الحمد للَّه الملك المهيمن المعبود المتعال، والقدّوس العزيز المتقدّس بصفات الجلال وسمات الجمال، الذي أحكم دعائم العلم بتوضيح المقال، وقوّم قوائمه بتنقيح الرجال، وله الحمد على محامده، والحمد من محامده، وهو المحمود بجميع الفعال، وله الشكر على آلائه ونعمه، والشكر من مننه، وهو المشكور بكلّ لسان بل مقال.
فها نحن قاصرون حاسرون، وبالعجز والعلول مقرّون، وبالإذعان والاعتراف معتذرون، وهو المحمود المشكور على تلك الحال.
وأشهد أن لا إله إلّا اللَّه، شهادة تكون عدّة مُعَدَّة في الحال والمآل، تكون جنّةً باقية وجنّةً واقية عن النقمة والنكال.
والصلاة والسلام على مَنِ اصطفاه من بَرِيّته واختاره من خيرته، وهو الرسول المختار في الأعقاب والأنسال، وعلى أوصيائه المخصوصين بما خصّهم اللَّه به من الصفا والأنفال.
أمّا بعد، فمن المعلوم أنّ علم الدراية في معرفة ما يتعلّق بسند الرواية ومتنها من مهمّات العلوم الدينيّة وأهمّها، وضروريّات المعارف النظرية وأعمّها، وكذا علم الرجال، وجملة من المسائل المندرجة في علم الأُصول ممّا يستحقّ أن يتسلسل في هذا السلسال، فإنّ الاستدلال منحصر في العقل والنقل بالضرورة، وليس للعقل مسرح في الشرع بالبديهة، فلايكاد ينتظم حكم من الأحكام الفرعية وكذا الاُصول النظرية إلّا بالمراجعة إلى النقل من الكتاب والسنّة.
ولها مقدّمات وقواعد وأحكام وضوابط جرت العادة بذكر طرف منها في الأُصول، وآخر في علم الدراية، وآخر في علم الرجال، وبقيت جملة منها في جانب الإجمال وقالب الإهمال.
ومشايخ هذا الفنّ أيضاً شكر اللَّه مساعيهم - مع بذل جهدهم واستفراغ وسعهم - أتوا بما تأتّى منهم شَططاً، فذكروا في كلّ باب نمطاً، وثبطوا عن الاستقصاء فيها ثبطاً، فإنّ ما أفادوه خلاصة ممّا يليق بالمقام من منهج المقال، وما أجادوه فهو نقد ممّا انتقدوه في نقد الرجال، وما بسطوه ونشطوه فهو فهرست هذه التفاصيل من منتهى المقال.
إلّا أنّ كتاب منتهى المقال في علم الرجال ممّا ألّفه الشيخ العالم والفاضل الكامل والبارع الورع والحَبْر المطّلع، مهبط عناية اللَّه الأزلي محمّد بن إسماعيل المدعوّ به «أبي عليّ» في هذه الأعصار المتأخّرة من حدود المائة الثانية عشر من الهجرة، - جزاه اللَّه عن العلماء أفضل جزاء مَنْ أتى بالحسنة - كتابٌ شافٍ في علم الرجال، وجامع وافٍ عن الرجوع إلى ما يحتاج إليه في هذا المجال، لم يعمل مثله في الزبر، وإنّما هو مصداق للمثل السائر «كم ترك الأوّل للآخر» قد احتوى على فوائد لم تذكر في الدفاتر، وخرائد(2) لم تنظر في النظائر.
ولمّا أردت أنا أن أجمع في هذا الباب كتاباً جامعاً ومجموعاً نافعاً، كان مُغنياً عن المراجعة إلى غيره من الكتب والدفاتر، عمدتُ إليه واشتهيتُ إليه.
ولمّا كان من خصائصه إسقاط المجاهيل، بناءً على عدم تعقّل فائدة في ذكرهم، إلّا أنّه عسى أن يوجب جهلاً في الجهالة ويزيد في الحيرة، فذكرتهم - لاجرم - في الحواشي كلّاً في موضعه، صوناً للكتاب على وضعه، فيكون الناظر إليه على بصيرة في أمره وتعين من ذلك في بدو نظره.
وكان من خصائصه أيضاً الاشتمال على ما ذكره المولى المقدّس الأمين الكاظمي - أسكنه اللَّه بحبوحة جنّته - في تميّز المشتركات، وكان مع استقلاله من عمدة الكتب فيه، إلّا أنّ كثيراً من نسخ ذلك الكتاب ممّا رأيناها ليس في كثير من أواخرها ما ذكره السيّد في المشتركات وإن رأينا بعضاً منها مشتملاً عليها بتمامها.
فكأنّ الشيخ «أبو عليّ» في أوّل أمره لم يظفر على نسخة المشتركات بتمامها، أو لم ير الاستقصاء بها، ثمّ ظفر عليها بتمامها أو رأى الاستقصاء بها، فألحق بالآخر ما لم يذكره منها في أوّل الأمر، وظفرتُ أيضاً على نسخة كاملة في المشتركات معتبرة مصحّحة، وانتهيتُ في التصحيح والنقل أيضاً بما تيسّر وأَثْبَتُّها بتمامها كما ذكر.
ثمّ سَنح بخاطري وخطر بخَلَدي أنْ أُلْحِقَ بالكتاب كتاباً كتبه ومجموعاً جمعه الشيخُ العالم العادل والفاضل الباذل البارع البديل والزاهد النبيل والنحرير المرضي والحبر الرضي المولى عليّ الرازي، وللَّه درّهسلّمهاللَّه، فقد صنّف كتاباً ذكر فيه أكثر المسائل المُحتاج إليها في علم الرجال، وأكثرَ مايحتاج إليه في علم الدراية، ممّا لم يفض بختامها الفحول من الرجال، ولم يسفر عن وجوهها أعاظم أُولئك الأبدال.
ولعمري إنّه وفّقه اللَّه لقد فاز في هذا الفنّ بالحظّ الأوفى، واستقسم من بين الأزلام بالقدح المعلّى، فأفاد في كتابه ما أفادوه، وزاد عليه، وأثبت فيه ما أثبتوه، وأضاف إليه فيما يتعلّق بمعرفة ذوات الرجال و في تشخيص جملة من أجلّاء الرواة، التي اختلفت الآراء في تميّزهم وفيما جرى الاصطلاح عند علماء الرجال في مقام المدح أو الذمّ، وغير ذلك من المطالب والمقاصد، يظهر حقيقة الحال وصدق المقال بالمراجعة إلى ذلك. وأشارسلّمه اللَّه تعالى إلى ما اشتمل عليها من المقاصد والمطالب في فهرس، لتسهيل الأمر على الطالب. وقال:
فهرس ما في هذا الكتاب المسمّى بتوضيح المقال في علم الرجال
وفيه مقدّمة ذات أُمور، وأبواب ذات فصول، وخاتمة ذات مباحث.
المقدّمة: فيها اُمور ثلاثة: تعريف العلم وبيان موضوعه وفائدته.
باحَثنا في الفائدة كلَّ مَنْ يرى الاستغناء عن علم الرجال إمّا بحجّيّة أخبار الآحاد، أو نفيها على الإطلاق، أو بالاكتفاء بتصحيح الغير مطلقاً أو في خصوص المشايخ الثلاثة، أو بقطعيّة الأخبار سنداً.
وعمدة البحث مع الأخباريّة، تعرّضنا لجميع شبهاتهم مع الجواب عنها في مقامات ثلاثة، وأنّها تزيد على الثلاثة المشهورة، وفي بعضها بلفظ جماعة، وأنّ ذلك للشيخ الطوسي(ره) أيضاً.
وفي أخيرها تتمّة مشتملة على تحقيق أنّ إخبار علماء الرجال واعتماد الغير عليهم هل هما من باب الشهادة أو الرواية أو غيرهما.
الباب الأوّل: فيما يتعلّق بمعرفة ذوات رجال السند، وفيه فصول:
الأوّل: في كيفية الرجوع إلى كتب الرجال.
الثاني: في أسباب التميّز عند الاشتراك.
الثالث: في جملة من تميّزاتهم في حقّ جماعة من الرواة.
وفي هذا الفصل أبحاث:
البحث الأوّل: في جملة حكايات منهم نافعة جدّاً.
البحث الثاني: في خصوص الاشتراك الخطّي.
البحث الثالث: في بيان عدّة الكليني.
البحث الرابع: في بيان اصطلاحات صاحب الوافي(ره). وفيه تذنيب مشتمل على رموز صاحب البحار لكثير من الكتب.
الباب الثاني: في ذكر عدّة رجال اختلف آراء الفحول في تميّزهم وتحقيق الحال في ذلك. وفيه أبحاث:
الأوّل: في محمّد بن إسماعيل الذي أَكْثَرَ الكلينيُّ الرواية عنه وأنّه النيسابوري.
الثاني: في أبي بصير المشترك بين جماعة، وفيه مقدّمات أربع في بيان أحوالهم،و في رابعها بيان التميّز بينهم.
الثالث: في عمر بن يزيد المشترك كذلك. وفيه مطلبان، في أخيرهما بيان أحوالهم مع التميّز.
الباب الثالث: فيما يتعلّق بمعرفة طبقات وأحوال رجال السند، وفيه فصول:
الأوّل: في الإشارة إلى جملة ألفاظٍ مستعملة عندهم في المدح.
الثاني: في ألفاظ مستعملة عندهم في الذمّ، وفيه مقامان:
أحدهما: الذمّ بالجوارح.
وثانيهما: الذمّ بالعقيدة، وفيه بيان المذاهب الفاسدة ورؤسائها من فرق الشيعة.
الثالث: في سائر الألفاظ المتداولة في كتب الرجال كلفظ المولى والغلام والأصل والكتاب والنوادر.
الرابع: في الجرح والتعديل عند الإطلاق والترجيح بينهما عند التعارض.
الخاتمة: في بيان انقسام الحديث مع الإشارة إلى مشايخ هذا الفنّ، وفيها مباحث:
الأوّل: في تقسيمه باعتبار الاعتبار وعدمه إلى الصحيح وغيره عند القدماء والمتأخّرين.
الثاني: في تقسيمه باعتبار أنحاء التحمّل.
الثالث: في أقسامه على اصطلاح علماء الدراية.
الرابع: في أحوال مشايخ الفنّ، ذكرنا ستّين شيخاً منهم وأحلنا التفصيل إلى الكتب المفصّلة، واللَّه العالم.
والحمدللَّه أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلّى اللَّه على محمّد وآله الميامين وسَلَّم تسليماً كثيراً كثيراً.