التعليل التعبّدي

ثم ليعلم أن الأصل في التعليل أن يكون عرفياً، بمعنى أن الأمر المعلل به ثابت لدى العرف إما ببنائهم أو بتشريع المشّرع، أي يكون تشريعه ثابتاً ومعلوماً في الخارج قبل التعليل به، لأن ظاهر تعليل الحكم بيان الجهة الثابتة لدى العرف التي اقتضت إنشاءه كالاسكار بالنسبة للخمر، فيستفاد من تعليل الحرمة به حكم كلي كما سبق.

وعليه فحمل التعليل على كونه تعبدياً خلاف الظاهر منه إلا إذا اضطر اليه، لعدم كون المعلل به ثابتاً لدى العرف، كما في تعليل النهي عن قراءة سورة السجدة في الصلاة بأن السجود للتلاوة «زيادة في المكتوبة»(1). وهذا لم يعرفه العرف لتوقف صدق الزيادة في نظرهم على الاتيان بالفعل بقصد الجزئية، وسجود التلاوة في الصلاة لم يقصد به ذلك فيكون بمنزلة رفع اليد والاشارة بها لا بقصد الجزئية، حيث لم يثبت لدى العرف لا بنظرهم ولا بتشريع المشّرع أن كل حركة في الصلاة زيادة فيها وإن لم يقصد بها الجزئية. وعليه فالتعليل تعبدي يختص حكمه بمورده ولا يسري الى كل فعل لم يقصد به الجزئية، لعدم احراز العرف أن ما ذكر في التعليل تمام العلة، بل يحتمل دخل شيء معه فيكون جزءها وليس كالتعليل بالأمر الثابت لديهم كالاسكار، حيث يكون ظاهراً في ثبوت الحكم له بلا دخل خصوصية أخرى.

ومن هنا نشأ البحث في بعض تعليلات الأحكام الواردة في الروايات وهل أنه تعبّدي ليختص الحكم بمورده، أو عرفي ليتعدى عنه الى كل مورد وجدت العلة فيه؟، ومنه قول الامام الهادي (ع) في المغمى عليه: «لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة وكلما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر»(2) فقد استدل به على أن استعمال المفّطر جهلاً عن قصور لا يخل بالصوم، لاطلاق التعليل، فان الجهل مما غلب اللّه عليه، فيكون حاكماً على إطلاقات أدلة القضاء والكفارة فيناطان بالفوت الذي لم يسبب عن عذر مستند الى

____________
___
_______________

(1) الوسائل ح 1 ب 40 القراءة.

(2) الوسائل ح 3 ب 3 - قضاء الصلاة.

اللّه تعالى.

وأورد عليه المحقق الهمداني بأن عموم هذا التعليل مخالف لغيره من النصوص والفتاوى لشموله ما «لو جهل بأصل التكليف بصوم شهر رمضان أو شيء من الفرائض اليومية أو بموضوعه بأن غفل عن كونه شهر رمضان أو نسي الفريضة في وقتها فتركها لذلك، مع أنه لا خلاف نصاً وفتوى في أنه يجب عليه تداركها بعد أن حصل له العلم والالتفات. هذا مع أن شمول القاعدة للمريض وغيره من أولي الأعذار أوضح من شمولها للجاهل (مع أن القضاء واجب عليهم)... فالتعليل الواقع في الرواية من العلل التعبّدية التي يجب فيها الاقتصار على موردها، فكأنه أريد بذلك التنبيه على عدم شأنية المغمى عليه من حيث هو كغير البالغ والمجنون لأن يتوجه إليه التكليف بشيء كي يكون عروض مانع عن أدائه كما في المريض والنائم مقتضياً لوجوب قضائه»(1).

________________
___
_______________

(1) مصباح الفقيه - الصوم ص 190 - 191.