المايز
بين العلة والحكمة
والمايز
بينهما وإن كان ثابتاً في الواقع، حيث يدور الحكم
مع العلة وجوداً وعدماً بخلاف الحكمة لكنه خفيّ في
مقام الدلالة والاستظهار. وقد رام المحقق النائيني
ضبط ذلك بالتفصيل بين ما لو كانت العلة واسطة في
عروض الحكم للموضوع فيسري الى كل مورد ثبتت العلة
فيه، كما لو قال المشّرع: «لا تشرب الخمر لأنه
مسكر». وبين ما لو كانت واسطة في ثبوت الحكم للموضوع
فيقتصر على مورده، كما لو قال: «لا تشرب الخمر
لاسكاره». فيكون مقتضى هذه الاضافة الاقتصار على
الخمر، لأن علة تحريمه إسكاره لا مطلق الاسكار،
فقال: «... إذا كانت علة الحكم منصوصة ونعني به ما
كانت العلة المذكورة فيه واسطة في العروض
لثبوت
الحكم للموضوع المذكور في القضية بأن يكون الموضوع
الحقيقي هو العنوان المذكور في التعليل ويكون
ثبوته للموضوع المذكور من جهة انطباق ذلك العنوان
عليه، كما في قضية لا تشرب الخمر فانه مسكر فانها
ظاهرة في أن موضوع الحرمة فيها إنما هو عنوان
المسكر، وحرمة الخمر إنما هي من جهة انطباق ذلك
العنوان عليه فيسري الحكم حينئذ الى كل مسكر فلا
تبقى للخمر خصوصية في الحكم المذكور في القضية.
وأما إذا كانت العلة المذكورة في القضية واسطة في
الثبوت، ومن قبيل دواعي جعل الحكم على موضوعه من
دون أن تكون هي الموضوع في الحقيقة، كما في قضية لا
تشرب الخمر لاسكاره فانها ظاهرة في أن موضوع الحرمة
فيها إنما هو نفس الخمر غاية الأمر أن الداعي الى
جعل الحرمة عليها إنما هو إسكارها فلا يسري الحكم
الى غير الموضوع المذكور في القضية مما يشترك معه
في العلة المذكورة فيها، إذ يحتمل حينئذ أن تكون في
خصوص العلة المذكورة في القضية خصوصية داعية الى
جعل الحكم على الموضوع المذكور فيها وأن لا تكون
هذه الخصوصية موجودة في غيرها مما يشترك معها في
الحقيقة والعنوان الخ».
وأورد عليه
استاذنا المحقق الخوئي ب «أن هذا الاحتمال إنما هو
على خلاف ما هو المرتكز في أذهان العرف من دوران كل
حكم مدار علته، ومن أن العلة المذكورة في الكلام هي
بنفسها علة للحكم مع قطع النظر عن خصوصية قيامها
بالموضوع المذكور في القضية ضرورة أنه لا يشك أهل
العرف في أن المستفاد من قوله - عليه السلام - : إن
اللّه لم يحرم الخمر لاسمه وإنما حرمه لاسكاره.
إنما هي حرمة كل مسكر من دون دخل لقيام الاسكار
بالخمر في الحكم بالحرمة أصلاً. هذا مع أنه لو كان
احتمال دخل خصوصية المورد مانعاً من انعقاد ظهور
الكلام في دوران الحكم مدار علته المذكورة فيه لجرى
ذلك فيما إذا كان تعليل النهي عن شرب الخمر بكونه
مسكراً، إذ من المحتمل فيه أيضاً أن يكون في صدق
المسكر على خصوص الخمر خصوصية تقتضي حرمته ولا تكون
هذه الخصوصية موجودة في غيره... وعليه فلا وجه لما
أفاده شيخنا الاستاذ - قدس سره - من التفصيل وجعل
العلة المذكورة في الكلام من قبيل الواسطة في
العروض في أحد القسمين، ومن قبيل الواسطة في الثبوت
في القسم الآخر»(1).
وما أفاده
استاذنا هو الحق، فان تعليل الحكم ظاهر في دورانه
مع العلة وجوداً وعدماً بلا دخل خصوصية قيامها
بالموضوع، هذا ما يستفيده العرف وأهل اللسان عند
التفاهم، وهم المرجع في شأن ظواهر الألفاظ ومن
طريقهم ثبتت حجيتها فلا يعتّدون باحتمال إرادة
المتكلم خلاف الظاهر من كلامه، وإنما يؤاخذونه
بظاهره فهو الحجة له وعليه، ولم يتخذ المشِّرع
طريقة أخرى عند تفهيم أحكامه بل جرى على ما جروا
عليه عند التفاهم. والعرف لا يرى فرقاً بين تعليل
حرمة شرب الخمر بأنه مسكر وتعليلها باسكاره، كما في
تعليل الطبيب النهي عن أكل الرمان بأنه حامض
وتعليله بحموضته، حيث يفهم من ذلك أن علة التحريم
والنهي هي الاسكار والحموضة في كلا المثالين ويثبت
به حكم كلي وهو المنع عن شرب كل مسكر وأكل كل حامض،
ويتألف من ذلك القياس المنطقي.
ولذا أفتى
كثير من الفقهاء بجواز الاتيان ليلة الجمعة بغسل
يومها اذا خيف قلة الماء في اليوم أخذاً بعموم
التعليل في الحديث المروي عن الامام الكاظم (ع) «....
فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغدٍ يوم
الجمعة، فان الماء بها قليل، فاغتسلنا يوم الخميس
ليوم الجمعة»(2).
______________________________
(1) أجود
التقريرات ج 1 ص 498 - 499
(2) الوسائل
ح 2 ب 9 - الأغسال المسنونة
لكن المحقق
الهمداني اقتصر على مورد الحكم وهو التقديم يوم
الخميس فقال: «إن مقتضى الجمود على مورد النص إنما
هو التقديم يوم الخميس لكن حكي عن صريح بعض وظاهر
آخرين جوازه ليلة الجمعة، بل عن (المصابيح) دعوى
الاجماع عليه، وربما يوجه ذلك بانسباقه من العلة
المنصوصة في الروايتين، فان المتبادر الى الذهن
كون جواز التقديم يوم الخميس مسبباً عن إعواز الماء
يوم الجمعة من دون أن يكون لكونه في اليوم مدخلية في
الحكم، وفيه نظر فان العلة ليست علة لجواز التقديم
مطلقاً وإلا لدلت على جوازه ليلة الخميس أيضاً، بل
هي علة لجوازه في يوم الخميس الخ»(1).
وما ذكره
وجهاً للجمود لا يصلح للمنع عن ظهور التعليل في
العلية المطلقة، إذ لا مانع من الالتزام بجواز
تقديم الغسل ليلة الخميس أيضاً عند إحراز قلة الماء
يوم الجمعة إلا أن يقوم دليل على منعه من إجماع أو
غيره.
وحيث كان
الظاهر من تعليل الحكم ثبوته عند ثبوت علته فان
لازمت العلة الموضوع كالاسكار في الخمر كانت موسعة
للحكم فقط حيث يثبت لكل مسكر وإن لم يكن خمراً، وإن
لم تلازمه كالحموضة في الرمان كانت موسعة للحكم من
جهة، حيث يثبت لكل حامض وإن لم يكن رماناً، ومضيقة
له من جهة أخرى، حيث لا يثبت للرمان الحلو... فتعليل
الحكم صالح لصرف ظهور الأمر أو النهي في العموم الى
الخصوص وبالعكس.
كما أنه
صالح لصرفها عن ظهورها في الالزام الى الندب
والكراهة إذا لم يتناسب التعليل مع الوجوب
والتحريم. وادعي ذلك في مكاتبة الحميري حول التقدم
على قبر المعصوم (ع) في الصلاة فقال: «...... وهل يجوز
أن يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه أم لا، فأجاب (ع)...
أما الصلاة
______________________________
(1) مصباح
الفقيه - الطهارة ص 433
فانها خلفه
ويجعله الامام ولا يجوز أن يصلي بين يديه، لأن
الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله»(1). وهو صريح
الدلالة في اشتراط تأخر المصلي عن القبر الشريف،
ولذا أفتى به جماعة كالشيخ البهائي والشيخ يوسف
البحراني(2).
لكن أورد
عليهم: بأن تعليل الحكم بأن الامام لا يتقدم يكشف عن
كونه حكماً أدبياً، إذ «لو كان المنع تحريماً لوجب
أن يكون التقدم على القبر الشريف في حد ذاته حراماً
مطلقاً حتى يستقيم البرهان، وهو ليس كذلك في سائر
الأحوال ما لم يكن عن استخفاف، وإنما هو منافٍ
للآداب التي ينبغي رعايتها في حال الصلاة وغيرها
فهذه العلة لا تصلح علة إلا للكراهة»(3).
______________________________
(1) الوسائل
ح 1 ب 26 - مكان المصلي
(2) الحدائق
ج 7 ص 220
(3) مصباح
الفقيه - الصلاة ص 191
|