الوصايا.

وروى ابراهيم بن هاشم مرفوعاً فقال: «سألت امرأة أبا عبد اللّه (ع) فقالت: إني كنت أقعد في نفاسي عشرين يوماً حتى أفتوني بثمانية عشر يوماً. فقال أبو عبد اللّه (ع): ولمَ أفتوك بثمانية عشر يوماً. فقال رجل: للحديث الذي روي عن رسول اللّه (ص) أنه قال لأسماء بنت عميس حيث نفست بمحمد بن أبي بكر الخ»(1).

فان الظاهر أن المفتين فقهاء العامة مستندين الى ما رووه عن النبي (ص) في قصة أسماء. وعلى فرض أن المفتين غيرهم فهم غير الامام (ع) جزماً.

وروى خلف بن حماد فقال: «تزوج بعض أصحابنا جارية معصراً لم تطمث(2) فلما افتضها سال الدم فمكث سائلاً لا ينقطع نحواً من عشرة أيام... فسألوا عن ذلك فقهاءهم كأبي حنيفة وغيره من فقهائهم فقالوا: هذا شيء قد أشكل الخ»(3).

ولا يدل قوله «فسألوا عن ذلك فقهاءهم» على أن السائلين كانوا من العامة، إذ لا مانع من إضافة الفقهاء الى العامة لا إلى السائلين قبال فقهائنا وقد تعارف هذا التعبير. وعلى فرض كون السائلين منهم فالزوج من الشيعة.

وبعد هذا كيف يثق الفقيه باستناد الحكم في الحديث المضمر الى المعصوم (ع). وتقطيع الأحاديث عند تبويبها لا يثبت ذلك، وإنما يذكر علة للاضمار بعد إحراز استناده اليه (ع) من طريق آخر مثل كون الراوي من الفقهاء الذين لا نحتمل فيهم أن يسألوا غير المعصوم (ع).

____________
___
_______________

(1) الوسائل ح 7 ب 3 - النفاس

(2) الجارية المعصر زنة مكرم التي أول ما أدركت وحاضت، أو أشرفت على الحيض ولم تحض. والطمث الدم، وطمثت المرأة تطمث بالضم حاضت. (أنظر مجمع البحرين، مادتي عصر، وطمث).

(3) الكافي ج 3 ص 92.

وعليه فلا يتم استدلال الشيخ حسن في (المعالم) بعروض التقطيع على حجية جميع الأحاديث المضمرة. وأما قوله: «لا يليق بمن له أدنى مسكة أن يحدّث بحديث في حكم شرعي، ويسنده إلى شخص مجهول بضمير ظاهر في الاشارة الى معلوم». فانما يتم فيما لو أسند الراوي الحكم إلى شخص مجهول حال نقله. لكنه لم يثبت، فإن الراوي أسنده الى معلوم إما صريحاً أو بالقرائن وقد خفي علينا فتردد بين الامام (ع) وغيره، فاذا انتفى احتمال الغير لكون الراوي من الفقهاء والأعيان كان حجة وإلا فلا. فلم يحصل الترديد في الحكم الوارد في المضمر بين إسناده الى الامام (ع)، أو الى شخص مجهول ليتم ما ذكره، بل يحتمل إسناده الى غير الامام (ع) وهو معلوم حال التكلم، وإنما خفي علينا. وكما يكون التقطيع علة للاضمار فيما لو كان المسؤل هو الامام (ع) يمكن عروض ما يوجب الاضمار لو كان المسؤل غيره.

على أنه قد يكون هناك دواعي لإخفاء المسؤل من قِبل الراوي نفسه، كما في التقية لو كان المسؤل هو الامام (ع)، فالشخص الذي أسند اليه الحكم وإن كان مجهولاً للمخاطب لكنه معلوم للمتكلم.

وعليه فلم يقم دليل يثبت حجية الأحاديث المضمرة مطلقاً. وذكر المشايخ لها في مجاميعهم لا يثبت إلا اجتهادهم في صدور أحكامها عن المعصوم (ع) وهو لا يكفي في إثبات صدورها عنه (ع).