الفهرس

الباب الثاني: في ذكر عدّة رجال اختلفت في تميّزهم بتعيين الأسامي‏أو الألقاب أو الكنى

 

وهُمْ كثيرون، إلّا أنّا نتعرّض لبعضهم ونتكلّم في تميّزهم من جهة إعمال قواعد التميّز لحصول التدرّب فيها، فإنّه من مهمّات هذا الفنّ، وهو الباعث على الاختلاف المزبور، فهنا أبحاث:

البحث الأوّل: في محمّد بن إسماعيل

الذي يروي عنه الكلينيّ كثيراً عن الفضل ابن شاذان حتّى قيل: إنّه روى عنه عن الفضل ما يزيد على خمسمائة حديث. وقد اختلفوا فيه على أقوال:
(القول) الأوّل: أنّه النيسابوريّ المكنّى بأبي الحسن كما هو المعروف، أو بأبي الحسين كما قيل.
وعن رجال الشيخ إسناده إلى بعض النسخ قال: «يدعى بندفر»(1).
وعن الرواشح «يقال له: بندفر». قال:«ويقال له: بندويه أيضاً - إلى أن قال -: وربّما يبلغني عن بعض أهل العصر أنّه يذكر أبا الحسن‏(2)، فيقول: محمد بن إسماعيل البندفي النيسابوريّ. وآخرون أيضاً يحتذون مثاله.
وإنّي لست أراه مأخوذاً عن دليل مُعَوَّل عليه، ولا أرى له وجهاً إلى سبيل مركون إليه، فإنّ بندفة - بالنون الساكنة بين الباء الموحّدة والدال المهملة المضمومتين قبل الفاء - أبو قبيلة من اليمن، ولم يقع إليَّ في كلام أحد من الصدر السالف من أصحاب الفنّ أنّ محمّد بن إسماعيل النيسابوريّ كان من تلك القبيلة، غير أنّي وجدت في نسخة وقعت إليَّ من كتاب الكشيّ من ترجمة الفضل بن شاذان: البندفيّ.
وظنّي أنّ في الكتاب: البندفر، بالفاء والراء، كما في رجال الشيخ، والقاف والياء تصحيف وتحريف».
إلى أن قال: «البَنْد - بفتح الموحّدة وتسكين النون والدال المهملة أخيراً - العلم الكثير، جمعه: بنود، وهو فرّ القوم بفتح الفاء وتشديد الراء وفرّتهم بضمّ الفاء. وعلى قول صاحب القاموس كلاهما بالضمّ. والحقّ الأوّل، أي من خيارهم ووجوههم»(3).
قلت: على كلّ حال هذا هو الذي عليه الأكثر.
وفي منتهى المقال: «أنّه الذي استقرّ عليه رأي الكلّ في أمثال زماننا»(4).
(القول) الثاني: أنّه ابن بزيع المعروف الذي كان في عداد الوزراء، أسنده في منتهى المقال - في طيّ عبارة الكاظمي‏(5) - إلى الفاضل عبد النبيّ الجزائري(ره)، وحكاه عن غيره أيضاً.
وفي رسالة معمولة لتحقيق هذا الخلاف من بعض أفاضل سادات عصرنا أنّه المحكيّ عن جماعة من الأعلام.
(القول) الثالث: أنّه البرمكيّ صاحب الصومعة.
وفي أكثر العبائر نقله - كالثاني - عن قائل مجهول‏(6). وفي جملة اُخرى إسنادهما إلى توهّم المتوهّم، لكن في الرسالة المزبورة حكايته عن شيخنا البهائيّ(ره).
(القول) الرابع: أنّه أحد المجهولين غير المذكورين، أسنده الكاظميّ‏(7) إلى ميل بعضهم. وفي الأكثر إسناده إلى التوهّم والاحتمال.
و(القول) الخامس: الوقف في تعيينه هو المحكيّ عن ظاهر صاحب المدارك‏(8)، ولعلّه المستفاد من ابن داود. وفي المحكيّ عن أوّل تنبيهات آخر رجاله حيث قال:«إذا وردت رواية عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن إسماعيل بلاواسطة،ففي صحّتها قول؛ لأنّ في لقائه له إشكالاً، فتقف الرواية؛ لجهالة الواسطة بينهما وإن كانا مرضيّين معظّمين»(9) انتهى.
والأظهر ما عليه المشهور؛ لوجوه ملفّقة ممّا يفيد كونه إيّاه وما ينفي كونه غيره ممّن شاركه في الاسم.
فمن الأوّل اُمور:
أحدها: ذهاب المشهور، فإنّه يفيد الظنّ المعتبر في المقام.
(و)ثانيها: أنّ الكشّيّ الذي هو معاصر الكلينيّ(ره) كثيراً مّا يروي عن محمد بن إسماعيل هذا مصرِّحاً بنيسابوريّته، فيظنّ أنّه الذي يروي عنه الكلينيّ.
(و)ثالثها: أنّ المستفاد ممّا في ترجمة الفضل أنّ النيسابوريّ المذكور هو الذي يذكر بعض أحوال الفضل وما جرى عليه، فيظنّ أنّه الراوي عنه.
ورابعها: أنّه - على ما في محكيّ الرواشح‏(10) والوافي‏(11) - كان تلميذ الفضل الخصّيص به، فيظنّ أنّه الراوي عنه.
ويؤيّده كونه من الفضلاء المتكلّمين على ما صرّحا به، كالفضل، فتدبّر.
وخامسها: ما عن الرواشح‏(12) أيضاً من أنّه أحد أشياخ الكلينيّ(ره).
وسادسها: أنّه نيسابوريّ، كالفضل، بخلاف غيره.
فهذه الوجوه ممّا تفيد أنّه النيسابوريّ.
وأمّا ما ينفي كونه غيره فكثيرة:
منها: أنّ ابن بزيع هو الذي يروي عنه الفضل كثيراً، كما هو المصرّح به بهذه الكنية في أكثرها، وقد نصّ عليه الكشّيّ وغيره من أهل الرجال، فكيف يروي عن الفضل بالكثرة التي عرفتها!؟
ومنها: أنّ المستفاد ممّا ذكره الكشّيّ‏(13) في ترجمة ابن بزيع أنّه مات في حياة مولانا الجواد(ع)؛ لقوله: إنّه من رجال أبي الحسن موسى(ع) وأدرك أبا جعفر الثاني(ع)، بل ظاهره أنّه أدرك قليلاً من زمانه(ع)، ووفاته(ع) - على ما عن الإرشاد(14) وغيره - كانت في سنة عشرين ومائتين، ووفاة الكلينيّ(ره) كانت من بعد ثلاثمائة بتسع وعشرين كما عن النجاشيّ‏(15)، أو بثمان وعشرين كما عن الشيخ‏(16)، والتفاوت بين التأريخين ثمان أو تسع سنين ومائة، وذكروا في أحوال الكليني أنّه صنّف الكافي في مدّة عشرين سنة، ومن المعلوم عادةً أنّه لم يشرع في التأليف في أوائل عمره، خصوصاً واشْتُكي إليه من جهّال العصر و سئل تأليف كتاب كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلّم ويرجع إليه المسترشد(17)، فلا أقلّ يكون عمره إذ شرع في التأليف قريباً من عشرين سنة فتكون مع زمن التأليف قريباً من أربعين سنة، والمعلوم بتتبّع الكافي أنّ روايته عن محمّد بن إسماعيل موجودة في أوائلها وأواخرها بل متفرّقة على جميع أبوابها، ولازم جميع ذلك أن يكون عمر الكلينيّ تقريباً مائةً و ستّين بل سبعين سنة على تقدير كون الرجل ابن بزيع، وهو بعيد في الغاية، ولو كان لنبّهوا عليه في الرجال أو في مقام ضبط المعمّرين، كما صنعه المرتضى(ره) في مقام دفع استبعاد القوم لطول عمر الصاحب(ع)، وقد ذكر فيه مَنْ هو أقلّ عمراً ممّا ذُكر.
وأيضاً كان اللازم درك الكليني زمن الأئمّة(ع) بل من زمن الرضا(ع) إلى آخرهم، فيكون مدركاً لخمسة منهم(ع).
وهو أيضاً بعيد خصوصاً مع عدم التنبيه والإشارة لا منه و لا من غيره. وقد نبّهوا على مَنْ أدرك أقلّ من ذلك.
ويبعّده أيضاً أنّه لو كان لكان مقتضى حرص الكليني على الجمع ونقد الأخبار مع وروده العراق أن يتشرّف بلقاء بعضهم: ويأخذ روايات أو رواية منه بلا واسطة أو بواسطة واحدة، فإنّ علوّ السند أمر مرغوب جدّاً.
كيف! وهو لم ينقل - فيما وقفنا عليه - من الفضل ولا من غيره من المشهورين أرباب التصنيفات والتأليفات.
والمستفاد من خطبة كتابه من جهة شكاية البعض إليه وسؤاله تأليف كتاب وغير ذلك إشعار تامّ بكون الشروع فيه في الغيبة.
وفي كتاب النصّ من واحدٍ منهم(ع) على آخر ما ينفي احتمال وقوع التأليف في زمن الحضور، وقد روى قبله عن أبي محمّد(ع) كما في باب إبطال الرؤية(18) و باب النهي عن الصفة(19) وغيرهما.
وبالجملة، فكون التأليف في زمن الغيبة من الواضحات.
وأمّا احتمال كون رواياته عن محمّد بن إسماعيل المذكور بأخذها من كتابٍ معلوم عنده فهو أيضاً بعيد:
أمّا أوّلاً: فلأنّ اللازم - كما هو دأبه ودأب غيره من الجامعين للأخبار - أن يكون له مشايخ إجازة رواية الكتاب المذكور، وأن ينبّه عليهم هو أو غيره.
وأمّا ثانياً: فلأنّ اقتصار صاحب هذا الكتاب على الرواية عن الفضل خاصّةً مع ما عرفت من أنّ الفضل هو الراوي عنه في غاية الاستبعاد.
ولو لم يكن الاقتصار، لنقل عن محمّد بن إسماعيل المزبور عن غير الفضل أيضاً كثيراً، ولم نقف عليه.
مضافاً إلى اقتضاء العادة اشتهار كتاب جمعه مؤلّفه بتمامه عن الراوي عنه.
وأمّا المناقشة فيما استفدناه من عبارة الكشّيّ من منع الظهور المزبور؛ لأنّه ذكر في موضعٍ آخر من كتابه‏(20) أنّه أدرك موسى بن جعفر(ع)، ولازمه على ما ذكر ظهور هذا في موته في زمان أبي الحسن(ع) مع أنّه واضح البطلان، فيدفعها أنّ المراد من الكلام الأخير دركه من أوّل عمره أو أوّل دخوله في الرواة ونحو ذلك، فإنّ الإدراك يطلق على ذلك أيضاً، غاية الأمر ظهوره فيما تقدّم، ويصرف عنه هنا بما مرّ.
وكيف كان فاحتمالُ درك ابن بزيع للأئمّة المتأخّرين عن أبي جعفر: بل بقاؤه إلى برهة من عصر الكلينيّ - قد أخذ منه فيها تلك الأخبار الكثيرة - أيضاً بعيدٌ موجِبٌ لطول عمره ودركه لستّة من الأئمّة(ع)، وهُما بعيدان، خصوصاً مع عدم تنبيه أحد عليه.
ومنها: أنّ الكشّيّ‏(21) وغيره من أهل الرجال حتّى الكاظمي‏(22) ذكروا مَنْ يروي الفضل عنهم، فذكروا منهم محمّد بن إسماعيل بن بزيع، و ذكروا مَنْ يروي عنه ولم يذكروا هنا منهم ابن بزيع، فلو كان يروي عن الفضل كما أنّ الفضل يروي عنه، لأشاروا إليه؛ لغرابته في الجملة، واشتهار ابن بزيع، لكونه في عداد الوزراء.
ومنها: أنّ الغالب رواية الكلينيّ عن ابن بزيع بواسطتين، وربّما يروي عنه بثلاث وسائط كما في باب نصّ اللَّه عزّوجلّ ورسوله(ص) على الأئمّة(ع) من كتاب التوحيد حيث قال: «الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمد عن محمّد بن جمهور عن محمد بن إسماعيل بن بزيع»(23) وكذا في باب الركوع‏(24)، فمن البعيد أن يكون مع ذلك من طبقته.
ومنها: أنّ الغالب تصريح الكلينيّ عند روايته عنه بالوسائط بكونه ابن بزيع، فيظهر منه أنّ الإطلاق عنده غير منصرف إليه، وإلّا لأغنى عن التزام التقييد، والموجود بينه وبين الفضل مطلق غالباً أو دائماً.
وأيضا عُلِم من الوجه السابق أنّ روايته عنه بالوسائط لاغرابة فيها، وإنّما هي في روايته عنه بلاواسطة، فكان الأخير أَولى بالتقييد لإزالة الغرابة المنافية للحمل عليه.
وقد ظهر من ذلك كلّه أنّه لايقاومه ما استند إليه لكونه ابن بزيع من أنّه أشهر و أظهر في انصراف الإطلاق إليه، ومن التصريح به في بعض أسانيد التهذيب، و من رواية الكلينيّ عنه بواسطة كما في بعض نسخ باب الصروف من كتاب المعيشة حيث قال: «عليّ بن إبراهيم عن أبيه و عن‏(25) محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان»(26).
ومنه يظهر أنّ نظر ابن داود في لقاء الكلينيّ له جيّد، لكن طريق الرواية لاينحصر في الملاقاة حتّى يلزم الإرسال وعدم الصحّة، فلا يعدل عن ظاهر الكلينيّ خصوصاً مع الإكثار عنه.
وأيضاً في كتاب الروضة التصريح بابن بزيع حيث قال: «محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن عليّ بن فضّال، عن حفص المؤذّن عن أبي عبداللَّه(ع) وعن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمّد بن سنان» الحديث‏(27).
قلت: لعلّ الموجود في التهذيب أيضاً هذا السند.
والجواب عن الجميع - بعد ما عرفت من عدم المقاومة لما مرّ - أنّ‏(28) الاشتهار المدّعى ينافي التزام التقييد بابن بزيع في غالب رواياته.
وما في التهذيب - إن كان - فهو من خطإ النسّاخ، كما في الخبر الثاني؛ إذ الصواب - بشهادة بعض أهل المعرفة - زيادة «عن» وتسمع ما في نظر ابن داود.
و تصحيح ظاهر الكلينيّ مع فرض عدم الملاقاة لايمكن إلّا بالأخذ من كتابه، والمتعارف حينئذٍ بيان الطريق إليه. والعطف في الخبر الأخير على ابن فضّال ونحوه محتمل أو ظاهر.
وبالجملة، فعدم كون الواسطة بين الكلينيّ والفضلِ ابنَ بزيع كاد أن يكون من الواضحات الغنيّة عن الاستدلال خصوصاً عن التطويل فيه، وإنّما خرجنا فيه عن مقتضى وضع الرسالة؛ لما عرفت من مصير قوم أو جماعة من الأعلام إلى المخالفة،فخفنا مصير غير بصير أو متأمّل إلى الموافقة معهم لحسن الظنّ بهم أو غيره، ولا أقلّ من أن يشكّ في الأمر. وقد عرفت خروجه بالوضوح عن البيان إلى العيان.
فأمّا نفي كونه البرمكيّ وإن كان رازيّاً كالكلينيّ ولم تأبَ عنه الطبقة؛ لرواية الصدوق عن الكلينيّ بواسطة وعن البرمكي بواسطتين، ورواية الكشّيّ المعاصر للكلينيّ عن البرمكيّ تارة بواسطة واُخرى بدونها، ولموت محمد بن جعفر الأسديّ الذي كان معاصر البرمكيّ قبل وفاة الكلينيّ بقريب من ستّة عشر سنة فيقرب زمانه زمان البرمكيّ، وقد استدلّ بذلك كلّه القائل بكونه البرمكيّ، فأوّلاً: أنّ غاية ما ذُكر كلّه إمكان كونه إيّاه، ونحن لا ندّعي الامتناع.
وثانياً: أنّ جميعه لايقاوم شيئاً ممّا مرّ إلّا ما قدّمناه من كونه نيسابوريّاً كالفضل، وعند التأمل لايقاومه أيضا؛ إذ مجرّد كونه رازيّاً المفيد لاتّحاد المكان إنّمإ؛غ‏غ ف‏ينفع لو لم ينتقل أحدهما منه إلى غيره، وقد ذكر أبو العبّاس بن نوح أنّ البرمكيّ سكن بقم‏(29)، وقد صرّحوا في ترجمته بأنّه يروي عنه محمّد بن جعفر الأسديّ، فلو كان الكلينيّ يروي عنه بالكثرة التي عرفتها، كان أولى بالتصريح على روايته عنه.
مضافاً إلى أنّ الكليني يروي عنه - فيما وقفنا عليه - بواسطة محمّد بن أبي عبداللَّه وهو محمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الأسديّ مع التقييد بالبرمكيّ، منه ما في باب الحركة والانتقال‏(30) من كتاب التوحيد، أو مع الرازي، ومنه ما في باب حدوث العالم‏(31) منه.
وبالجملة، الأكثر هو التقييد وإن أطلقه نادراً، كما في باب النوادر منه، ولم نقف على روايته منه بلاواسطة مع بعض التتبّع في الكافي، ولو كان فلا ريب أنّه القليل الغريب المحتاج إلى التنبيه عليه والتقييد بما مرّ دون نقله عنه مع الواسطة خصوصاً مع كونه الأسديّ.
وأمّا نفي كونه أحد المجهولين، فمع عدم وقوفنا على قائله - فيضعف به جدّاً، خصوصاً من جهة تخصيصه بأحدهم دون الترديد بينهم وبين المعلومين - أنّ المشهور - كما تسمعه - صحّة الطريق المزبور، لا لخصوص كون الواسطة من مشايخ الإجازة، وهذا ينافي ما ذُكر.
ولا ريب أنّ ذهابهم يفيد الظنّ المعتبر في المقام، مضافاً إلى إباء الطبقة عن أكثرهم، فإنّ ابن رجاء من أصحاب أبي عبداللَّه(ع) كما ذكره الشيخ‏(32)، والزعفراني لقي أصحابه(ع) كما ذكره النجاشيّ‏(33)، مع أنّه ثقة عين بتصريح النجاشيّ‏(34)، والسرّاج يروي عنه الكلينيّ بعدّة وسائط كما في باب الهداية من كتاب التوحيد، فروى عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن محمّد بن إسماعيل السرّاج‏(35)، فلاحِظْ وتتبّع.
وحيث أثبتنا بهذه الظنون المعتبرة تشخيص ذات الواسطة المزبورة - وقد عرفت أنّ وضع هذا العلم لتشخيص الصفات أيضاً - فلنتكلّم بعض الكلام في أحوال الرجل.
فنقول: الذي يظهر اعتبار السند من جهته، بل صحّته على اصطلاح القدماء إن لم يكن على اصطلاح المتأخّرين، وذلك لوجوه:
أحدها: ما أشرنا إليه من كونه أحد أشياخ الكلينيّ، ومثله لايرضى بشيخيّة الفاسق.
ثانيها: أنّه الخصّيص بالفضل، ومثله لايجعل الفاسق من خواصّه.
ثالثها: إكثار الكلينيّ الرواية عنه مع ما قال في أوّل كتابه.
رابعها: عدم تصريحه فيه مع الإكثار المزبور بما يتميّز به الرجل عن غيره، كما هو دَيْدنهم في الرواة ليلاحظ المعتمد عن غيره، فظاهره أنّه لاحاجة إليه لوضوح وجه الاعتماد عليه أو لعدم الحاجة إليه؛ لكونه من مشايخ الإجازة.
خامسها: ما قيل في وصفه: إنّه بندفر على ما عرفت معناه.
سادسها: ما ذكره المحقّق الداماد من كونه شيخاً كبيراً فاضلاً جليل القدر معروف الأمر دائر الذكر بين أصحابنا(36). ويقرب منه ما عن القاساني.
سابعها: تصحيح جمع من الأفاضل للسند الذي هو فيه من جهته من غير تخصيص بما روى عنه الكلينيّ، كما هو ظاهر محكيّ الرواشح.
وعن المنتقى: «عليه جماعة من الأصحاب أوّلهم العلّامة»(37).
ثامنها: إطباق العلماء - على ما حكي عن بعض الأَجِلّة - على تصحيح ما يروي عنه الكليني.
وقد استظهر صحّة هذه الدعوى بعض أجلّاء العصر من تتبّع كتب الأصحاب، وأنّه اطّلع على ذلك في المختلف والمنتهى والتذكرة والتنقيح والذكرى وجامع المقاصد والروض والروضة ومجمع الفائدة والمسالك والمدارك والبحار، وأشار إلى موضعٍ واحد من غير الثلاثة الأخيرة، وهو مسألة جواز. الاجتزاء بالتسبيحات الأربع مرّة واحدة، وعن أخير الثلاثة في شرح الوقف على أولاده الأصاغر، وعن أوّلها في باب الركوع في الدعاء بعد الانتصاب منه.
وحكي أنّ ابن داود صحّح طريق الشيخ إلى الفضل وهو فيه، ثم قال: «وهو ينافي ما تقدّم منه من أنّ في صحّة رواية الكلينيّ عن محمد بن إسماعيل قولين».
قلت: الظاهر أنّ التصحيح من جهة غيره، كيف! وظاهر تعبير الشيخ أنّ جميع ما رواه عن الفضل لم يكن بالطريق الذي فيه محمّد بن إسماعيل، بل بطرقه الاُخرى، فإنّه قال في غيره: «وما ذكرته عن الفضل» وقال فيه: «ومن جملة ما ذكرته عن الفضل بن شاذان ما رويته بهذه الأسانيد».
وفرقٌ واضح بين التعبيرين كوضوحه بينهما وبين قوله: «ما رويته عن كتاب فلان أو عن نوادره» فلعلّ ابن داود بناؤه على وثاقة إبراهيم بن هاشم.
وقد حكى في التعليقة عن المحقّق البحراني أنّه نقل عن بعض معاصريه توثيقه من جماعة(38).
قال صاحب التعليقة: «والظاهر من طريقته أنّه خالي».
وقال أيضاً: «قال جدّي: جماعة من أصحابنا يعدّون أخباره من الصحاح».
قلت: ومن جميع ذلك يحصل الظنّ القويّ على حسن حال الرجل إن لم يحصل على وثاقته، فلا ينبغي التأمّل في السند من جهته.

البحث الثاني: في أبي بصير

فإنّه أيضاً مشترك بين عدّة أشخاص، والبحث فيه في مقامات:
المقام الأوّل: في بيان الأشخاص المشترك فيهم هذه الكنية.
فنقول: إنّهم اختلفوا في ذلك بالصراحة أو باللزوم على أقوال:
أحدها: أنّهم خمسة: ليث بن البختري المراديّ المكنّى بأبي محمّد أيضاً، ويحيى ابن أبي القاسم الأسديّ المكنّى بأبي محمّد أيضاً كالأوّل، ويحيى بن القاسم الحذّاء الأزديّ، وعبداللَّه بن محمّد الأسديّ، ويوسف بن الحارث.
وثانيها: أنّهم أربعة بجعل الثاني والثالث واحداً، كما يظهر من العلّامة في الخلاصة(39) وحكي عن جماعة.
وثالثها: أنّهم ثلاثة، والذي يظهر أنّ قائله المولى عناية اللَّه(ره)، فقد حكي عنه أنّه لم يذكر في الكنى إلّا ثلاثة(40)، وقال: «قد يكون المطلق مشتركاً بينهم إذا روى عن الباقرين‏(41) أو أحدهما(ع)، وأمّا إذا روى عن الكاظم(ع) فإنّه مخصوص بيحيى بن أبي القاسم»(42)، وأنّه بالغَ في نفي كونه كنيةً ليوسف بن الحارث، بل قال: «هو أبو نصر كما في رجال الشيخ‏(43)، واشتبه على الشيخ، وتبعه غيره مثل العلاّمة في الخلاصة(44) فصار على اشتباههم أبو بصير أربعة، فإذا وقع في رواية، حكموا بضعف الحديث، وهذا خلاف الواقع، فإنّهم ثلاثة، والثلاثة أجلّاء ثقات، والحديث صحيح، وقد خفي هذا على جميع الأعلام، والحمد للَّه على شبه الإلهام»(45).
واستجوده في منتهى المقال قال: «وعلى تقدير وجود رابع فلايكاد ينصرف إليه الإطلاق مطلقاً، فلاتغفل»(46).
قلت: غاية ما أفاده إخراج يوسف عن المشتركين، وقد عرفت أنّ مَنْ عداه أربعة فما أدري نظره إلى اتّحاد الثاني والثالث كالعلّامة ومَنْ تبعه، أو إلى إخراج عبداللَّه أيضاً عن المشتركين، لخلوّ كلام مَنْ وقفنا عليه من المتقدّمين عن بيان كون كنيته أبا بصير؟
نعم، يستفاد من ذكر الكشيّ‏(47) في عنوانه رواية فيها بعض أحوال أبي بصير، ولا دلالة فيها على أنّ عبداللَّه يُكنّى بأبي بصير، ولا على أنّ المراد بأبي بصير فيها هو عبداللَّه، كيف والراوي فيها عن أبي‏بصير هو عبداللَّه بن وضّاح!؟ ونصّ العلّامة(48) والمولى عناية اللَّه‏(49) وغيرهما على أنّه يروي عن يحيى بن أبي القاسم.
فيظهر أنّ أبا بصير في هذه الرواية هو يحيى لا عبداللَّه، وأنّ نقل الكشي لها في عنوانه في غير محلّه.
وبالجملة، فلم يحضرني كتابه حتّى أُلاحظ أنّ الواقع أيّ الاحتمالين.
والأوّل وإن كان يؤيّده ماذكره من صيرورة أبي بصير أربعةً على اشتباه العلّامة ونحوه؛ لما مرّ من استفادة الاتّحاد من خلاصته، فالثاني المراديّ والثالث عبداللَّه والرابع يوسف، وإخراج عبداللَّه بعد إخراج يوسف مع فرض الاتّحاد يوجب كون المشترك اثنين لا ثلاثة، إلّا أنّه ينافيه استجواد منتهى المقال، فإنّه ممّن لايرى الاتّحاد المزبور، بل يرى التعدّد، فيكون الاشتراك حينئذٍ بين أربعة؛ لفرض عدم إخراج عبداللَّه.
وينافيه أيضاً حكمه بأنّ الثلاثة أجلّاء ثقات، فإنّ عبداللَّه إن لم يكن مذموماً - كما هو مقتضى ما رواه الكشّيّ في ترجمته - فليس بممدوح فكيف بالتوثيق!؟
اللّهمّ إلّا أن يكون بناؤه على أنّ عبداللَّه المكنّى بأبي بصير هو الحجّال المزخرف الثقة، فإنّه أيضاً ابن محمّد الأسديّ، بل لعلّه أولى؛ لأنّ كنيته أبو محمّد، إلّا أنّه منافٍ لكلام الكشّيّ وجمع من المتأخّرين من جعلهم الكنية لغيره.
وكيف كان فالأظهر أنّهم مع إخراج عبداللَّه - كما لعلّه الظاهر - ثلاثة: المراديّ والأسديّ والأزديّ؛ إذ الظاهر أنّ يوسف أبونصر لا أبو بصير؛ لما ذكره المولى عناية اللَّه، فقد أخبر بحضور جميع نسخ الكشّيّ المصحّحة وغيرها عنده، وفيها أبو نصر لا أبو بصير، ومع كون عبداللَّه منهم أربعة.
المقام الثاني: في الإشارة إلى بعض أحوال الجماعة.
وفيه بيان تعدّد يحيى المكنّى بأبي بصير.
فنقول: أمّا عبداللَّه فقد أشرنا إلى أنّه إن لم يكن مذموماً فليس بممدوح.
وأمّا ليث بن البختري فهو وإن‏ذكر الكشّيّ‏(50) أنّ أصحاب‏الصادق(ع) يختلفون في شأنه،و روى عدّة أخبار في ذمّه وقال: «عندي أنّ الطعن إنّما وقع على دينه لا على حديثه،وهو عندي ثقة»(51) إلّا أنّ أكثر أصحابنا لاسيّما المتأخّرين‏بل‏جميعهم رجّحوا وثاقته. قال الكاظمي: «أُجمع على تصديقه»(52) وهو من المخبتين الأربعة المبشّرين بالجنّة، الذين هُمْ نجباء، أُمناء اللَّه على حلاله وحرامه، ولولاهُمْ لانقطعت آثار النبوّة واندرست. وعدّه بعضهم ممّن أُجمع على تصحيح ما يصحّ عنه.
وبالجملة، لاينبغي التأمّل في وثاقته وجلالته.
وأمّا يحيى فالأظهر أنّ المسمّى به المكنّى بأبي بصير رجلان:
أحدهما: يحيى بن أبي القاسم الأسدي، وهو المكفوف.
وثانيهما: يحيى بن القاسم الحذّاء الأزديّ، وهو الواقفيّ، وذلك لشهادة عبائر جملة من أهل الرجال على تعدّدهما.
منها: ما عن‏رجال الشيخ، قال في أصحاب الباقر(ع): «يحيى‏بن أبي القاسم يُكنّى أبا بصير مكفوف، واسم أبي القاسم إسحاق»(53) ثمّ قال بلافصل: «يحيى بن أبي القاسم الحذّاء واقفيّ، يوسف واقفي، ويحيى بن أبي القاسم يكنّى أبا بصير»(54).
ومنها: عنوان الكشّيّ قال - في المحكيّ عنه في يحيى بن أبي القاسم أبي بصير و يحيى بن القاسم الحذّاء -: «حمدويه ذكر عن بعض أشياخه يحيى بن القاسم الحذّاء الأزديّ واقفيّ»(55).
ومنها: أنّ الحذّاء واقفيّ كما سمعت في عبارتَيِ الشيخ والكشّيّ.
ويشهد له خبر الالتواء على الرضا(ع)، والأسديّ مات في حياة الكاظم(ع)، فقد صرّح الشيخ بأنّه مات سنة خمسين ومائة بعد أبي عبداللَّه(ع)(56)، ووفاة مولانا الكاظم(ع) كانت في سنة ثلاث وثمانين ومائة، والتفاوت بثلاث وثلاثين سنة، والوقف إنّما حدث بعد ذلك، ولذا قال البهائي(ره) في فوائده - على ما حُكي عنه -: «إنّ ما في الكشّيّ من نسبة الوقف إلى أبي بصير ينبغي أن يُعدّ من جملة الأغلاط؛ لموته في حياة الكاظم(ع) والوقف تجدّد بعده.
فإن قلتَ: لعلّه وقف على الصادق(ع).
قلتُ: أولئك ناوُسيّة، ولم يُعهد إطلاق الوقف عليهم، والروايات التي استند إليها تدلّ على الوقف على الكاظم(ع) حيث نقل عن الصادق(ع): إن جاءكم مَنْ يُخبركم أنّ ابني هذا مات...»(57) إلى آخره.
قلت: لا يخلو ما أفاده من نظر.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الإسناد إلى الوقف ليس من الكشّيّ، بل عن بعض أشياخ حمدويه.
وأمّا ثانياً: فلأنّه إنّما أسنده إلى الأزديّ، والمتوفّى في حياة الكاظم(ع) هو الأسديّ، وهُما غيّران، وكأنّه تبعاً للعلّامة توهّم الاتّحاد مع ظهور العبارة في التعدّد من وجوه‏(58)، فوقع فيما وقع وإن كان أصل منافاة الوقف للموت في حياة الكاظم(ع) حقّاً لايندفع بثبوت الوقف على الصادق، بل على أمير المؤمنين(ع) على ما ذكره الصدوق في إكمال الدين‏(59) على ما حكى عنه في التعليقة(60)؛ إذ مع تسليم إطلاق الواقفيّ على الواقف على أحدهما(ع)، فلاريب في انصراف إطلاقه عنه إلى الواقف على الكاظم(ع)، فالوجه الثالث الذي ذكرناه للتعدّد تامّ في محلّه، مضافاً إلى أنّه لا حاجة لنا في هذا المطلب إلى إثبات منافاة الوقف للموت في حياة الكاظم(ع). بل نستدلّ على التعدّد بأنّ المستفاد من خبر الالتواء على الرضا(ع) والرجوع عنه كما ذكرته رواية: أنّ الحذّاء كان باقياً إلى زمان الرضا(ع)، وهذا كيف يجتمع في الواحد مع الموت في حياة الكاظم(ع)!؟ مع أنّ تولّد الرضا(ع) - على ما عن الإرشاد(61) والتهذيب‏(62) - كان في ثمان وأربعين ومائة، ومرّ أنّ الأسديّ مات في سنة خمسين ومائة، ومن البعيد جدّاً التواؤه ورجوعه في سنتين لو وجّهها(63) بكونهما في حياة الكاظم(ع) بإخباره بإمامته مع أنّه لم يكن داعي الوقف حينئذٍ موجوداً.
مع أنّ المحكيّ عن الصدوق في العيون أنّه سمع جماعة من أهل المدينة ذكروا أنّ مولده(ع) كان في سنة ثلاث وخمسين ومائة، والالتواء والرجوع قبل الوجود أبعد.
وأمّا توهّم الاتّحاد فالظاهر أنّ أصل منشئه في حقّ المتأخّر عن العلّامة كلامُهُ في الخلاصة وإن كان منشؤه في حقّه أو السبب في زيادة الوهم في غيره اقتصار النجاشي والشيخ في الفهرست بل في رجاله في أصحاب الصادق(ع) على عنوانٍ واحد، وأنت خبير بعدم مقاومة مجرّد الاقتصار لما مرّ.
وأمّا كلام الخلاصة فالظاهر وقوع خلل في نقله عن الكشّيّ منشؤه زعمه الاتّحاد. ولابأس بالإشارة إلى نقل كلاميهما ليتّضح المراد.
قال الكشّيّ في المحكيّ عنه - بعد ما مرّ عنه وبعد ذكر خبر الالتواء عن راويه الذي هو عليّ بن محمد بن القاسم - ما هذا لفظه: «واسم عمّه القاسم الحذّاء، و أبو بصير هذا يحيى بن القاسم، يكنّى أبا محمّد، قال محمّد بن مسعود: سألت عليّ بن الحسن بن فضّال عن أبي بصير هذا هل كان متّهماً بالغلوّ؟ فقال: أمّا بالغلوّ فلا، ولكن كان مخلّطاً»(64) انتهى.
وقال في محكيّ الخلاصة: «يحيى بن القاسم الحذّاء - بالحاء المهملة - من أصحاب الكاظم(ع)، كان يكنّى أبا بصير، بالباء الموحّدة والياء بعد الصاد.
وقيل: إنّه أبو محمد، واختلف قول علمائنا فيه.
قال الشيخ الطوسي(ره): إنّه واقفيّ‏(65). وروى الكشّيّ‏(66) ما يتضّمن ذلك، قال: «وأبو بصير يحيى بن القاسم الحذّاء الأسديّ هذا يُكنّى أبا محمّد، قال محمّد بن مسعود»(67) إلى آخر ما مرّ عن الكشّيّ.
قلت: وجه الخلل أنّ الكشّيّ إنّما قال: «وأبو بصير هذا يحيى بن القاسم، يكنّى أبا محمّد» وذكر فيه السؤال المتقدّم ولم يذكر أنّه الحذّاء أو الأسديّ، فذكرهما خصوصاً بطريق الجمع في ضمن كلامه كما ترى.
ولعلّه من هنا أخذ كون الحذّاء الذي جعله عنواناً مُكنّى بأبي بصير، وعلى قولٍ مكنّى بأبي محمّد.
والموجود في الكشيّ ذكر الأوّل في يحيى بن أبي القاسم وهو الأسديّ، وهو الذي عنونه الكشّيّ.
والظاهر أنّه المراد باسم الإشارة في أخير كلامه؛ لأنّه لم يطلق أبا بصير على الحذّاء،وإنّما أطلقه على يحيى بن أبي القاسم، المعنون في كلامه، وإنّما ذكر يحيى بن القاسم الحذّاء في عنوان الأوّل لمجرّد الموافقة في الاسم أو في اسم الجدّ أيضاً، وذكر في حقّه حديث الالتواء ثمّ أعرض عنه إلى أصل عنوانه فقال: «و أبو بصير هذا» وكرّر اسمه؛ للإشارة إلى أنّه كما يُكنّى بأبي بصير يُكنّى بأبي محمّد أيضاً، وذكر اسم الإشارة بعد أبي بصير مكرّراً؛ للاحتراز عن ليث البختري.
وربّما يؤيّد ما ذكرناه أنّه ذكر في مقامٍ آخر ما هذا لفظه: «قال محمّد بن مسعود: قال: سألت عليّ بن الحسن بن فضّال عن أبي بصير، فقال: كان اسمه يحيى بن أبي القاسم، فقال: أبو بصير كان يكنّى أبا محمّد، وكان مولى لبني أسد، وكان مكفوفاً، فسألته: هل يُتَّهم بالغلوّ؟ فقال: أمّا الغلوّ فلم يُتَّهم به، ولكن كان مخلّطاً»(68).
ومن هنا يظهر أنّ إسقاط كلمة «أبي» في أخير كلام الكشّيّ في غير محلّه. ولعلّه منشؤ توهّم العلّامة أو الجماعة.
وفي عبارته مناقشة أُخرى، وهو: أنّ القاسم الحذّاء لم يكن عمّ عليّ بن محمّد الراوي بل جدّه، ومقتضى حكاية الرواية في شأن يحيى بن القاسم أن يقول: واسم عمّه يحيى بن القاسم الحذّاء.
وأُخرى‏(69): أنّ مقتضى ذكر السند أنّ اسم الراوي عليّ بن محمّد مع أنّ الموجود في الرواية تعبيره عن اسمه بمحمّد بن عليّ.
وأعجب من ذلك أنّ ابن داود صار تارة إلى الاتّحاد، وأورده في باب المجروحين مع حكاية التوثيق من النجاشيّ، قال فيما حُكي عنه: «يحيى بن القاسم أبو بصير الأسديّ، وقيل: أبو محمّد الحذّاء، جخ ق م جش قر ق كش، واقفي، جش،ثقة وجيه، غض»(70) أمّا الغلوّ فلا ولكن كان مخلّطاً، واسم أبي القاسم إسحاق.
وأُخرى إلى التعدّد وأورده في باب الممدوحين، قال: «يحيى بن أبي القاسم يُكنّى أبا بصير مكفوف، واسم أبي القاسم إسحاق، قر، جخ»(71).
ثمّ قال: «يحيى بن القاسم، لم، كش، كوفي ثقة قليل الحديث»(72).
قلت: فيه - زائداً على تناقض الاتّحاد والتعدّد - خلل من وجوه:
أحدها: أنّه ليس في كتب الجماعة - عند حكاية كون كنيته أبا محمّد - من قائل تقييده بالحذّاء.
ثانيها: أنّ المحكيّ عن الشيخ عدّه من أصحاب الباقر(ع)(73) أيضاً.
ثالثها: أنّ الحكم بالواقفيّة لم يكن من الكشّيّ، بل عن بعض أشياخ حمدويه‏(74).
رابعها: أنّ حكاية التخليط ونفي الغلوّ إنّما هي عن عليّ بن الحسن بن فضّال لا عن الغضائريّ، فالصواب «عل» في موضع «غض».
ولعلّ الغلط في نسخة الحكاية أو بعض نسخ ما حكي عنه.
وفيه خلل من وجوه أُخر أيضاً، ولايهمّنا التطويل فيه.
وبالجملة، توهم الاتّحاد ضعيف جدّاً، ومن هنا صار كثير من متأخّري المتأخّرين إلى التعدّد، منهم: الفاضل الخراساني‏(75) وصاحب منهج المقال وصاحب نقد الرجال وصاحب التعليقة، بل صاحب منتهى المقال وغيرهم.
وإذا عرفت التعدّد، فنقول: أمّا الحذّاء الأزديّ فهو ضعيف فقاهةً بل اجتهاداً؛للحكم بوقفه من شيخ الطائفة وبعض أشياخ حمدويه الذي هو شيخ الكشّيّ، مع عدم وجود معارض لهذا الحكم؛ إذ التوثيق لغيره. ورجوعه عن الوقف - كما في خبر الالتواء - لم يثبت، كما يشعر به قول أبي جعفر الثاني(ع) فيه إن كان رجع، مع أنّه بمجرّده غير نافع، ونفي البأس فيه لايفيد وثاقته، بل الظاهر أنّه من حيث مذهبه.
وأمّا ما مرّ من المولى عناية اللَّه من كون الثلاثة ثقاتٍ أجلّاء(76) فلم يُعلم دخول الأزديّ فيهم، وإلّا كان كما ترى.
وأمّا الأسديّ فالظاهر وثاقته بل جلالة قدره؛ لقول النجاشي: «إنّه ثقة وجيه»(77) ووثّقه غيره أيضاً، ولعدّه ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه‏(78).
وللصحيح المرويّ في الكشّيّ عن ابن أبي عمير عن شعيب العقرقوفيّ قال: قلت لأبي عبداللَّه(ع): ربّما احتجنا أن نسأل عن الشي‏ء فمن نسأل؟ قال: «عليك بالأسديّ»(79) يعني أبا بصير.
ولما ورد في ضمان الجنّة له‏(80)، والمسح على عينيه ورضاه بالعود إلى عماه لأن تكون له الجنّة الخالص، أي بغير حساب، كما هو ظاهر الخبر(81)، إلى غير ذلك من الأخبار، وفي بعضها بطريق التعجّب والاستفهام الإنكاري خطاباً لأبي بصير: « هذا وأنت ممّن يريد الدنيا!؟»(82).
نعم، قد ورد في مقابل ما أشرنا إليه أخبار(83) في ذمّه، في بعضها غايته، كالمشتمل على قوله: «إنّ صاحبنا لم يتكامل حلمه»(84). والمشتمل على تكذيب أبي عبداللَّه(ع) له في روايته الموجبة للوقف على الكاظم(ع)، والمشتمل على قوله: «لو كان معنا طبق لأذن لنا»(85). أي: في الدخول على أبي عبداللَّه(ع)، وفيه: «فجاء كلب فشغر في وجهه» والمشتمل على غضبه على الكاظم(ع) واعترافه بسوء ظنّه به عند موته بزبالة الكوفة، إلى غير ذلك.
لكنّ الظاهر عدم مقاومته لما مرّ ولو للاعتضاد بقول الطائفة وعملهم.
مع أنّ أخبار الذمّ مع عدم صراحتها فيه و في كونه في حقّ الأسدي أكثرها ضعيفة الأسانيد محتملة أو ظاهرة في كون الوجه فيه ما ورد في وجه ذمّ زرارة، كيف! وخبر شغر الكلب ورد في حقّ المرادي أيضاً، وفيه بعد تذكّرهم الدنيا قوله: «أما إنّ صاحبكم إن ظفر بها لاستأثر بها»(86) بل ورد في حقّه امتناعه عن الحجّ وقوله لابن أبي يعفور: «اسكت فلو أنّ الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه»(87).
وبالجملة، فمقتضى الأخذ - في الروايات المتعارضة - بما اشتهر بين أصحابنا أو بقول الأعدل: الأخذ بما ورد في مدحه، بل قضيّة إسقاط الجميع أيضاً الرجوع إلى أقوال الموثِّقين له، خصوصاً حيث لم نقف على مَنْ جرحه أو ذكر ما يسقط اعتبار روايته، عدا ما مرّ من إسناد ابن فضّال إليه التخليط(88)، وهل يعدل عمّا ذكره غيره في حقّه إلى الإسناد المزبور ويردّ به روايات مثل هذا الجليل ويخالف به ما هو المشهور قولاً وعملاً؟
المقام الثالث: (في أنّ الاشتراك المفروض مضرّ قبل التميّز أم لا؟)
أنّك بعد ما عرفت اشتراك أبي بصير بين الممدوح والمقدوح - سواء قلنا بأنّه بين خمسة أو أربعة أو ثلاثة - فلاريب أنّ مقتضاه مع عدم التعيين والتميّز بل مقتضى أصل عدم الترجيح والاعتبار وغيرهما الوقف عن التصحيح والتضعيف اجتهاداً، والبناء على التضعيف فقاهةً، فهل هنا أصل وارد على ذلك يحكم معه بالصحّة وإن كان لازمه تعيين أحد الثقتين عن الباقين أو تعيينهما في الجملة عن غيرهما والخروج عن الفرض الأوّل؟ فيكون البحث في أنّ الواقع هل هو الفرض الذي جرى فيه الأصل الأوّل أم لا؟، مع إمكان التعبير بما يكون البحث معه في الحكم.
ولا يخفى أنّ بحث المقام على غير مختار المولى عناية اللَّه القائل بالاشتراك بين ثلاثة ثقات أجلّاء عنده.
فنقول: مقتضى تضعيف جماعة من الأصحاب للروايات التي فيها أبو بصير بسبب الاشتراك بين الثقة والضعيف هو الثاني.
فمن هؤلاء مَنْ يظهر منه القول باتّحاد يحيى المتقدّم، وهو الأردبيليّ والشهيد الثاني وصاحب المدارك.
فذكر الأوّل في بيع الصرف في سند فيه أبو بصير «أنّ الطريق إلى أبي بصير صحيح، ولكنّه يحيى بن أبي القاسم المكفوف الواقفي، بقرينة نقل شعيب بن يعقوب العقرقوفيّ عنه، لأنّه قائده وابن أُخته والراوي عنه»(89) وفي مسألة أولويّة الزوج في وجه ضعف السند أنّ فيه عليّ بن أبي حمزة، وهو مشترك، وكذا أبو بصير.
وذكر الثاني في المسالك في كتاب النكاح بعد إيراد رواية فيها أبو بصير: «و في صحّتها عندي نظر من وجهين: أحدهما: أنّ أبا بصير الذي يروي عن الصادق(ع) مشترك بين اثنين: ليث بن البختري، المرادي وهو المشهور بالثقة، ويحيى بن القاسم الأسديّ، وهو واقفيّ ضعيف مخلّط، وكلاهما يطلق عليهما هذه الكنية، ويكنّيان بأبي محمّد.
وربّما قيل: إنّ الأوّل أسديّ أيضاً، وكلاهما يروي عن أبي عبداللَّه(ع)، فعند الإطلاق يحتمل كونه كلّاً منهما»(90)
وفي كتاب الفرائض: «أنّ محمّد بن قيس وأبا بصير مشتركان بين الثقة والضعيف كما بيّناه مراراً»(91).
ونحو ذلك في المدارك‏(92) في مباحث الأذان وصلاة الميّت وغيرها.
ومنهم مَنْ لايظهر منه ذلك، بل يبني على التعدّد ولكن يضعّف؛ للاشتراك بين الجميع.
وذهب في التعليقة إلى ما يقتضي الأوّل؛ لتصريحه بانصراف الإطلاق إلى الثقة قائلاً: «كما هو المعروف في أمثاله»(93).
وادّعى بعض أجلّاء فقهاء العصر في رسالة صنّفها في اشتراك أبي بصير أنّ هذه الكنية في الأوّلين - أي المراديّ والأسديّ - أشهر، قال: «كما اعترف به جماعة من المحقّقين، فالإطلاق ينصرف إليهما».
قلت: لعلّ من الجماعة صاحب الوجيزة، فإنّه قال في المحكيّ عنه: «أبو بصير يطلق غالباً على يحيى بن القاسم أو ليث بن البختريّ»(94) فإنّ مراده من يحيى إمّا الأسديّ؛ إذ لم ينصّ أحد، ولم يشهد شاهد على غلبة إطلاقه على الأزديّ، أو هو ممّن يرى الاتّحاد مع ترجيح التوثيق على التضعيف.
ولعلّه الظاهر كما حكاه بعضهم؛ لقوله: «أبو بصير يحيى بن القاسم ثقة على الأظهر» وفيه كلام.
قيل: والظاهر أنّه الكلام المحكيّ عن البهائي(ره).
قلت: مرّ نقله في المقام الثاني.
وفي منتهى المقال: «والأصحاب ربّما يحكمون بصحّة رواية أبي بصير عن الصادق(ع) مع عدم ظهور قرينة كونه المراديّ، فتأمّل»(95).
قلتُ: الذي يظهر بالتتبّع في الأخبار إكثار إطلاقه على المراديّ والأسديّ، بل لايحضرني الآن إطلاقه على غيرهما، فإذنْ ينبغي التأمّل في صحّة الرواية من هذه الجهة وإن لم يكن ما يميّز أحدهما عن غيرهما، وأكثر مَنْ ضعّفها عند الإطلاق لم يُعلم أنّه لإنكاره انصراف الإطلاق إلى أحدهما، بل لزعم الاتّحاد وترجيح التضعيف على التوثيق أو التوقّف، وعلى هذا لاحاجة إلى التميّز في أصل اعتبار الرواية بل صحّتها.
نعم الظاهر، أنّه يفتقر إليه في مقام التعارض مطلقاً أو مع غيرها من الصحاح؛ إذ الظاهر - وفاقاً لبعض أجلّاء العصر - كون المراديّ أوثق وأعدل من الأسديّ، بل كونه أفقه منه أيضاً؛ لما مرّ من خبر انقطاع آثار النبوّة واندراسها لولا الأربعة الذين أحدهم المراديّ، ولكونه من أحد حواريّ أبي جعفر(ع)، كما ورد في بعض‏(96) الأخبار،إلى غير ذلك، بل الظاهر أنّه أحد الستّة الذين ذكر الكشّيّ أنّهم أفقه الأوّلين، كما حكاه عن قائل، وإن ذكر هو مكانه الأسديّ، ولا أقلّ من كون المراديّ متّفقاً على وثاقته، بخلاف الأسديّ، كما عرفت.
المقام الرابع: فيما يميّز أحد الثقتين عن الآخر بل عن غيرهما عدا وجه انصراف الإطلاق.
فنقول: أسباب هذا التميّز كثيرة:
منها: كون المرويّ عنه مولانا الكاظم(ع)، فإنّه يفيد أنّه غير الأسديّ؛ لما مرّ من عدم إدراكه إلّا قليلاً من زمانه(ع) يقرب سنتين، بخلاف المراديّ، كما يظهر من إكثاره الرواية عنه(ع)، والظنّ يوجب الإلحاق بالأغلب، بل مقتضى نقل ابن مسكان -الذي هو الراوي عن المراديّ عن أبي بصير - تاريخ وفاة مولانا الكاظم(ع) أنّه أدرك لتمام زمانه(ع)، إلّا أنّه ربّما ينافيه تصريح النجاشيّ بموت عبداللَّه بن مسكان في أيّام أبي الحسن(ع) قبل الحادثة، إلّا أن يكون المراد بأبي الحسن الرضا(ع)، وبالحادثة خروجه(ع) إلى خراسان أو وقوع ولاية العهد له(ع).
فإن أُوِّلَ بكونه غير الراوي عن أبي بصير أو وقوعه في غير موقعه، كان منافياً لما قصدناه من الاستدلال؛ إذ لا معيّن لكون أبي بصير المرادي حينئذٍ، مع ضعف الخبر على الأخير أيضاً، إلّا أن يقال - بعد انتفاء احتمال كونه الأسديّ، لما مرّ -: إنّ الانصراف السابق يعيّن كونه المراديّ.
ومنه يظهر أنّه لاحاجة في هذا التميّز إلى هذا الخبر أصلاً، لكنّ المحكيّ عن المولى عناية اللَّه أنّه قال: «قد يكون المطلق مشتركاً بينهم إذا روى عن الباقرين أو أحدهما(ع)، وأمّا إذا روى عن الكاظم(ع)، فإنّه مخصوص بيحيى بن أبي القاسم»(97).
قلت: هذا كتوهّمه السابق مخالف لما عليه الأصحاب ويستفاد من الروايات.
نعم، هو حقٌّ إن اُريد به الاختصاص الإضافي بالنسبة إلى الأسديّ لا المراديّ، لكن كان اللازم إسقاط «أبي» حنيئذٍ، وقد تقدّم.
ومنها: رواية عبداللَّه بن مسكان عنه، وهي في كتب الأخبار - كما قيل - أكثر من أن تحصى.
وقد صرّح في عدّة مواضع بليث المراديّ، ونصّ على هذا التميّز له جماعة، منهم: صاحب نقد الرجال‏(98) والمولى عناية اللَّه‏(99)، وحكي عن خطّ المولى البهبهائي، وصرّح به الكاظميّ‏(100).
لكن حُكي عن صاحب المعالم وابنه أنّهما ادّعيا الاطّلاع على روايته عن يحيى بن القاسم‏(101) أيضاً، إلّا أنّه - على فرضه - لاينافي حصول الظنّ الناظر إلى الغالب وتصريح الأكثر.
ومنها: رواية المفضّل بن صالح عنه؛ للتصريح به في نصوص كثيرة، فذكر النجاشي أنّ له - أي للمراديّ - كتاباً يرويه جماعة منهم أبو جميلة المفضّل بن صالح‏(102)، وصرّح به الكاظميّ‏(103) وحكي عن عناية اللَّه‏(104) أيضاً.
ومنها: رواية عبدالكريم بن عمرو الخثعميّ عنه، كما في تصريح الأخيرين‏(105) قالا: للتصريح به في طريق الصدوق إلى عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ، وهو كذلك، فإنّه قال: «وما كان فيه عن عبدالكريم بن عتبة فقد رويته عن أبي رضي اللَّه عنه عن سعد بن عبداللَّه، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن عبدالكريم بن عمرو الخثعميّ، عن ليث المراديّ، عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي».
قلت: ومن هنا يظهر أنّ من مميّزات المراديّ روايته عن عبدالكريم بن عتبة الهاشميّ فمتى أطلق أبو بصير حمل عنه، وقد نصّ الكاظمي في ترجمة الهاشمي على رواية المرادي عنه.
ومنها: رواية الحسين بن مختار عنه، ذكره المولى عناية اللَّه‏(106).
ويؤيّده روايته عنه خبر تعليمه القرآن للمرأة، وفيه إخباره بأنّه(ع) غطّى وجهه، ويبعد ذلك من المكفوف، ومرّ انصراف الإطلاق عن غيرهما.
ومنها: رواية أبان بن عثمان عنه، فذكر عناية اللَّه في المحكيّ عنه أنّه «إذا روى أبان بن عثمان عن أبي بصير، فالظاهر أنّه ليث بن البختريّ المراديّ، وصرّح به في طريق سعد بن مالك الخزرجيّ أبي سعيد الخدريّ عن الكشي‏(107)»(108).
قلت: يمكن تأييده بما ذكره الكاظميّ في أبان بن عثمان بأنّه يعرف بروايته عن أبي بصير، وفي أبان بن تغلب أنّه يمكن استعلامه بروايته عن أبي بصير أيضاً كأبان ابن عثمان‏(109)، فإذا ضمّ إلى ذلك ما مرّ من ظهور الإطلاق - خصوصاً في كلمات المتأخّرين - في المرادي، تَمَّ التغريب.
ومنها: رواية جماعة اُخرى عنه على ما نقل عن الفاضل المذكور، وهُمْ: ابن أبي يعفور وبكير بن أعين وحمّاد الناب وسليمان بن خالد والفضل البقباق وفضيل الرسان والمثنّى الحنّاط وعمر بن طرحان.
قلت: ربّما يؤيّد ما ذكره كلّه اتّحاد الطبقة، فلاحِظْ.
هذا كلّه فيما يعيّن المراديّ، وأمّا ما يعيّن الأسديّ فأُمور أيضاً:
منها: الوصف بالمكفوفيّة، فإنّ المستفاد من الأخبار وكلمات الأخيار اختصاصه به، ولا أقلّ من أصالة عدمه في غيره بعد ثبوته في حقّه بلا شبهة وريب، ولاريب في حصول الظنّ من ذلك بتعيينه بالوصف المذكور، سواء كان في لسان الراوي أو في الخبر ولو ببيان ما يتعلّق به من المسح على العين و إراءة الدنيا، وفي لسانه بأنّي الضرير ونحو ذلك.
ويجي‏ء أنّ ابن اُخته - وهو العقرقوفي إنّما يروي عنه، وهو الراوي للأحاديث المشتملة على ذلك، فلاحِظْ مع ما ذكروه في الرجال في أحوال الأسديّ وغيره.
وأمّا ما حُكِي عن المولى التقيّ المجلسيّ ممّا يفيد مكفوفيّة المراديّ أيضاً - لقوله بعد نقل خبر ضمان الجنّة لأبي بصير: «إنّ هذا الخبر يحتملهما» أي المراديّ والأسديّ، ولقوله بعد نقل ما حكاه العلّامة في الخلاصة عن العقيقي من كون الأسديّ مكفوفاً: «إنّه يمكن أن يكون المرادي أيضاً أبصر»(110) وقوله - بعد صحيحة شعيب، المشتملة على حكم المتزوّج بامرأة لها زوج وقول أبي بصير:«ما أظنّ صاحبنا تكامل علمه» -: «إنّ الظاهر أنّ هذا الأعمى لم يفهم كلام الصادق(ع) واشتبه عليه»(111) وذكر أيضاً في المحكيّ من شرحه على المشيخة - بعد التصريح بأنّ الأسديّ والمراديّ سواء في المدح والذم - ما هذا لفظه: «وقد عرفت حال الوقف، ولو قيل به، فللمرادي أيضاً كالوقف بقوله: لم يتكامل علمه»(112) انتهى - ففاسد(113) يظهر وجهه بالتأمّل في الأخبار والرجال، خصوصاً ما دلّ من الأخبار على عدم عمى بعض ينصرف إليه إطلاق أبي بصير فإنّه ينافي عمى الجميع. ولعلّ منشأ توهّمه - كما قيل - ملاحظة نقل الكشّي لبعض الأخبار المشتملة على مكفوفية أبي بصير في ترجمة المراديّ، مع استفادته من بعض الأخبار، مثل ما حكي عن منهج‏المقال إيراده له في ترجمة زرارة. وفيه: «كيف أصنع بهم وهذا المرادي بين يديه، وقد أريته - وهو أعمى - بين السماء والأرض، فشكّ وأضمر أنّي ساحر(114)».
ويؤيّده أو يدلّ عليه أنّ في باب المواقيت من التهذيبين روى حديث أوّل وقت الإمساك، بإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير المكفوف مصرّحاً بالوصف‏(115)، وفي كتاب الصوم من الفقيه رواه عن عاصم بن حميد عن ليث المراديّ‏(116).
والجواب عن الأوّل: منع حصول الظنّ ممّا صنعه الكشّيّ؛ لما عرفت من طريقته في كتابه.
مضافاً إلى أنّه لايصلح لمقاومة ما مرّ فضلاً عن وروده عليه.
وعن الخبر: بضعف السند.
وعن الأخير: بأنّ الذي يظهر أنّ تصريح الصدوق بليث المراديّ؛ لزعمه أنّه المراد من أبي بصير الراوي للخبر، إمّا لانصراف الإطلاق إلى خصوصه كما مرّ، أو لغير ذلك، فصرّح باسمه لدفع تخيّل إرادة غيره.
والشيخ لمّا رأى أنّه أخطأ؛ لأنّ المراد به الأسديّ المكفوف بقرينة رواية عاصم عنه صرّح بالوصف، دفعاً لما صدر منه وتحفّظاً عن صدوره من غيره، وإلّا فالموجود في السند - على ما يظهر من نقل الفقهاء - مجرّد أبي بصير.
هذا، مع احتمال رواية عاصم تارة عن المكفوف وأُخرى‏ عن المرادي وإن كان بعيداً.
هذا، وقد حكى‏ بعض أجلّاء العصر عن الفاضل المذكور كلاماً آخر يشهد بأنّ مراده من قوله السابق - وهو: «أنّ الظاهر أنّ هذا الأعمى» - هو الأسديّ، وأنّ إسناد عدم الفهم المتقدّم إلى المراديّ في كلامٍ آخر له مبنيّ على الغفلة، فلاحِظْ شرحه على الفقيه.
ومنها: رواية شعيب العقرقوفيّ عنه، فقد صرّح المولى عناية اللَّه‏(117) وغيره بأنّ الأسديّ هو الذي يروي عنه شعيب المذكور.
ومرّ على الكثرة عن الأردبيلي زيادة على ذلك «أنّه قائده وابن اُخته».
وقال المحقّق البهبهاني(ره): «إنّ العقرقوفيّ ابن أُخت يحيى الأسديّ، فهو قرينة كون أبي بصير في الروايتين يحيى، أي رواية ضمان الصادق(ع) له ولآبائه بالجنّة، وقوله:«عليك بالأسديّ»(118).
قال: «والمحقّقون حكموا بكونه قرينةً عليه حيثما وجد»(119).
قلت: في منتهى المقال - بعد النقل عن الكشيّ في أصحاب الصادق(ع) قوله: «شعيب بن يعقوب العقرقوفيّ» ومثله عن الفهرست - ما هذا لفظه: «وهذا ظاهره - كما هو المشهور - أنّه ابن يعقوب، وكونه مكنّى بأبي يعقوب اختصّ به النجاشيّ‏(120) والخلاصة(121)، وأثبت الكلّ ابن داود(122) واشتباه «ابن» به «أبو»محتمل»(123). انتهى.
وكيف كان فقد حكى بعض أجلّاء العصر عن بعض العلماء أنّه ذكر - بعد إيراد الحديث الصحيح المشتمل على السؤال عن الأسديّ - ما هذا لفظه: «شعيب العقرقوفيّ يروي عن أبي بصير عبداللَّه بن محمّد الأسديّ، لايحيى بن أبي القاسم، كما يفهم من إطلاق الرواية المتقدّمة، فإنّه يظهر من أمر الإمام(ع) إيّاه فيها بأن يأخذ من أبي بصير الأسديّ أنّه لايروي إلّا عمّن أمره الإمام(ع) بالأخذ عنه، و هو عبداللَّه بن محمّد الأسديّ، كما لا يخفى.
وهذا قرينة جَلِيَّة على أنّ كلّ موضع وقع فيه شُعَيب عن أبي بصير مطلقاً فهو عبداللَّه بن محمّد لا غير وإن كان شعيب هذا ابن اُخت يحيى بن أبي القاسم، فإنّ شعيب هذا أمتن من أن يروي عن يحيى هذا وأوثق منه وأجلّ، كما لا يخفى.
مع أنّ الظاهر مع التتبّع الصادق أنّ شعيباً في مرتبة يحيى وطبقته، يروي عمّن يروي عنه، ويروي عنه مَنْ يروي عنه، فإنّ عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ قائد يحيى هذا يروي عن شعيب هذا، فيحيى ليس في مرتبة يروي عنه شعيب العقرقوفيّ». انتهى‏.
ولايخفى ما فيه:
فأوّلاً: أنّه خلاف ما فهمه الجلّ أو الكلّ كما عرفت، ولذا لم يورِد أحدٌ حديث الأخذ من الأسدي في ترجمة عبداللَّه، المزبور، ولم يوثّقه أحد بذلك أو غيره.
وثانياً: أنّ الموجود في الرواية تفسير الأسديّ بأبي بصير، وقد سبق خلوّ كلام المتقدّمين عن بيان كون أبي بصير كنيةً لعبداللَّه، المذكور، وأنّه إنّما أوهمه إيراد حديث سائله أبو بصير في ترجمته، وقد سبق دفعه.
ومع التسليم فلاريب أنّه لم يكن مشتهراً بهذه الكنية بحيث يراد بها عند الإطلاق، ومن المعلوم كثرة روايات شعيب عن أبي بصير على الإطلاق.
وثالثاً: أنّ كون شعيب أمتن إنّما هو على ما مرّ من توهّم اتّحاد يحيى وترجيح التضعيف معه على التوثيق، وإلّا فقد عرفت وثاقة يحيى الذي هو خال شعيب وكونه من أهل الإجماع، و ورود جملة من الأخبار في مدحه ولو باشتمالها على ضمان الجنّة له ولآبائه، وغير ذلك، بل هذا في الحقيقة ممّا يدفع ما ذكره؛ لما عرفت سابقاً من جهالة عبداللَّه أو ذمّه، فشعيب الثقة كيف يروي عنه!؟ فهو دليل المختار.
اللّهمّ إلّا أن يريد بعبداللَّه الحجّالَ المُزَخْرف، كما أشرنا إليه.
ويدفعه أيضاً ما أشرنا إليه من أنّه لم يذكر له هذه الكنية أحد فيما وقفنا عليه.
ورابعاً: منع كون شعيب في مرتبة يحيى؛ لأنّه يروي عن أبي عبداللَّه وأبي الحسن(ع)، ويحيى يروي عن أبي جعفر وأبي عبداللَّه وقليلاً من أبي الحسن(ع)؛ لموته في أوائل أمره.
ومجرّد رواية شخص عن شخص يروي عن رجل لاينافي رواية الأوّل عن الأخير.
وأيضاً حكي عن الشيخ‏(124) أنّه أورد عبداللَّه بن محمّد الأسديّ في أصحاب مولانا الباقر(ع)، ولم يذكره في أصحاب الصادق(ع)، ورواية شعيب عن أبي بصير عن الصادق(ع) أكثر من أن تحصى، فكيف يكون أبو بصير - الذي يروي عنه شعيب دائماً - عبداللَّه، المذكور!؟ ولو كان عبداللَّه راوياً عن الصادق(ع) بهذه الكثرة، كان خفاؤه على الشيخ بعيداً جدّاً.
وخامساً: أنّ عبداللَّه بن محمّد الأسديّ يروي عن شعيب بواسطة، كما في سند الحديث المشتمل على ضمان الجنّة لأبي بصير، على النقل المحكيّ عن الكشّيّ قال: «محمد بن مسعود قال: حدّثني أحمد بن منصور، عن أحمد بن الفضل، عن عبداللَّه بن محمّد الأسديّ، عن ابن أبي عمير، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير»(125) فكيف يروي عنه شعيب بلاواسطة!؟
وبالجملة، فهذا التوهّم لوضوح فساده لم نكن نحتمل صدوره عن جاهل فضلاً عن عالم.
ومنها: رواية عبداللَّه بن وضّاح عنه، كما نصّ عليه المولى عناية اللَّه‏(126).
وعن الخلاصة: «أنّه صاحَبَ أبي بصير يحيى بن القاسم كثيراً وعُرِف به»(127).
قلت: إسقاطه لفظة «أبي» بعد الابن منشؤه زعمه الاتّحاد، كما مرّ، فلا دلالة فيه على كون المرويّ عنه الأَزديّ، وبضمّ انصراف إطلاق أبي بصير عنه إلى الأسديّ يكون هو المتعيّن. ولو منع ذلك، فالتميّز عن المرادي حاصل.
ومنها: رواية عليّ بن أبي حمزة عنه؛ للتصريح به في بعض الأخبار، كما في الباب السادس من العيون‏(128)، ولأنّه قائده؛ لتصريح عناية اللَّه به.
ولايخفى أنّ التميّز بسببه لايزيد على عدمه إلّا كون ضعف السند اجتهاديّاً؛ لضعف عليّ بن أبي حمزة كذلك.
ومنها: رواية الحسن بن عليّ، المزبور عنه؛ لحكاية تصريح النجاشيّ بروايته عنه‏(129).
ومنها: رواية عاصم بن حميد عنه، كما مرّ.
ومنها: رواية الحسين بن أبي العلاء عنه؛ لما حكي من تصريح الفهرست بأنّه يروي عنه.
ومنها: رواية منصور بن حازم عنه: لرواية الكلينيّ في باب مَنْ طلّق ثلاثاً من طلاق الكافي هكذا: «عن منصور بن حازم عن أبي بصير الأسديّ»(130).
ومنها: رواية المعلّى بن عثمان عنه؛ لروايته في باب إصابة الدم الثوب هكذا: «عن المعلّى بن عثمان عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر(ع) وهو يصلّي، فقال لي قائدي: إنّ في ثوبه دماً»(131).
ومنها: رواية مثنّى الحنّاط عنه؛ لما حكي عن الكشّيّ من أنّه روى عن مثنّى الحنّاط عن أبي بصير قال: «دخلت على أبي جعفر(ع) قلت: تقدرون أن تحيوا الموتى وتُبرئوا الأكمه والأبرص؟ فقال لي: بإذن اللَّه، ثمّ قال: ادْنُ منّي، فمسح على وجهي وعلى عيني، فأبصرت السماء والأرض والبيوت...» الخبر(132).
قلت: مرّ عن المولى عناية اللَّه أنّ روايته تُعيّن المرادي، ففي التميّز به تأمّل.
ومنها: رواية يعقوب بن شعيب، السابقة، كما نصّ عليه المولى عناية اللَّه.
ومنها: رواية شهاب بن عبد ربّه ومحمّد بن حمران (عمران خ) على نقل المولى المذكور، وفي التميّز ببعض مَنْ ذكر هنا وفي المرويّ ما مرّ في التميّز بعليّ بن أبي حمزة؛ للاشتراك في الضعف، فلاحِظْ وتأمّل.

البحث الثالث: في عمر بن يزيد

وإجمال الكلام فيه في مطلبين:
(المطلب)الأوّل: المتحصَّل من ملاحظة جميع ما في كتب الرجال - على ما ذكره بعض أجلّاء العصر - أنّ لهذا الاسم عناوين خمسة:
عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، ذكره النجاشيّ‏(133).
وعمر بن يزيد الصَيْقل الكوفيّ، ذكره الشيخ في رجاله‏(134).
وعمر بن يزيد الثقفيّ، ذكره الشيخ في رجاله‏(135).
وعمر بن يزيد بيّاع السابريّ، ذكره الكشيّ‏(136) و الشيخ في رجاله‏(137).
وعمر بن محمد بن يزيد، ذكره النجاشي‏(138) والخلاصة(139).
وهل المسمّى متعدّد على عدد الأسماء أم لا؟ الظاهر لا.
فالأوّلان واحد ذُكر جدّه مرّة وترك أُخرى‏، وقيّد بالكوفيّ في عبارة وترك في أُخرى، وذلك لأنّ النجاشي ذكر ذلك في عنوان واحد، وكذا الشيخ في رجاله، إلّا أنّ الأوّل ذكر اسم جدّه والأخير قيّده بالكوفي، ولو كانا رجلين لذكراهما في عنوانين، ولذا جمعهما في منتهى المقال في عنوان واحد، فظاهره التسالم على الاتّحاد، وهو الذي يظهر من غيره أيضاً.
وأمّا الثلاثة الأخيرة فهي أيضاً لواحد مغاير للأوّل.
أمّا الاتّحاد: فلأنّ النجاشيّ والعلّامة في الخلاصة لم يذكرا إلّا عمر بن محمّد بن بُرَيد، وذكرا أنّه بيّاع السابريّ كوفيّ، والشيخ لم يذكر في رجاله هذا، بل ذكر عمر بن يزيد وقال: «إنّه بيّاع السابريّ كوفيّ» وكذا الحال في الكشّيّ، ولو كانا مغايرين لذكروهما في عنوانين كما هو دَيْدنهم، ولأنّ في الخلاصة في ترجمة عمر بن محمّد بن يزيد «أنّه أثنى عليه الصادق(ع)»(140).
والظاهر أنّه إشارة إلى ما أورده الكشّيّ في ترجمة عمر بن يزيد، وهو الخبر المشتمل على قوله(ع): «يابن يزيد أنت واللَّه منّا أهل البيت»(141).
وبالجملة، ليس ما يوهم التعدّد إلّا إسقاط الأب في رجال الشيخ ونسبته إلى جدّه، وهذا غير عزيز، فلاينبغي التأمّل في الاتّحاد.
وأمّا عمر بن يزيد الثقفيّ فهو أيضاً متّحد مع مَنْ ذُكر، وليس ما يوهم التعدّد إلّا التصريح بالثقفيّ في موضعٍ وتركه في آخَر، وهو أيضاً غير عزيز، مع أنّ في الكشّيّ ذكر قوله: «مولى ثقيف» بعد قوله: «عمر بن يزيد بيّاع السابريّ» وفي النجاشي والخلاصة ذكر ذلك بعد عمر بن محمّد بن يزيد.
فظاهر الجماعة الاتّحادُ، خصوصاً وهُمْ لم يجعلوا له عنواناً آخر مغايراً لعنوان بيّاع السابريّ.
وهذا الاتّحاد استظهره الميرزا(142)(ره).
وفي التعليقة: «هو في غاية الظهور»(143).
وممّا يوهم التعدّد أيضاً ذِكرُهُما في رجال الشيخ في عنوان، إلّا أنّ مثلَهُ مع الاتّحاد في كتابه غيرُ عزيز.
ومن ذلك كلّه ظهر بطلان توهّم التعدّد، كما يظهر من الوجيزة حيث قال: «عمر ابن يزيد بيّاع السابريّ ثقة، وهو عمر بن محمد بن يزيد، والباقون مجاهيل»(144).
كما أنّ منه يظهر بطلان توهّم اتّحاد الخمسة، كما يظهر من اقتصار الكشّيّ والفهرست والخلاصة على عنوان واحد، وممّا ذكره النجاشي‏(145) والعلّامة(146) في ترجمة أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل، فقد ذكرا بعد ذلك أنّ جدّه عمر ابن يزيد بيّاع السابريّ.
ويدفع الأخير باحتمال بل ظهور كون الصيقل فيها لقباً لأحمد، ولعلّه لهذا صرّح بأنّ جدّه بيّاع السابريّ؛ لئلاّ يتوهّم أنّه لقب لجدّه عمر، وإلّا كان مقتضى السياق أن يقول بعد الصيقل: بيّاع السابريّ.
وقد حكي الاستظهار المزبور عن الفاضل عبدالنبيّ‏(147) وغيره.
ويدفع الأوّل بل الأخير ذكر النجاشيّ‏(148) لهما عنوانين مع اختلاف ما بينهما، ففي بيّاع السابري توثيقه دون الصيقل وأنّ الأوّل من أصحاب الصادق والكاظم(ع)، والأخير من أصحاب الصادق(ع). ومثله الشيخ في رجاله‏(149)، وفيهما اختلاف آخر في الكتابين، وهو بيان أنّ الراوي عن الأوّل محمّد بن عذافر ومحمّد بن عبد الحميد، وعن الأخير محمّد بن زياد.
وبمثل ذلك صنع الكاظمي‏(150) بل أكثر المتأخّرين كالنقد(151) ومنتهى المقال‏(152) وغيرهما، فلا ينبغي التأمل في التعدّد.
وحاصل البحث أنّ المسمّى بهذا الاسم اثنان.
والمطلب الثاني: في الإشارة إلى حالهما مع ما يميّز أحدهما عن الآخر
فنقول: إنّ بيّاع السابريّ وثّقه النجاشي والشيخ في رجاله وكذا العلّامة والكاظميّ وغيرهم، وهو الذي يظهر من إيراد الكشيّ رواية الثناء في حقّه.
ويمكن استظهاره ممّا في كتاب الشهادات من الكافي‏(153) والتهذيب‏(154)، وهو الصحيح المروي عن حمّاد بن عثمان، عن عمر بن يزيد، قال: قلت لأبي عبداللَّه(ع): الرجل يُشهدني على الشهادة فأعرف خَطِّي وخاتمي و لا أذكر عن‏(155) الباقي قليلاً ولا كثيراً، قال: فقال لي: «إذا كان صاحبك ثقةً ومعك‏(156) رجل ثقة فاشهد له» وذلك لوضوح اعتبار العدالة في الشهادة في كلّ زمان.
ويستفاد من الخبر أنّه كان رجلاً معروفاً بعدالة يجعل شاهداً في الأُمور العظيمة، وأيضاً أمره الإمام(ع) بالشهادة مع ثقة آخر، فتدبّر.
وأمّا الصيقل فلم يوثّقه أحد، وإنّما حكاه ابن داود عن النجاشيّ، وقد عرفت أنّه غير مطابق للواقع، ولذا لم ينقله غيره عنه.
ولا يبعد أن يكون الوجه فيه توهّمه الاتّحاد كغيره، وقد عرفت خلافه.
نعم، ربّما يستفاد التوثيق من كون الراوي عنه محمّد بن زياد، بناءً على كونه ابن أبي عمير، كما استظهره في التعليقة(157)، وسهل الخطب بسببه. وهذا بناءً على ما قيل في حقّ ابن أبي عمير من أنّه لا يروي إلّا عن ثقة.
ولعلّ إليه نظر المدارك وجماعة - على ما حكاه بعض الأجلّاء - من حكمهم بصحّة الحديث‏الذي في سنده عمر بن يزيد مع عدم المميّزات، وذكر منه المرويّ في باب العمل في ليلة الجمعة ويومها من زيادات التهذيب عن ربعي عن عمر بن يزيد عن أبي عبداللَّه(ع)، قال: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة»(158).
لكنّ الجميع كما ترى، والمميّز لبيّاع السابريّ موجود في الرواية، وهو رواية ربعي عنه، فقد نصّ الكاظميّ على أنّه يروي عنه قال: «يعرف أنّه ابن يزيد بيّاع السابريّ الثقة برواية الحسين بن عمرو بن يزيد عنه، ورواية محمّد بن عذافر عنه، وعليّ الصيرفي، ومحمّد بن يونس، والحسن بن عطيّة، والحسن بن السريّ، وربعي ابن عبداللَّه، و عمر بن أُذينة، (ومحمد بن خالد البرقي)(159) وحريز، وهشام بن الحكم، ودرست بن أبي منصور، وحماد بن عثمان، ومحمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، (وجعفر بن بشير)(160) وأبان بن عثمان، ومعاوية بن عمّار، والحسن بن محبوب، ومعاوية بن وهب»(161).
قلت: ولك أن تقول: إنّ تصحيح الجماعة لانصراف الإطلاق إلى الثقة، لكونه أشهر، كما يشعر به كثرة الرواة عنه كما سمعت، دون الصيقل، فإنّ الراوي عنه - كما يظهر من النجاشيّ، وصرّح به الكاظميّ‏(162)، وأشار إليه في التعليقة(163) وغير ذلك - هو محمّد بن زياد، ولم يذكروا غيره.
ومنه يظهر أنّه لا افتقار إلى التميّز مع الإطلاق، لكنّه كما ترى، فإنّ كثرة الرواة لا تلازم الاشتهار، وكذا لم يُشِر إليه أحد فيما أَعلم.
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذُكر تميّز أحدهما عن الآخر بالراوي عنهما، كما أنّه ظهر ممّا مرّ التميّز بالمرويّ عنه أيضاً حيث كانت الرواية عن مولانا الكاظم(ع)؛ لاختصاص الثقة بالرواية عنه، وإنّما الاشتراك الموجب للضعف فيما إذا كانت الرواية عن مولانا الصادق(ع) مع فقد التميّز بالراوي ونحوه.
ويظهر من مشيخة الصدوق أنّ من الرواة عن الثقة محمّد بن عبّاس، فلاحِظْ وتأمّل.

1 . رجال الشيخ، ص 496، الرقم 30.
2 . في «الرواشح السماوية»: «الحسين» بدل «الحسن».
3 . الرواشح السماوية، ص 71 و 72.
4 . منتهى المقال، ج 5، ص 356، الرقم 2492.
5 . هداية المحدّثين، ص 228.
6 . منتهى المقال، ج 1، ص 367، الرقم 2492.
7 . هداية المحدّثين، ص 228.
8 . مدارك الأحكام، ج 3، ص 380، قال: «وفي الطريق محمد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان، وهو مشترك بين جماعة منهم الضعيف، ولا قرينة على تعيينه».
9 . رجال ابن داود، ص 555.
10 . الرواشح السماوية، ص 71.
11 . الوافي، ج 1، ص 19 (المقدّمة الثانية).
12 . الرواشح السماوية، ص 72.
13 . رجال الكشّيّ، ص 565، الرقم 1066.
14 . الإرشاد، ج 2، ص 295
15 . رجال النجاشي، ص 377، الرقم 1026
16 . الفهرست، ص 135، الرقم 591
17 . الكافي، ج 1، ص 7، (خطبة الكتاب).
18 . الكافي، ج 1، ص 95، ح 1.
19 . الكافي، ج 1، ص 103، ح 10.
20 . رجال الكشّي، ص 565، الرقم 1066.
21 . رجال الكشّيّ، ص 564 و 565، الرقم 1065 و 1066.
22 . هداية المحدّثين، ص 227.
23 . الكافي، ج 1، ص 288، ذيل ح 6.
24 . الكافي، ج 3، ص 320، ح 5.
25 . لفظة «عن» ساقطة في «الكافي».
26 . الكافي، ج 5، ص 248، ح 15.
27 . الكافي، ج 8، ص 2، ح 1.
28 . في الأصل: «من أنّ »، وما أثبتناه يقتضيه السياق.
29 . حكاه عنه النجاشي في رجاله، ص 341، الرقم 915.
30 . الكافي، ج 1، ص 125، ح 1.
31 . الكافي، ج 1، ص 78، ح 3.
32 . رجال الشيخ، ص 208، الرقم 97.
33 . رجال النجاشي، ص 345، الرقم 933.
34 . اُنظر: المصدر السابق.
35 . الكافي، ج 1، ص 165، ح 1.
36 . الرواشح السماوية، ص 70.
37 . منتقى الجمان، ج 1، ص 45.
38 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 284.
39 . خلاصة الأقوال: ص 264، الرقم 3.
40 . مجمع الرجال، ج 6، ص 263.
41 . في المصدر: «الصادقين».
42 . مجمع الرجال، ج 7، ص 11.
43 . رجال الشيخ، ص 129، الرقم 26.
44 . خلاصة الأقوال: ص 265، الرقم 1.
45 . مجمع الرجال، ج 5، ص 149 (التعليقة) 1، وج 6، ص 279، (التعليقة 1).
46 . منتهى المقال، ج 7، ص 121، الرقم 3371.
47 . رجال الكشي، ص 174، الرقم 299.
48 . خلاصة الأقوال، ص 110، الرقم 37 .
49 . مجمع الرجال، ج 4، ص 59.
50 . رجال الكشّي، ص 170، الرقم 286 و ص 238، الرقم 431.
51 . خلاصة الأقوال، ص 136 و 137، الرقم 2، نقل هذا القول عن ابن الغضائري.
52 . هداية المحدّثين، ص 136.
53 . رجال الطوسي، ص 140، الرقم 2.
54 . رجال الطوسي، ص 140، الرقم 3 و 17، قال: «يحيى بن القاسم الحذّاء» دون أن يصفه بالواقفي، ثمّ ذكر بعد فاصلة: «يوسف بن الحارث» وأنّه بتريّ يكنّى أبا بصير.
55 . رجال الكشي، ص 474، الرقم 901.
56 . رجال الطوسي، ص 333، الرقم 9.
57 . نقله عنه في: منتهى المقال، ج 7، ص 37.
58 . أحدها: تكرّر الذكر. ثانيها: ظهور العطف. ثالثها: ذكر «أبي» في أحدهما دون الآخر. رابعها: ذكر أبي بصير في الأوّل دون الثاني. خامسها: العدول عن الإتيان بالضمير الراجع إلى المذكور بعد قوله: حمدويه. (منه عُفِي عنه)
59 . كمال الدين وتمام النعمة، ص 101.
60 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 371.
61 . الإرشاد، ج 2، ص 247.
62 . تهذيب الأحكام، ج 6، ص 83 (باب نسب أبي الحسن الرضا)(ع).
63 . كذا في الأصل.
64 . رجال الكشّي، ص 476، الرقم 903.
65 . رجال الطوسي، ص 364، الرقم 16.
66 . رجال الكشي، ص 476، الرقم 904.
67 . خلاصة الأقوال، ص 264، الرقم 3.
68 . رجال الكشّي، ص 476، الرقم 903.
69 . أي: مناقشة اُخرى.
70 . رجال ابن داود، ص 441، الرقم 1187.
71 . رجال ابن داود، ص 526، الرقم 537.
72 . رجال ابن داود، ص 376، الرقم 1680.
73 . رجال الشيخ، ص 129، الرقم 26.
74 . رجال الكشي، ص 474، الرقم 901.
75 . هو المولى المحقق محمد باقر بن محمد مؤمن السبزواري، المتوفّى سنة 1090 صاحب ذخيرة المعاد في شرح الارشاد.
76 . مجمع الرجال، ج 5، ص 149.
77 . رجال النجاشيّ، ص 441، الرقم 1187.
78 . رجال الكشّي، ص 238، الرقم 431.
79 . رجال الكشّي، ص 171، الرقم 291.
80 . رجال الكشّي، ص 171، الرقم 289.
81 . رجال الكشّي، ص 174، الرقم 298.
82 . لم نعثر عليه.
83 . منها ما ورد في: تهذيب الأحكام، ج 10، ص 25.
84 . رجال الكشّي، ص 172، الرقم 292.
85 . رجال الكشّي، ص 173، الرقم 297.
86 . رجال الكشّي، ص 172، الرقم 294.
87 . رجال الكشّي، ص 169، الرقم 285.
88 . رجال الكشّي، ص 173، الرقم 296.
89 . مجمع الفائدة والبرهان، ج 11، ص 311.
90 . مسالك الأفهام، ج 8، ص 50.
91 . مسالك الأفهام، ج 13، ص 71.
92 . مدارك الأحكام، ج 3، ص 259.
93 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 384.
94 . الوجيزة للمجلسي، ص 121.
95 . منتهى المقال، ج 7، ص 43.
96 . رجال الكشّي، ص 238، الرقم 431.
97 . مجمع الرجال، ج 7، ص 11.
98 . نقد الرجال، ص 278.
99 . مجمع الرجال، ج 7، ص 11.
100 . هداية المحدّثين، ص 136.
101 . اُنظر: منتهى المقال، ج 7، ص 120 (الهامش 8).
102 . رجال النجاشي، ص 321، الرقم 876.
103 . هداية المحدّثين، ص 272.
104 . مجمع الرجال، ج 5، ص 87.
105 . هداية المحدّثين، ص 136؛ مجمع الرجال، ج 5، ص 87 .
106 . مجمع الرجال، ج 5، ص 85.
107 . رجال الكشّي، ص 40، الرقم 84.
108 . مجمع الرجال، ج 7، ص 203.
109 . هداية المحدّثين، ص 6.
110 . روضة المتّقين، ج 14، ص 310.
111 . المصدر السابق، ص 309.
112 . المصدر السابق، ص 311.
113 . قوله: «ففاسد» جواب لقوله :«وأمّا ما حُكي ... .».
114 . منهج المقال، ص 146.
115 . تهذيب الأحكام، ج 1، ص 404، ح 1267.
116 . الفقيه، ج 2، ص 81، ح 361.
117 . مجمع الرجال، ج 5، ص 84.
118 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 371.
119 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 371.
120 . رجال النجاشيّ، ص 195، الرقم 520.
121 . خلاصة الأقوال، ص 86، الرقم 1 من الفصل 13.
122 . رجال ابن داوُد، ص 109، الرقم 758.
123 . منتهى المقال، ج 3، ص 443، الرقم 1429.
124 . رجال الشيخ، ص 129، الرقم 26.
125 . رجال الكشيّ، ص 171، الرقم 289.
126 . مجمع الرجال، ج 4، ص 59.
127 . خلاصة الأقوال، ص 110، الرقم 37.
128 . عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 59، ح 28.
129 . رجال النجاشي، ص 36، الرقم 73.
130 . الكافي، ج 6، ص 71.
131 . الكافي، ج 3، ص 58، ح 1.
132 . رجال الكشّي، ص 174، الرقم 298.
133 . رجال النجاشي، ص 286، الرقم 763.
134 . رجال الشيخ، ص 251، الرقم 458.
135 . رجال الشيخ، ص 749، الرقم 125.
136 . رجال الكشّي، ص 331، الرقم 605.
137 . رجال الشيخ، ص 251، الرقم 450.
138 . رجال النجاشي، ص 749، الرقم 125.
139 . خلاصة الأقوال، ص 119، الرقم 1.
140 . خلاصة الأقوال، ص 119، الرقم 1.
141 . رجال الكشّي، ص 331، الرقم 605.
142 . منهج المقال، ص 252، قال: «والظاهر عندي الاتّحاد».
143 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 252.
144 . الوجيزة للمجلسي، ص 78.
145 . رجال النجاشي، ص 83، الرقم 200.
146 . خلاصة الأقوال، ص 19، الرقم 41.
147 . حاوي الأقوال، ج 1، ص 172، الرقم 60.
148 . رجال النجاشي، ص 83، الرقم 200، و ص 286، الرقم 763.
149 . رجال الشيخ، ص 351، الرقم 450، و ص 253، الرقم 486 و ص 351، الرقم 457.
150 . هداية المحدّثين، ص 221.
151 . نقد الرجال، ص 21، و 256.
152 . منتهى المقال، ج 5، ص 144 و 145، الرقم 2217 و 2218.
153 . الكافي، ج 7، ص 382، (باب الرجل ينسى الشهادة،... ح 1).
154 . تهذيب الأحكام، ج 6، ص 258، ح 681 من باب البيّنات.
155 . في المصدر: «من».
156 . في المصدر: «ومعه».
157 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 252.
158 . تهذيب الأحكام، ج 3، ص 245، ح 664.
159 . ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، و أثبتناه من المصدر.
160 . ما بين المعقوفين ساقط في الأصل، و أثبتناه من المصدر.
161 . هداية المحدّثين، ص 221.
162 . هداية المحدّثين، ص 221.
163 . تعليقة الوحيد البهبهاني، ص 252.

الصفحة السابقة

توضيحُ المَقال في عِلمِ الرِّجال

طباعة

الصفحة اللاحقة