تحقيق
البحث
والتحقيق
أن الراوي الذي وُقف عليه إن لم يكن من الفقهاء
الذين لا نحتمل أن يأخذوا الحكم من غير المعصوم (ع)
فلا إشكال في عدم حجية حديثه الموقوف، حيث يلحق
بمضمره ويجري فيه حكمه. وإن كان من أولئك الفقهاء
فالاشكال في موقوفه من أجل عدم إسناد الحكم فيه الى
غيره ليقال بقيام القرائن على أن ذلك الغير هو
المعصوم (ع)، وعليه فنحتمل أنه رأي رآه وأفتى به
بناء على ما هو الحق من ثبوت الاجتهاد والفتوى في
عصر المعصوم (ع) من قِبل فقهاء الرواة، وأنهم كانوا
يستنبطون الحكم من الأصول والأدلة العامة الصادرة
عن أهل البيت (ع) عند فقد النص الخاص، ويجتهدون عند
الجمع بين الأخبار المتعارضة باجراء قواعد التعارض
فيها، ولذا نقل عنهم كثير من الفتاوى في صف فتاوى
الفقهاء في عصر الغيبة. واليك بعضها.
قال الشهيد
الثاني عند البحث عن ميراث المجوس اذا ترافعوا الى
حكّام الاسلام: «وقد اختلف الأصحاب فيه فقال يونس
بن عبد الرحمان: إنهم يتوارثون بالنسب والسبب
الصحيحين دون الفاسدين وتبعه التقي وابن إدريس...
وقال الفضل بن شاذان وجماعة منهم المصنف في هذا
(المختصر والشرح): إن المجوس يتوارثون بالنسب
الصحيح والفاسد والسبب الصحيح لا الفاسد»(1). ويونس
بن عبد الرحمان من أصحاب الامامين الكاظم والرضا (ع)
والفضل بن شاذان من أصحاب الامامين الهادي
والعسكري (ع).
______________________________
(1) شرح
اللمعة ج 2 ص 322
وقال الشيخ
يوسف البحراني عند البحث عن كراهة الاقعاء في جلوس
الصلاة: «بل ادعى الشيخ في (الخلاف) عليه الاجماع.
ونقل القول بالكراهة المحقق في (المعتبر) عن معاوية
بن عمار ومحمد بن مسلم من القدماء». والأول من أصحاب
الامامين الصادق والكاظم (ع)، والثاني من أصحاب
الامامين الباقرين (ع).
وقال عند
البحث عن مشروعية القنوت بالفارسية: «اختلف
الأصحاب في جواز القنوت بالفارسية فمنعه سعد بن عبد
اللّه، وأجازه محمد بن الحسن الصفار، واختاره ابن
بابويه والشيخ في (النهاية) والفاضلان وغيرهم».
وسعد بن عبد اللّه عاصر الامام العسكري (ع)، ومحمد
بن الحسن الصفار صحبه (ع).
وقال عند
البحث عن وجوب تسع تسبيحات في الركعتين الأخيرتين:
«ذهب اليه الصدوق بن بابويه وأسنده في (المعتبر
والتذكرة والذكرى) الى حريز بن عبد اللّه السجستاني
من قدماء الأصحاب الخ»(1). وهو من أصحاب الامام
الصادق (ع).
ومن هنا
أطلق عنوان الفقهاء على جماعة من أصحاب المعصومين
(ع) ورواة حديثهم، وسمّى الشيخ الكشي ثمانية عشر
رجلاً منهم، وهم أصحاب الاجماع الذين سبق البحث عن
أحاديثهم، فليس كل راوي فقيهاً يمكنه استنباط
الحكم والفتوى.
وحيث
احتملنا استناد الحكم الوارد في الحديث الموقوف
الى اجتهاد الراوي وفتواه لا تثبت به السّنة التي
يجب اتباعها.
نعم بناء
على أن الرواة في عصر المعصومين (ع) لم يستعملوا
آراءهم في استنباط الحكم وإنما كانوا متعبّدين
بنقل ما سمعوه من أقوال الامام (ع)
______________________________
(1) الحدائق
ج 8 ص 312 - 371 - 412
ورأوه من
أفعاله فان فقدوا ذلك توقفوا حتى يصل اليهم الحكم
عنه (ع) وليس للتفقه والاجتهاد في عصرنا الحاضر عين
ولا أثر في تلك العصور ينتفي احتمال استناد الحكم
الى رأي الراوي كما انتفى احتمال استناده الى غير
المعصوم (ع)، لكن الراوي من الفقهاء، فيتعين
الاحتمال الثالث وهو نقله عن المعصوم (ع)، لكنه لا
يدرى أن النقل باللفظ أو بالمعنى كما لا يدرى أنه
نقل عن المعصوم (ع) بالذات ليكون مسنداً أو بالواسطة
ليكون مرسلاً. بل لا بد من الواسطة على فرض النقل عن
الامام الذي لم يعاصره الراوي. وحيث لا علم لنا بحال
الواسطة يجري حكم المرسل على الحديث الموقوف ويسقط
عن الاعتبار.
وهذا جاري
أيضاً في موقوف غير الفقهاء من الرواة، بعد الغض عن
الاشكال السابق في مضمرهم، ولذا ألحق بعض الفقهاء
الأحاديث الموقوفة بالمراسيل مطلقاً.
نعم يمكن
القول بأنه لو كان هناك واسطة بين الراوي والامام
(ع) لذكرها، فاهمالها قرينة عدمها، كما أن الأصل
يقتضي العدم عند الشك فيها، ويؤيده بعض الأحاديث
المروية مقطوعة في باب، مسندة في باب آخر بلا واسطة.
لكن هذا لا يرفع احتمال الواسطة، فلم يثبت صدور
الحكم عن المعصوم (ع) ليجب التعّبد به.
|