تعريف القياس

وقد اختلفوا في تعريف القياس فقال الشيخ الطوسي: «حد القياس هو إثبات مثل حكم المقيس عليه في المقيس.... وقد أكثر الفقهاء والأصوليون في حد القياس، وأحسن الألفاظ ما قلناه». ثم قال: «... إن القياس محظور استعماله في الشريعة، لأن العبادة لم تأتِ به، وهو مما لو كان جائزاً في العقل مفتقر في صحة استعماله في الشرع الى السمع القاطع للعذر الخ«(2).

وذكر له الشيخ الخضري من أهل السّنة تعاريف خمسة، وأفاد: أن الثابت عند المقايسة أمران، أحدهما المساواة بين المقيس والمقيس عليه في الوصف الذي استنبط الفقيه أنه علة الحكم كالمساواة بين الخمر والنبيذ في الاسكار، ثانيهما ظن المجتهد أن الحكم في الفعلين واحد وهو طلب الاجتناب وهو أثر الأمر الأول، فأيهما القياس أهو المساواة بينهما في العلة المستبطة أم وحدة الحكم فيهما؟، يفهم من بعض التعاريف الأول مثل تعريف ابن

____________
___
_______________

(2) عدة الأصول ص 253 ، وما بعدها

الهمام له ب«مساواة محل لآخر في علة حكم له شرعي لا تدرك بمجرد فهم اللغة»، ويفهم من البعض الآخر الثاني مثل تعريف البيضاوي له ب «إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت» وبما أن القياس حجة أقامها الشارع لتعرف الأحكام لم يرض المتأخرون بتعريف البيضاوي ونظائره، بل أخذوا لفظ المساواة فيه، لأن مساواة المحلين في العلة هي التي تصلح أن تكون معّرفة للحكم ودليلاً.

فاشترطوا في القياس أن يكون للحكم المعلوم علة يدركها العقل ثم توجد العلة في محل آخر. وقالوا: «لا يشترط أن يكون ثبوتها في الفرع قطعياً، بل يجوز أن تكون ثابتة بدليل مظنون». واكتفوا بظن المجتهد أن الحكم في الفعلين واحد(1).

وتسمى تلك العلة بالمستنبطة قبال العلة المنصوصة في الدليل. والأولى هي التي أنكر الأئمة من أهل البيت (ع) بناء الأحكام عليها وأقاموا الشواهد على بطلانها، لقصور العقل عن إدراك علل الأحكام فلا يصح بناؤها على تلك التخمينات والمناسبات والظنون التي لم تثبت حجيتها في الشرع بل ثبت عدمها بالأدلة التي سبق الاشارة الى بعضها. «قل ءآللّه أذن لكم أم على اللّه تفترون»(2).

ولذا لم يكن العمل بالقياس معروفاً في صدر الاسلام، بل هناك تصريحات للصحابة والتابعين بمنعه ذكرها ابن حزم الأندلسي في (رسالته) وقال: «ثم حدث القياس في القرن الثاني فقال به بعضهم وأنكره سائرهم وتبرأوا منه». وعّلق عليه سعيد الأفغاني بقوله: «ويؤكد ابن حزم قوله هذا في كتابه (الاحكام) فيقول: إنه بدعة حدثت في القرن الثاني

____________
___
_______________

(1) أصول الفقه للخضري ص 317 ، وما بعدها.

(2) يونس / 59

ثم فشا وظهر في القرن الثالث»(1).

____________
___
_______________

(1) ملخص إبطال القياس ص 5.