أمّا المقدمة ففي تعريفه وبيان موضوعه وفائدته المحتاج إليهاعلى ما هو المتعارف في كلّ علم
ونقول في الأوّل: «إنّه ما وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، مدحاً وقدحاً»(1) فبقيد الوضع خرج ما كان من علم الحديث والتأريخ وغيرهما مشتملاً على بيان جملة من الرواة على الوجه المزبور؛ فإنّ شيئاً من ذلك لم يوضع لذلك، وكذا علم الكلام إن لم يخصّ الرواة بغير الأئمّة(ع)؛ ولذا رووا عن آبائهم(ع).
وفي كثير من الأخبار إطلاق المحدِّث عليهم، وهو بمعنى الراوي كما هو ظاهر هذه الأخبار وغيرها، وإن خصّصنا الحديث كالخبر بنفس قول المعصوم(ع) كما في دراية الشهيد الثاني(2)، دون ما يحكيه كما هو صريح غيره.
والقيود الأخيرة للتعميم والإشارة إلى أنواع البحث فيه؛ فإنّ من الرجال مَنْ يتشخّص بهذا العلم ذاته خاصّة، ومنهم ذاته مع مدحه أو قدحه المراد بهما مطلقهما، لاخصوص العدالة والفسق، ففاقد أحدهما قليل جدّاً، لأنّ كونه من أصحابنا أو من أصحاب أحد المعصومين(ع) داخل في وصف المدح، وقلّ مَنْ لم يذكر هذا في حقّه.
والتصريح بكونه مجهولاً أو مهملاً في كتب المتقدّمين داخل في وصف القدح ولو بحسب الثمر.
ومع الغضّ عن كلّ ذلك فالجواب عن خروج غير الممدوح والضعيف الاجتهادي - أعني المجهول والمهمل في تعبيراتهم - أنّهما لندرتهما أو قلّة الاعتناء بشأنهما كالمعدوم، وأنّ الوضع لغرضٍ لايلازم ترتّب الغرض في جميع المصاديق، خصوصاً إذا كان لمانعٍ سابق أو لاحق.
ومنه يظهر أنّ الافتقار إلى زيادة قيد «ما في حكمهما» عطفاً على الوصفين لإدخال ما ذكر من القسمين فإنّما هو ما لم يؤخذ قيد الوضع كما زاده غير آخذه، بل قد عرفت منع الافتقار مطلقاً.
كما أنّ منه يظهر الجواب عن خروج المشترك بين الممدوحين أو المقدوحين أو المختلفين حيث لم يفد شيء من المميّزات الآتية تميّز بعضهم عن بعض.
ومَنْ زعم - بعد ملاحظة التعريف المنتفي عنه قيد التشخيص - أنّ علم تميّز المشتركات مغاير لعلم الرجال، وأنّه خارج بإضافة الأحوال إلى الرواة كما في التعريف الآخر؛ إذ التميّز ليس من أحوالهم، فقد أخطأ، كيف! وكلّ أسباب التميّز أو جُلُّها موجودة في كلماتهم.
مضافاً إلى تعرّضهم لتميّز جملة من الرجال المختلَف فيهم، كمحمد بن إسماعيل المتكرّر في طريق الكليني(ره) وأبي بصير ومحمّد بن سنان وأضرابهم، حتّى صُنِّفَ فيهم ما صُنِّف.
وأيضاً فتميّز المشتركات للكاظمي وغيره معدود من أهمّ كتب الرجال كتعليقة المولى البهبهاني، وقد أدخلهما صاحب منتهى المقال في كتابه، على أنّ التميّز كالاشتراك من الأحوال إلّا أن يراد بها خصوص وصفَيِ المدح والقدح. هذا
وخرج بقيد «التشخيص» علم الدراية، الباحث عن سند الحديث ومتنه وكيفيّة تحمّله وآدابه؛ إذ البحث عن السند ليس بعنوان تشخيص الرواة، بل بالإشارة إلى بيان انقسام الحديث من جهة السند إلى الأقسام المعروفة الآتية، فالمذكور فيه أنّ ما كان جميع رواته عدولاً إماميّين ضابطين فهو الصحيح عند المتأخّرين وهكذا، وليس فيه تشخيص حال راوٍ أصلاً.
بل التحقيق أنّه خارج من التعريف الآتي أيضاً وإن لم يكن بهذا الوضوح؛ إذ لايُعرف منه أحوال الرواة إلّا على الإجمال الذي لايفيد، إلّا أنّ فيهم العدل الضابط وغيره ولو بملاحظة أنّ تقسيمهم لما هو الموجود لابطريق الفرض، والاحتراز عنه في الحقيقة بإضافة التشخيص إلى الرواة لابنفسه، وإلّا فهو أيضاً موضوع لتشخيص أقسام الخبر من حيث السند والمتن وغيرهما، بل الأظهر أنّه بالمضاف إليه، إلّا أنّ الاختصاص الحاصل به غير منفكٍّ عنه.
وإضافة الرواة إلى الحديث إمّا للجنس، وهو الأظهر بالنظر إلى كلّيّة العلوم وكلّيّة موضوعاتها، وتسمع أنّ موضوع الرجال هو الرواة، أو للعهد الخارجي بالإشارة إلى المذكورين في أسانيد الأخبار، وهو الأقرب بالنظر الى قصر البحث فيه عن الجزئيّات الخاصّة، ولاضير فيه؛ فإنّ اللغة كذلك.
والمراد بهم ما يشمل الأُنثى وإن لم تدخل فيهم بالوضع؛ للتغليب أو البحث عنها استطراداً، ولقلّتها ملحقة بالعدم. وبه يندفع ما في التسمية بعلم الرجال.
والصبي هنا كالاُنثى فيهما مع أنّ البحث من جهة الرواية التي هي الأداء لا التحمّل، و وجود صبي فيهم في هذا الحين غير معلوم، مضافاً إلى احتمال: الوضع الثانوي الكافي فيه المناسبة في الجملة، فلا إشكال أصلاً.
والمراد به «الحديث» ما ينتهي سلسلةسندهإلى النبي(ص) أو أحد المعصومين(ع)(3)، وعند العامّة إلى النبي أو الصحابة أو التابعين(4)، وهذا هو الظاهر من إطلاقه أيضاً، فهو أولى من لفظ الخبر؛ لفقد الظهور في إطلاقه وإن تساويا مع قطع النظر في أظهر الأقوال التي منها أعمّيّة الخبر ممّا ذكر وبالعكس.
ولا افتقار إلى تقييده بالواحد لإخراج المتواتر ونحوه، بل هو مخلّ؛ إذ البحث عن رواتهما أيضاً وإن لم يحتج إليه بعد التواتر والاحتفاف بالعلمي من جهة روايتهم لذلك لامطلقاً.
هذا، مع كفاية المعرفة في الجملة من نحو هذه التعاريف؛ لأنّها الواجبة في مقدّمة كلّ علم كما فصّل في محالّه.
وممّا بيّنّاه ظهر حال التعريف الآخر له، وهو أنّه «العلم بأحوال رواة الخبر الواحد ذاتاً ووصفاً ومدحاً وقدحاً وما في حكمهما» مضافاً إلى أنّ في جعل الذات من الأحوال ما ترى.
فالأَولى معها إسقاط الأحوال. كما أنّ الأَولى التعريف بأنّه «ما وضع لمعرفة الحديث المعتبر عن غيره».
ونقول في الثاني: إنّه رواة الحديث فمع إرادة الجنس البحث عمّا يعرض لجزئيّاته ومصاديقه من الأوصاف المميّزة لبعضها عن بعض، والموجبة لاعتبار قول بعض وعدمه في آخر، فلايتوهّم أنّ البحث عن ذوات الجميع أو الأكثرين ليس بحثاً عن عوارض الموضوع ولا جزئيّاته، إذ الغرض منه تميّزها لا أعيانها كما هو واضح.
ويمكن على هذا جعل البحث عن عوارض نفس الموضوع؛ بناءً على جعل الجزئيّة والشخصيّة من عوارض الجنس، فلا إشكال في البحث عن الذوات ولو من حيث الأعيان.
وأمّا مع إرادة العهد فالبحث عن عوارض الموضوع، ولابدّ حينئذٍ من حمل البحث عن الذوات على ما ذكرناه، وإلّا لم يكن بحثاً عن العوارض.
ومع ذلك يستشكل البحث عن أوصاف المدح والقدح بأنّها من العوارض الغريبة، فإنّ لحوق العدالة والفسق - مثلاً - للرواة إنّما هو لأمرٍ خارج يعمّهم وغيرهم من أفراد الإنسان أو المكلّفين منهم، وهو خوف العقاب أو مطلق الذمّ واللوم وخلافه، لا لذواتهم أو لأجزائهم أو أمر يساويهم حتّى يكونا من الأعراض الذاتية، وقد تقرّر في محلّه أنّ موضوع كلّ علم ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، إلّا أن يمنع ذلك عليهم بالبناء على أنّ الموضوع ما يبحث عن العوارض المقصودة مطلقاً، كيف! والبحث في كثير من العلوم عن العوارض الغريبة، فيبحث في الأُصول عن الدلالة وعدمها والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد، إلى غير ذلك. وموضوعه من الأدلّة مايعرض ما ذكر له ولغيره لأمرٍ خارجٍ هو الوضع ونحوه. وفي الفقه عن الأحكام التكليفيّة وغيرها وعروضها لموضوعه - الذي هو فعل المكلّف - بواسطة أمر خارج أعمّ هو جَعْل الشارع. وفي الطبّ عن كثير من أمراض تعمّ غير الإنسان، والتزامُ الاستطراد بعيدٌ.
أو يقال: ليس البحث في الرجال عن مطلق الأوصاف المزبورة، بل الخاصّة منها بالرواة، وكذا في غيره ممّا ذكر وغيره.
ولا يخفى أنّه لابدّ معه من التزام اختصاص واسطة ثبوتها أيضاً بهم؛ إذ المدار عليها، والأوّل لايُغني عنه، فإنّ عروض الخاصّ بواسطة العامّ واضح، والالتزام الأخير مُغنٍ عن الأوّل. هذا على طريقة القوم.
فأمّا على طريقة شيخنا في الفصول(5) من تفسيره العرض الذاتي بما يعرض للشيء لذاته، أي لا بواسطة في العروض، سواء احتاج إلى واسطة في الثبوت ولو إلى مباين أعمّ أم لا فلا إشكال؛ لوضوح أنّ خوف الذمّ ونحوه من الواسطة في الثبوت لعدم عروض المدح والقدح له، بل إنّما يَعرضان للرواة بواسطته، فهو واسطة في الثبوت. وجميع ما يذكر في الرجال من العوارض التي تثبت للرجال وكذا الاُصول، فإنّ ما يذكر فيه من عوارض الأدلّة وإن عرض بعضه لغيرها واختصّ به بعضه، كالحجّيّة العارضة لذوات الأدلّة، فإنّها الموضوع لابوصف الدليليّة، مع المنع عن اختصاصها به، لعروضها للبيّنة ونحوها إلّا أن يراد بها في استنباط الأحكام الكلّيّة في الفروع.
وهكذا الكلام في الفقه والطبّ وغيرهما، وتفصيل البحث في ذلك في محلّه، فإنّ ما اختاره(ره) خلاف مقالة المشهور كما اعترف به(6)، وقد وقع في نقله عنهم خلل من جهة أخرى، فراجع وتأمّل.
الأمر الثالث ممّا يذكر في المقدّمة هو بيان فائدته المحتاج إليها الفقيه وإن كان مطلقها غير موجب للاحتياج إلّا بتكلّف في الحاجة، ولذا عبّر كثير(7) في نحو المقام ببيان الحاجة، لكن من المعلوم إرادة الفائدة الخاصّة من مطلقها في المقام، مع احتمال الإطلاق لمجرّد الإشارة إلى عدم لُغوية البحث والاشتغال.
وعلى كلّ حال فوجه الحاجة إلى هذا العلم: أنّ استنباط الأحكام الواجب عيناً أو كفايةً موقوفٌ - في أزماننا أو مطلقاً - على النظر في الأحاديث؛ لوضوح عدم كفاية غيرها وغناه عنها، فلابدّ من معرفة المعتبر منها الذي يجوز الاستنباط منه والعمل عليه حيث تعرف أنّ جميعها ليست كذلك، ولا ريب في حصول هذه المعرفة بالمراجعة إلى علم الرجال، وهذا ممّا لا نزاع فيه، لأنّه حدّه، وسمعت أنّه موضوع لذلك؛ وما يأتي في بعض شبهات الأخباريّة فمع كونها على خلاف الإنصاف - كما تعرف - ليس مفادها إلّا نفي حصول العلم منه، ونحن لاندّعيه، فلا توجب الخلاف وإنّما الخلاف في حصر هذه المعرفة في الرجوع إليه.
وبه تظهر الحاجة والافتقار إليه، وإلّا فغيره مُغنٍ عنه، إلّا أن يقال: إنّه لاينافي الحاجة إليه، فإنّه أيضاً مغنٍ عن غيره، فكلٌّ منهما من أفراد ما يحتاج إليه كما في التخيير، إلّا أن يقال: غيره حاصل سابق في الوجود عليه، وهو القطع بالصدور أو الشهادةكما تسمع،فهو نظير التخيير بينالأقلّ والأكثر،بل وأعظم؛ لإمكان الانفكاك من الطرفين هناك، بخلاف المقام. فالمهمّ إثبات الحصر المزبور فنقول فيه:
إنّ المعروف المشهور بل الظاهر أنّه ممّا لاخلاف فيه يعتدّ به بين المجتهدين، فقد تسالموا على عدّه بخصوصه ممّا يتوقّف عليه الاجتهاد في كتبهم الاُصوليّة، وبنوا عليه في كتبهم الفقهيّة وإجماعهم قوليّاً أو عمليّاً حجّة للكشف المعتبر فيه.
وأمّا مَنْ نصّ على اختيار خلاف ذلك أو لزمه ذلك على اختلاف مشاربهم، فهُمْ جماعة:
منهم: الحشويّة(8) القائلون بحجّيّة كلّ حديث؛ إذ الجميع حينئذ معتبر.
نعم، إن كان من مذهبهم التزام الترجيح عند التعارض بالعدالة والأعدليّة ونحوهما دون التخيير أو الطرح أو الترجيح بغير ما ذكر ممّا يعرف بغير الرجال، لزمهم القول بالافتقار حينئذٍ إن لم يبنوا على ما يأتي من غيرهم، لكنّه مع ذلك لا يخرجهم عن مخالفة المشهور القائلين بالافتقار في غير صورة التعارض أيضاً.
ومنهم: المنكرون لحجّيّة أخبار الآحاد، بدعوى قطعيّة الأحكام بالكتاب والإجماع والأخبار المفيدة للعلم بتواتر أو استفاضة أو غير ذلك ممّا لا مدخل لعلم الرجال في حصوله، كالسيّد وابن إدريس وأضرابهما(9).
ومنهم: المدّعون لقطعيّة الصدور في كتب الأخبار المتداولة بين أصحابنا أو خصوص الأربعة المعروفة منها، بزعم استفادته من اُمور تأتي إلى بعضها الإشارة، ومحصّلها القطع بأخذ ما فيها عن الاُصول الأربعمائة المعروفة في عصرهم(ع)، وعليه أكثر الأخبارية.
ومن هؤلاء مَنْ راعى بعض الإنصاف، وتحرّز عن هذا الجزاف، لكن بنى على اعتبار جميع ما في الكتب الأربعة؛ لشهادة مصنّفيها الثقات بذلك، فأخبارها وإن لم تكن قطعيّة الصدور إلّا أنّها قطعيّة الاعتبار فتوافقهم في الأخير.
ومَنْ خلط بين الطريقتين، فجمع في الحكاية بين الطائفتين فقد خبط واضحاً إلّا بالنسبة إلى مَنْ قال من الأوّلين بمقالة الآخرين بطريق التنزّل.
ومنهم: المكتفون بتصحيح الغير مطلقاً والمعلوم حصوله من أكثر العلماء في كتبهم الفقهيّة وغيرها، وأمّا الاكتفاء به في حال الاضطرار - لفقد كتب هذا الفنّ في سفر ونحوه - فليس على خلاف مذهب المشهور.
ومنهم - من الأخباريّة في حكايةٍ ومطلقاً في أُخرى(10) -: مَنْ فصّل بين صورة التعارض وغيرها، فاقتصر في نفي الافتقار على الأخير.
ويمكن تسبيع الأقوال المخالفة بالتفصيل بين صورة وجود الشهرة محقّقة أو محكّية في خصوص بعض الأخبار المفيدة لبعض الأقوال، أو اختصاص الراجحة منها بجانب، وبين غيرها، فيقتصر في الافتقار على الأخير.
ولعلّ عليه عمل بعضٍ أو جماعة، وإن لم أقف على مَنْ اختاره أو حكاه عن واحد. فالواجب أو الأَوْلى التكلّم هنا في مقامين:
أحدهما: في إثبات الافتقار في الجملة الذي به تتمّ اُمور المقدّمة، سواء أوجبناها فيها أم لا، وهذا في قبال منكري الحاجة على الإطلاق؛ لوضوح ارتفاع السالبة الكلّيّة بالموجبة الجزئيّة.
وثانيهما: في إثباته مطلقاً بجعل الجزئيّة كلّيّةً في محلّ النزاع، أعني في مقابل القول بالتفصيل لا مطلقاً؛ لوضوح أنّه لا افتقار في الأخبار العلميّة صدوراً أو مفاداً، وهذا لاخلاف فيه.
ولنا على المقام الأوّل وجوه:
أحدها: الأصل. وتقريره: أنّ العمل بأخبار الآحاد لازم ولو لكونها من أسباب الظنّ بل أقواها، للأدلّة التي أُقيمت عليه في الاُصول، فبطل قول السيّد ومَنْ تبعه.
ثمّ العمل بها والاستنباط منها بعد الرجوع إلى علم الرجال وتعيين المعتبر من الأخبار به في الجملة ممّا لا خلاف فيه، بل الإجماع من الجميع واقع عليه.
وأمّا العمل بها قبل ذلك فهو محلّ الإشكال والخلاف.
ومقتضى الأصل عدم الجواز بمعنى عدم الاعتبار؛ لوضوح أنّه على خلاف الأصل، ويأتي ما في المخرج عنه، فلابدّ من الوقوف عليه.
وثانيها: أنّ العمل بالآحاد لايفيد مطلقاً أو غالباً إلّا الظنّ، وقد وقع النهي عنه في الكتاب والسنّة، بل عليه بناء العقلاء وسيرة العلماء، والثابت في الخروج عن عموم النهي بالنسبة الى الآحاد إنّما هو بعد الرجوع إلى الرجال في الجملة، وأمّا قبله فلا، ويأتي ما في المخرج عنه بدعوى قطعيّة الصدور والاعتبار أو الأخير أو غير ذلك.
وثالثها: أنّ مصير عامّة المجتهدين إلى الافتقار إلى علم الرجال ولو في الجملة مع ما يأتي في تضعيف طريقة الأخباريّين والمفصّلين إن لم يفد القطع بذلك فلا أقلّ من حصول الظنّ ولا أقلّ من الشكّ والترديد، فالإقدام على العمل في هذه الحالة من غير مراجعة قبيح مذموم عقلاً ونقلاً.
ورابعها: أنّ من المعلوم الوارد على طبقه أخبار مستفيضة أنّ في رواياتنا كانت جملة من الأخبار الموضوعة.
ففي النبويّ المعروف: «ستكثر بعدي القالة عَلَيّ»(11).
وفي المرويّ عن الصادق(ع): «أنّ لكلّ رجل منّا رجلاً يكذب عليه»(12).
وفي الآخر عنه(ع): «إنّا أهل بيت صادقون لانخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه»(13).
وفي الآخر: «أنّ المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي فاتّقوا اللَّه ولاتقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبيّنا».
وعن يونس أنّه قال: وافيتُ العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر وأصحاب أبي عبداللَّه(ع) متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعدُ على أبي الحسن الرضا(ع)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبداللَّه(ع)، وقال: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبداللَّه(ع)، لعن اللَّه أبا الخطّاب وكذلك أصحاب أبي الخطّاب، يدسّون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبداللَّه(ع)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»(14).
وفي جملة من الأخبار العلاجيّة: «أنّ ما خالف القرآن» وفي بعضها «ما خالفه وخالف السنّة أنّي ما قلته» وفي آخر: الأمر بضرب مخالفه وجه الجدار(15). إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا المضمار.
فنقول: إنّ إخراج الموضوعة عمّا في أيدينا من الأخبار غيرمعلوم، وادّعاؤه - كما يأتي - غير مسموع، فالعمل بالجميع من غير تميّز الموضوع عن غيره بالمقدور قبيح، بل منهيٌّ عنه بهذه الأخبار.
ومن هنا قال المحقّق في المحكيّ عن المعتبر - بعد حكاية مذهب الحشويّة -: «إنّهم غفلوا عمّا تحته من التناقض»(16) يعني أنّ العمل بما مرّ من الأخبار مع غيرها مطلقاً موجب للتناقض؛ لوضوح أنّ العمل بغيرها إنّما يتمّ مع الإعراض عن هذه، وإلّا فهي تنهى عن العمل.
ثمّ إنّك قد عرفت أنّه لا خلاف في حصول التميّز بالرجال، وحصوله بغيره كلّيّاً غير ثابت، بعد مايأتي في تضعيف دعواه، فلابدّ من الرجوع إليه في امتثال النواهي المزبورة (مع أوامره العمل بها)(17).
خامسها: الأخبار العلاجيّة المشتملة على الرجوع عند التعارض إلى الأعدل والأورع والأفقه(18). وهذه الصفات لايُعلم ثبوتها في الرواة إلّا بملاحظة الرجال؛ لفقد المعاشرة معهم، وانتفاء الشهادة اللفظية عليها فيهم، فانحصر في الكتبيّة الموجودة في الرجال وإن لم نقل بكونها من باب الشهادة الشرعية.
والترجيح بالشهرة وموافقة القرآن ونحوهما ممّا لامدخل للرجال فيه لايغني عن الأوّل، وإلّا لما أمر(19) بالجميع، كيف! وهي أحد أسباب الترجيح، ولا ترجيح لها على غيرها، فلتُحمل الأخبار على تعيين كلٍّ في طائفة أو عند تعذّر الآخر أو التخيير.
وليس الأمر هنا كما سبق في تخيير سبب معرفة المعتبر؛ لعدم سبق أحد الأمرين على الآخر، فالافتقار إلى الرجال في عرض الافتقار إلى الخارج. فثبت الافتقار في الجملة إلّا أنّا بصدد الحصر ولو في الجملة.
فنقول: من المعلوم عدم جريان الترجيح الأخير في جميع الأخبار المتعارضة، وحينئذ يتعيّن غيره، كما يتعيّن كلّ مخبَر عند تعذّر غيره.
ولْنكتَفِ في هذا المقام بهذا المقدار؛ لأنّ ما في المقام الثاني يدلّ على هذا المرام وزيادة وإن كان بعض الوجوه المزبورة بل جميعها - ولو بضمّ الإجماع المركّب ممّن يعتدّ بشأنه أو عدم القول بالفصل أو مقدّمة اُخرى - ممّا يكتفى به في المقام الثاني.
فلنا على هذا المقام - أي الثاني - أيضاً وجوه:
منها: ما مرّ بضمّ أحد الأخيرين إلى الأخير وغيرهما في غيره، وهو أنّه لامخرج عن الأصل والعموم المتقدّمين إلّا مع الرجوع على الإطلاق؛ لما يأتي في تضعيف ما ادّعي الإخراج به، وأنّ الحقّ بقاء التشكيك والترديد إلّا مع الرجوع كذلك؛ لما ذكر، وأنّ احتمال الوضع قائم في أكثر الأخبار أو جميعها وإن ضعف في بعض لقرائن خارجيّة، فلابدّ من الرجوع في الجميع.
ومنها: أنّ قول الفاسق مع العراء عن قرائن الصدق والجابر غير معتبر شرعاً، والعمل به منهيّ عنه ومذموم كذلك، بدليل الإجماع حتّى من الأخبارية؛ فإنّهم يدّعون عدم العراء عمّا ذكر، ولازمه بل صريحه الموافقة مع العراء.
نعم، هو من الحشوية، ولا اعتناء بخلافهم خصوصاً، وفي اتّفاق غيرهم كفاية، ولبناء العقلاء وطريقة العلماء كما يعلم بتتبّع أقوالهم وأحوالهم، ومن اعتذار العامل به في مقام بدعوى ترجيح خارجي، وللأصل والعموم السابِقَيْنِ، والأخبار المفيدة بالمنطوق أو المفهوم على اعتبار الوثاقة فيمن يعتبر قوله شرعاً، ولمنطوق آية النبإ خصوصاً بعد ملاحظة عموم التعليل فيها، وحيث إنّ الفسق كالعدالة من الاُمور النفس الأمريّة الموضوع لها اللفظ من غير اعتبار أمر آخر من علم ونحوه ممّا هو من الطرق، لاجزء موضوع اللفظ ولا ما يراد منه، فالمنهيّ عنه هو قول المتّصف بذلك في نفس الأمر لا في علمنا، فمجهول الحال قبل الفحص أو بعده لايعتبر قوله؛ لاحتمال كونه فاسقاً، فلابدّ في كلّ مقام يعمل من سدّ هذا الاحتمال ولو بطريق شرعي، لا اطّراد العمل إلّا فيما ثبت فسقه كما قد تخيّل.
ولا ريب في قيام هذا الاحتمال في أكثر الرواة قبل الرجوع إلى الرجال، وفي توقّف سدّه وكشف الحال بثبوت عدالتهم أو فسقهم على التأمّل في أحوالهم المزبورة في علم الرجال.
ولايُتَوَهَّم أنّ مصير الأكثر إلى اعتبار الموثّق بل الحسن، بل الضعيف إذا اعتضد بقرائن الصدق منافٍ للحاجة إلى علم الرجال؛ لعدم الحاجة حينئذٍ إلى التعديل، وذلك لأنّ منشأ الحاجة ليس خصوص إثبات العدالة، بل مطلق الوثاقة والمدح المعتبر، وهما لايُعلمان إلّا بالرجال. نعم هو منافٍ لعموم أدلّة المنع عن قبول قول الفاسق ومخصّص له.
وإليه ينظر جوابهم - بعد اشتراط العدالة في اعتبار الرواية - عن الإيراد بمنافاته لاعتبار الموثّق وغيره، بأنّ المراد اعتباره بغير تبيّن وتثبّت، لدلالة آية النبإ على عدم الاشتراط حينئذٍ، فهي المخصّصة لما ذكر، وأنّ الرجوع إلى ما قيل في حقّ الراوي الفاسق أو بالنسبة إلى روايته من التوثيق والمدح وغيرهما من المعاضدات نوعُ تثبّت؛ لأنّه أعمّ من القطع والظنّ، والأخير حاصل بالرجوع.
وما يتوهّم وروده على هذا - بأنّ لازمه توقّف اعتبار قول العدل أيضاً عليه، إذ لا اعتبار به قبل معرفة عدالته، والرجوع إلى تعديله تثبّت كما ذكر، والحاصل أنّ مع فقد هذا التثبّت لا يعتبر قولهما معاً، ومعه يُعتبر كلٌّ منهما معاً. فأين موضع الاشتراط ؟ - فمندفع: بأنّ الرجوع في التعديل لإحراز الشرط، وفي غيره للتثبّت وإن كان هذا لازمَ الحصول للأول أيضاً، ومع ذلك لا يخلو من نظر.
والأَولى التزام التخصيص بأدلّة اعتبار ما ذكر من عمل الطائفة كما ذكره الشيخ والمحقّق وغيرهما، وغير ذلك، أو حمل الفسق على المخالفة في الفروع كما لعلّه الظاهر منه عند الإطلاق وكان مورد الآية وإن لم يوجب تخصيص العموم، وهذا مقابل العدالة في المذهب وإن كان الظاهر من إطلاقها الإطلاق، كما صرّحوا بذلك فيها وفي التوثيق.
ولا يلزم هذا فساد من جهة التقابل بينهما؛ لأنّه بين المعنيين الأصليّين دون ما ينصرف إليه الإطلاق، فالتقابل بين مطلق أحدهما ومقيّد الآخر، كما لايخفى.
ومنها: أنّ سيرة العلماء قديماً وحديثاً على تدوين كتب الرجال وتنقيحها وتحصيلها بالاشتراء والاستكتاب، وعلى مطالعتها والرجوع إليها في معرفة أحوال الرواة، والعمل بها في الاعتداد برجالٍ، والطعن في آخرين، والتوقّف في طائفة ثالثة، حتّى أنّ كثيراً منهم كانت له مهارة في هذا العلم، كالصدوق والمفيد والطوسي وغيرهم من مشايخ الحديث، بل ربّما أمكن أن يقال: اهتمام المتقدّمين فيه كان أزيد من المتأخّرين، وأيّ عاقل يرضى بكون ذلك كلّه لغواً مكروهاً أو حراماً! فليس إلّا للافتقار إليه. بل ربّما يظهر من عدم ارتكابهم مثل ما ذكر بالنسبة إلى سائر ما يتوقّف عليه الفقه: أنّ الافتقار إليه أشدّ وأعظم، ولعلّه كذلك بعد سهولة أكثر ذلك في حقّهم وفي زمانهم دون الرجال، كيف! وبه يعرف ما به الحجّة في حقّهم عن غيرها، ومنه يحصل الاطمئنان أو الظنّ المستقرّ بما استفيد من الأحكام عن الأخبار.
وحيث إنّ المفصّل في الافتقار النافي له على الإطلاق شاذٌّ نادر بل غير معلوم القائل ظهر أنّ الافتقار على الإطلاق.
وبتقرير آخر: أنّ ما سمعت منهم خصوصاً بعد ملاحظة ما في كتب الاُصول من الاتّفاق على اشتراطه في الاجتهاد يكشف قطعيّاً عن بنائهم على الافتقار إليه واشتراطه في الاستنباط، وعن رضا المعصوم(ع) بذلك، وهل ينقص هذا من الإجماعات المتكرّرة في كلماتهم؟ فأمّا مخالفة مَنْ مرّ فلا تقدح فيه؛ لوضوح فساد شبهاتهم كما يأتي، ولسبقهم بالإجماع والسيرة ولحوقهم عنه.
ومنها: أنّ سيرة الرواة والمحدّثين إلى زمن تأليف الكتب الأربعة بل إلى تأليف الثلاثة المتأخّرة - الوافي والوسائل والبحار - على الالتزام بذكر جميع رجال الأسانيد، حتّى أنّ أحداً لو أسقطهم أو بعضهم في مقام، أشار إليهم في مقام آخر، كما في الفقيه والتهذيبين، مع التصريح بأنّه للتحرّز عن لزوم الإرسال والقطع والرفع المنافية للاعتبار، ومن المعلوم أنّ ذلك كلّه لأن يعرفهم الراجع إلى كتبهم ويجتهد في أحوالهم على حسب مقدوره، فيميّز الموثوق به الجائز أخذ الرواية منه عن غيره، وإلّا لزم اللغويّة، فيُعلم الافتقار والكشف عن الاشتراط كما في ثاني تقريري الوجه السابق، فلو كان بناؤهم على اعتبار ما فيها من غير ملاحظة أحوال الرواة للأخذ من الاُصول الأربعمائة أو غيره من قرائن الاعتبار أو القطع بالصدور، لكان تطويل الكتب بذكر الجميع لغواً مكروهاً أو مُحرَّماً، وقد مرّ بطلان نفي الافتقار في الجملة، فثبت الافتقار المطلق.
ويؤيّد هذا التزام مَنْ تأخَّر بالرجوع إلى الرجال، وتوصيف بعض الأخبار بالصحّة والوثوق والاعتبار وتضعيف بعض آخر، وعدم اكتفاء بعضهم بتوصيف غيره وإن كان أعرف منه بالرجال، بل الخلاف بينهم في كثير من التصحيحات والتضعيفات واضح معلوم للمراجِع إلى كتبهم.
وكون الصحّة عند القدماء أعمّ مطلقاً أو من وجه من الصحّة عند المتأخّرين لاينافي ماسمعت، وإنّما ينافيه لو ثبت أنّ أسباب الصحّة عندهم مأخوذة من غير الرجال، ولم يثبت، بل الثابت - بملاحظة ما أشرنا إليه - خلافه.
نعم، أخذ البعض من غيره هو الظاهر منهم، ولا يقدح في إطلاق الافتقار؛ إذ الظاهر أنّ مرادهم بالصحيح هو المعمول به، وهو أعمّ من الصحيح عند المتأخّرين أيضاً، فكما أنّ عموم العمل عندهم غير قادح في إطلاق الافتقار إلى الرجال، فكذا عموم الصحّة عند القدماء والاختلاف في التسمية.
وفي الوجوه المزبورة كفاية عن غيرها خصوصاً في هذا المختصر، وأنّ المسألة مفصَّلة في الاُصول.
ولكن لابأس بالإشارة إلى بعض شبهات الخصم، التي أخذوها أدلّة وبراهين، مع الإشارة إلى بعض ما فيها. وإنّما نتعرّض لشبهات الأخبارية، والمفصّل بين صورة التعارض وغيرها، وبين وجود الشهرة الراجحة المعتبرة في المسألة وعدمه، والمكتفي بتصحيح الغير؛ لأنّها هي المتعلّقة بالمقام. ولانتعرّض لشبهات الحشويّة ومنكري اعتبار أخبار الآحاد، لأنّها في مقام حجّية الآحاد، وهي مسألة طويلة الذيل من مسائل الأُصول، لا من مسائل المقام، مع أنّ الظاهر انقطاع القولين في أزماننا؛ إذ لم نظفر على قائل بأحدهما.
مضافاً إلى أنّ نفي الطائفة الاُولى لإطلاق الافتقار غير معلوم كما أشرنا إليه، وكذا أصل نفيه من الثانية؛ لاحتمال جَعْلهم الرجال من أسباب العلم الواجبة بوجوبها، ولعلّه الظاهر؛ لتعرّضهم لأحوال كثير من الرواة بالمدح والقدح عند الاستدلال بأخبارهم في كتبهم الفقهيّة وغيرها، مع أنّ رئيسهم - وهو المرتضى - صرّح في الفهرست بأنّه جامع للعلوم كلّها، ومنها الرجال والحديث والدراية(20) ومن البعيد عدم اعتنائه بما ذكروه فيها.
ويظهر ممّا ذكر أنّ نفيه من الأخباريّة أيضاً غير معلوم إلّا من بعضهم المصرّح بذلك، وإلّا فمجرّد دعوى قطعيّة أخبار الكتب الأربعة أو مع إضافة بعض آخر أو مطلقاً لاتنافي الافتقار إلى الرجال؛ لاحتمال أو ظهور استفادتهم القطع من الرجال أو من أسباب هو من جملتها، كيف! ويأتي منهم ما يفيد ذلك، كقولهم: إنّ الراوي إذا كان ثقةً لم يرض بالافتراء ولا بخبر لم يكن بيّناً واضحاً عنده، وإن كان فاسد المذهب،يفيد نقله القطع بالصحّة والصدور،وقولهم:«إنّ بعضالرواةممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، فصحّة رواياته إجماعيّة» إلى غير ذلك.
ولعلّ هذه الدعوى إنّما صدرت لدفع ما أورده المجتهدون على إيرادهم عليهم في استعمالهم الظنّ كما نطق به حدّ الاجتهاد المذموم في بعض الأخبار: بأنّكم لاتسلمون عن استعمال الظنّ؛ لأنّ أخبار الآحاد كلّها ظنّيّة السند والدلالة، فالتزموا بقطعيّة السند بل الدلالة.
(شبهات الأخباريّين في الاستغناء عن علم الرجال)
وكيف كان فلهم شبهات عديدة مذكورة في كتب الاُصول. واحتمال ذكر بعضها من قِبَلهم وإن لم يذكروه أو بإرادة فرض ذكرهم له ليس بذلك البعيد.
فمنها: أنّ علم الرجال علم منكر يجب التحرّز عنه؛ لأنّ فيه تفضيح الناس، وقد نُهِينا عن التجسّس عن معايبهم وأُمِرنا بالغضّ والتستّر.
ومنها: أنّ بعض أهل هذا العلم - الذي قد بنوا على أقوالهم في الجرح والتعديل - كانوا فاسدي العقيدة وإن لم يكونوا فسّاقاً بالجوارح.
مثل: ابن عُقدة وكان زيديّاً جاروديّاً مات عليه بنصّ النجاشي(21) والشيخ(22). وفي الخلاصة: «كان زيديّاً»(23).
ومثل: عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال وكان فطحيّاً بتصريح الشيخ والنجاشي(24)، وصرّح في الخلاصة بفساد مذهبه(25).
ومع ذلك قال في التعليقة - في بيان حاله أنّ الطائفة عملت بما رواه بنو فضال: «وكثيراً مايعتمدون على قوله في الرجال، ويستندون إليه في معرفة حالهم من الجرح والتعديل»(26).
بل غير خفيّ أنّه أعرف بهم من غيره، بل من جميع علماء الرجال، فإنّك إذا تتبّعت وجدت المشايخ في الأكثر، بل كاد أن يكون الكلّ يستندون إلى قوله ويسألونه ويعتمدون عليه.
ومنها: أنّ الاختلاف في معنى العدالة والفسق معلوم، وكذا في قبول الشهادة على أحدهما من غير ذكر السبب، فلا يعلم من إطلاقهم ما هو المختار عندنا حتّى نعوّل عليه لو لم يعلم خلافه، فإنّ مختار الشيخ أنّ العدالة ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق(27)، وكثير من التعديلات منه، بل على ظاهر دعوى الشيخ أنّه المشهور، فيكون مذهب مَنْ عداه أيضاً. والمتأخّرون لايكتفون بذلك فكيف يعتمدون على تعديله بل تعديل غيره!؟
ومنها: أنّ الصحّة عند المتأخّرين لابدّ فيها من ثبوت العدالة والضبط والإماميّة في جميع سلسلة السند، وقلّما يتعرّض في الرجال لجميع ما ذكر، وهُمْ يكتفون فيها بقولهم: «إنّ فلاناً ثقة» أو: «من وجوه أصحابنا» أو: «كبارهم» ونحو ذلك.
ولا دلالة في شيء ممّا ذكر على ما ذكروه حتّى لفظ «الثقة» فإنّ غاية مفادها العدالة، وأمّا «الضبط» لاسيّما «الإماميّة» فلا، لاسيّما إذا كان في كلام غير الإماميّ كمن مرّ، خصوصاً حيث كان في كلام الإماميّ جرحه، مع أنّ كثيراً مّا يقال في حقّه أيضاً من الموثّق أو غيره: إنّه واقفيّ أو فطحيّ ونحو ذلك، وهذا ينافي كون مفادها ما ذكر.
وبالجملة، فهُمْ يكتفون في الصحّة بأُمور لادلالة لها عليها بشيء من الدلالات،على ما يأتي الكلام فيه في بعض ألفاظهم.
ودعوى النقل في جميع ذلك إلى ما استفادوه منها مجازَفَة أو لاشاهد عليها أصلاً.
ومنها: أنّ أكثر أسامي الرجالمشتركة بين عدل أو ممدوح وغيره، وأكثر أسباب التميّز لاتفيد إلّا أقلّ مراتب الظنّ المنهيّ عن العمل به عقلاً ونقلاً، كتاباً وسنّةً وإجماعاً، وكيف يجوز القول باعتبار مثل هذا الظنّ دون ما يحصل من الشواهد الآتية في اعتبار أخبار الكتب المعتبرة من القطع أو الظنّ القويّ القريب إليه!؟
ومنها: أنّ كثيراً من تعديلاتهم وتضعيفاتهم مبنيٌّ على ترجيحهم واجتهادهم، ولايجوز للمجتهد البناء على اجتهاد غيره، وما ليس من ذلك فهو شهادة كَتْبِيّة لم يعلم إيقاعها منهم باللفظ، وممّا أجمع أصحابنا عليه وورد به بعض الروايات أنّه لاعبرة بالكتاب.
وأيضاً فالأغلب أنّها من شهادة الفرع بل فرع الفرع وهكذا.
ولا خلاف في عدم اعتبار غير الأولى مطلقاً، ومورد اعتبار الأولى الأموال وحقوق المخلوق دون غيرها، وفي كونها على مدح الرواة وقدحها منها تأمّل، بل منع، مضافاً إلى أنّ المعتبر حينئذٍ اثنان، والمعروف الاكتفاء بالواحد.
ومنها: أنّ مَنْ تأمّل المنتقى وغيره - من كتب الماهرين في معرفة الطبقات - يعرف أنّ جملة من الروايات - لاسيّما(ما) في كتب الشيخ(ره) - مرسلة بالمعنى الأعمّ؛ لسقوط راوٍ أو اثنين، وغير العارف بالطبقة يظنّ الاتّصال، ويصحّح السند مع وثاقة الموجودين، وليس كذلك.
وكذا يعلم أنّ في كثير من الأسانيد وقع غلط واشتباه في أسامي الرجال أو آبائهم أو كناهم أو ألقابهم، وكذا وقع في كثير كلمةٍ المجاورة بين شخصين، وحقّه العطف، فمع ضعف أحدهما يضعف الخبر، أو العكس فبالعكس، وكلاهما من الخطإ. وقد تكون مصحَّفةً من كلمة «ابن» فيشتبه الراوي ويُضعَّف بالوالد، ولا دَخْل له بالسند إلى غير ذلك.
وأيضاً قيل: إنّ كثيراً ممّا رواه الشيخ عن موسى بن القاسم العجليّ أخذه من كتابه، وهو أيضاً أخذه من كتب جماعة، فينقل عنهم من غير ذكر الوسائط اتّكالاً على ذكرها في أوّل كتابه، فينقل الشيخ عن موسى من أحد الجماعة من غير إشارة إلى الواسطة، فيظنّ الاتّصال مع أنّ الواقع الإرسال، وجميع ذلك محتمل في جميع الموارد من الشيخ ومن غيره. وممّا يخصّ روايته عن الكافي أنّه قد يترك أوّل السند اعتماداً على ذكره قبله، وربّما غفل عنه الشيخ فروى بإسقاط أول السند بزعم الاتّصال.
ولا يخفى أنّ مفاد هذه الوجوه إنّما هو عدم العبرة بالرجال، ولازمه نفي الافتقار المحْوِج للبحث عنه؛ لتوقّفه على اعتبار المفتقر إليه، فأمّا أنّ المرجع والمعوّل عليه حينئذٍ ماذا؟ فلا يُعلم منها، وإنّما يُعلم من وجوه اُخر حكاها كلّاً أو بعضاً المحدّث البحراني على ما قيل عن أمينهم الاسترآبادي أنّه قال: إنّ أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عن الأئمّة(ع) فلاحاجة إلى ملاحظة أسانيدها(28).
أمّا الكبرى فظاهرة.
وأمّا الصغرى: فلأنّ أحاديثنا محفوفة بقرائن مفيدة لذلك:
منها: القرائن الحالية والمقالية في متونها، واعتضاد بعضها ببعض، وكون الراوي ثقةً في نفسه أو في الرواية غير راضٍ بالافتراء ولامتسامح في أمر الدين، فيأخذ الرواية من غير ثقة أو مع فقد قرينة الاعتبار.
ومنها: نقل العالم الثقة الورع في كتابه المؤلَّف للإرشاد ورجوع الشيعة إليه.
ومنها: كون راويها ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، على المعنى الظاهر الذي عليه الأكثر كما يأتي.
ومنها: كونه مِمَّن نصَّ في الروايات على توثيقه وأمر بالأخذ منه ومن كتابه أو أنّه المأمون في أمر الدين والدنيا(29).
ومنها: وجودها في أحد الكتب الأربعة: الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار؛ لشهادة مؤلّفيها بصحّة ما فيها من الأخبار، وأنّهم أخذوها من الكتب المعتمدة والاُصول المعتبرة التي إليها المرجع وعليها المعوّل.
ومن ذلك ما ذكره الشيخ الفاضل الكامل الحرّ العامليّ في الوسائل قال:
«الفائدة التاسعة: في ذكر الاستدلال على صحّة أحاديث الكتب التي نقلنا منها هذا الكتابَ وأمثالها ووجوب العمل بها فقد عرفت الدليل على ذلك إجمالاً، ويظهر من ذلك ضعف الاصطلاح الجديد (30) على تقسيم الأحاديث إلى صحيح وموثّق وحسن وضعيف، الذي تجدّد في زمان العلاّمة وشيخه أحمد بن طاوس، والذي يدلّ على ذلك وجوه»(31).
قلتُ: المناسب لهذا المختصر الاقتصار على نقل عمدتها ولو بالمعنى، وجمع ما هو من باب واحد أو بعضه متفرّع على بعض في أمر واحد، فنقول:
أحدها:
«أنّ المعلوم بالتواتر والأخبار المحفوفة بقرائن القطع أنّه كان دأب القدماء في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ضبط الأحاديث وتدوينها في مجالس الأئمة(ع) وغيرها، وكانت هِمَمُهم على تأليف ما تعمل به الطائفة المحقّة، وعرضه على الأئمة(ع)، وقد استمرّ ذلك إلى زمن تأليف الكتب الأربعة حتّى بقيت جملة منها بعد ذلك.
وهذه الأربعة منقولة من تلك الأُصول المعتمدة، بشهادة أربابها الثقات، ولغاية بُعْد تأليفهم من غيرها مع تمكّنهم منها ومن تميّز ما هو المعتبر عن غيره غاية التمكّن، مع علمهم بعدم اعتبار الظنّ في الأحكام الشرعيّة مع التمكّن من العلم والتبيّن.
والمعلوم من وثاقتهم وجلالتهم عدم التقصير في ذلك، كيف وأهل التواريخ لايأخذون القصص من كتاب أو شخص غير معتمد مع التمكّن من الأخذ عن المعتمد، فما الظنّ بهؤلاء المشايخ العظام!؟ وعلى فرض أخذهم من غير الكتب المعتبرة كيف يدلّسون! بل يشهدون بصحّة جميع ما نقلوه وكونه حجّةً بينهم وبين ربّهم»(32).
وثانيها:
«أنّ مقتضى الحكمة الربّانية وشفقة الرسول والأئمّة(ع) أن لايُضيَّع مَنْ في أصلاب الرجال من الأمّة، ويُتركوا حيارى يلتجئون إلى التشبّث بظنون واهية وغيرها، بل يمهّد لهم اُصول معتبرة يعملون بها في الغيبة، كما هو الواقع والمعلوم بالتتبّع في أحوالهم والتأمّل في الأحاديث الكثيرة الدالّة على أنّهم أَمروا أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم وتأليفه والعمل به في الحضور والغيبة بالنصّ عليها بقولهم: «سيأتي زمان لايستأنسون فيه إلّا بكتبهم» وفي الأحاديث الكثيرة الدالّة على اعتبار تلك الكتب والأمر بالعمل بها، وعلى أنّها عُرضت على الأئمّة(ع)، فمدحوها ومدحوا صاحبها.
وقد نصّ المحقّق بأنّ كتاب يونس بن عبدالرحمن وكتاب الفضل بن شاذان كانا عنده(33). وذكر علماء الرجال أنّهما عرضا عليهم(ع)، فما الظنّ بأرباب الأربعة.
وقد صرّح الصدوق في مواضع بأنّ كتاب محمّد بن الحسن الصفّار، المشتمل على مسائل وجوابات العسكري(ع) كان عنده بخطّه الشريف، وكذا كتاب عبداللَّه بن عليّ الحلبي، المعروض على الصادق(ع)(34).
ثمّ رأيناهم يرجّحون كثيراً مّا حديثاً مرويّاً في غير الكتاب المعروض على الحديث الذي فيه،وهذا لايتّجه إلّا بأنّهمجازمون بكونه في الاعتبار وصحّة الصدور كالكتاب المعروض.
ويقرب من ذلك ما ترى من الشيخ وغيره إلى زمان الاصطلاح والعمل بكثير ممّا هو ضعيف عليه، وكثيراً مّا يعتمدون على طرق ضعيفة مع تمكّنهم من طرق صحيحة، كما صرّح به صاحب المنتقى وغيره.
وهذا ظاهر في صحّة تلك الأخبار بوجوه اُخر، ودالّ على عدم العبرة بالاصطلاح الجديد، وحصول العلم بقول الثقة ليس ببدع ولا منكر، فقد نصّ صاحب المدارك(35) وغيره على أنّه يتّفق كثيراً حصول العلم بالوقت في أذان الثقة الضابط العارف حيث لم يكن مانع من العلم، وبمثله صرّح كثير من علمائنا في مواضع كثيرة»(36).
وثالثها: الوجه الأخير من الوجوه المتقدّمة للأسترآبادي(37)، وفيه التصريح بحصول القطع العاديّ من شهاداتهم كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهباً، وقال:
«إنّه لاتّفاق الشهادات وغير ذلك أَولى من نقل ثقة واحد - كالمحقّق والشهيدين - لفتوى من فتاوى أبي حنيفة في كتابه، مع أنّا نرى حصول العلم لنا بذلك من النقل المذكور،فكيف لايحصل بشهادة الجماعة؟».
وذكر أيضاً أنّه لو لم يجز لنا قبول شهاداتهم في صحّة أحاديث كتبهم لما جاز لنا قبولها في مدح الرواة وتوثيقهم، فلا يبقى حديث صحيح ولا حسن ولا موثَّق، بل تبقى جميع أخبارنا ضعيفة، واللازم باطل فكذا الملزوم، والملازمة ظاهرة، بل الإخبار بالعدالة أشكل وأعظم وأَولى بالاهتمام من الإخبار بنقل الحديث من الكتب المعتمدة، فإنّ ذلك أمر محسوس، والعدالة أمر خفيّ عقليّ يعسر الاطّلاع عليه، ولا مفرّ لهم عن هذا الالتزام عند الإنصاف(38).
وذكر أيضاً أنّ علماءنا الأجلّاء الثقات إذا جمعوا أحاديث وشهدوا بثبوتها وصحّتها، لم يكن أدون من إخبارهم بأنّهم سمعوها من المعصوم(ع)؛ لظهور علمهم وصلاحهم وصدقهم وعدالتهم في أنّه مع إمكان العمل بالعلم لم يعملوا بغيره، ففي الحقيقة هُمْ ينقلونها عن المعصوم(ع)، وقد وردت روايات(39) كثيرة جدّاً في الأمر بالرجوع إلى الرواة الثقات مطلقاً إذا قالوا: إنّ الخبر من المعصوم، وليس هذا من القياس، بل عملٌ بالعموم.
وقال أيضاً:
«إنّهم إن كانوا ثقاتٍ حين شهادتهم، وجب قبولها؛ لكونها عن محسوس، وهو النقل من الكتب المعتمدة، وإلّا كانت أحاديث كتبهم ضعيفةً باصطلاحهم فكيف يعملون بها!؟»(40)
ورابعها:
«أنّ هذا الاصطلاح مستحدث من زمن العلاّمة وشيخه محمّد بن أحمد ابن طاوس، كما هو معلوم لاينكرونه، وهو اجتهاد منهم وظَنٌ(41)، فيرد عليه ما مرّ في أحاديث الاستنباط والاجتهاد والظنّ في كتاب القضاء وغيره، وهي مسألة أُصولية، فلايجوز فيها التقليد ولا العمل بالظنّ اتّفاقاً من الجميع، وليس لهم دليل قطعيّ، فلا يجوز العمل به، وما يتخيّل من الاستدلال لهم ظنّيّ السند أو الدلالة أو كلاهما، فكيف يجوز الاستدلال بظنّ على ظنّ، فإنّه دَوْرٌ مع قولهم(ع):«شرّ الأُمور محدثاتها(42)»(43).
وذكر أيضاً:
«أنّه مستلزم لضعف أكثر الأحاديث التي قد عُلِمَ نقلها من الاُصول المجمع عليها، لأجل ضعف بعض رواتها أو جهالتهم أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثاً بل محرّماً، وشهادتهم بصحّتها زوراً وكذباً، ويلزم بطلان الإجماع الذي عُلِمَ دخول المعصوم(ع) فيه، واللوازم باطلة فكذا الملزوم، بل مستلزم لضعف الأحاديث كلّها؛ لأنّ الصحيح عندهم هو ما رواه العدل الضابط الإماميّ في جميع الطبقات، ولم ينصّوا على عدالة واحد من الرواة إلّا نادراً، وإنّما نصّوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعاً، بل بينهما عموم من وجه كما صرّح به الشهيد الثاني وغيره.
ودعوى بعض المتأخرّين(44) أنّ الثقة بمعنى العدل الضابط ممنوعة، وهو مُطالَبٌ بدليلها، وإنّما المراد بها مَنْ يُوثَق بخبره ويُؤمَنُ منه الكذب عادةً، وقد صرّح بذلك جماعة من المتقدّمين.
وكذلك كون الراوي ضعيفاً في الحديث لايستلزم الفسق، بل يجامع العدالة؛ إذ العدل الكثير السهو ضعيفٌ في الحديث.
ومن هنا يظهر فساد ما قيل من أنّ آية النبإ مُشعِرَةٌ بصحّة هذا الاصطلاح، مضافاً إلى كون دلالتها بالمفهوم الضعيف المختَلَف في حجّيّته.
فإن أجابوا بأصالة العدالة.
أجبنا بأنّه خلاف مذهبهم، ولا يذهب منهم إليه إلّا قليل، ومع ذلك يلزم الحكم بعدالة المجهولين والمهمَلِين، وهُمْ لا يقولون به»(45).
وذكر أيضاً:
«أنّ هذا الاصطلاح يستلزم تخطئة جميع الطائفة المحقّة في زمن الحضور والغيبة، كما ذكره المحقّق في أُصوله حيث قال: «أفرط قوم في العمل بخبر الواحد».
إلى أن قال: «واقتصر قوم عن هذا الإفراط فقالوا: كلّ سليم السند يُعمل به. وما علم أنّ الكاذب قد يصدق، ولم يتفطّن أنّ ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب، إذ لا مصنِّف إلّا وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل(46).
ونحوه كلام الشيخ وغيره في عدّة مواضع(47)»
وذكر أيضاً:
«أنّ طريقة المتقدّمين موافقة لطريقة الخاصّة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامّة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر للمتتبّع، وكما يفهم من كلام الشيخ حسن»(48).
وقال أيضاً:
«إنّ طريقة القدماء موجبة للعلم، مأخوذة عن أهل العصمة(ع)؛ لأنّهم قد أمروا باتّباعها، وقرّروا العمل بها، فلم ينكروه، وعمل بها الإماميّة في مدّة تقارب سبعمائة سنة، والاصطلاح الجديد ليس كذلك قطعاً، فتعيّن العمل بطريقة القدماء»(49).
وذكر:
«أنّ إجماع الطائفة المحقّة - الذي نقله الشيخ والمحقّق وغيرهما - على (نقيض)(50) اصطلاح القدماء، فالاصطلاح الجديد استمرّوا على خلافه من زمن الأئمّة: إلى زمان العلاّمة، وقد عُلم دخول المعصوم في ذلك الإجماع، كما عرفت»(51).
وخامسها:
«أنّهم اتّفقوا على أنّ مورد التقسيم الخبر الواحد العاري عن القرينة، وقد عرفت أنّ أخبار الكتب المشهورة محفوفة بالقرينة، وقد اعترف بذلك بعض أصحاب الاصطلاح الجديد في عدّة مواضع نقلنا بعضها، فلا موضوع له فيها.
وقد ذكر صاحب المنتقى أنّه من متخرّجاتهم، أي العامّة، بعد وقوع معاني تلك الأنواع في أحاديثهم، ولا وجود لأكثرها في أخبارنا»(52).
(في الجواب عن الشبهات المذكورة)
قلت: مُحصَّل كلماته ما سمعتَ وإن رفع الوجوه إلى اثنين وعشرين، لكن لارتباط بعضها ببعض جعلنا جملة منها وجهاً واحداً، وأشرنا إلى أكثرها بقولنا: ذكر، أو: قال،أيضاً، وأكثر ما نقلناه من ألفاظه.
إذا عرفت هذا، نقول: إنّ هذه الشبهات وإن لم تكن حاجة إلى دفعها؛ لوضوح فسادها، إلّا أنّا نشير إليه لمن لم يتّضح له ذلك، وحيث إنّها أنواع ثلاثة بالنسبة إلى أربابها فلنتكلّم في دفعها في مقامات ثلاثة.
فنقول في (المقام) الأوّل:
نجيب عن الأوّل نقضاً بمقام المرافعات في الجرح والتزكية حتّى قدّر بأيّام، واستثناء الغيبة عند المشاورة.
وحلّاً أَوّلاً بأولويّة كلّيّة الأحكام والحقوق عن جزئيّاتها المجوّز فيها ذلك كالمقامين.
وثانياً: بالمنع عن شمول دليل المنع للمقام ولو للانصراف إلى غيره، أو غيره.
وثالثاً: بانعقاد الطريقة والسيرة والإجماع حتّى من الأخبارية على الجواز في المقام؛ إذ البحث - كما عرفت - إنّما هو في الوجوب؛ للافتقار، والعدم؛ للعدم.
و رابعاً: بورود نحوه في كثير من الأخبار بالنسبة إلى كثير من الرواة المجروحين بالاعتقاد والجوارح.
و خامساً: بما قرّر في الأُصول من سقوط حرمة المقدّمة المنحصرة إذا توقّف عليها واجب أهمّ، كإنقاذ الغريق عند كونها أجنبيّةً أو توقَّف على غصبٍ في الطريق أو الآلة أو غيرهما، وقد عرفت التوقّف، والأهميّة واضحة.
وعن الثاني: أوّلاً بالنقض بالعمل - حتّى منهم - برواية المتحرِّزِين عن الكذب مع الوثوق والاعتضاد بقرائن الثبوت. ودعوى الشيخ والمحقّق وغيرهما بعمل الطائفة بنحو هذه الرواية معلومةٌ مذكورة في هذا الإيراد من غيرهما.
وثانياً: بما يأتي في التتمّة من كون الرجوع إلى علماء الرجال من باب تحصيل الظنّ القائم مقام العلم الواجب عند التعذّر.
وعن الثالث نقضاً: بالمرافعات وغيرها.
وحَلّاً: بأنّ مجرّد الاختلاف في مسألة غير مانع عن العمل بعد البناء على قول، وإلّا لامتنع في أكثر المسائل أو جميعها عدا قليلها.
واختيار الشيخ للقول المزبور مطلقاً أو حين تأليفه الرجال غير معلوم؛ لما في نهايته من روايته رواية ابن أبي يعفور، المعروفة، والمعروف أنّ عمله فيها على طبق رواياتها حيث لم يتعرّض لدفعها.
وعلى فرضه فإرادته مختارة فيها من التعديل في رجاله الموضوع لعمل غيره غير معلوم إن لم يعلم أو يظنّ خلافه، فإنّ التأليف إذا كان لغيره خصوصاً للعمل به مدى الدهر لاسيّما في هذا الأمر العظيم إنّما يكون على وجه ينتفع به الكلّ أو الجلّ، فلا يبنى على مذهب خاصّ إلّا بالتنبيه عليه، وهنا مفقود.
ولو أراده، كان الأجمع أن يفصّل في الأشخاص، فمن كان عدلاً عند الجميع أو فاسقاً عندهم أو عنده أطلق وصفه ويقيّد في غيره.
ويشهد على ما استظهرناه أنّه لم يتعرّض في كتابيه لجماعة كثيرة لولا الأكثر - خصوصاً في كتاب رجاله - بمدح فيهم أو قدح، مع التصريح بكونهم من الإماميّة في بيان أحوالهم وفي مفتتح الكتابين، لوضعهما لذكر رواة الشيعة، فظهر إسلامهم مع ظهوره قطعاً ولو للغلبة والدار وغيرهما، أو بما يلزمه الإيمان أو الإسلام، ككونه من أصحاب أحد المعصومين(ع). ولازم البناء على مذهبه في العدالة الجرح إن ظهر، وإلّا فالعدالة.
وما ذكر جارٍ في تأليف غيره أيضاً خصوصاً النجاشىّغ؛ لوضع كتابه أيضاً للشيعة، فلا يضرّ كون الشهرة على مختار الشيخ مع المنع عن ثبوتها، فإنّ دعواها من بعض على الملكة وآخر على حسن الظاهر مطلقة، بل في الأخيرة التصريح بكونها من القدماء، فراجع.
وعن الرابع ما يأتي عن قريب وفي الخاتمة في اصطلاحاتهم.
وعن الثلاثة المذكورة بعده: أنّها إنّما تدفع كون الرجوع إلى الرجال من جهة استفادة القطع أو كون توصيفهم بالمدح أو القدح شهادةً شرعيّة، وتسمع في التتمّة أنّه من جهة استفادة الظنّ القائم مقام العلم الواجب المتعذّر، كما قرّر في قاعدة الانسداد، فإنّا وإن خالفناها في الاُصول لا في بعض مقدّماتها هناك إلّا أنّه لامناص عنها في المقام.
فأمّا وجه عدم اعتبار الظنّ الحاصل من غير هذا العلم - كالأمارات الآتية التي استفادوا منها العلم، وكتصحيح الغير ونحو ذلك - فهو أنّ المعتبر بهذه القاعدة إنّما هو الظنّ المستقرّ الحاصل بالفحص والبحث عن أسبابه، ولذا أوجب القائلون بها في الاُصول البحث في الأخبار وغيرها من الأدلّة، ولم يكتفوا بالظنّ الحاصل لغيره ولو شهد بالحكم مَنْ شهد، كيف! وإلّا لزم جواز اكتفاء المجتهد بفتاوى أمثاله، وحَلَّ له التقليد الممنوع في حقّه بالإجماع، ومجرّد تسميته اجتهاداً لاينفع، وأيّ فرق حينئذٍ بينه وبين التقليد بناءً على اعتباره للظنّ كما يقول به كلُّ أو جُلُّ البانين على هذه القاعدة؟
ولايرد مثله علينا في الرجوع إلى علماء الرجال في الجرح والتوثيق؛ لمنع كونهما باجتهادهم، بل الظاهر أنّ ذلك بنقل اللاحق عن السابق كما في اللغة، أما سمعت ما مرّ من التعليقة في حقّ ابن فضّال أو بشياع الحال المكتفى به في العدالة والجرح، كما في كثير من متقاربي العصر أو مُتَّحِديه مع فقد الملاقاة والمعاشرة أو بقرائن أُخر مفيدة للظنّ المعتبر؟ ومع التسليم فمثله نادر.
على أنّ الرجوع إلى اجتهاد لا نتمكّن نحن من مثله لابأس به بعد البناء على الظنّ؛ لأنّ الحاصل من مثله مستقرّ معتبر بالقاعدة المزبورة، بخلاف ما نتمكّن من مثله.
فأمّا كون شهادتهم كَتْبِيّةً في غير موضع اجتهادهم وفرعاً أو فرعَ فرع فهو كذلك، لكن أشرنا إلى أنّ الرجوع لاستفادة الظنّ لا الشهادة - ويجيء التفصيل - ولا ريب في حصول الظنّ بأيّ قسم كانت الشهادة.
مضافاً إلى ما يأتي في التتمّة من إمكان الاكتفاء بنحو هذه الشهادة في خصوص المقام؛ للعمل والإجماع.
فأمّا الإرسال والخطإ الخَفِيّان من الشيخ أو غيره فمع ما مرّ - من كون البناء على الظنّ وعدم اقتضائهما الغنى عن الرجال لو لم يثبتانه لوضوح حصول معرفتهما به أنّ البحث في الفحص الموجب للتميّز المتوقّف على معرفة الطبقات بالمميّزات، وليس المدار على ظنّ الجاهل، مع أنّهما محتملان في الحكم بصحّة ما في الكتب بالنسبة إلى ما صحّح بالسند.
وتخيّل نفي وجوده فيها رأساً - مع كونه رجماً بالغيب - منافٍ لخبرة الصدوق والشيخ بالرجال غاية الخبرة؛ لوضوح أنّ اقتصارهما على الأخذ من الأُصول المعروفة المعلومة من مصنّفيها يوجب عدم إعمالهما للرجال أصلاً، أو في غير أرباب الاُصول، وهو بعيد جدّاً. ولو كان ثبوتها لديهما بالوسائط المتوقّف معرفتهم على الرجال فقد قام هنا الاحتمال.
ونقول في المقام الثاني إجمالاً:
إنّ ما ذكر في هذا الوجه بأجمعه غيرُ مفيدٍ للقطع بالصدور؛ إذ لا أقلّ من قيام احتمال السهو والغفلة؛ لوضوح عدم عصمة الرواة والمؤلّفين للأُصول والكتب المأخوذة منها، ومع التسليم فلا يوجب الغنى عن الرجال على الإطلاق؛ لوضوح وجود الأخبار المعارضة في جملة هذه الأخبار كأخبار التقيّة، ومن المعلوم المدلول عليه بالأخبار العلاجيّة منها وغيرها توقّف تميّز الراجح المعتبر منها على مراجعة الرجال، فأين الغنى المدّعى على كلّ حال؟
إلّا أن يقال: نختار حينئذٍ التخيير الموجود في بعض هذه الأخبار، كما هو مختار ثقة الإسلام(53)، ومعه لا افتقار إلى علم الرجال، لا في نفس الأخبار المتعارضة في الأحكام ولا في المتعارضة منها في العلاج، إلّا إذا اخترنا التخيير في القسم الأخير لأخبار الترجيح، فيقع الافتقار في الجميع أو في القسم الأوّل إلّا أنّه بالفرض.
ويُدفع أوّلاً: أنّ المختار حتّى لأكثر الأخباريّة الترجيح دون التخيير.
وثانياً: بأنّ اختيار التخيير إنّما هو بعد ترجيح أخباره على أخبار الترجيح، والترجيح يلتمس الرجحان الذي عمدته في الرواة، المتوقّف معرفتها على الرجال.
وثالثاً: بأنّ المستفاد من الأخبار ترتّب التخيير على تعذّر الترجيح؛ لفقد سببه أو وجوده في الجانبين، فهو في الحقيقة في مقابل التوقّف والرجوع إلى الاُصول والقواعد لا الترجيح.
مضافاً إلى أنّ الظاهر - كما قيل - أنّ كلّ مَنْ قال بالافتقار إلى علم الرجال قال به عيناً، فإذا ثبت الافتقار تخييراً بينه وبين التخيير بأخباره، ثبت مطلقاً بالإجماع المركّب من غير الخصم المنازع.
وبما ذكرناه من إيجاب تعارض أخبار الأحكام - كما هو الغالب - الافتقارَ ولو لم يلاحظ معها أخبار العلاج اندفع ما أمكن أن يقال - بل قيل - من اختصاص أخبار العلاج بزمن الحضور؛ لتصريح بعضها بالإجازة إلى ملاقاة الإمام(ع)، ولظهورها في صورة ظنّيّة الأخبار دون قطعيّتها، كما هو المفروض عند الخصم، وللإجماع المركّب، فإنّ كلّ مَنْ قال بالقطعيّة نفى الرجوع إلى أخبار العلاج، والأوّل ثابت بما مرّ فكذا الثاني.
مضافاً إلى ما في دعوى الاختصاص المزبور بوجوهه على التقرير الآخر الملحوظ فيه أخبار العلاج أيضاً أو خصوصها.
ونقول تفصيلاً وإن كان أيضاً جمليّاً: إنّا نمنع الصغرى والكبرى، كما أشرنا إلى منعهما في الإجمال.
ففي الوجه الأوّل في الصغرى: أنّ حصول القطع من المتن في غاية الندرة، وكذا من الاعتضاد، و على فرضه - على ندرته - لا يلازم حصوله في غيره، والافتقار في الغالب كافٍ، بل هو المدّعى.
وكذا من كون الراوي ثقةً؛ لمنع حصول القطع للراوي الثقة؛ لعدم لزومه لا في الرواية ولا في العمل، فلعلّه أخذها ممّن يثق به تعبّداً أو ظنّاً خاصّاً أو مطلقاً، وعلى تسليمهفحصوله لايستلزمه لنا؛لاحتمال السهو والنسيانوالذهولعن القرينة أو خفائها، كما وقع في كثير من الرواة فردعَهم: بقوله(ع): «ليس كما ظننت»(54) أو «ليس كما تذهب»(55) أو «ما أراك بعد إلّا هاهنا». وفي باب الأوقات: «قلت لهم: مسّوا بالمغرب قليلاً، فتركوها حتّى اشتبكت النجوم».
وفيه أيضاً بعد ذكر أبي الخطّاب ولعنه قال: إنّه لم يكن يحفظ شيئاً حدّثته أنّ رسول اللَّه(ص) غابت له الشمس في مكان كذا وكذا، وصلّى المغرب بالشجرة وبينهما ستّة أميال، فأخبرته بذلك في السفر فوضعه في الحضر.
مضافاً إلى أنّ معرفة وثاقة الراوي وضبطه وغير ذلك من الاُمور الموجبة للقطع أوالظنّ إنّما هي بالرجوع إلى الرجال، وإن حصل لنا القطع بعده، فإنّا لم نجعل منشأ الافتقار حصول خصوص الظنّ.
ومن هنا يظهر قوّة ما أشرنا إليه من أنّ مجرّد دعوى قطعيّة الصدور لايلازم الغنى عن الرجال، فلاحظ.
ومن هنا يظهر أنّ حصول العلم لنا بل مطلقاً باتّصاف الرواة بهذه الأوصاف في غاية الندرة، على أنّ بقاء الراوي على الوثاقة وغيرها من الصفات الموجبة للقطع بما يخبر به إلى حين إخباره غير معلوم في أكثر الرواة أو جميعهم، وثبوتها في الجملة غير كافٍ في مقام حصول العلم وإن اكتفي به للاستصحاب أو غيره في مقام الظاهر.
كما أنّ ثبوتها علماً حين بعض رواياته(56) لا تكفي إلّا في هذا البعض، مع أنّ ذلك كلّه - على فرض تسليمه - إنّما ينفع في حال الاختيار وعدم خوف تقيّة ونحوها، وإلّا فلا؛ لجواز بل لزوم التحرّز عن الضرر بإظهار غير المعتقد ولو بتورية ونحوها لاسيّما إن اُريد بالقطع قطعيّة المفاد.
وفي الثاني من وجوهها - بعد جملة ممّا سمعت، سواء اُريد بالناقل الثقة المشافه للمعصوم(ع) أو غيره أو مطلقاً - أنّ احتمال الدسّ في كتابه من المخالفين أو المعاندين له أو لمالك كتابه أو من الهازل أو الفاسق كيف ينسدّ، خصوصاً مع ما ورد نحوه في أخبار كثيرة مرّ بعضها، وكيف العلم مع عدم انسداده!؟
وأيضاً فالغلط من الكتاب بما يخفى ويتغيّر به المعنى ممّا لا يخفى، إلى غير ذلك ممّا لايجامع العلم احتماله، خصوصاً إن أُريد الثقة غير المشافه كالمشايخ الثلاثة وأضرابهم؛ لأنّ حصول العلم لهم بصدور جميع ما جمعوه عن المعصوم(ع) مع كثرة الوسائط، وتضعيفهم لكثير من ذلك - كما في الفقيه وزيادة في التهذيب والاستبصار - كما ترى، مع أنّهم لم يدّعوا ذلك، بل ادّعوا الصحّة، وهي لاتلازم علم الصدور، ويأتي الكلام في هذا بوجه أبسط وأوفى.
وأمّا إن اُريد به خصوص المشافه، ففيه - بعد تسليم حصول العلم لنا باتّصافه بالصفات المزبورة من غير مراجعة إلى الرجال -: أنّ كتب أمثاله لم تصل إلينا.
مضافاً إلى اختلاف النَقَلَة في نقل جملة منها، فذكر النجاشي في ابن عمير «أنّ نوادره كثيرة؛ لأنّ الرواة لها كثيرة»(57) وفي محمّد بن عذافر «له كتاب تختلف الرواة عنه»(58) وغير ذلك.
وفي الثالث أنّه إجماع منقول، غايته إفادة الظنّ، والأخباريّة لايرون الاعتماد عليه، مع أنّ المحتمل بل الظاهر إرادة مطلق الاتّفاق منه دون الكاشف عن قول المعصوم(ع)، فلا حجّيّة فيه، فكيف بالقطع بمفاده!؟ على أنّ الظاهر إرادة الوثوق من الصحّة، فإنّ المراد منها في اصطلاح القدماء باعتراف الجماعة، فيكون المعنى أنّ مايصدر منه واثقاً به موثوق به عند المجمعين، وأين هذا من العلم؟
وعلى فرضه فقد مرّ أنّ علم الغير - واحداً أو متعدّداً - لايوجب علمنا، مضافاً إلى ما يأتي في بيان معنى العبارة وتعيين أشخاص المجمع عليهم، فإنّ فيهما اختلافاً مخلّاً بالعلم جدّاً، مع أنّ معرفة ذلك كلّه بالرجال، فكيف يستغنى به عنه!؟
وفي الرابع - بعد كثير ممّا مرّ - أنّ توثيق المعصوم(ع) لم يثبت أنّه مَبنيٌّ على غير الظاهر. سلّمنا، لكنّه منقول إلينا بأخبار الآحاد غير المفيدة للعلم، مع وقوع التعارض في كثير منها على ما يظهر من ملاحظة جمع الكشي(ره) وغيره، بل منها يظهر أنّ وقوع التوثيق بسندٍ صحيح من غير معارضة مثله لم يقع إلّا في حقّ نادر من الرجال، وهذا على تسليمه لاينافي الافتقار في غيره.
وفي الخامس - بعد ما مرّ أيضاً - أنّه ليس في كلماتهم ما يدلّ على علمية جميع ما جمعوه في كتبهم من الأخبار، وإنّما فيه ما يفيد أنّها معمول بها عندهم أو عند غيرهم؛ لوضوح أعمّيّة العمل من العلم، وكذا أخذ ما فيها من الاُصول المعتبرة.
وقد أشرنا إلى عدم كونها قطعيّةً بجميع ما فيها عند أربابها أيضاً، فكيف بغيرهم ممّن عاصرهم!؟ وكيف بمن تأخّر عنهم!؟ فإنّ المرجعيّة والتعويل على شيء لا تقتضي إلّا الحجّيّة والاعتبار، وغايتهما إفادة الوثوق والاعتماد، فأينَ ذلك من العلم؟وقد أشرنا في وجوه المختار إلى التزامهم بذكر أسانيد الأخبار تفصيلاً أو إجمالاً، مع التعليل بالتحرّز عن خروج أخبارهم عن الإرسال، فلو كانت علميّةً لم يفتقر إلى ذلك أصلاً، ولبطل التعليل المزبور.
وأيضاً تراهم غير متّفقين في الجمع لما جمعوه، فالكلينيّ ترك كثيراً ممّا نقله المتأخّر عنه وكذا المتأخّر عنه، وزاد على ما جمعه السابق عليه حتّى بالنسبة إلى الكلينيّ والصدوق مع تقارب العصر، والمنقول عن أحوالهم أنّهم كانوا يتعبون في جمع الأخبار ونقدها وتصحيحها، ومَنْ هذا شأنه كيف يترك جملة من الأخبار العلميّة التي وافقه غيره عليها ويأتي بغيرها!؟
وأيضاً فالصدوق نرى اعتمد كثيراً على تصحيح وتضعيف شيخه ابن الوليد حتّى قال: «إنّ كلّ ما صحّحه شيخي فهو عندي صحيح» وذكر بعد استضعافه لرواية محمّد بن موسى الهمدانيّ «أنّ كلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحّته فهو عندنا متروك»(59) انتهى.
وأيّ مدخل لذلك في الأخبار العلميّة؟ وكيف يستفاد من تصحيح الغير العلمُ بالصدور خصوصاً!؟ ومن الظاهر بل المعلوم أنّ تصحيح شيخه وتضعيفه كان بالاجتهاد في الرجال، كما وقع التعليل في بعض ذلك، وقد نصّوا في أحوال شيخه «أنّه كان عارفاً بالرجال»(60) وكيف يردّ الأخبار العلميّة بدعواه أخذها من الكتب المعوّل عليها بمجرّد تضعيف شيخه؟.
ومَنْ لاحظ أوّل الاستبصار المتأخّر عن جميع هذه الكتب مصنِّفاً وتصنيفاً، وهو في الحقيقة لسان غيره، عَلِم علماً قطعيّاً أنّ هذا الإسنادَ إليهم توهّمٌ صرف أو صرفُ افتراء؛ لأنّه - بعد أن ذكر المتواتر وما أوجب العلم، وجعل القسم الآخر كلّ خبر لايكون متواتراً ويتعرّى من واحدة من القرائن التي ذكرها - قال:
«إنّ ذلك خبر واحد، ويجوز العمل به على شروط، فإذا كان الخبر لايعارضه خبر آخر، فإنّ ذلك يجب العمل به، لأنّه من الباب الذي عليه الإجماع في النقل، إلّا أن يعرف فتاواهم بخلافه فيترك لأجلها العمل به. وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارِضَيْنِ، فيعمل على أعدل الرواة»(61) - إلى أن قال:
«وأنت إذا فكرتَ في هذه الجملة، وجدتَ الأخبار كلّها لاتخلو من قسم من هذه الأقسام، ووجدتَ أيضاً ما عملنا عليه في هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا في الفتاوى في الحلال والحرام لايخلو من واحد من هذه الأقسام، ولم نُشر في أوّل كلّ باب إلى ذكر ما رجّحنا به الأخبار التي عملنا عليها وإن كنّا قد أشرنا في أكثرها إلى ذكر ذلك، طلباً للإيجاز والاختصار»(62) انتهى.
وهل يقدر العاقل أن يقول: الآحاد التي عمل بها الشيخ، وادّعى عليه الإجماع المفيد لكون عمل مَنْ سبقه أيضاً عليه، ونظر فيه مع التعارض إلى ما لايعلم أو يظنّ إلّا بالرجال؟ وكان بناؤه في كتبه جميعاً على الترجيح بالأسباب التي يعلم ممّا ذكر منها أنّها ممّا يعرف بالرجال، وغايتها إفادة الظنّ أنّي مع كلّ ذلك عالم بصدور هذه الأخبار عن المعصوم(ع) أو بمفادها من غير رجوع إلى الرجال، بل التحقيق عدم حصول الظنّ بذلك أيضاً إلّا في جملة منها معيّنة أو مجملة كما لايخفى على المتأمّل فيما مرّ.
ومنه يظهر أنّ تنزيل بعضهم لدعوى القطعيّة على إرادة العلم العادي كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهباً أو على ما يسمّى به في العرف العامّ أو الخاصّ بالمبتدئين في العلم، وهو الظنّ القويّ كما عن آخر أيضاً، واضح الفساد، خصوصاً والأخير لايغني عن الاجتهاد والرجوع إلى الرجال وغيره من أسباب الظنّ بالاعتبار أو الدلالة.
نعم، إن أرادوا بذلك قطعيّة الحجّيّة في كثير ممّا فيها لا في الجميع، فهو حقّ لاشكّ فيه حتّى عند العاملين بالظنّ المطلق، إلّا أنّ ذلك - كما مّر - من مقدّمات الافتقار إلى الرجال لا من الأدلّة على خلافه.
وأمّا من استدلّ بأقوالهم في أوائلها على الصحّة بأنّها شهادة منهم عليها والبيّنة معتبرة مطلقاً، خصوصاً وهي منهم متضمّنة لتعديل رواة ما في كتبهم من الأخبار، وأنّها لاتقصر إن لم تكن أولى من شهادة واحد أو أكثر من علماء الرجال على وثاقة راوٍ، فيدفعه:
أوّلاً: ما عرفت من منع كونها شهادةً، كيف ويعتبر فيها العلم بلا خلاف!؟ وعرفت أنّ عملهم من باب الترجيح والرجوع إلى أحوال الرجال وغير ذلك ممّا غايته الظنّ غالباً.
وثانياً: منع اعتبار الشهادة في أمثال هذه الموارد التي هي بالفتوى أقرب، بل هي منها؛ لكونها إخباراً عمّا اجتهد فيه في المسألة الاُصوليّة، وهي مسألة حجّيّة أخبار الآحاد.
وثالثاً: منعه؛ لكونها شهادةً علميّة على تسليمها وتسليم أخبارهم بطريق الجزم، وفي اعتبارها خلاف وإشكال.
ورابعاً: لعدم تعيين المشهود به من الروايات والرواة.
وخامساً: لكونها كتبيّةً.
وسادساً: لإعراض المشهور عن الاكتفاء بها، كما يشهد له بناؤهم على الاصطلاح الجديد، وتعليله بتميّز المعتبر عن غيره بعد دعوى إخفاء القرائن المفيدة لذلك.
ويشهد له أيضاً مخالفة بعض المشايخ لبعض وعدم اكتفائه بشهادة مَنْ سبقه.
وسابعاً: بأنّ مرادَهم بالصحيح - كما يجيء في الباب الثاني بل الثالث - هو ما اعتمدوا بكونه من المعصوم سواء قطعوا أو ظنّوا لجملة من الأمارات التي كانت عندهم، وواضح أنّه من باب اجتهادهم وفحصهم عن الأمارات، ولايجوز لنا تقليدهم.
وعلى فرض تسليم الجميع فإنّما هي في الأخبار الموجودة في الجميع أو في اثنين منها؛ لوضوح اعتبار العدد في الشهادة بالإجماع والأخبار، وقد فَصَّلنا ذلك في كتاب القضاء والأحكام، و الاكتفاء بتوثيق واحد في الرجال؛ لكونه من نبإ العدل أو مطلق الظنّ كما يأتي. ويأتي أنّ الحقّ هو الأخير، وإلزامنا بالعمل بها من هذه الجهة مرّ دفعه في الجواب عن رابع وجوه المقام الأوّل.
(في الجواب عمّا أورده صاحب الوسائل)
ونقول في المقام الثالث إجمالاً بمثل إجمال المقام الثاني، وتفصيلاً بالإضافة إلى إجماله، وإلّا فهو أجمل من تفصيل المقام الثاني.
ففي الوجه الأوّل بعد ما مرّ فيما يقرب منه، خصوصاً ما سبق من أخبار دسّ المعاندين، واختلاف جملة من الأُصول في أنفسها، وبسبب اختلاف رواتها.
والعرض عليهم(ع) إنّما هو في قليل من تلك الأصول، وكون جميع الكتب الأربعة منها غير معلوم، بل المعلوم خلافه، مع أنّه منقول بأخبار الآحاد، وإثبات اعتبار غيرها بها لايخلو من دور، كيف! وقد سمعت ما عن الصدوق وما في الاستبصار.
ومنه ظهر أنّ التميّز الممكن في حقّهم إنّما هو بالظنّ والترجيح.
ودعوى عدم العلم بالظنّ حينئذٍ أو مع التمكّن حقّ إن أُريد مطلقه، وإلّا فكما ترى، خصوصاً بعد ما وَرَد في أخبار العلاج، بل في حجّيّة الأخبار، وعرفت أنّ الأخذ من الكتب المعتمدة لايوجب العلم بالصدور ولا الاعتبار في الجميع، كما عرفت أنّ الصحّة المشهود بها ليست إلّا مايوجب العمل والاعتماد، قطعاً كان أو ظنّاً معتبراً بالنصّ أو الاجتهاد في الأدلّة.
وفي الثاني أنّ الضياع إنّما هو مع عدم نصب طريق ولو ظنّيّاً، بل مطلقاً، لامطلقاً، وقد قال معدن الأحكام عليه وآله الصلاة والسلام: «إنّا نحكم بالظاهر واللَّه يتولّى السرائر»(63) فأين هذه الحكمة في الحكومات مع أنّ فيها تضييع الأموال وتحريم الحلال وتحليل الحرام كما في أصل الأحكام.
ومرّ الجواب عمّا دلّ على اعتبار الكتب والعرض، وأنّ شيئاً من ذلك ونحوه لايوجب الجزم بالصدور.
وأمّا طرح ما هو الصحيح بالاصطلاح المتأخّر والعمل بضعيفه فغيرُ دالٍّ على عدم العبرة بهذا الاصطلاح، كيف! ودَيْدَنُهم على الطرح والعمل المذكورين، بل غايته أنّ اعتبار الصحيح في مصطلحهم - كعدم اعتبار ضعيفه - أصل ربّما يخرج عنه لأمر خارج، أو كلٌّ منهما مشروط بفقد ما يورث الظنّ بالخلاف ونحو ذلك، أو لأنّ عمدة الوجه تحصيل الظنّ بالصدور، وهذا قد يكون في الضعيف وقد لايكون في الصحيح، وأنّه الظاهر من القدماء، وليس ببعيد، بل أقرب من غيره.
وأمّا حصول العلم بقول الثقة مع ضمّ القرائن فشيء لاينكره مُنكِرٌ، فلاحاجة إلى الاستشهاد فيه بكلمات العلماء إلّا أنّ الكلام في حصوله في المقام.
وفي الثالث ما مرّ في الجواب عن أخير وجوه المقام الثاني، فأمّا دعوى أولويّة شهاداتهم عن نقل مذهب مخالف أو موافق فكما ترى، فإنّ هذا بالمشاهدة والعَيان، وتلك بمراعاة الظنّ والترجيح والاجتهاد كما عرفته فيما مرّ من البيان، مضافاً إلى منع حصول العلم في الأخير أيضاً.
نعم، إن أُريد به مجرّد ثبوت أخذ ما في الأربعة عن الكتب المعتمدة باعتقاد الآخذ فللتنظير وجه، إلّا أنّه لايفيد المستدلّ شيئاً؛ لما سمعت من منع العلم في المقامين، وعدم إيجاب اعتمادهم لاعتمادنا؛ لما مرّ في وجهه، مضافاً إلى ما قيل أو احتمل من أنّهم وإن ذكروا ذلك في أوائل الكتب إلّا أنّهم غفلوا عنه أو رجعوا منه في الأثناء.
وأمّا مقايسة اعتبار شهاداتهم باعتبار توثيقهم في الرجال، بل أنّه أولى وأنّه لامفرّ لهم عن هذا الإلزام، فدفعه أوهن شيء مَرَّ إليه الإشارة في الجملة؛ لأنّ الأوّل بالاجتهاد، بخلاف الثاني غالباً، والاكتفاء في الأخير بقاعدة الانسداد، المجوّزة للعمل بالظنّ المستقرّ دون غيره، وأنّه غير حاصل في الأوّل، بل هو تقليد مع تمكّن الاجتهاد(64).
ومنه يظهر الفرق بين ما حدّدوه بالسماع والقراءة ونحوهما وبين ما اجتهدوا في اعتباره وصحّته ثمّ أخبروا عن مختارهم.
وبه يتّجه منع صدق الرواة عليهم بالاعتبار الأخير إذا انفكّ عن الرواية على الوجه المتعارف.
وفي الرابع أنّ إحداث الاصطلاح ليس من البدعة أو المحرّمة منها، وإلّا فإحداث الوضع في الحقيقة عند المتشرّعة وغيرها منها، وأمّا كونه من الاجتهاد أو الظنّ الوارد في ذمّهما الأخبار فكلّا؛ لوضوح المغايرة، مع أنّ الاجتهاد الممنوع هو العمل بالظنون التي لم يثبت اعتبارها أو ثبت عدمه كالقياس والاستحسان، والكلام فيه خارج عن وظيفة المقام.
وأمّا أنّه مسألة اُصوليّة، فإن اُريد أصل الاصطلاح، فواضح البطلان. وإن أُريد الحكم باعتبار محلّ اصطلاح دون آخر، فهو كذلك، إلّا أنّ دليله الكتاب والسنّة.
ففي الاعتبار آيات حجّيّة الأخبار كآية النبإ والسؤال والإنذار، والأخبار الدالّة على اعتبار قول الثقة، خصوصاً وعموماً، بالتصريح أو التعليل وغير ذلك، وقد جُمع أكثرها في الوسائل، مضافاً إلى الإجماع والسيرة.
وفي العدم الآيات والأخبار الناهية عن العمل بالظنّ وتقليد الآباء، مضافاً إلى الإجماع أيضاً مع عدم الاعتضاد بأمرٍ خارج، وليس المقام مقام التفصيل.
وأمّا استلزامه لضعف أكثر الأحاديث المعلوم نقلها من الاُصول المُجْمَع عليها فممنوع بعد ثبوت كونها من الأصل المجمع على اعتبار تمام ما فيه، كيف! والعمل بالضعيف المجبور بالشهرة مشهور عندهم إن لم يكن مجمعاً عليه فكيف بالمجبور بالإجماع على العمل به!؟
نعم، هو كذلك مع عدم ثبوت ما ذكر إمّا بعدم ثبوت كونها من الأُصول أو عدم كون الأصل مُجمعاً عليه أو مجمعاً على جميع ما فيه مع فقد سائر أسباب الاعتضاد. وظاهر أنّه لايرد في ذلك شيء من اللوازم المزبورة في هذا الوجه.
ومع التسليم فإنّما هو في بعض الأحاديث لا أكثرها.
ثمّ إنّ في دعوى الإجماع على الأُصول القديمة مع فرض وجودها أن محقّقه غيرُ ثابتٍ، خصوصاً إن أُريد بغير فَقْدٍ وانتخاب. أو قطعيّة الصدور، ومحكيّه غيرُ نافعٍ في إثبات هذا المرام، مع وهنه بردّ أكثر الأصحاب أو جميعهم لكثيرٍ ممّا فيها، وقد اعترف في الوجه الثاني من وجوهه بترجيحهم كثيراً مّا للحديث المرويّ في غير الكتاب المعروض على المعصوم(ع) على المرويّ فيه، كيف! ولازمه كون أرباب الأُصول ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، لاخصوص المذكورين في الرجال.
مضافاً إلى ما قيل من أنّ وجه الإجماع والعمل غير معلوم أنّه من جهة مطلق الظنّ أو كونه بناء العدل أو غير ذلك، ومثله غير حجّة، لا لاختلاف مستند الفتوى، بل لاختلاف المفتى به، ومن هنا سمّي إجماعاً تقييديّاً.
وأغرب من ذلك دعوى استلزامه قطعيّة جميع الأحاديث، كما هو واضح على المطّلع بطريقة الأصحاب، ويأتي في باب ألفاظ المدح والقدح مايتّضح به فساد ما توهّمه في ذلك وفي حكمهم بالفسق إذا قيل في حقّ الرجل: إنّه ضعيف في الحديث.
وأَولى ما يُعتذر له أنّه غير خبيرٍ بطريقة الأصحاب.
وأغرب من ذلك كلّه دعوى استلزامه لتخطئة جميع الطائفة، كيف! وهُمْ كثير من الطائفة إن لم يكونوا أكثرهم؟
وليس المراد من القوم الذين أشار إليهم المحقّق أهل هذا الاصطلاح؛ لوضوح طرحهم كثيراً من سليم السند وعملهم بكثير من ضعيفه، وإن كانوا هم المراد للمحقّق، فالخطأ منه، فلاحِظْ كتب رئيس هذه الطائفة وهو العلّامة ثمّ اعرف.
وأمّا ما ذكره من مخالفة الاصطلاحين وأنّه من المتقدّمين موافق لطريقة الخاصّة وموجب للعلم ومأخوذ عن أهل العصمة(ع) ومُجمع عليه بخلافه من المتأخّرين، فإن أراد نفس التسميتين، فمع أنّه لامشاحّة فيها فيه: أنّ شيئاً منهما غير مأخوذٍ عنهم(ع) ولاإجماع على أحدهما، ولاضير في مخالفة مثله.
وإن أراد حجّيّة المصطلح عليه عند طائفة - كما ذكر - بخلاف حجّيّة الآخر، ففيه:أنّ مصطلح المتأخّرين ليس على خلاف ما ذكره؛ لما أشرنا إليه من ثبوت الدليل عليه من الكتاب والسنّة بل الإجماع، بل أشرنا فيما سبق إلى أن لا مخالفة بينهم من هذه الجهة، وإنّما الخلاف في تسمية الأحاديث المعتبرة بهذا الاسم أو باسم المعمول عليه عند المتأخّرين وباسم الصحيح عند القدماء، كتسمية خلافها بخلاف هذه الأسامي.
نعم، لاننكر وجود مَن اقتصر في الحجّيّة على الصحيح عند المتأخرين، إلّا أنّه إمّا نادر أو مخالف لما اقتضته الأدلّة من الكتاب والسنّة والإجماع القولي والعملي محقّقاً ومحكيّاً.
وفي الخامس أنّ اعتراف البعض على فرض ثبوته إنّما يقدح في حقّه لوضوح عدم مضي الإقرار في حقّ غيره، ومع ذلك فله تعيين موضع التقسيم في أخبار غير الكتب المشهورة.
ونفيُ المنتقى وجود أكثر أنواعه في أخبارنا منافٍ لما طفحت به عباراته، وقد وَضَع الكتاب المزبور في الأحاديث الصحاح والحسان، إلّا أن يريد على مذهبه من اعتبار التعدّد في المزكّى والجارح نفي صحيح أو موثّق وهكذا على وجود التعدّد في كلّ واسطة، ومع ذلك فهو كما ترى.
وأمّا ما استند إليه المفصّل في الافتقار إلى الرجال بين صورة تعارض الأخبار فالافتقار، وغيرها فالعدم، فعلى الأخير بعض ما مرّ في شبهات النافي له على الإطلاق، والذي وقفت على حكاية استناده إليه أنّ أخبارَ الكتب الأربعة - لأخذها من الاُصول المعتمدة بشهادة مؤلّفيها - معتضَدَةٌ بقرائن الوثوق والصحّة.
وعلى الأوّل ما مرّ أيضاً في سند المشهور، وفي المناقشة مع النافي من دلالة الأخبار على الترجيح بالأعدليّة وغيرها وممّا يُعلم بالرجال، بل بشهادة الاعتبار القاضي بأخذ الراجح دون المرجوح ودون التسوية بينهما؛ لقبحهما، وقد مرّ ما في الوجه الأوّل مفصّلاً ومتفرّقاً.
وأمّا وجه التفصيل بين وجود شهرة معتبرة على وفق بعض الأخبار وغيره - وقد مرّ، أنّا لم نجد به قائلاً وإنّما هو لازم عمل جماعة - فهو أنّ الشهرة من أقوى المرجّحات المنصوصة والاعتباريّة؛ لوضوح قوّة الظنّ بتراكم الظنون من شخص واحد فكثيراً مّا ينتهي إلى القطع، بل لعلّ أغلب العلوم من هذا الباب.
وكذا إذا كانت من أشخاص، فإنّ موافقة الآراء - خصوصاً مع شدّة اختلاف الأفهام - من أقوى أسباب الاعتضاد والقوّة.
وأيضاً فغالب أحكام هذا المذهب كغيره من المذاهب ممّا لم يذهب بذهاب الموجودين من أهله في كلّ طبقة، بل وصل من التقدّم إلى المتأخّر يداً بيد.
قال في بعض مقدّمات كشف الغطاء ما مفاده: إنّه لاحاجة في كلّ مسألة إلى مراجعة الكتاب والسنّة، بل هُما ممّا ينبغي أخذهما ذخيرة ليوم الفاقة، وهو حيث تعارض مقتضى القواعد وفُقِد الإجماع ولم يُعلم ما كان في أيدي الطائفة المحقّة، وإلّا فلا افتقار إليهما؛ لأنّ مذهبنا ليس أقلّ من المذاهب الأربعة عن أربابها وكلّ أو جُلّ ما صدر عنهم في أيدي تبعته.
ولو سُلِّم المنع عمّا ذكر، فلا ريب أنّ انعقاد الشهرة على خلاف ما هو من المذهب في غاية البُعد.
مضافاً إلى وجود النصّ على الترجيح بها وتعليله بأنّ المجمع عليه لاريب فيه، والتعليل في نفسه من أسباب القوّة والترجيح، ولذا يقدّم المعلّل على غيره، خصوصاً بمثل التعليل المذكور المعتضد بالاعتبار، كما عرفت.
هذا، وأمّا وجه الافتقار في غير ذلك فظاهر ممّا مرّ»(65).
والجواب عنه أوّلاً: أنّه منافٍ لما مرّ من إجماع الأُصوليّين قولاً وعملاً بل سيرة جميع الرواة والمحدّثين، فإنّ عمل الجميع على ملاحظة أحوال رجال السند بطرقنا التي منها الرجال المتعيّن في حقّنا لفقد غيره من غير فرق بين وجود الشهرة وعدمه.
وثانياً: أنّ مقتضى تقرير الوجه المزبور الأخذُ بمقالة المشهور، وذلك لتعارض أخبار الترجيح في عدد أسبابه وفي تقديم بعضها على بعض، ولاريب في انعقاد الشهرة على الترجيح بالسند بملاحظة أحوال الرجال حتّى مع وجود الشهرة في أحد الطرفين، فمقتضى اعتبارها اعتباراً بل نصّاً الترجيح بالسند، ويأتي تقرير لزوم ملاحظة الرجال مطلقاً.
وهذا نظير ما قيل على حجّيّة الشهرة من أنّ المشهور عدم حجّيّتها، إلّا أنّ المقام أسلم منه من الإشكال؛ وذلك لأنّ ما دلّ على الترجيح بالشهرة لم يفد المنع عن الترجيح بغيرها، كما أنّ ما دلّ على الترجيح بالسند أو بالمتن باعتبار موافقة القرآن أو مخالفة العامّة كذلك.
نعم، لا يخلو ظواهرها من تعارضٍ مّا من حيث إطلاق كلٍّ منها، ويجمع بإرادة بيان أنّ كلّاً منها سبب للترجيح مع قطع النظر عن الآخر.
ومع الاجتماع في جانبٍ لا إشكال. ومع الاختلاف يؤخذ بما الظنّ معه أقوى لاستفادةالبناء عليه منمجموعأخبار التراجيح ومنإلحاقالمشهور غير المنصوصة بالمنصوصة وغير ذلك أو بإرادة بيان أنّ كلاًّ منها معتَبَرٌ في مقام أو غير ذلك.
وحاصل الجميع: أنّ الشهرة في الفروع مرجّحة وكذا الشهرة في الاُصول، أي في أخبار العلاج، وليست هي على تعيّن الترجيح بغير الشهرة في الفروع من ملاحظة المتن والسند، ولذا سمعت عملهم بالضعيف المنجبر بالشهرة، بل المدار على ما أشرنا إليه من قوّة الظن، فإن كانت في الترجيح بالسند، أخذنا به، وإن كانت في الترجيح بالمتن، فكذلك.
وكذا لو كانت في الترجيح بالشهرة، فملاحظة السند لازمة - على كلّ حالٍ - لملاحظة أنّ قوّة الظنّ في الترجيح به أو بغيره، وحيث إنّ احتمال كونها في الترجيح به قائم في جميع الموارد أو أكثرها، فلابدّ من الملاحظة كذلك.
ومن هنا ظهر أنّ الترجيح بالشهرة - سواء كان مشهوراً أم لا - لاينافيه الإجماع والسيرة على ملاحظة أحوال رجال السند.
نعم، ينافيه الإجماع على الترجيح بهذه الملاحظة على الترجيح بالشهرة، كما أنّ ترجيح الترجيح بها على الترجيح بالملاحظة المزبورة مُنافٍ للإجماع والسيرة المذكورين.
وبالجملة، يحصل الغنى عن الرجال على الالتزام بالترجيح والشهرة مطلقاً فيما وجدت الشهرة المعتبرة، إلّا أنّ هذا القول بمكانٍ من الضعف.
وثالثاً: أنّ قضيّة الوجه المزبور حجّيّة الشهرة كحجّيّة الإجماع، وسمعت أنّ المشهور خلافه.
ورابعاً: أنّ قضاء الاعتبار بل النصّ في الترجيح بالشهرة إنّما هو إذا كان الخبر مشهور النقل بين الرواة على وجه الاعتماد، أو مشهور العمل به بين الفقهاء على وجه الاستناد إليه، لا على مجرّد مطابقة الفتوى المشهورة في نفسها للرواية. ومثل هذا ليس كثير الوقوع إن لم يكن قليله، فعدم الافتقار إلى الرجال في مثله على فرضه غير مُنافٍ لإطلاق اعتباره، وإلّا فواضح أنّه قد يُستغنى عن الرجال لأُمور خارجيّة، مثل كون المسألة إجماعيّةً ونحوها.
وأمّا وجه الاكتفاء بتصحيح الغير فهو أنّ اعتبار قول أهل الرجال سواء كان من جهة كونه شهادةً أو روايةً أو لإفادة الظنّ أو غيرها مثله تصحيح بعض العلماء، خصوصاً إذا كان من أهل الرجال أو كثير البصيرة بذلك العلم كصاحبي المنتقى والتعليقة وغيرهما.
وفيه وضوح الفرق بينهما على الوجوه أو الأقوال المزبورة؛
أمّا على الأوّل: فلاعتبار تعيّن المشهود به في الشهادة، وكونها بطريق المطابقة وصدورها عن علم لا باجتهاد ظنّي، والجميع مُنتفٍ في تصحيح الغير.
أمّا الأوّل: فواضح، فمع انتفاء التعيين قد يكون خلاف هذه الشهادة معلوماً عند المشهود عنده بعلمه، وواضح أنّ الشهادة غير معتبرة مع العلم بالخلاف، فلابدّ أن يعيّن حتّى يلاحظ أنّه المعلوم الخلاف أم لا.
فإن قلت: السند مضبوط في كتب الحديث فليرجع إليها ويعرفهم، والمحذور إنّما هو لو لم يكن للمشهود عنده طريق إلى التعيين.
قلت: نعم، ولكن ربّما لايعلم كونه المعلوم الخلاف بذلك؛ للاشتراك، فلايُعلم إلّا بالرجوع إلى الرجال.
فإن قلت: نعم، فليرجع إليه لكن يكتفى بمجرّد معرفته أنّه ليس من معلوم الخلاف عنده بتصحيح الغير.
قلت: أوّلاً: أنّه خلاف مقصود المخالف؛ لوضوح أنّ غرضه الاكتفاء به عن الرجال مطلقاً.
وثانياً: أنّ غاية الأمر حينئذٍ ارتفاع خصوص هذا المانع دون غيره المانع عن الاكتفاء حينئذٍ.
أيضاً لايُقال: مورد الشهادة نفس الخبر، فإنّه الذي يشهد بصحّته، وهو معلوم معيّن.
لأنّا نقول: معنى صحّته وثاقة رواته، كما هو واضح، فهي في الحقيقة من الأوصاف المتعلّقة بالغير، كقولك: زيد قائم الأب، فاللازم تعيين ذلك الغير الذي هو محلّ الوصف المشهود بثبوته فيه.
وأمّا الثاني: فواضح كوضوح اعتباره الذي فرّقوا به بين الشهادة والإقرار غير المعتبر فيه ذلك، وبه لم يجعلوا الشهادة على قيء الخمر شهادةً على شربها، وجعلوا الإقرار بالشراء إقراراً بالملك السابق للغير.
وأمّا الثالث: فواضح أيضاً؛ لأنّ أغلب التصحيحات من باب الاجتهاد الظنّي.
ولو فرض تصحيح بالعلم، لم نقبله أيضاً؛ لما مرّ من المانِعَيْنِ الممتنع انتفاء ثانيهما مع أنّ البحث في الإطلاق. مضافاً إلى ذلك كلّه أنّ رجوع المجتهد إلى اجتهاد الغير غير جائز إجماعاً أو بغير خلافٍ مُعتَدّ به.
ولايورد علينا بأنّ كثيراً من توثيقات أهل الرجال أيضاً من باب الاجتهاد؛ لما أشرنا إليه من الفرق بين ما إذا تعذّر أو استلزم محرّماً اجتهادنا بعد اجتهاده وبين غيره.
والمنع عن التقليد أو الاكتفاء بالظنّ الحاصل عن غيره إنّما هو في الأخير دون الأوّل. واجتهادنا في الرجال فيما اجتهد فيه المتقدّمون منهم بل المتأخّرون متعذّر أو متعسّر شديد أو مستلزم لتعطيل الأحكام وترك كثير من الاجتهادات الواجبة كفايةً أو عيناً علينا.
مضافاً إلى أنّ الإجماع القولي و العملى على الرجوع إليهم مطلقاً هو المجوّز للاكتفاء بالظنّ الحاصل من أقوالهم ولو كانت بالاجتهاد، وعلى فرض منع الإجماع فلا إجماع قطعاً على المنع عن الاكتفاء في المقام.
ومن ذلك كلّه يظهر وجه المنع عن الاكتفاء ولو على كون الاعتبار من باب الرواية؛ لأنّ الاكتفاء بالرواية إنّما هو إذا لم تكن عن اجتهاد، وإلّا فنقل جميع الفتاوى رواية، فلا وجه للتمسّك بعموم اعتبارها من العدل على المقام. وقد عرفت الجواب عن إيراد مثله علينا بالنسبة إلى بعض أقوال بعض أهل الرجال.
وعلى تسليم شمول عمومات الرواية للمقام نقول: المخرج عنها في الاكتفاء بتصحيح الغير ما عرفت، ولا أقلّ من الشهرة القويّة الموهِنة للتمسّك بالعمومات.
وأمّا على الثالث: فلأنّ المعتبر بقاعدة الانسداد - كما قرّر في محلّه - إنّما هو الظنّ المستقرّ؛ لوضوح أنّه من باب الإلجاء والضرورة، والعقل إنّما يحكم بخصوص ذلك لامطلقاً، وحصول الاستقرار من تصحيح الغير ممنوع جدّاً، كيف! و احتمال خطئه في كلّ واحد من رجال السند على زعم غيره قائمٌ، وهو احتمال يمكن دفعه بالرجال، بخلافه في حقّ نفسه بعد الرجوع فلا نقض. مضافاً إلى ما يرى من كثرة اختلافاتهم في التصحيح.
ومنه يظهر مانع آخر، وهو لزوم الترجيح عند التعارض، كما في الجرح والتعديل، فلابدّ من الفحص في جميع الكتب المشتملة على التصحيح والتضعيف، كما نفحص في الرجال عن المعارِض، ولا يلتزم به المخالف.
وأيضاً فأيّ فرق بين الظنّ الحاصل من اجتهاد الغير في التصحيح والتضعيف واجتهاده في الأحكام، فكيف يكتفي المخالف بأحدهما دون الآخر!؟
ومنهنا أمكن تقرير دليلٍ آخر على المنع على هذا الفرض، وهو أنّ الظنّ الحاصل من اجتهاد الغير ولو كان مستقرّاً فهو مثل الظنّ القياسي ونحوه الممنوع عن العملبه معفرض الانسداد منباب التخصيص أو التخصّص،وذلك لمصيرهم - كما عرفت - إلى عدم اعتبار الظنّ الحاصل من اجتهاد الغير في حقّ غيره.
ثمّ إنّ هذا البحث إنّما هو مع التمكّن من مراجعة الرجال مع عدم مانعٍ آخر عنها، وإلّا بأن تعذّرت لحبس أو سفر مع وجوب الاستنباط عيناً أو كفايةً من مثله أو مطلقاً أو تعسّرت شديداً أو استلزمت لمحرّمٍ آخر من فوات واجب الاستنباط أو الوجوب المستنبط من الأحكام التكليفيّة الواجبة، فلا أجد خلافاً في عدم وجوب المراجعة وقيام تصحيح الغير مقامها.
وليس فيه سقوط وجوب المقدّمة مع بقاء وجوب ذيها أو سقوط وجوب ذيها المفروض خلافه، بل هو من باب قيام مقدّمة مقام أُخرى عند تعذّرها، كتحصيل الصعيد واستعماله عند تعذّر الماء لو فقده إلى غير ذلك من موارد ترتيب المقدّمات.
تتمّة:
إخبار علماء الرجال بما يفيد تشخيص ذوات الرواة ببيان الأسامي والكنى والألقاب والأنساب وغيرها، وصفاتهم ببيان أوصاف المدح والقدح وغيرهما هل هو من باب مطلق النبإ والرواية أو من باب الشهادة أو غير ذلك؟
الذي يظهر بالتتبّع في كلماتهم أنّ فيه قولين، وأنّ المشهور على الأوّل، وصاحب المعالم وبعض مَنْ تبعه على الثاني.
فأمّا القول بكونه من باب الظنون المعتبرة بقاعدة الانسداد فموضعه مقام الرجوع إليهم لاهنا، إلّا أن يراد بها الظنون الاجتهاديّة، يعني أنّه من باب الفتوى المبتنية على الظنون الاجتهاديّة، فيكون من الوجه الأخير حيث إنّ الظاهر من النبإ والرواية غير الفتوى، مع احتمال كونه من الأوّل، فيخصّ الأخير بما لم أقف على قائله وإن حكي عن بعضهم، وهو أنّه من باب قول أهل الخبرة وإن كانت حكاية على ما هو ببالي في مقام الرجوع أيضاً، إلّا أنّه فيه مستلزم لما ذكرناه بالنسبة إلى المقام الأوّل، كما أنّ الوجه عدم خروجه بذلك عن القول الأوّل، كما لايخفى. كما أنّه لايخفى على المتتبّع في كلماتهم أنّ كثيراً منهم لم يفرّق بين المقامين، ولعلّه لملازمة أكثر الأقوال في أحدهما لها في الآخر، فتدبّر.
وكيف كان فالحقّ في المقام الأوّل أنّ جملة ممّا صدر منهم من باب الشهادة، وهو أكثرهما في كلمات المتقدّمين - كعليّ بن الحسن بن فضّال والفضل بن شاذان ونحوهما - وإن كان الأقلّ في كلمات المتأخّرين إلّا بطريق النقل وإن لم يصرّحوا به أحياناً، وجملة منه من باب الفتوى والإخبار عن المختار بالاجتهاد في فحاوى كلمات المتقدّمين والقرائن الخارجية. وهذا عكس الأوّل بالنسبة إلى الطائفتين، ولعلّ إليه نظر المشهور في إطلاق كونه من مطلق النبإ، أي الشامل للخبر الخارجي والفتوى وإن كان في مقابل الشهادة، فلم يكن إطلاقه مطلقاً.
وتوجيهه: أنّ من الواضح عدم كون الفتوى شهادةً وكذا الإخبار اعتماداً على قول المتقدّمين من غير قطع، وليس من شهادة الفرع؛ لعدم تعلّق إخبار المتأخّر بشهادة المتقدّم، وهذا واضح. وعلى هذا لم يكن المشهور مخالفاً للمختار، وإلّا ففيه ما تسمعه.
وكيف كان فالظاهر أنّ مرجع ما في فوائد التعليقة للمولى البهبهاني(ره) إلى ما اخترناه حيث قال - بعد احتمالات كون المدح من باب الرواية أو الظنون الاجتهاديّة أو الشهادة - ما هذا لفظه: «والبناء هنا على ملاحظة خصوص الموضع، وما يظهر منه أَولى»(66) انتهى.
(الفرق بين الشهادة والفتوى ومطلق النبا)
ولنشر أوّلاً وإجمالاً إلى الفرق بين الشهادة والفتوى ومطلق النبإ بعد كون الأوّلين من أقسام الأخير، وقد بيّنّا ذلك تفصيلاً في كتاب القضاء فنقول:
نعتمد غالباً على الاجتهاد والفحص في معرفة الأحكام الكلّيّة الواقعيّة أو الظاهريّة أو الموضوعات الشرعيّة المستنبطة عن أدلّتها التفصيليّة، والغالب فيها عموم الموضوع، وقد يخصّ فيكون جزئيّاً حقيقيّاً، كاستحباب الصلاة في الحائر الشريف وغيره من الأماكن الشريفة، والسكنى والبيتوتة في الغريّ وقم ونحوهما، ووجوب أو استحباب استلام الحجر ونحو ذلك، وكعدم جواز أخذ الأُجرة على دور مكّة المعظّمة من الحاجّ النازلين فيها، إلى غير ذلك.
ويمكن التزام الكلّيّة في جميع ذلك بجعل أجزاء ما ذكر جزئيّاً وما يصدق على كلٍّ منها كلّيّاً هو الموضوع.
وفيه تعسّف، وإلّا كان الموضوع في قولك: «اضرب زيداً» أيضاً كلّيّاً، بل الصدق بالنسبة إلى الأجزاء مع كون الموضوع اسماً لمجموع ذلك من باب التسامح المستقرّ أو التجوّز أو تجدّد الوضع في نفس الموضوع أو الأمر المتعلّق به من صلاة وسكنى واستلام وطواف ونحو ذلك، والتفصيل في محلّه.
وقد عُلم ممّا ذُكر أنّ المراد بالموضوع ليس خصوص ما تعلّق به الحكم بلا واسطة حتّى يكون كلّيّاً في الأمثلة المزبورة وإن كان أخصّ من غيره.
وقد يكتفى في صدق الفتوى بنفس الاجتهاد وإن لم يكن في حكمٍ كلّيّ أو جزئيّ، كالاجتهاد في اُصول عقائد الدين والمذهب وفي مقدّمات معرفة لغة العرب وغير ذلك، ولذا يوجبون فيها الاجتهاد، ولا يكتفون فيها بالتقليد الذي هو أخذ الفتوى للعمل.
والظاهر أنّه على وجه الحقيقة مع احتمال التجوّز بالمشابهة والاستعارة.
ومن هذا القسم الاجتهاد والفتوى في علم الرجال؛ لوضوح أنّه أولى بالصدق من الاجتهاد والفتوى في النحو والصرف، مع أنّه لايهمّنا البحث في الصدق على وجه الحقيقة؛ إذ البحث في المعنى وإن سُمّي باسمٍ آخر، ولذا أردفنا الفتوى في بيان المختار بالإخبار عن المختار بالاجتهاد.
وأمّا الشهادة فمدارها غالباً أو دائماً على عدم البناء على وحي أو إلهام وغيرهما من العلوم المختصّة بالمعصومين(ع) من حيث كونهم حجج اللَّه، وكذا على عدم الاجتهاد مطلقاً لا في الحكم ولا في الموضوع، إلّا في بعض أسباب ثبوت المشهود به لتحصيل الصلح به، والظاهر سلب معنى الاجتهاد عنه. وكذا على كون المخبر به فيها جزئيّاً حقيقيّاً أو إضافيّاً للموضوعات العرفيّة الخارجيّة أو الشرعيّة أو للأحكام العرفيّة أو الشرعيّة لترتيب أمرٍ شرعيّ عليه، كلّ ذلك للتبادر عند الفقهاء والمتشرّعة وصحّة سلبها عن غير ذلك، فالجزء الحقيقيّ للموضوعات العرفية كالشهادة بأنّ هذا زيد بن فلان وأنّ هذا ماء وذاك تراب وهكذا. وللموضوعات الشرعيّة كالشهادة بأنّ هذه صلاة وهذه زيارة كذا وهذا قرآن أو منه، وأنّ هذه تزكية وهذا بيع وذلك خلع ومباراة ونحو ذلك أو بصدور هذه الأفعال من شخص فإنّه في الحقيقة عينها.
كلّ ذلك بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في الجميع أو إرادة مطلق ما في الشرع عن الشرعيّة وهو الأظهر.
والإضافي للأوّل كقوله: الكافور أو كافور الهند مركّب أو مأخوذ من كذا وكذا، والماهوت - مثلاً - من صوف الغنم، والصدف حيوان، والمرجان نبات، والخزّ كذا وهكذا؛ إذ التحقيق الاكتفاء بالعَدْلين في ذلك كلّه.
وتخيّل أنّ القبول من باب الرجوع إلى أهل الخبرة يأتي دفعه.
والإضافي للثاني كقوله: بيع الخيار كذا، وتزكية الساكن في هذه القرية كذا، ونكاح الطائفة الفلانيّة كذا، وأنّ الموضوع الفلاني عند العامّة كذا.
ولايخلو اعتبار هذا القسم من الشهادة عن إشكالٍ مّا.
والجزئيّ الحقيقيّ للأحكام العرفيّة: أنّ هذا الولد لايأكل كذا أو لا يشرب كذا عند والده أو لايجلس عنده أو يقوم قيام العبيد في مقابله وهكذا. والإضافي لها: أنّ دَيْدَن أولاد أهل المصر مع آبائهم كذا.
وإدخال هذا القسم في الشهادة المقيّدة بكونها لترتيب أمرٍ شرعيّ لايخلو من إشكال، إلّا في النذور والأيمان ونحو ذلك.
والحقيقيّ للأحكام الشرعيّة قوله: إنّ هذا طاهر، وذاك نجس، وهذا ملك فلان، وذاك زوج فلانة، وهكذا. والإضافي لها قول الطبيب مثلاً: إنّ المعجون الفلاني نجس أو حرام؛ لتركّبه من خمر أو لحم حيّة.
وخرج بالقيد الأخير جميع ما ذكر لا في مقام الترتيب المزبور، فإنّه حينئذٍ من النبإ بالمعنى الأخصّ المقابل للفتوى والشهادة.
فقد ظهر أنّ تغاير الفتوى والشهادة بالتباين، وكذا تغايرهما مع الخبر بالمعنى الأخصّ وإن تغاير أحدهما مع مطلق النبإ بالعموم والخصوص.
إذا تمهّد هذا، نقول: مَنْ تتبّع كتب الرجال لاسيّما التعليقة ومنتهى المقال يعلم أنّ الأمر كما ذكرناه، فإنّ فيهما توثيقَ كثيرٍ ومدح آخرين كتضعيف جماعة بالاجتهاد والاستدلال. واستظهر في منتهى المقال في الفائدة الأخيرة ممّا التقطها من فوائد التعليقة كون تعديلهم من اجتهادهم أو من باب الرواية(67). وتوصيف الأكثر بالأوصاف المزبورة بالنقل عن النجاشيّ والشيخ والكشّي والغضائريّ وغيرهم، وهو الغالب في الخلاصة والإيضاح والنقد ونحوها، وفي جماعة كثيرة أيضاً من معاصريهم أو قريبي العصر إليهم بالشهادة.
ومنه يظهر أنّ إطلاق كون الجميع من باب الشهادة كما ترى، كإطلاق كونه من النبإ والرواية في مقابل الشهادة وإن أُسند إلى الشهرة، مع التأمّل في صحّة الإسناد بهذا المعنى المقابل لما اخترناه؛ إذ الموجود في كلمات الأكثر كفاية تعديل وتضعيف الواحد، ولا دلالة في ذلك على ما ذُكر، فإنّا أيضاً نكتفي بالواحد، فلعلّ - بل هو الظاهر من كلمات جمع وصريح آخرين - كون وجهه الاكتفاء بحصول الظنّ لانسداد باب العلم والعلميّ؛ لوضوح عدم حصوله من أقوالهم، وعدم الغنى بما هو من شهاداتهم مع ما مرّ في المنع عن كفاية الكتب عنها.
قال في الفصول - بعد إسناد الاكتفاء بالواحد إلى المشهور واعتبار التعدّد إلى قائل مجهول -: «ومرجع النزاع إلى أنّ تزكية الراوي هل هي من باب الشهادة أو من باب الرواية أو مبناها على الظنون الاجتهادية؟ فمن اعتبر فيها التعدّد جعلها من القسم الأوّل، ومَنْ لم يعتبر فيها التعدّد جعلها من أحد القسمين الأخيرين»(68) انتهى.
ويؤيّد ذلك ما مرّ عن التعليقة من ركون الأصحاب إلى توثيق وتضعيف ابن فضّال بل أخذ الجميع منه، وكذا عن ابن عقدة، وهُما على خلاف المذهب لاتقبل شهادتهما بالإجماع وظهور الكتاب المفيد لكون الشاهد ممّن نرضى به، ولا نرضى بمخالف المذهب إلّا في مقام الإلجاء والضرورة بحكم العقل وكونه على وصف العدل الظاهر ولو بالإطلاق إلى العدل بالمعنى الأخصّ المعتبر فيه الإيمان وكذلك السنّة، وكذا روايتهما لاشتراط الإيمان والعدالة بالمعنى الأخصّ كما هو الظاهر منها في أدلّة اعتبارها حتّى محكيّ الإجماع عن الشيخ. وتوجيه قبولهم بأنّ الشرط العدالة بالمعنى الأعمّ ليس هنا بأولى ممّا ذكرناه.
مضافاً إلى أنّ مقتضى كونه من النبإ عدم قبول المرسل منه، وقد عرفت أنّ أكثر ما في الخلاصة ونظائرها من هذا القبيل، كما أنّ مقتضاه عدم قبول ما كان بالاجتهاد في حقّ المجتهدين، بل الاكتفاء بالواحد في مطلق الجرح والتعديل؛ لصدق النبإ في مطلقهما.
ودفع هذا الإلزام بقيام الدليل في غير المقام على اعتبار التعدّد، مدفوع بشموله للمقام حيث كان التوثيق ونحوه بالشهادة، كما ذكرناه.
وأمّا تخيّل توجيه مقالة المشهور بكون الاكتفاء من جهة الشهادة، وأنّه يكفي فيها الواحد في المقام أو مطلقاً إلّا فيما نصّ فيه على التعدّد، فيدفعه ما فرغنا عنه في القضاء من ثبوت العموم على اعتبار العدد في الشهادة مطلقاً وقلنا: إنّ ظاهرهم كونه من المسلَّمات، فليس أوّلاً يصحّ إلّا ما ذكرناه، لأنّه الذي يجامع الاكتفاء بالواحد عدلاً كان أو غيره، بقولٍ كان توصيفه أو بكتب، بقطع أخير أو بظنّ إلى غير ذلك ممّا ينافي الطريقتين دون المختار.
نعم، يشكل عليه حيث كان التوصيف بطريق الشهادة القولية؛ إذ مقتضى عموم اعتبار التعدّد فيها اعتباره في المقام، فيلزم التفصيل.
ويمكن دفعه أوّلاً: بأنّه خارج عن مفروض البحث الذي هو المراجعة إلى كتب الرجال.
وثانياً: بالتزام تخصيص العموم المزبور؛ لظهور الإجماع المركّب في كفاية الواحد، وحصول الظنّ المكتفى به للانسداد في الغالب، ولذا لا يجب تحصيل العلم مع إمكانه، فمثله العلميّ.
وثالثاً: بالتزام التفصيل بعد ما اقتضاه الدليل، والأمر سهل بعد ندور الفرض.
هذا كلّه هو الكلام في المقام الأوّل.
ونقول في الثاني: إنّ الذي يظهر اختلافهم فيه على أقوال:
أحدها: أنّه من باب العمل بالشهادة، حكاه الشهيد الثاني في درايته(69) عن بعضهم،واختاره صاحب المعالم(70) وبعض مَنْ تبعه.
ثانيها: أنّه من باب قبول النبإ والرواية، صرّح به جماعة(71).
ثالثها: أنّه من جهة الظنون الاجتهاديّة المعتبرة بعد انسداد باب العلم وما هو في درجته، اختاره أيضاً جماعة منهم: شيخنا(ره) في الفصول(72).
وهذا إن لم يكن أشهر من سابقه فليس الأمر بالعكس؛ لأُمور أشرنا إلى بعضها،وقد عرفت أنّ حكاية الشهرة إنّما هي على الاكتفاء بالواحد المجامع للقولين، وهي الموجودة في دراية ثاني الشهيدين، وما في فوائد التعليقة من دعواه الشهرة فليست صريحةً، بل ظاهرة ظهوراً معتدّاً به في كونها على القول الثاني، بل عليه وعلى الثالث في مقابل القول الأوّل، فإنّه قال: وما ذكرت من أنّ تعديلهم من باب الشهادة فغير مُسَلَّم، بل الظاهر أنّه من اجتهادهم أو من باب الرواية، كما هو المشهور.
رابعها: أنّه من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، ولم أقف على قائله بل على حكايته في الكتب، وإنّما حُكِي نقله عن بعض الفضلاء.
وأظهر الأقوال ثالثها؛ للوجوه التي أشرنا إليها مراراً، فلا نطيل الكلام بإعادتها، كما لانعيد ما فيه دفع القولين الأوّلين.
ونزيد الكلام على الأوّل - مع ما قدّمناه في دفع شبهات الأخباريّة -: أنّ قاعدة الانسداد تجري في غير الأخبار المصحّحة بتزكية العدلين؛ لوضوح بقاء التكليف وغيره من المقدّمات فيما عدا ذلك.
وأيضاً ستعرف أنّ كثيراً من الرجال لو لم يكن الأكثر أساميهم مشتركة، وأنّ أكثر أسباب التميّز ظنّيّة لم يقم عليها بيّنة، فاعتبار أصل وثاقة أحد المشتركين بالبيّنة لايفيد كون جميع رواة الخبر مُوثَّقين بشهادة البيّنة؛ إذ لم يُعلم أنّهم هُم المشهود بوثاقتهم، إلى غير ذلك ممّا في هذا القول.
وفي الرابع أنّه و إن عاضده الرجوع إليهم في كثير من المقامات، منها: معرفة العيب واختلاف قيمة المعيب والصحيح والغبن وعدمه، و في معالجة الأمراض في الإنسان بل مطلق الحيوان، و في معرفة الساعات والأوقات الصالحة عن غيرها إلى غير ذلك حتّى أنّه يمكن دعوى السيرة بل الإجماع عليه وفيهما الحجّة - كما حكي دعواهما عن قائله أيضاً - إلّا أنّه ليس بذلك، للتصريح من الجميع أو جماعة باعتبار التعدّد في الأوّلين؛ لكونهما من الشهادة. وكون الرجوع في الأخيرين ونظائرهما بل في الأوّلين مع تعذّر إقامة الشهادة الشرعية - كتقويم الخنزير مثلاً - من جهة قاعدة الانسداد ودفع الخوف على الترك الموجب لحرمته، أو لتحقّق الصدق العرفي الذي هو المناط والمعيار في كثير من موارد الرجوع إليهم كما في المسافة بل القيمة بل العيب وغير ذلك، فتدبّر. 1 . والأحسن في تعريف «علم الرجال» أن يقال: إنّه ما يبحث فيه عن أحوال الراوي من حيث إتّصافه بشرائط قبول الخبر وعدمه، وهذا الحدّ مانع وجامع لجميع مسائل هذا العلم ممّا كان له تعلّق بذات المُخبر أوّلاً وبالذات، وبالخبر ثانياً وبالعرض، كقولهم بأنّ فلاناً عدل أو فاسق لاقى فلاناً أو لم يلاقه، أو بالعكس كقولهم: أجمعت العصابة على تصحيح مايصحّ عن فلان، لإفادة ذلك المدح إتّفاقاً لمن يقال في حقّه.
و الفرق بينه و بين علم الدراية أنّ: هذا العلم في بيان أحوال الجزئيّات الشخصيّة من الرواة، و لذا قد يقال: إنّ تعداده في عداد العلوم ليس كما ينبغي؛ إذ العلوم الحقيقية ما يستفاد منها قواعد كلّيّة يقتدر بها على معرفة الجزئيّات غير المحصورة، ويحتاج إلى النظر وإعمال القوّة، وليس هذا العلم بهذه المثابة؛ لعدم استناد حصوله إلّا إلى الحواسّ الظاهرة، الخارجة إدراكاتها من زمرة العلوم.
وعلمالدراية علميبحث فيه عن أحوال سند الخبر ومتنه وكيفية تحمّله وآداب نقله. وبالجملة البحث في علم الدراية يتعلّق بالمفاهيم، كقولهم: إنّ الخبر الصحيح ما كان سلسلة سنده إماميّاً عادلاً ضابطاً لا بالمصاديق، فتأمّل. (الأحقر الشيخ جعفر) 2 . الرعاية، ص 50. 3 . الرعاية، ص 52؛ مقباس الهداية، ج 1، ص 56. 4 . تدريب الراوي، ج 1، ص 42. 5 . الفصول الغروية، ص 10، 11. 6 . الفصول الغروية، ص 10، 11. 7 . منهم شريعتمدار الاسترآبادي في «لبّ اللباب» (ص 5)، وهذه الرسالة قُمنا بتحقيقها ونشرها في العدد الثاني من مجموعة «ميراث حديث شيعه» التابع لدار الحديث، فراجع. 8 . الحشوية: طائفة من أصحاب الحديث تمسّكوا بالظواهر، لُقّبوا بهذا اللقب؛ لا حتمالهم كلّ حَشْو رُوي من الأحاديث المختلفة المتناقضة، أو لأنّهم قالوا بحشو الكلام. كذا في «معجم الفرق الإسلامية»، (ص 97). وقال المحقق الحلي في «المعتبر» (ج 10، ص 29): «أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر، وما فطنوا لما تحته من التناقض». 9 . اُنظر: الفوائد الحائرية، ص 229. 10 . أي من الأخباريّة وغيرهم في حكاية أُخرى. 11 . نقله المحقّق في: المعتبر، ج 1، ص 30، ولم نعثر عليه في المجامع الروائية. 12 . نقله أيضاً في: المعتبر، ج 1، ص 29. 13 . رجال الكشّي، ص 305، الرقم 549. 14 . رجال الكشّي، ص 224، الرقم 401. 15 . وسائل الشيعة، ج 27، ص 106 وما بعدها (باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة). 16 . المعتبر، ج 1، ص 29. 17 . كذا في الأصل، والعبارة لا تخلو من تشويش وإيهام ولعلّ الصحيح: «مع أوامره بالعمل بها». 18 . عوالي اللآلى، ج 3، ص 129، ح 12؛ بحار الأنوار، ج 2، ص 245، ح 57. 19 . أي الإمام(ع). 20 . هو: السيد عليّ بن الحسين بن موسى، المعروف به «الشريف المرتضى»، وقد عَدَّه صاحب «جامع الأُصول» (ج 11، ص 323) من مجدّدي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة. حاز من العلوم ما لم يُدانِه فيه أحَدٌ في زمانه. له في الرجال كتاب «الفهرست» وقد ذكره الشيخ الطوسي في «الفهرست» (ص 98، الرقم 421) عند ترجمته للسيّد المرتضى -قدّس اللَّه نفسه الزكية. 21 . رجال النجاشي، ص 94، الرقم 233. 22 . رجال الطوسي، ص 441، الرقم 30 في من لم يرو عن الائمة. 23 . خلاصة الأقوال، ص 203، الرقم 13. 24 . رجال النجاشي، ص 257 - 258، الرقم 676. 25 . خلاصة الأقوال، ص 93، الرقم 15. 26 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 229. 27 . نقله عنه المحقّق الحلّي في: معارج الأُصول، ص 149. 28 . الفوائد المدنية، ص 40، 53، 56؛ الدرّة النجفية، ص 168. 29 . اُنظر: خاتمة الوسائل، ص 220 وما بعدها (الفائدة السابعة، التوثيقات العامّة). 30 . في النسخ: «الاستدلال» بدل «الاصطلاح الجديد» و ما أثبتناه من المصدر. 31 . خاتمة الوسائل، ص 251 و252. 32 . خاتمة الوسائل، ج 30، ص 252 - 253. 33 . اُنظر المعتبر، ج 1، ص 7. 34 . الفقيه، ج 4، ص 151، ح 523، وقال الصدوق(ره) في ذيل الحديث: «وهذا التوقيع عندي بخطّه(ع)». أي: بخطّ الإمام أبي محمد الحسن بن عليّ(ع). 35 . مدارك الأحكام، ج 3، ص 98، بحث الإعتماد على أذان الثقة. 36 . خاتمة الوسائل، ص 257. 37 . هو صاحب «الفوائد المدنيّة»، الشيخ المحدِّث محمد أمين الأسترآبادي. 38 . خاتمة الوسائل، ص 257 - 262. 39 . اُنظر: المصدر السابق، ص 220 (الفائدة السابعة، التوثيقات العامّة). 40 . خاتمة الوسائل، ص 263 - 265. 41 . اُنظر: الفوائد المدنيّة، ص 55 وما بعدها. 42 . بحار الأنوار، ج 2، ص 263، ح 12؛ ج 10، ص 110، ح 1؛ ج 77، ص 122، ح 23. 43 . خاتمة الوسائل، ص 262. 44 . منتقى الجمان، ج 1، ص 5. 45 . خاتمة الوسائل، ص 260 و 261. 46 . المعتبر، ج 1، ص 29. 47 . خاتمة الوسائل، ج 30، ص 259. 48 . خاتمة الوسائل، ج 30، ص 259. 49 . خاتمة الوسائل، ج 30، ص 258. 50 . الزيادة أثبتناها من المصدر. 51 . خاتمة الوسائل، ص 263. 52 . المصدر السابق، ص 262 و 263. 53 . الكافي، ج 1، ص 8، خطبة الكتاب. 54 . بحار الأنوار، ج 71، ص 15، ح 26. 55 . بحار الأنوار، ج 22، ص 331، ح 42. 56 . كذا في الأصل. 57 . رجال النجاشي، ص 326 و 327، الرقم 887. 58 . رجال النجاشي، ص 360، الرقم 966. 59 . الفقيه، ج 2، ص 55 باب صوم التطوّع، خبر صلاة يوم الغدير. 60 . خلاصة الأقوال، ص 147، الرقم 43. 61 . الاستبصار، ج 1، ص 4. 62 . الاستبصار، ج 1، ص 5. 63 . ايضاح الفوائد، ج 3، ص 4866 وفيه «نحن» بدل «إنا».
والقياس، وهذا الإطلاق كان شائعاً في القديم.
قال الشيخ الطوسي(ره) في بحث شرائط المفتي من كتاب العدّة: «إنّ جمعاً من المخالفين عدُّوا منها العلم بالقياس والاجتهاد وبأخبار الآحاد وبوجوه العلل والمقاييس وبما يوجب غلبة الظنّ». ثمّ قال: «إنّا بيّنّا فساد ذلك وذكرنا أنّها ليست من أدلّة الشرع».
وظاهراً أنّ الاجتهاد الذي ذكره أنّه ليس من أدلّة الشرع ليس بالمعنى المتعارف؛ إذ لايحتمل كونه من جنس الأدّلة.
والسيّد المرتضى في كتاب الذريعة ذكر أنّ الاجتهاد: «عبارة عن إثبات الأحكام الشرعيّة بغير النصوص والأدلّة أو إثبات الأحكام الشرعية بما طريقه الأمارات أو الظنون».
وقال في موضع آخر منه: «وفي الفقهاء مَنْ فرّق بين القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما له أصل يقاس عليه، وجعل الاجتهاد ما لم يتعيّن له أصل، كالاجتهاد في طلب القبلة وفي قيمة المتلفات بالجنايات، ومنهم مَنْ عدّ القياس من الاجتهاد وجعل الاجتهاد أعمّ منه».
وقال: «وأمّا الرأي فالصحيح عندنا أنّه عبارة عن المذهب والاعتقاد الحاصل من الأدلّة غير الحاصلة من الأمارات والظنون» هذا حاصل كلامه.
وظاهر أيضاً أنّ الاجتهاد في كلامه ليس بمعناه المعروف، وقد ورد ذمّ الاجتهاد في بعض الأخبار، وهو بهذا المعنى الثاني، وكأنّ هذا هو الباعث لإنكار الاجتهاد للقائل المذكور، وهو غلط ناشئ من الإشتراك اللفظي». انتهى. (منه). 64 . كشف الغطاء، ص 39، الطبعة الحجرية. 65 . فوائد الوحيد البهبهاني، ص 25. 66 . منتهى المقال، ج 1، ص 125. 67 . الفصول الغرويّة، ص 297. 68 . الرعاية، ص 193. 69 . اُنظر: الفصول الغروية، ص 299. 70 . المصدر السابق، ص 297. 71 . المصدر السابق، ص 298.