العلة المنصوصة

وأما الثاني وهو الدليل المقرون بها فقد شاع التمثيل له بقول المشّرع: «الخمر حرام لأنه مسكر». فبحثوا عن أن التعليل بالاسكار هل يقضي بالتعدي عن مورد الحكم الى كل مسكر وإن لم يكن خمراً أم يقتصر على مورده وهو الخمر، فلا يكون لمنصوص العلة مزية على غيره؟.

وهذا البحث وإن كان له أثر مهم بالنسبة للأحكام المعللة لكن لا أثر له فيما ذكروه من المثال لدلالة الأحاديث العديدة على حرمة المسكر بعنوانه مثل صحيح الفضيل بن يسار عن الامام الصادق (ع) أنه قال: «قال رسول اللّه (ص): كل مسكر حرام. قال: قلت - أصلحك اللّه - كله. قال (ع): نعم الجرعة منه حرام»(2). فلا نحتاج في ثبوت حرمة شرب كل مسكر الى التعدي عن الخمر اليه أخذاً بالعلة المنصوص عليها في الدليل.

على أني لم أجد الجملة التي مّثلوا بها في حديث، وإنما ورد مضمونها

____________
___
_______________

(2) - الوسائل ح 1 ب 15 - الأشربة المحرمة

ففي مرسل محمد بن عبد اللّه «قلت لأبي عبد اللّه (ع): لَم حرّم اللّه الخمر؟. فقال (ع): حرمّها لفعلها وفسادها»(1). كما ورد التصريح بعموم الحكم في عدة روايات. منها المروي عن الامام الكاظم (ع): «إن اللّه - عز وجل - لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(2).

وقد اختلف الفقهاء في التعدي عن مورد العلة وسريان الحكم الى كل مورد وجدت فيه فاختار العلامة الحلي السريان قائلاً: «الحق عندي أن العلة إذا كانت منصوصة وعلم وجودها في الرفع كان حجة». واستدل عليه: بأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الخفّية، والشرع كاشف عنها فاذا نص على العلّية عرفنا أنها الباعثة والموجبة لذلك الحكم، فأين وجدت وجب وجود المعلول.

واشترط المحقق الحلي في سريان الحكم وجود «شاهد حال يدل على سقوط اعتبار الشرع ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم» وسمّاه برهاناً أي قياساً منطقياً، حيث يتشكل من جملة «الخمر حرام لأنه مسكر» صغرى وكبرى فيصح أن يشار الى كل مسكر في الخارج ويقال: هذا مسكر وكل مسكر حرام. فينتج حرمته.

ومنع السيد المرتضى من السريان والتعدي عن مورد العلة(1)، وتبعه الشيخ الطوسي مصرحاً بأن جوازه متوقف على القول بصحة القياس فقال: «وقد ألحق قوم بهذا الباب إثباته (ع) الحكم في عين وتعليله له بعلة يقتضي

____________
___
_______________

(1) الوسائل ح 3 ب 19 - الأشربة المحرمة

(2) الوسائل ح 1 ب 19 - الأشربة المحرمة

(1) معالم الأصول ص 213.

التعدي الى غيره نحو قوله (ص) في الهّرة: إنها من الطّوافين (عنكم)(1) والطوافات. وقالوا: هذا وإن لم يكن أن يدعى فيه العموم فهو في حكمه... وهذا إنما يمكن أن يعتبره من قال بالقياس، فأما على مذهبنا في نفي القياس فلا يمكن اعتبار ذلك أصلاً، على أن فيمن قال بالقياس من منع من ذلك وقال: إن النبي (ص) لو نص على العلة في شيء بعينه لم يجب إلحاق غيره به إلا بعد إثبات التعبد بالقياس، فأما قبل العبادة فلا يصح ذلك فيه، ولذلك لو قال (ص): حّرمت السّكر لأنه حلو. لم يجب أن يحكم بتحريم كل حلو إلا بعد العبادة بالقياس الخ»(2).

وحكم الشيخ يوسف البحراني بعدم جواز التعدي عن مورد العلة «إلا مع الدلالة العرفية في بعض الموارد، أو بما برجع الى تنقيح المناط القطعي»(3).

وحكى العلامة: أن المانعين من التعدي استدلوا بأن «قول الشارع: حرمت الخمر لكونها مسكرة. يحتمل أن يكون العلة الاسكار وأن يكون إسكار الخمر، بحيث يكون قيد الاضافة الى الخمر معتبراً في العلة، واذا احتمل الأمران لم يجز القياس.

وأجاب عن ذلك بوجوه، الأول: المنع من احتمال اعتبار القيد في العلة، فان تجويز ذلك يستلزم تجويز مثله في العقليات حتى يقال: الحركة إنما اقتضت المتحركية لقيامها بمحل خاص وهو محلها، فالحركة القائمة بغيره لا تكون علة للمتحركية. الثاني: سلمنا إمكان كون القيد معتبراً

____________
___
_______________

(1) هكذا ورد في (العدة) طبعه طهران التي اعتمدنا عليها في النقل، لكن الصحيح (عليكم)، كما في (العدة) طبعة الهند ص 148، ونهاية ابن الأثير، ومجمع البحرين، مادة طوف. ومعنى الحديث كما في المجمع أن الهّرة «تطوف عليكم بالليل وتحفظكم من كثير من الآفات».

(2) عدة الأصول ص 145

(2) الحدائق ج 1 ص 65.

في الجملة لكن العرف يسقط هذا القيد عن درجة الاعتبار، فان قول الأب لابنه: لا تأكل هذه الحشيشة لأنها سم. يقتضي منعه من أكل كل حشيشة تكون سماً. الثالث: سلمنا عدم ظهور إلغاء القيد لكن دليلكم إنما يتمشى فيما اذا قال الشارع: حرمت الخمر لكونه مسكراً. أما لو قال: علة حرمة الخمر هي الاسكار. انتفى ذلك الاحتمال.

ثم ناقش العلامة في هذه الوجوه وجعل النزاع بين الفريقين لفظياً، فالقائل بالتعدي يستفيد من قول الشارع: حرمت الخمر لكونه مسكراً. التعليل بمطلق الاسكار، والمانع منه لا يستفيد ذلك بل يحتمله ويحتمل التعليل بالاسكار المختص بالخمر، وإلا فهما متفقان على أن التعليل بالاسكار المختص بالخمر لا يعم غيره والتعليل بمطلق الاسكار يعم كل مسكر، فالخلاف بينهم فيا هو المستفاد من ذلك التعليل ونظائره «فيجب أن يجعل البحث في هذا، لا في أن النص على العلة هل يقتضي ثبوت الحكم في جميع مواردها فان ذلك متفق عليه».

وأورد عليه الشيخ حسن بن الشهيد الثاني بأن النزاع بين الفريقين معنوي وأن كلام السيد المرتضى صريح فيه، حيث استدل على المنع «بأن علل الشرع إنما تنبئ عن الدواعي الى الفعل أو عن وجه المصلحة فيه، وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعية الى فعله دون الآخر مع ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة فيه مفسدة، وقد يدعو الشيء الى غيره في حال دون حال الخ».

ثم ناقش الشيخ حسن في دليل السيد المرتضى ب«أن المتبادر من العلة حيث يشهد الحال بانسلاخ الخصوصية منها تعلق الحكم بها لا بيان الدواعي ووجه المصلحة»، وقال: «الأظهر عندي ما قاله المحقق»(1). وهو التعدي عن مورد الحكم فيما لو نص الشرع على العلة، وكان هناك شاهد حال يدل

____________
___
_______________

(1) معالم الأصول ص 214 ، وما بعدها.

على سقوط اعتبار الشرع ما عدا تلك العلة في الحكم.

ويتحقق هذا بتجرد الكلام المعلل عن كل ما يوجب الاخلال بظهوره في العلّية فيكون الحال شاهداً على عدم اعتبار المتكلم في العلّية خصوصية زائدة على ما ذكره في التعليل. أما لو احتف الكلام بما يصلح لصرف التعليل عن ظهوره في العلّية فلا يصح التعدي عن مورده، وأطلق على تلك العلة التي اقترن بها الدليل لفظ الحكمة.

ولذا اصطدمت آراء الفقهاء في كثير من الأحكام المعللة، فرأى بعضهم كون التعليل ظاهراً في العلية لعدم وجود ما يصرفه عن ذلك، ورأى آخر عدم ظهوره فيها لخصوصية هناك رآها صارفة عنه فيكون من قبيل الحكمة، وكأنه لا ضابطة يرجع اليها في تمييز العلة عن الحكمة فيؤل الأمر الى ما يستظهره الفقيه، كما في سائر استظهاراته من الكلام.