الباب الثالث: فيما يتعلّق بمعرفة صفات وأحوال رجال السند
وهي أيضاً - كما مرّ من جملة ما وُضِع لأجله هذا العلم.
ولا يخفى أنّ البحث في ذلك من جهة استفادة تشخيص صفات الرواة من هذا العلم، فيكون من مسائله. وبحث الأُصولي عنه استطراد مع إمكان جعله من مسائله بتكلّف.
وأمّا البحث عن الافتقار وعدمه فله جهتان بإحداهما من مقدّمة هذا العلم، وبالأُخرى من مسائل الاُصول، فتدبّر.
وفي هذا الباب أيضاً فصول:
سواء بلغ حدّ التوثيق بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ، ولنقتصر في هذا المختصر على ما ينبغي التعرّض له ولو لاختلافهم في مفادها:
فاعلم أنّ ألفاظ المدح على أقسام:
منها: ما يستفاد منه مدح الراوي وحسن حاله مطابقةً، وحسن روايته بالالتزام، ك'«عدل» و «ثقة» و «خيّر» و «دَيّن» ونحو ذلك.
ومنها: ما بالعكس، ك' «صحيح الحديث» و «ثقة في الحديث عند بعض» و«صدوق» و «شيخ الإجازة» و «أُجمع على تصديقه أو على تصحيح ما يصحّ عنه» وهكذا.
وكلٌّ منهما إمّا يبلغ المدح المستفاد منه حدّ التوثيق أم لا. ثمّ كلّ منها إمّا يكون فيهما يدلّ علىالاعتقاد الحقّ أو خلافهأم لا.فهذهاثنا عشر قسماً،ويزيد بضمّ بعض الأُمور إليه بأن يكون مع ما ذُكر له دَخْلٌ في قوّة المتن ك' «فقيه» و «رئيس العلماء» و«فهيم» و «حافظ» و «له ذهن وقّاد وطبع نقّاد» وهكذا، أو لا يكون كذلك.
وكذا بتعميم المدح إلى ما ليس له دَخْلٌ لا في السند ولا في المتن، ك' «قارئ» و«منشئ» و «شاعر».
ونحن نذكر من الجميع بعضها:
فمنها: قولهم: «فلان عدل، ضابط، إماميّ» وهذا لا خلاف في إفادته التوثيق المترتَّب عليه التصحيح بالاصطلاح المتأخّر وإن أمكن استشكاله إذا كان القائل من غيرنا، كابن عقدة وابن فضّال، إلّا أنّه ضعيف؛ لظهور الإماميّ في الاثني عشري، كضعف الاستشكال باختلاف المذاهب حتّى من أصحابنا في معنى العدالة، بل والكاشف عنها، وقد بيّنّاه في المقدّمة.
وإذا اقتصر على الألفاظ المزبورة أو اثنين منها، فإن كان أحدَ الأخيرين أوهُما، فلا ريب في عدم إفادته المدح البالغ حدّ التوثيق، بل ولا مطلقه.
وإن كان الأوّلَ أو مع أحد الأخيرين، فيحتمل الاقتصار على مؤدّى الموجود.
ويحتمل استفادة مفاد غير الموجود أيضاً منه أو من الخارج الصرف.
فالأوّل إمّا من جهة ظهوره عند الإطلاق في ذلك؛ لانصرافه إلى الفرد الكامل، أو لأنّ القائل إذا شهد به، فظاهره بيان أنّه ممّن يترتّب على قوله ما يترتّب على قول البيّنة إذا انضمّ إلى مثله، وعلى الشاهد مع عدمه، بل إنّه ممّن يثبت له جميع آثار العدالة، خصوصاً في علم الرجال الموضوع لتشخيص مَنْ يؤخذ بقوله ولو مع فقد قرائن اُخر للاعتبار.
ولعلّه لذا يُكتفى بخصوص الأوّل في التزكية في مقام المرافعات، بل التقليد مع اعتبار مفاد الأخيرين فيهما أيضاً.
والثاني إمّا للبناء على الغلبة خصوصاً في الرواة لاسيّما في العدول منهم؛ لوضوح أنّ الغالب فيهم الضبط والإماميّة، ولا ريب في إفادتها الظنّ بهما في مجهول الأمرين، ومرّ أنّه المعتبر في المقام، مضافاً إلى إفادة اعتباره بالنسبة إلى ذلك في غير المقام إفادته فيه بالأولويّة. وإمّا للبناء في الضبط على أصالة بقاء التذكّر والعلم بالمعنى المنافي للنسيان، لا بمعنى التذكّر الفعلي حتّى يكون متعذّراً أو متعسّراً. ومثلها أصالة عدم الكثرة المنافية للقبول، ولا ريب أنّ الظنّ مع الأصل الأخير إن لم يكن مع الأوّل، فلا ينافي اعتباره في المقام عدم البناء على التعبّديّة في الأُصول في مثل هذه الموضوعات، ولأنّ المعتبر فيه الظنّ دون ما فيه في مرتبة العلم من أصل أو غيره من دعوى انسداد العلم والعلمي، مع اندفاع الأخير بأنّ ما مرّ دعوى انسداد ما يكتفى به عن الظنّ لامطلقاً، فلا يضرّ الانفتاح في الجملة، وفي الإمامية على الأصالة المستفادة من ولادة كلّ شخص على الفطرة، الظاهرة في التامّة في الحقّ ولو لانصرافها إليها، أو على ما ذُكر في أوائل كثير من الكتب الرجالية، ككتاب النجاشيّ والفهرست ورجال ابن شهر آشوب، فإنّها وُضعت لذكر رجال الشيعة.
وقد حكي عن الحاوي أنّه قال: «اعلم أنّ إطلاق الأصحاب لذكر الرجل يقتضي كونه إماميّاً، فلا يحتاج إلى التقييد بكونه من أصحابنا، ولو صرّح (به)(1) كان تصريحاً بما علم من العادة»(2).
وعن رواشح السيّد الداماد(ره): «أنّ عدم ذكر النجاشيّ كون الرجل عامّيّاً في ترجمته يدلّ على عدم كونه عامّيّاً عنده»(3).
وفي منتهى المقال في ترجمة عبدالسلام الهرويّ: «أنّ الشيخ محمّد(ره) قال في جملة كلام له: ذكرنا في بعض ما كتبنا على التهذيب أنّ عدم نقل النجاشيّ كونه عامّيّاً يدلّ على نفيه»(4).
قلت: لاينبغي التأمّل في ذلك إذا كان النظر إلى كتاب رجاله؛ لما مرّ، بل ولا يختصّ به؛ لما سمعت.
وهل يستفاد ذلك من قولهم:«من أصحابنا»؟ الظاهر ذلك عند الإطلاق.
وربّما يظهر من عباراتهم خلافه، كما في ترجمة عبداللَّه بن جبلة ومعاوية بن حكيم.
وقد صرّح الشيخ(ره) في أوّل الفهرست «كثير من مصنّفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة»(5). وقد نصّ على ذلك المولى البهبهانيّ في فوائده الرجاليّة(6).
وقد ظهر من ذلك كلّه أنّ الاحتمال الأخير هو الأقوى، ويقوّيه ما يأتي في الاكتفاء بقولهم: «ثقة» في ثبوت العدالة والإمامية أو مع الضبط أيضاً؛ لأنّ قولهم: «عدل» إمّا مثله أو أقوى.
وفي فوائد منتهى المقال: «فكما أنّ (عادل) ظاهر فيهم فكذا ثقة:»(7).
ويؤيّده أيضاً أنّهم يَصِفون الخبر بالحَسَن إذا مُدِح رواتُه بما لايبلغ الوثاقة، مع اعتبار الضبط والإماميّة في العمل به، بل في مفهومه أيضاً، وكذا في الموثّق بالنسبة إلى الضبط، وأقوى تأييداً لاستفادة الضبط - بعد البناء على اعتباره - أنّهم قَلَّما يذكرونه (في) حقّ الرجال على ما وقفنا عليه، فتدبّر.
ومنها: قولهم: «ثقة» فقد حكي عن جماعة من المحقّقين أنّه «إذا قال النجاشي: ثقة، ولم يتعرّض لفساد المذهب، فظاهره أنّه عدل إمامي؛ لأنّ دَيْدنه التعرّض للفساد، فعدمه ظاهرٌ في عدم ظفره، وهو ظاهر في عدمه؛ لبُعد وجوده مع عدم ظفره، لشدّة بذل جهده وزيادة معرفته»(8).
وفي الفوائد المشار إليها - بعد حكاية ما ذُكر -: «لايخفى أنّ الَروِيَّة المتعارفة المسَلَّمة أنّه إذا قال: عدل - النجاشيّ كان أو غيره: ثقة، الحكم بمجرّده بكونه عدلاً إماميّاً - كما هو ظاهر - إمّا لما ذُكر، أو لأنّ الظاهر التشيّع، والظاهر من الشيعة حُسن العقيدة،أو لأنّهم وجدوا أنّهم اصطلحوا ذلك في الإماميّة وإن أطلقوا على غيرهم مع القرينة، فإنّ معنى «ثقة» عادل ثَبْتٌ، فكما أنّ «عادل» ظاهر فيهم فكذا ثقة، أو لأنّ المطلق ينصرف إلى الكامل أو لغير ذلك»(9) انتهى.
قلت: المستفاد من أخير كلامه استفادة الضبط الذي يرادف الثبت وضعاً أو استعمالاً أو إرادةً أو يقرب منه من اللفظ المزبور، وهو الظاهر من الفصول(10)، بل من جملة ممّن عاصرناهم من المشايخ.
ويؤيّده جريان ما استندوا إليه في استفادة الإماميّة في استفادة الضبط وزيادة عرفتها في اللفظة السابقة، ولذا تراهم يصحّحون السند إذا كان رجاله ممّن قيل في حقّه: ثقة، بل الغالب في الرجال إطلاق هذه اللفظة دون «عدل» أو «عادل».
وقد عرفت أنّ المعروف المدّعى عليه الإجماع اعتبارُ الضبط، فعملهم مع بنائهم على اشتراط الضبط أقوى شاهدٍ على استفادة الضبط من هذه اللفظة، إلّا أن يقال: استفادته من الخارج صرفاً كالأصل والغلبة على ما مرّ.
لكن لايبعد أن يقال: إنّ هذا الاحتمال وإن لم يكن بعيداً في اللفظة السابقة إلّا أنّه بعيد في المقام؛ لظهور الوثوق بشخص لغةً وعرفاً في الائتمان والاعتماد عليه.
ففي المصباح المنير: «وثق الشيء - بالضمّ - وثاقة: قَوِي وثبت، فهو وثيق ثابت محكم، وأوثقتُه: جعلتُه وثيقاً، و وثقت به أثِق بكسرهما ثقةً ووثوقاً: ائتمنته،وهو وهي وهُمْ ثقة؛ لأنّه مصدر. وقد يجمع في الذكور والإناث، فيقال: ثقات، كما قيل: عدات»(11).
وفي القاموس: «وثق به - كوَرِثَ - ثقة ومَوْثِقاً: ائتمنه»(12).
قلت: وفي العرف كذلك، مع أنّ الأصل عدم النقل، وعلى فرضه إلى ما يقرب من المعنى اللغوي؛ للغلبة في النقل، وللتنافر في قولهم: «فلان ثقة كثير النسيان» ما ليس في قولهم: «فلان ثقة فطحيّ أو واقفيّ» ويقال كثيراً: «فلان نصرانيّ ثقة» ولا يقال: «ثقة كثير النسيان».
وبالجملة، فالظاهر الاكتفاء باللفظ المزبور في تصحيح الخبر بالاصطلاح المتأخّر إذا لم يثبت كون الرجل من غير الإماميّة.
ولكن هنا أُمور:
أحدها: أنّه هل يُعتبر كون القائل لهذا اللفظ إماميّاً كما يعتبر كونه عادلاً أم لا؟
والظاهر جريان هذا البحث في اللفظ السابق أيضاً على ما قرّرناه من استفادة الإماميّة منه أو معه بل على عدمها أيضاً؛ إذ منشؤ الإشكال وجهان:
أحدهما: أنّ غير الإماميّ إذا أطلق الثقة على شخص فهل يستفاد منه كونه إماميّاً بالمعنى الأخصّ وهو الاثني عشريّ، أو بالمعنى الموافق لمذهب القائل، أو بالمعنى الأعمّ؟
وثانيهما: أنّه هل يستفاد منه العدالة الخاصّة بمذهبنا أو بمذهبه أو بالمعنى الأعمّ؟ فبالنسبة إلى الأخير لافرق بين اللفظين ولو على عدم استفادة الإماميّة من أوّلهما.
وكيف كان فالوجه عدم الاختصاص، فلا يعتبر في القائل الإماميّة الخاصّة.
أمّا بالنسبة إلى الإشكال الأوّل؛ فلعموم أكثر الوجوه المذكورة في استفادة الإماميّة من اللفظين المزبورين ولو مع قرينة خارجيّة، أو من الخارج الصرف.
وأمّا بالنسبة إلى الثاني؛ فلأنّ أصل المعنى المعبّر عنه بالعدالة والوثوق - الموجب للركون إلى قول صاحبه والاعتماد عليه - هو معنى عامّ لا يختصّ بدين دون دين، ولا بمذهب دون مذهب، فإنّه عبارة عن التزام العبد بمهمّات ما في دينه ومعظمات ما في مذهبه، أو عن حالة ذلك فيه، وإنّما الاختلاف فيما في الدين والمذهب.
وتقييد العدالة بكونها في المذهب في كلام مَنْ أثبتها لمن يخالفه فيه - كما نذكر ذلك بالنسبة إلى مَنْ خالفنا، ولعلّهم يذكرونه أيضاً بالنسبة إلينا، بخلاف إثباتنا للموافق لنا فيه - إنّما هو من باب الإتيان بما يصرف الظهور الناشئ من الإطلاق، الموجب للاختصاص ببعض أفراد المطلق، كقولك: ائتني بإنسانٍ أيَّ إنسان كان.
وقد نترك القيد إمّا لإنكار الظهور المزبور أو لعدم قوّته أو للاتّكال على أمر خارج. ومن هنا أطلق النجاشيّ بل غيره عدالةَ كثيرٍ ممّن خالفنا.
ولا يخفى أنّه قد يكون أحد المذاهب أظهر وأجلى ولو لكثرة أهله وانتشارهم، فالإطلاق يوجب الصرف إلى العدالة في ذلك المذهب وإن كان المُطلِق من غير أهله، خصوصاً إذا كان كثير الاختلاط والصحبة معهم، لاسيّما إذا كان مرجِعاً لهم يأخذون منه التعديل والتضعيف، وخاصّةً حيث كان السائل منه عن حال شخص منهم، فإنّه لاينبغي الريب حينئذٍ في ظهور إطلاقه في العدالة على مذهب السائل.
وقد مرّ عن التعليقة حكاية ركون الأصحاب إلى توثيق وتضعيف ابن فضّال وابن عُقدة، بل أخذ الجميع منه، مع ظهور أنّهم لايحملونهما على مذهبيهما، فظهر أنّهم حملوهما على ما في مذهبنا أو على الإطلاق، ولعلّه الأظهر.
ولا ينافيه إثبات العدالة في مذهبنا بذلك؛ لتحمّل الإطلاق لذلك، بل قد عرفت أنّ التغاير بأمر خارج لا توجب خصوصيّاته تعدّد الأفراد، فتأمّل جيّداً، فإنّه متين نافع في دفع جملة من الشبهات من غير حاجة إلى ما في الفوائد المشار إليها في دفع الإشكال الآتي من دعوى ظهور اتّحاد سبب الجرح والتعديل في المذهبين سوى الاعتقاد بإمامة إمام، فإنّه - كما ترى - غير ما أشرنا إليه، كما لا يخفى.
والأمر الثاني: أنّهم كثيراً مّا يطلقون اللفظين في حقّ شخص، ثمّ يصرّحون متّصلاً به أو منفصلاً - وكذا يصرّح غيرهم - بأنّه فطحيّ أو واقفيّ أو ناووسيّ، فلو كان فيهما الدلالة على الإماميّة، كان بين التصريحين تنافٍ وتناقض، وليس البناء عليه، بل على الجمع بينهما، إلّا أن يرجّح الأوّل بمرجّحٍ خارجي.
وبالجملة، كان مقتضى التناقض التزام الترجيح مطلقاً، لاتقديم الأخير على الأوّل، فهذا كاشفٌ آخر عن عدم دلالة اللفظين على الإماميّة.
ويدفع: بأنّا على فرض البناء على استفادة الإماميّة من نفس اللفظين أو مع القرينة لم نَدَّعِ صراحتهما في ذلك حتّى يلزم ما ذُكر، بل المدّعى ظهورهما فيه، ولا ريب أنّه يخرج عن الظهور بالتصريح بالخلاف إذا لم يكن موهوناً في نفسه أو بأمرٍ خارج، ولم يكن الظهور معتضداً بما لايقاومه التصريح المذكور، فإنّ الجمع بين إطلاق توثيق شخص ورمي الآخر للموثّق بالفطحيّة ونحوها ليس من الجمع بين المطلق والمقيّد تعبّداً أو ما يقرب منه، بل للظهور النوعيّ الذي يُقدَّم عليه الظهور الشخصيّ على البناء على اعتبار الظنّ، كما هنا وفي باب الألفاظ، والموثِّق لعلّه لم يقف على ما ذكره المضعِّف أو اكتفى بظهور حال المضعَّف أو بقرينة أُخرى خارجيّة، فلا نقول بمسامحته ولا تقصيره ولا خطئه مع أنّه لايوجب خطأه في أصل مدلول اللفظ، وهو العدالة المطلقة.
وما في الفوائد المشار إليها في الإيراد على الجمع المزبور من أنّ المعدّل ادّعى كونه عادلاً في مذهبنا، فإذا ظهر كذبه، فالعدالة في مذهبه من أين؟(13). يظهر دفعه بملاحظة ما قدّمناه في معنى العدالة، ويأتي إن شاء اللَّه تعالى في الفصل الثالث الإشارةُ إلى بعض أسباب الظنّ الشخصيّ.
والأمر الثالث: أنّه إذا كان الجرح في حقّ مَنْ قيل في حقّه: عدل، أو ثقة، من غير أصحابنا، كجرح ابن فضّال لأبان برميه بالناووسيّة، سواء كان في الاعتقاد، كما مرّ،أو في الجوارح، فهل يُقبل مطلقاً، أو لا كذلك، أو يبنى على حصول الظنّ الشخصيّ إن كان في أحد الجانبين، وإلّا فالنوعيّ؟ الأظهر: الأخير؛ لأنّه إذا كان عدلاً أخبر عن أمر، فالقاعدة قبول قوله، سواء أخبر عن مثل ما فيه في غيره أو غيره، ويلاحظ بعد ذلك ما هو المقرَّر في تعارض الجرح والتعديل بالإطلاق والتقييد إذا جرح بالاعتقاد خاصّةً، وبالتباين إذا جرح بغيره، فدفعهم رمي ابن فضّال عن أبان إن كان لحصول الظنّ بالخلاف أو وهنه بأمرٍ آخر، فذاك، وإلّا فهو كما ترى.
(و)الأمر الرابع: أنّه(14) بعد ما مرّ من ظهور «ثقة» في العدالة والإماميّة أو مع الضبط أيضاً، فلو أتى قائلها أو غيره - ممّن يقدّم قوله على قول القائل المزبور، أو يعارض بقوله قوله - بما فيه نفي أحد الأمرين أو الاُمور المستظهرة من اللفظ المزبور، فهل يبقى على ظهوره في غير المنفيّ بحيث يستند إليه في الباقي خاصّةً جمعاً بين القولين، أم لا، أو يفصّل بين ما ينفي الأوّل فالأخير، أو غيره فالأوّل؟ كلٌمحتمل وإن كان الأظهر الأوّل.
أمّا على استفادة الضبط والإماميّة من الخارج: فواضح؛ إذ ليس في نفي أحدهما ما يلازم نفي الآخر أو العدالة.
وأمّا على الوجه الآخر: فلأنّ نفي مفاد أحد مداليل لفظٍ لايلازم نفي غيره، إن هو إلّا كعامٍّ خُصَّ أو مطلقٍ قُيِّد، ولذا لو نفى نافٍ فقاهةَ شخص أو كلاميّته، لم يخرج به عن ظهور قولهم: «علّامة» في حقّه في كونه عالماً بعلمٍ آخر ممّا اصطلح لفظ «العلاّمة» فيه.
ومن هنا لو ثبت أنّ مَنْ أخبرنا بكونه صبّاغاً أو نجّاراً أو بنّاءً أو غير ذلك لايعلم بعض ما هو من صنعته من عملٍ خاصّ، لم يكذب المخبر المذكور أصلاً ورأساً، بل الأمر في المقام أظهر؛ لعدم ارتباط بعض الاُمور المزبورة ببعض، كارتباط الأعمال الخاصّة المعتبرة في كلّ صنعة من الصنائع المشار إليها.
ومن هنا لو نفى نافٍ في المثال كونه صائغاً أو نجّاراً، لم نحكم بأنّ المنفيّ هو مجموع معرفته بالأعمال الخاصّة المتداولة في صنعته من حيث المجموع لاجميعها، بل نحكم بنفي الجميع وأن ليس له هذه الصنعة أصلاً، بخلاف المقام.
فلو صرّح غيره أو هو بنفسه بأنّه ليس بثقة لم نحكم بنفي كلٍّ من الاُمور المزبورة في حقّه، بل إمّا نحكم بانتفاء أحدها لا على التعيين، وتبقى الثمرة بينه وبين نفي الجميع فيما لو صرّح ثالث بوجود أحد الاُمور المذكورة، فيتعارض على الأخير، بخلاف الأوّل، أو نحكم بانتفاء العدالة خاصّةً، وهو الأظهر، إمّا لأنّها لمّا كانت أظهر استفادةً من إثباتها فكذلك في نفيها، كما هو المقرّر في غير ذلك من الألفاظ، أو لخصوصيّة في تسليط النفي عليها، فإنّه المتبادر من إطلاق ذلك.
ولاينافي الأوّل ما نقلناه عن أهل اللغة من ظهورها في الثبت والضبط، ولازمه نفيه في النفي؛ إذ العرف بخلافها في هذا الظهور.
(و)الأمر الخامس: أنّ قولهم: «ثقة في الحديث» أو «في الرواية» هل هو مثل قولهم: «ثقة» فيما مرّ أم لا؟ الظاهر أنّه كذلك في استفادة الضبط والإماميّة، بل لعلّه بالنسبة إلى الأوّل أظهر.
وأمّا في استفادة العدالة بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ فلا يخلو من نوع خفاء؛ لظهور التقييد في اختصاص وثاقته بالرواية، ولعلّ المستفاد منه كونه متحرّزاً عن الكذب، وهو الذي نقل عن الشيخ(ره) كفايته في حجّيّة الخبر، بل وزيادة اهتمامه في الرواية بأخذها عمّن يوثق به وغير ذلك ممّا مرجعه الوثوق بالرواية.
لكن ذكر المولى البهبهاني(ره) في فوائده الرجاليّة: «أنّ المتعارف المشهور أنّه تعديل وتوثيق للراوي نفسه»(15).
قال: «ولعلّ منشأه الاتّفاق على ثبوت العدالة، وإنّه يذكر لأجل الاعتماد على قياس ما ذكرنا في التوثيق، وأنّ الشيخ الواحد ربّما يحكم في واحد بأنّه ثقة، وفي موضعٍ آخر بأنّه ثقة في الحديث، مضافاً إلى أنّه في الموضع الأوّل كان ملحوظ نظره الموضِعَ الآخر، كما سيجيء في أحمد بن إبراهيم بن أحمد، فتأمّل.
وربّما قيل بالفرق بين الثقة في الحديث والثقة، وليس ببالي القائل.
ويمكن أن يقال - بعد ملاحظة اشتراطهم العدالة -: إنّ العدالة المستفادة من الأوّل هي بالمعنى الأعمّ، وقد أشرنا وسنشير أيضاً أنّ التي وقع الاتّفاق على اشتراطها هي بالمعنى الأعمّ.
ووجه الاستفادة إشعار العبارة وكثير من التراجم، مثل أحمد ابن بشير(16) وأحمد ابن الحسن وأبيه الحسن بن عليّ بن فضّال والحسين بن أبي سعيد والحسين بن أحمد بن المغيرة وعليّ بن الحسن الطاطريّ وعمّار بن موسى وغير ذلك.
إلّا أنّ المحقّق(ره) نقل عن الشيخ أنّه قال: يكفي في الراوي أن يكون ثقةًمتحرّزاً عن الكذب في الرواية وإن كان فاسقاً في جوارحه، فتأمّل»(17).
قلت: قد عرفت أنّ إشعار العبارة إنّما هو في اختصاص الوثوق بالرواية، لا أعمّيّة العدالة بحيث تجامع فساد العقيدة، وما وجدنا في شيء من التراجم المزبورة إشعار بما ذكره، فلا ينبغي التأمّل في استفادة الإماميّة منه على حدّ استفادتها من إطلاق الثقة ما لم يصرّح بالخلاف، مضافاً إلى ما مرّ من استفادتها من اُمورٍ أُخر مشتركة بينهما.
وأمّا الوثاقة والعدالة فلا يبعد ما أسند إلى المشهور؛ لما مرّ، ولوجود العبارتين معاً في أحوال كثير منهم ولو من أشخاص.
ومنها: قولهم: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه» والكلام فيه في اُمور:
أحدها: أنّ الاحتمالات الظاهرة فيه - التي لكلٍّ منها قائل على ما تسمعه من الحكايات - أربعة:
أحدها: ما حكاه في منتهى المقال(18) عن أُستاذه صاحب الرياض، وعن بعض أفاضل عصره، مصرّحاً بأن ليس لهما ثالث، وهو: أن يكون المراد منه كون مَنْ قيل هذا في حقّه صحيحَ الحديث لا غير، بحيث إذا كان في سند فوثّق مَنْ عداه أو صحّح السند ولو بغير التوثيق بالنسبة إلى غيره، عُدَّ السند حينئذٍ صحيحاً، ولا يتوقّف من جهته.
وثانيها: أنّ المراد منه توثيق خصوص مَنْ قيل في حقّه، أسنده في الفوائد الرجاليّة إلى قائل غير معلوم(19). وفي الفصول حكاية إسناده إلى الأكثر عن قائل(20)، واختاره بعض أفاضل عصرنا في رسالته المسمّاة بهِ «لبّ اللباب» وادّعى إجماع العصابة عليه(21).
وثالثها: أنّ المراد توثيق مَنْ روى عنه مَنْ قيل ذلك في حقّه،أسنده في الفوائد(22) إلى توهّم بعض.
ولا ريب أنّ مراد القائل توثيق المقول في حقّه أيضاً، ولذا قال في الفصول - بعد الحكاية المزبورة - مشيراً إلى هذا القول: «و ربّما قيل بأنّها تدلّ على وثاقة الرجال الذين بعده أيضاً»(23).
رابعها: أنّ المراد تصحيح روايته بحيث لو صحّت من أوّل السند إليه عُدَّت صحيحةً من غير اعتبار ملاحظة أحواله وأحوال مَنْ يروي عنه إلى المعصوم(ع)،عزاه إلى الشهرة في الفوائد الرجالية(24)، واستظهره من العبارة.
وحكى في منتهى المقال - بعد استظهاره أيضاً من العبارة -: «أنّ بعض أجلّاء عصره ذكر أنّ عليه الشهرة».
وحكى عن المحقّق الداماد أنّه عزاه إلى الأصحاب بقوله: «هؤلاء على اعتبار الأقوال المختلفة في تعيينهم واحد وعشرون أو اثنان وعشرون رجلاً، مراسيلهم ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم إلى مَنْ يسمّون من غير المعروفين معدودة عند الأصحاب رحمهم اللَّه من الصحاح من غير اكتراث منهم؛ لعدم صدق(حدّ)(25) الصحيح - على ما قد علمته - عليها»(26).
قال: «ومثل ذلك قال في أوائل الوافي إلّا أنّه لم ينسب ذلك إلى الأصحاب، بل إلى المتأخّرين(27)».
قال: «وقال نحو ذلك في مشرق الشمسين(28)».
ثمّ حكى عن الشهيدين والبهائي والأمين الكاظميّ والسيد محمّد والمجلسيّ ما يُستظهر منهم ذلك.
وحكى عن الأخير أنّه نسبه إلى جماعة من المحقّقين منهم والده المقدّس التقيّ، واستظهره أيضاً من الفوائد النجفيّة، وأنّه حكاه عن العلّامة في المختلف.
وحكى عن البهائيّ أيضاً: «أنّ من الأُمور الموجبة لعَدِّ الحديث من الصحيح - عند فقهائنا - وجودَه في الأصل المعروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم(29)»(30).
الأمر الثاني: في بيان الحقّ وإبطال غيره.
فنقول: حيث إنّ البناء على الركون إلى الإجماع المزبور إمّا تعبّداً أو للبناء على اعتبار الظنّ في الطريق، أو على اعتباره في نفس الأحكام، بناءً على قاعدة الانسداد، المقرّرة في أحدهما، أو في خصوص الرجال المسلَّمة فيه كما عرفت، ولا شكّ في إفادته الظنّ، وجب(31) علينا البناء على ما يظهر من اللفظ المزبور؛ لكونه حينئذٍ كغيره من الألفاظ التي هي حجّة أو من أجزائها.
والذي يظهر لنا من اللفظ المزبور ما فهمه المشهور، ومنه يظهر أنّه لو كان في الظهور المزبور في نفسه قصور، فهو بفهم المشهور مجبور.
فأمّا الوجه الثاني المعزى إلى الأكثر، المدّعى عليه إجماع العصابة: فإن كان المراد به ما ينفي المختار، فلا ريب في ضعفه؛ فإنّ الظهور بمرأى منّا كمصير المشهور إليه، بل لم نقف على مصرِّحٍ به غير مَنْ ذُكر، فأين الكثرة؟ وأين الإجماع؟ وإلّا بأن أُريد به زيادةً على المختار إثبات وثاقة الرجل المقول في حقّه اللفظ المزبور - نظراً إلى استبعاد إجماعهم على روايات غير الثقة، مع اختلاف مشاربهم بل رميهم كثيراً من الثقات بالضعف وفساد العقيدة، لاسيّما القمّيّين منهم، خصوصاً بعد استثناء مثل الصدوق وشيخه روايات جماعة عن أُخرى، كرواية محمّد بن عيسى من كتب يونس، ورواية محمّد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن يحيى المعاذي، أو عن أبي عبداللَّه الرازيّ وغير ذلك، خصوصاً حيث أجمعوا على صحّة جميع ما رواه، بل جميع ما يرويه، كما هو مفاد هيئة المضارع - ففيه أنّ ما ذُكر - على فرض تسليم إفادته بنفسه أو بانضمام اللفظ المزبور شرطاً أو شطراً للظنّ المعتبر - معارَضٌ بظهور عبائر المشهور، بل صراحتها في نفي ذلك، مع أنّ الظاهر خلافه، بل هو استدلال بالأعمّ؛ لإمكان أن يكون منشؤ الإجماع وقوفهم على نهاية دقّته في نقل الرواية بحيث لايروي إلّا ما عَلم أو ظنّ بصحّته مع معرفته بعيوب الرواية والرواة، وهذا لايستلزم وثاقته في نفسه، غاية الأمر كونه ثقةً في نقل الحديث خاصّةً، كما مرّ في اللفظ المزبور، إلّا أنّ هناك استظهرنا وثاقته في نفسه من قرائن أُخر، فلو وجد مثلها في المقام، لم نكن نأبى عنه، وإلّا فالمسلَّم وثاقته في الحديث.
وأمّا الوجه الثالث: فلعلّ منشأه اختصاص صحّة السند بوثاقة مَنْ فيه، كما عليه الاصطلاح المتأخّر، مع ملاحظة ما مرّ في وجه المشهور، فقد أخذ بظاهر الإجماع المفيد لصحّة الرواية ممّن قيل في حقّه ما ذُكر إلى آخر السند، وبظاهر الاصطلاح المتأخّر المقتضي لحمل الصحّة على عدالة الرواة.
ووجه فساده وتوهّمه: أنّ اللفظ المزبور منقول عن الكشيّ أو مَنْ سبقه، وهو من القدماء، والواجب حمل ألفاظهم على مصطلحهم، واصطلاحهم في الصحّة إنّما هو على كون الرواية معتبرةً موثوقاً بصدورها عن المعصوم(ع) ولو لقرائن خارجيّة، فالمجمع عليه هو الصحّة بهذا المعنى وهو الذي عليه المشهور، وصرّح به الكاظميّ، ويظهر من عبائرهم التي منها عبارة المحقّق الداماد، وقد تقدّمت.
فلا تغترّ ببعض عبائر الفوائد الرجالية، المفيدة لاستفادة الوثاقة من ذلك، لكن في خصوص أهل الإجماع دون مَنْ بعده إلى آخر السند.
كيف! ولو كان ذلك لحمل الصحّة على الاصطلاح المتأخّر، وجب أن يقول بوثاقة مَنْ يروي عنه أهل الإجماع، فإنّه - كما مرّ - أخذ بظاهر العبارة كالمشهور ولا يقول بها، وكان ما في لبّ اللباب(32) من دعواه إجماع العصابة على ما سمعت ناظراً إلى هذه العبارة، وهو كما ترى؛ لأنّه في آخر الفائدة ذكر ما ينافي ذلك حيث قال: «عندي أنّ رواية هؤلاء إذا صحّت إليهم لاتقصر عن أكثر الصحاح»(33).
والعبارة المزبورة هذه: «نعم، يَرِد عليهم أنّ تصحيح القدماء حديث شخص لايستلزم التوثيق، إلّا أنّه يمكن أن يقال: يبعد أن لا يكون رجل ثقةً، ومع ذلك تتّفق العصابة على تصحيح جميع ما رواه، سيّما بعد ملاحظة دعوى الشيخ(34)(ره) الاتّفاق على اعتبار العدالة لقبول الخبر».
إلى أن قال: «نعم، لا يحصل الظنّ بكونه ثقةً إماميّاً بل الأعمّ، كما لا يخفى»(35).
قلت: وعلى ما استظهرناه من العبارة، واستظهرناه من المشهور، لا يرد كثير من الاعتراضات المذكورة في المقام، فلاحظ الفوائد ومنتهى المقال وغيرهما وتأمّل.
وأمّا الوجه الأوّل: فمنشؤه ما نقل عن السيّد(ره) من «أنّه لم يعثر في الكتب الفقهيّة من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات على عملِ فقيهٍ من فقهائنا بخبرٍ ضعيف، محتجّاً بأنّ في سنده أحد الجماعة، وهو إليه صحيح»(36).
قلت: قد عثرنا على ذلك في عدّة مواضع خصوصاً في كلمات متأخّري المتأخّرين، منها: بحث جماعة(37) المختلف(38) فيما لو تبيّن فسق الإمام، وبيع نكت الإرشاد(39)، وبحث الارتداد من المسالك(40)، إلى غير ذلك.
وأمّا تضعيف المعتبر(41) لابن بكير ومناقشة الشيخ(42) في مرسلات الجماعة، والجماعة في مراسيل ابن أبي عمير، فمع أنّ ذلك كلّه مشترك الورود على الجميع لعلّه لعدم ثبوت الإجماع عندهم، أو عدم وقوفهم عليه، أو عدم اعتنائهم به، أو بيان أنّ رواياتهم ليست كسائر الصحاح، وغير ذلك.
وبالجملة، ما ذُكر لايدفع الشهرة، والمعروف الاعتماد على مراسيل ابن أبي عمير.
الأمر الثالث: في تعداد الجماعة المزبورة.
وهُمْ - على ما في منتهى المقال -: زرارة، ومعروف بن خرّبوذ، وبُريد بن معاوية العجليّ، وأبو بصير الأسديّ - وقال بعضهم مكانه: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختريّ(43) - والفضيل بن يسار، ومحمّد بن مسلم، وجميل بن درّاج، وعبداللَّه بن مسكان، وعبداللَّه بن بُكير، وحمّاد بن عثمان، وحمّاد بن عيسى، وأبان بن عثمان، ويونس بن عبدالرحمن، وصفوان بن يحيى، وابن أبي عمير، وعبداللَّه بن المغيرة والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، وفضالة بن أيّوب.
وقال بعضهم مكان ابن محبوب: الحسن بن عليّ بن فضّال. وبعضهم مكانه: عثمان بن عيسى.
هذا، وأمّا ناقل الإجماع المزبور فهو الكشيّ على ما هو المعروف، وربّما ينقل عن غيره كما في فضالة بن أيّوب، حيث قال: «قال بعض أصحابنا: إنّه ممّن أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عنهم وتصديقهم»(44).
وربّما يشاركه في النقل المزبور غيره، كالنجاشيّ والعلّامة لا بطريق النقل عنه، وكالشيخ في العدّة وغيرها، مرّةً بالتعبير المزبور، وآخر بقوله: «إنّ الطائفة عملت بما رواه فلان» كما ذكر ذلك في عبداللَّه بن بكير(45).
وقد يشاركه فيما ذكر في خصوص طائفة من روايات أحد الجماعة المذكورة كبعض كتبه وكمراسيله، كما في ابن أبي عمير فقد شاركه الشيخ.
وفي أوائل الذكرى: «إنّ الأصحاب أجمعوا على قبول مراسيله»(46).
وعن النجاشي «أنّ أصحابنا يسكنون إلى مراسيله»(47) إلى غير ذلك.
فمع المشاركة يتقوّى الاعتماد على الإجماع المزبور حيث لم يكن التخصيص مشعراً بنفيه في غيره، وإلّا فيضعف الاعتماد؛ لمكان التعارض، فيلتمس الترجيح أو يتوقّف، وليس منه التخصيص بالمراسيل، بل هو موجب لقوّته في غيره.
هذا، ولايخفى أنّ الموجود عن الكشيّ في حقّ بعض المذكورين غير العبارة المذكورة. مثلاً في الفُضَيل: أنّه ممّن أجمعت العصابة على تصديقه والإقرار له بالفقه.
والمغايرة؛ والثمرة ظاهرة؛ إذ هنا لاتستفاد الوثاقة أو الصحّة فيمن روى عنه هؤلاء كظهور المغايرة والثمرة بين عبارة الكشيّ، المتقدّمة وبين قولهم:«عملت الطائفة بما رواه فلان».
تذنيب:
حكي عن الشيخ في العدّة وفي غيرها أيضاً: أنّه أسند العمل بروايات بعض إلى الطائفة، وادّعى إجماع الإماميّة على العمل بروايات آخرين، مثل السكونيّ وحفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن درّاج، ومَنْ ماثَلَهم من العامّة، مثل: طلحة بن زيد، وغيره.
وكذا مثل عبداللَّه بن بُكَير وسماعة بن مهران وبني فضّال والطاطريّيْنِ وعمّار الساباطي وعليّ بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى من غير العامّة(48).
قال في الفوائد - بعد عدّهم -: «فإنّ جميع هؤلاء نقل الشيخ(ره) عمل الطائفة بما رووه».
ثمّ حكى عن المحقّق الشيخ محمّد(ره) أنّه قال: «قال شيخنا أبو جعفر(ره) في مواضع من كتبه: إنّ الإماميّة مُجمِعَة على العمل برواية السكونيّ وعمّار ومَنْ ماثلهما من الثقات».
وحكى عن المحقّق المزبور أيضاً أنّه قال: «الإجماع على العمل بروايتهم لايقتضي التوثيق، كما هو واضح».
قال: «أقول: يبعد أن لا يكون ثقة على قياس ما ذُكر في قولهم: أجمعت العصابة»(49).
قلت: الاحتمالات السابقة في «أجمعت العصابة...» جارية في المقام، بل بعض ما فيه من الأقوال كاستفادة وثاقة مَنْ قيل في حقّه على ما سمعت من بعد نفيه في الفوائد، لكنّ المتيقّن منه بل لعلّه الظاهر من العبارة منهم مجرّد البناء على قبول روايتهم من جهتهم لامطلقاً، وعلى ما في الفوائد مجرّد وثاقتهم لا وثاقة غيرهم ممّن يروون عنه، مع احتمال البناء على قبول رواياتهم مطلقاً، فلا يُلاحَظ مَنْبعدهم في السند، كما أنّه المراد من قولهم: «يسكنون إلى مراسيله» أو: «أجمعوا على قبولها».
ولعلّ من الأوّل دعوى الشهيد الثاني(ره) إطباق أصحابنا - عدا ابن داوُد - على الحكم بصحّة حديث محمّد بن إسماعيل النيسابوريّ.
هذا كلّه في دعوى الإجماع والاتّفاق على التصحيح أو العمل، وأمّا دعوى الشهرة على أحدهما فهل تعتبر كالأُولى أم لا؟ الأظهر: الأوّل.
أمّا على حجّيّة الشهرة؛ للنصّ أو لقاعدة الانسداد: فظاهِرٌ، وكذا على اعتبارها في تعيين الطريق.
وأمّا على عدم البناء عليها في الأحكام وفي التعيين المزبور: فالظاهر الاعتبار هنا أيضاً؛ لما بيّنّاه في تتمّة المقدّمة.
إذا عرفتَ هذا، فالشهرة إمّا محقَّقة أو محكيَّة، والأُولى تُعلم بمراجعة الكتب الاستدلاليّة مع زيادة التتبّع. والثانية بها أو بملاحظة كتب الرجال أو الدراية أو الحديث أو غير ذلك.
ومن ذلك ما في فوائد المولى البهبهاني(ره) حيث قال: «واعلم أنّ المشهور يحكمون بصحّة حديث أحمد بن محمّد المذكور - يعني أحمد بن محمّد بن يحيى - وكذا أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، والحسين بن الحسن بن أبان إذا لم يكن في سنده مَنْ يُتأمّل في شأنه»(50).
قلت: ومنه يظهر أنّ الحكم بصحّة حديث هؤلاء ليس إلّا لبيان توثيقهم أو مجرّد الاعتماد عليهم، لا صحّة رواياتهم بحيث يستغنى عن ملاحظة أحوال مَن يروُون عنه كما فيما مرّ.
وهذه الشهرة حكاها غيره أيضاً وإن كان في نقله(ره) كفاية.
وقد نقل أيضاً أقوالاً في بيان مستند المشهور، فعن قائل أنّه حكم العلّامة بالصحّة. وعن جماعة أنّهم مشايخ الإجازة، وهَمْ ثقات لايحتاجون إلى التوثيق نصّاً. وعن أُخرى: أنّ مشايخ الإجازة لاتضرّ مجهوليّتهم؛ لأنّ حديثهم مأخوذ من الأُصول المعلومة، وذكرهم لمجرّد اتّصال السند أو للتبرّك(51).
قلت: لايخفى ضعف الجميع، وحيث لا يعتبر في اعتبار الشهرة متأصّلةً أو مرجّحةً ثبوت مدركها لم يكن لنا حاجة إلى تطويل الكلام في إثبات مدرك صحيح لها، كما لم نحتج إلى إثبات مدرك الإجماع على ما مرّ.
ومنها: قولهم: «صحيح الحديث» ولا ريب في إفادته مدح الراوي في روايته مدحاً كاملاً، بل في نفسه أيضاً، كما مرّ فيما سبقه.
وهل يفيد وثاقته وعدالته أيضاً أم لا؟ أسند الأوّلَ في الفوائد إلى توهّم بعض(52).
والذي يظهر أنّه في عبائر القدماء أضعف من قولهم: «ثقة في الحديث» وذلك لما حكاه غير واحد منهم: في الفوائد «أنّ المراد به عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم(ع) أعمّ من أن يكون منشؤ وثوقهم كون الراوي من الثقات وأمارات أُخر، ومن أن يقطعوا بصدوره عنه(ع) أو يظنّوا به».
ثمّ قال: «ولعلّ اشتراطهم العدالة - على ما أشرنا - إليه لأجل أخذ الرواية عن الراوي من دون حاجة إلى التثبّت وتحصيل أمارات تورث لهم الوثوق المعتدّ به، كما أنّه عند المتأخّرين أيضاً كذلك»(53).
قلت: قد صرّح بذلك كثير منهم خصوصاً مَنْ تأخّر عنه، وظاهرٌ أنّهم أرادوا به الجمع بين اشتراطهم العدالة في الراوي - سواء اعتبرت بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ - وبين ركونهم إلى كثير من روايات غير العدول.
والإنصاف أنّ الجمع المزبور - مع إمكان غيره أيضاً، فمرّة بأنّ المراد بالعدالة مجرّد ظهور تحرّزه عن الكذب ولو في خصوص رواية فيختصّ العمل بها، وأُخرى بأنّ مَن اشترطها ما خالف مقتضاه وإن ظهر لنا ذلك، وذلك لإمكان وقوفه على وثاقته وعدالته ولو في حال روايته الرواية الخاصّة دون غيرهإ؛غغ عبخلافنا، أو لم يكن الراوي عنده مختصّاً بالفاسق عنده، فلعلّه وقف على رواية عدل عنده ذلك، مع احتمال غفلته عمّا اشترطه في بعض الأحيان إلى غير ذلك - لا يخلو من إشكال كغيره ممّا ذُكر أو لم يُذكر؛ إذ المناسب بل اللازم حينئذٍ أن يجعلوا الشرط أحد الأمرين من العدالة أو التثبّت المفيد للوثوق به، أو مجرّد الوثوق به، ويجعل العدالة كغيرها من أسباب الوثوق والاعتماد المنضمّ بعضها إلى بعض أو مع الانفراد حيث كان قويّاً، كما صنعه بعض مَنْ تأخّر، إلى غير ذلك.
وكيف كان فتفصيل البحث في ذلك خارج عن مقتضى المقام، والمقصود هنا بيان أنّ العبارة المذكورة لاتفيد الوثاقة لا فيمن وردت في حقّه، كما سمعت حكاية توهّمه، ولا فيمن روى هو عنه أيضاً بتوهّم إرادة أنّ ما يضاف أو يسند إليه من الأحاديث فهو صحيح؛ إذ الصحّة عند القدماء لا تلازم الوثاقة أصلاً.
نعم، لو كانت العبارة في كلام المتأخّرين، أفادته على تفصيل يأتي في الخاتمة.
ثمّ اعلم أنّ تركيب العبارة هنا غيره فيما مرّ في قولهم: «ثقة في الحديث» فإنّ الوصف هنا للمتعلّق الذي هو الحديث، ولذا تعرّضنا لبيان المراد من الحديث الصحيح.
ويجيء تمام الكلام فيه والفرق بينه وبين المعمول به عند القدماء وكذا عند المتأخّرين، وكذا بينهما بالاصطلاحين في الخاتمة.
ومنها: قولهم:«من مشايخ الإجازة».
قال في الفوائد: «والمتعارف عَدُّه من أسباب الحسن، وربّما يظهر من جدّي(ره) دلالته على الوثاقة، وكذا المصنّف(ره) في ترجمة الحسن بن عليّ ابن زياد.
وقال المحقّق البحراني: مشايخ الإجازة في أعلى درجات الوثاقة والجلالة(54).
وما ذكره(ره) لايخلو من قرب إلّا أنّ قوله: «في أعلى درجاتها» غير ظاهر.
قال المحقّق الشيخ محمّد(ره): عادة المصنّفين عدم توثيق الشيوخ،
وسيجيء في ترجمة محمّد بن إسماعيل النيسابوريّ عن الشهيد الثاني(ره): أنّ مشايخ الإجازة لايحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم(55).
وعن المعراج: أنّ التعديل بهذه الجهة طريقة كثير من المتأخّرين(56)، إلى غير ذلك، فلاحِظْ هذا. وإذا كان المستجيز ممّن يطعن (على الرجال)(57) في روايتهم عن المجاهيل والضعفاء وغير الموثّقين، فدلالة استجازته على الوثاقة في غاية الظهور، سيّما إذا كان المجيز من المشاهير.
وربّما يفرّق بينهم وبين غير المشاهير بكون الأوّل من الثقات، ولعلّه ليس بشيء»(58).انتهى.
قلت: مراده من جدّه أوّل المجلسيّين، ومن المحقّق البحراني نادر العصر والزمان الشيخ سليمان رحمهم اللَّه كما صرّح به في الفوائد(59)، ومن المصنِّف مصنّف كتابَيِ: الرجال الكبير والوسيط، المولى الأمجد الآميرزا محمّد الاسترآبادي (ره).
ومنها: قولهم: «عين ووجه» وربما يُضمّ إلى الأوّل: «من عيون أصحابنا» وإلى الثاني: «من وجوه أصحابنا» وقد يضاف الجمع إلى الطائفة.
قال في الفوائد: «قيل: هُما يفيدان التعديل، ويظهر من المصنّف(ره) في ترجمة الحسن بن زياد. وسنذكر عن جدّي في تلك الترجمة معناهما واستدلاله على كونهما توثيقاً.
وربّما يظهر ذلك من المحقّق الداماد أيضاً في الحسين بن أبي العلاء.
وعندي أنّهما يفيدان مدحاً مُعتدّاً به.
وأقوى من هذين: وجه من وجوه أصحابنا، فتأمّل»(60) انتهى.
قلت: ذكر المصنّف في الترجمة المزبورة: ربّما استفيد توثيقه من استجازة أحمد ابن محمّد بن عيسى، ولا ريب أنّ كونه عيناً من عيون هذه الطائفة ووجهاً من وجوهها أَولى.
وحكى في التعليقة في الترجمة المزبورة عن جدّه أنّه قال: «عين» توثيق؛ لأنّ الظاهر استعارته بمعنى الميزان باعتبار صدقه، كما كان الصادق(ع) يسمّي أبا الصباح بالميزان؛ لصدقه، بل الظاهر أنّ قولهم: «وجه» توثيق؛ لأنّ دأب علمائنا السابقين في نقل الأخبار كان عدم النقل إلّا عمّن كان في غاية الثقة، ولم يكن يومئذٍ(لهم) مال ولا جاه حتّى يتوجّهوا إليهم بهما، بخلاف اليوم، وكذا يحكمون بصحّة خبره»(61) انتهى.
قلت: إذا عرفت كفاية ما ذُكر في التوثيق، فاللازم البناء على أنّ قولهم: «أوجه من فلان» أو: «أصدق» أو: «أوثق» أو: «أورع» أو: «أعدل» ونحو ذلك يفيد الوثاقة إذا كان المفضَّل عليه وجهاً أو صدوقاً وغير ذلك، بل يستفاد من الثلاثة الأخيرة الوثاقة والورع والعدالة مطلقاً؛ لاعتبارها في الصيغة المذكورة، بإضافة كونها أشدّ أو أظهر.
وظهر ممّا ذُكر أيضاً أنّ قولهم:«شيخ الطائفة» أو: «من أجلّائها» أو: «معتمدها» (كذلك)(62).
قال في الفوائد: «وإشارتها إلى الوثاقة ظاهرة، مضافاً إلى الجلالة، بل أولى من الوكالة وشيخيّة الإجازة وغيرهما ممّا حكموا بشهادته على الوثاقة، سيّما بعد ملاحظة أنّ كثيراً من الطائفة ثقات فقهاء فحول أَجِلَّة. وبالجملة، كيف يرضى منصف بأن يكون شيخ الطائفة في أمثال المقامات فاسقاً!؟»(63).انتهى.
ومنها: قولهم: «لا بأس به».
واختلف في إفادته التوثيق أو مطلق المدح، أو لا هذا ولا ذاك.
وهذا الاختلاف من جهة المعنى العرفي مع ملاحظة القرائن، وإلّا فظاهر معناه اللغوي التوثيق، فإنّ مَنْ لا عذاب له - أي لا استحقاق (له) - لا يكون في الغالب إلّا عَدْلاً، فتدبّر، حيث إنّ النظر إلى العرف.
فالذي يظهر لنا منه أنّه لايقدح في السند من جهته، أي يُعمل به، وهذا يلازم كونه ممدوحاً مدحاً معتدّاً به، بل ثقة في الرواية، بل مطلقاً وإن لم يكن كسائر الثقات.
ويؤيّده ما في ترجمة إبراهيم بن محمّد بن فارس: أنّه لا بأس به في نفسه ولكن ببعض مَنْ يروي هو عنه، وما في ترجمة حفص بن سالم: أنّه ثقة لابأس به.
وفي الفوائد: «والأوفق بالعبارة والأظهر: أنّه لابأس به بوجه من الوجوه.
ولعلّه لذا قيل بإفادته التوثيق، واستقربه المصنّف في متوسّطه، ويومئ إليه ما في تلك الترجمة - أي ترجمة إبراهيم المذكور - وترجمة بشّار بن يسار.
ويؤيّده قولهم: ثقة لابأس به، منه ما سيجيء في حفص بن سالم.
والمشهور أنّه يفيد المدح. وقيل: يمنع إفادته المدح أيضاً. وفي الخلاصة عَدَّهُ من القسم الأوّل، فعنده أنّه يفيد مدحاً معتدّاً به، فتأمّل»(64) انتهى.
ومنها: قولهم:«أسند عنه»(65).
ولنقتصر هنا على حكاية ما في الفوائد وما في منتهى المقال؛إذ لم يُبْقِيا بعدُ لقائلٍ قولاً.
ففي الأوّل:«قيل: معناه سمع عنه الحديث، ولعلّ المراد على سبيل الاستناد والاعتماد، وإلّا فكثير ممّن سمع عنه ليس ممّن أسند عنه. وقال جدّي(ره): المراد روى عنه الشيوخ واعتمدوا عليه، وهو كالتوثيق، ولا شكّ أنّ هذا المدح أحسن من: لا بأس به. انتهى.
قوله(ره): وهو كالتوثيق لا يخلو من تأمّل. نعم، إن أراد منه التوثيق بما هو أعمّ من العدل الإماميّ فلعلّه لا بأس به، فتأمّل. لكنّه لعلّه توثيق من غير معلوم الوثاقة.
أمّا أنّه روى عنه الشيوخ كذلك حتّى يظهر وثاقته؛ لبُعْد اتّفاقهم على الاعتماد على مَنْ ليس بثقة، أو بُعْد اتّفاق كونهم بأجمعهم غير ثقات فليس بظاهر.
نعم، ربّما يستفاد منه مدح وقوّة، لكن ليس بمثابة قولهم: لا بأس به، بل أضعف منه لو لم نقل بإفادته التوثيق.
وربّما يقال بإيمائه إلى عدم الوثوق، ولعلّه ليس كذلك، فتأمّل»(66) انتهى ما في الأوّل.
وفي الثاني - بعد نقل ما في الأوّل -: «لم أعثر على هذه الكلمة إلّا في كلام الشيخ(ره). وما ربّما يوجد في الخلاصة فإنّما أخذه من رجال الشيخ، والشيخ(ره) إنّما ذكرها في رجاله دون فهرسته، وفي أصحاب الصادق(ع) دون غيره إلّا في أصحاب الباقر(ع) ندرة غاية الندرة.
واختلفت الأفهام في قراءتها.
فمنهم من قرأها بالمجهول كما سبق، ولعلّ عليه الأكثر، وقالوا بدلالتها على المدح؛ لأنّه لايسند إلّا عمّن يستند إليه ويعتمد عليه، لكن في ترجمة محمّد بن عبدالملك الأنصاريّ: أُسنِد عنه ضعيف، فتأمّل.
وقيل في وجه اختصاصها ببعض دون بعض: إنّها لاتقال إلّا فيمن لا يُعرف بالتناول منه والأخذ عنه.
وقرأ المحقّق الشيخ محمّد: أَسْنَد، بالمعلوم، ورَدَّ الضمير إلى الإمام الذي هو من أصحابه، وكذا الفاضل عبدالنبيّ(ره) في الحاوي، كما يأتي عنهما في يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعن الثاني في عبدالنور أيضاً.
وينافيه قول الشيخ في جابر بن يزيد: أسند عنه، روى عنهما(67). وقوله في محمّدبن إسحاق بن يسار: «أسند عنه، يُكنّى أبابكر صاحب المغازي من سبي عين التمر، وهو أوّل سبيّ دخل المدينة. وقيل: كنيته أبو عبداللَّه روى عنهما(68)».
وقال المحقّق الداماد في الرواشح ما ملخّصه: إنّ الصحابيّ - على مصطلح الشيخ في رجاله - على معانٍ:
منها: أصحاب الرواية (عن)(69) الإمام بالسماع منه.
ومنها: بإسنادٍ عنه، بمعنى أنّه روى الخبر عن أصحابه الموثوق بهم، وأخذ عن أُصولهم المعتمد عليها، فمعنى أسند عنه: أنّه لم يسمع منه، بل سمع من أصحابه الموثَّقين وأخذ عنهم من أُصولهم المعتمد عليها.
وبالجملة، قد أورد الشيخ في أصحاب الصادق(ع) جماعة جَمَّة إنّما روايتهم عنه بالسماع من أصحابه الموثوق بهم والأخذ من أُصولهم المُعَوَّل عليها، ذكر كلّاً منهم وقال: أسند عنه(70) انتهى.
ورُدّ بأنّ جماعة ممّن قيلت فيهم رووا عنه(ع) مشافهةً.
وقرأ ولد الاُستاذ العلّامة - دام علاهما - أيضاً بالمعلوم، ولكن لا أدري إلى مَنْ ردّ الضمير.
وقرأ بعض السادة الأزكياء من أهل العصر أيضاً(كذلك)(71)قال: والأشبه كون المراد أنّهم أسندوا عنه(ع) ولم يسندوا عن غيره من الرواة، كما تتبّعت، ولم أجد رواية أحدٍ من هؤلاء عن غيره(ع) إلّا أحمد بن عائذ، فإنّه صحب أبا خديجة وأخذ عنه، كما نصّ عليه النجاشي، والأمر فيه سهل، فكأنّه مستثنى لظهوره.انتهى.
وفيه أيضاً تأمّل؛ فإنّ غير واحد ممّن قيل فيه: أسند(عنه)(72) - سوى أحمد بن عائذ - رووا عن غيره(ع) أيضاً، منهم: محمّد بن مسلم والحارث بن المغيرة وبسّام بن عبداللَّه الصيرفيّ.
وربّما يقال: إنّ الكلمة: أسند، بالمعلوم، والضمير للراوي، إلّا أنّ فاعل «أسند» ابن عقدة، لأنّ الشيخ(ره) ذكر في أوّل رجاله أنّ ابن عقدة ذكر أصحابَ الصادق(ع)، وبلغ في ذلك الغاية، قال(ره): وإنّي ذاكر ما ذكره، واُورد من بعد ذلك ما لم يذكره(73). فيكون المراد: أخبر عنه ابن عقدة، وليس بذلك البعيد.
وربّما يظهر منه وجه عدم وجوده إلّا في كلام الشيخ(ره)، وسبب ذكر الشيخ(ره) ذلك في رجاله دون فهرسته، وفي أصحاب الصادق(ع) دون غيره، بل وثمرة قوله(ره):إنّي ذاكر ما ذكره ابن عقدة ثمّ اُورد ما لم يذكره. فتأمّل جدّاً(74)»انتهى.
قلت: ولا يخفى بُعْدُ ذلك أيضاً.
أمّا أولاً: فلتنافر «أسند عنه» مع «أخبر عنه» بل القريب إليه «أسند به»، إذ مفاد «أخبر عنه» أنّه نُقل عنه أمر آخر، وهو غير مقصود في توجيهه.
وأمّا ثانياً: فلأنّ مقتضى كلام الشيخ حيث ذكر أنّه يذكر ما ذكره، مع اعترافه بأنّه بلغ في ذلك الغاية: أن يكون أكثر رجال الصادق(ع) ممّن أسند عنه، والواقع خلافه.
ومنها: أن يروي عنه أو كتابه جماعةٌ من الأصحاب أو بعضُهم ممّن عُلِم من حاله أو قيل في حقّه: إنّه لا يروي إلّا عن ثقة.
وكذا إذا اعتمد عليه جماعة، لا سيّما القمّيّين أو اعتمد بعض مَنْ لايعتمد إلّا عن ثقة ومعتمد.
قال في الفوائد في الأوّل: «لا يخفى كونه من أمارات الاعتماد، ويظهر ممّا سيذكر في عبداللَّه بن سنان ومحمّد بن سنان وغيرهما، بل ملاحظة اشتراطهم العدالة في الراوي على ما مرّ يقوّي كونه من أمارات العدالة، سيّما أن يكون الراوي عنه كلّاً أو بعضاً ممّن يَطعن على الرجال في روايتهم عن المجاهيل وأمثالها ونظائرها، فربّما تشير روايته عنه إلى الوثاقة»(75).
وقال - فيما إذا روى الأجلّاء عنه -: «وفيه - مضافاً إلى ما سبق - أنّه من أمارات الوثاقة أيضاً، كما لا يخفى على المطّلع برويّتهم، وأشرنا إلى وجهه أيضاً سيّما وأن يكونوا كلّاً أو بعضاً ممّن يَطعن بالرواية عن المجاهيل وأمثالها كما ذكر.
وإذا كان رواية جماعةٍ من الأصحاب تشير إلى الوثاقة كما مرّ، فرواية أجلّائهم بطريق أولى»(76).
وذكر: «أنّ رواية صفوان وابن أبي عمير من أمارات الوثاقة، لقول الشيخ في العدّة: إنّهما لايرويان إلّا عن ثقة(77).
وسيجيء عن المصنّف في ترجمة إبراهيم بن عمر أنّه يؤيّد التوثيق رواية ابن أبي عمير عنه ولو بواسطة حمّاد، وفي ترجمة ابن أبي الأغرّ النخّاس: أنّ رواية ابن أبي عمير وصفوان عنه ينبّهان على نوع اعتبار واعتداد.
وعن المحقّق الشيخ محمّد(ره): قيل في مدحهما ما يشعر بالقبول في الجملة.
والفاضل الخراساني في ذخيرته جرى مسلكه على القبول من هذه العلّة.
ونظير صفوان وابن أبي عمير أحمدُ بن محمّد بن أبي نصر؛ لما ستعرف في ترجمته، وقريب منهم عليّ بن الحسن الطاطريّ؛ لما سيظهر من ترجمته أيضاً.
ومسلك الفاضل جرى على هذا أيضاً»(78).
ثمّ ذكر رواية محمّد بن إسماعيل بن ميمون أو جعفر بن بشير عنه أو روايته عنهما.
قال: «فإنّ كلّاً منهما أمارة التوثيق؛ لما ذكر في ترجمتهما»(79).
وقال في الثاني: «إنّ اعتماد شيخ على شخص من أمارات الاعتماد عليه، كما هو ظاهر، ويظهر من النجاشي والخلاصة في عليّ بن محمّد بن قتيبة، فإذا كان جمع منهم اعتمدوا عليه، فهو في مرتبة معتدّ بها من الاعتماد، وربّما يشير إلى الوثاقة، سيّما إذا كثر منهم الاعتماد، وخصوصاً بعد ملاحظة اشتراطهم العدالة، وخصوصاً إذا كان ممّن يطعن في الرواية عن المجاهيل ونظائرها»(80).
قال: «ومنها: اعتماد القمّيّين عليه أو روايتهم عنه، فإنّه أمارة الاعتماد بل الوثاقة أيضاً، كما سيجيء في إبراهيم بن هاشم، سيّما أحمد بن محمد بن عيسى؛ لما سيجيء في إبراهيم بن إسحاق، وابن الوليد؛ لما سيجيء في ترجمته.
ويقرب من ذلك اعتماد ابن الغضائري عليه وروايته عنه»(81). انتهى.
هذا جملةٌ ممّا استعمل عندهم في المدح، وجملة من أسبابه وأسباب اعتمادهم.
وهنا جملة أُخرى، ككونه من وكلائهم(ع) لواحد منهم أو أكثر، أو كونه من آل أبي جهم وآل نعيم وآل أبي شعبة، أو كونه كثير الرواية، أو روايته عن الثقات، أو أخذه معرفاً للجليل بقولهم:«إنّه أخوه» مثلاً، أو وقوعه في سند صحيحة الكلّ أو الجُلّ، أو: بعض مَنْ يعتمد عليه، أو: اتّفق الكلّ أو الأكثر على قبوله، أو في سند قدح فيه بغيره دونه، وذكر الجليل إيّاه مترحّماً عليه أو مترضِّياً وغير ذلك ممّا يُعلم بمراجعة كتب الرجال.
سواء بلغ حدّ الجرح أم لا، بحيث يسقط به الخبر في نفسه عن الاعتبار والاعتداد أم لا، بل كان بحيث يسقطه عن المقاومة مع غيره من الأخبار المعتبرة.
والأقسام المتقدّمة في المدح جارية في المقام بعكس ما هناك، فلاحِظْ، وحيث إنّ منشأ القدح قد يكون فساد العقيدة وقد يكون غيره وإن اجتمعا أيضاً فلنتكلّم هنا في مقامين، ولنقدّم القدح بغير العقيدة؛ لأنّه العمدة في ردّ الرواية.
ولنقتصر هنا أيضاً على جملة من ذلك.
فمنها: «فاسق - أو - بجوارحه أو«كان يشرب الخمر» و نحو ذلك، أو «كذّاب» و«وضّاع» أو «خبيث»و«متعصّب» أو «متّهم» و«متروك» و«ساقط» أو «ليس بشيء» ونحو ذلك، فإنّ ما ذُكر ونحوه يفيد عدم الاعتبار، بل الجرح.
وفي بعضها تعلّق الذمّ بخبره أيضاً كما في «كذّاب»و«وضّاع».
ولا يخفى اختلافها في القوّة والضعف، فليلاحَظ عند التعارض.
ومنها: «ضعيف» ولاريب في إفادته سقوطَ الرواية وضعفها وإن لم يكن في الشدّة مثل أكثر ما سبق، فيتميّز عند التعارض.
وأمّا إفادته القدح في نفس الرجل فلعلّه كذلك حيث أُطلق ولم يكن قرينة - كتصريح أو غيره - على الخلاف.
والظاهر أنّ إليه نَظَرَ الأكثرِ في استفادة قدح الرجل منه.
فما في الفوائد - بعد حكاية ذلك عنهم: «ولا يخلو من ضعف؛ لما سنذكر في داود بن كثير وسهل بن زياد وأحمد بن محمد بن خالد وغيرهم»(82) - لا يخلو من بحث؛ إذ غاية الأمر وجود قرينة وتصريح بالخلاف حتّى من المضعِّف.
وهذا لا ينافي إفادته عند الإطلاق؛ لما ذكرنا، مع أنّا لاحظنا ما أشار إليه من التراجم، فلم نقف فيها على ما ينافي مفاد الإطلاق المزبور، فلاحِظْ وتأمّل.
ثمّ إنّ الذي يظهر منهم أو ينبغي إرادتهم مطلق القدح في نفس الرجل، لاخصوص الفسق، فيشمل ما لو كان التضعيف لسوء الضبط وقلّة الحافظة أو عدم المبالاة في الرواية في أخذها ونقلها.
فلا بأس بما في الفوائد أيضاً من قوله: «كما أنّ تصحيحهم غير مقصور على العدالة، فكذا تضعيفهم غير مقصور على الفسق، وهذا غير خفيّ على مَنْ تتبّع وتأمّل»(83).
ثمّ قال: «وقال جدّي(ره): تراهم يُطلقون الضعيف على مَنْ يروي عن الضعفاء ويرسل الأخبار»(84).
قلت: قد عرفتَ أنّه ليس كذلك عند الإطلاق، وأمّا مع نصب القرينة بتصريحٍ أو غيره فهو خارج عن كلام الأكثر، ألاترى أنّهم كثيراً مّا يقولون: فلان ثقة في نفسه إلّا أنّه يروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكثيراً مّا يقولون: ضعيف في الرواية فليس بنقيّ الحديث، أو غمز في حديث، ونحو ذلك.
فما فيها أيضاً تأييداً لما سمعته - من قوله: «لعلّ من أسباب الضعف عندهم قِلّةُ الحافظة وسوءُ الضبط، والرواية من غير إجازة، والرواية عمّن لم يَلْقَه، واضطراب ألفاظ الرواية، وإيراد الرواية التي ظاهرها الغلوّ أو التفويض أو الجبر أو التشبيه كما هي في كتبنا المعتبرة، بل هي مشحونة منها كالقرآن، مع أنّ عادة المصنّفين إيرادهم جميع ما رووه كما يظهر من طريقتهم، مضافاً الى ما ذكره في الفقيه وغيره. وكذا من أسبابه رواية فاسدي العقيدة عنه وعكسه، بل وربّما كان مثل الرواية بالمعنى ونظائره سبباً. وبالجملة، أسباب قدح القدماء»(85) كثيرة إلى آخر ما ذكره - لايخلو من نظر؛ لأنّا لا نُنكِر كثرة أسباب القدح عندهم (إنمّا)(86) نمنع التعبير عن أمثال ذلك بمطلق ضعف الرجل.
ومنها: «ضعيف في الحديث» و «مضطرب الحديث» و «مختلط الحديث» و «ليس بنقيّ الحديث» و «يُعرف حديثه ويُنكر» و «غُمز عليه في حديثه» و «منكر الحديث» وأمثال ذلك.
ولا دلالة فيها على القدح في العدالة، بل الظاهر من التقييد عدمه، ولعلّه لذا - أو غيره - لم يذهب ذاهب هنا إلى إفادتها القدح في العدالة وإن كان مقتضى مصيرهم إلى استفادة وثاقة الرجل من قولهم: «ثقة في الحديث» القدح فيها بما ذُكر، فكما أنّه يبعد الوثوق بأحاديث رجل ما لم يكن ثقةً في نفسه، فكذا يبعد الحكم بأمثال ما ذُكر ما لم يكن ضعيفاً في نفسه.
لكنّ الظاهر وضوح الفرق؛ لظهور كون الوثاقة منشأ الوثوق بالرواية، ولا ملازمة في الغالب بين ما ذُكر وفسق الرجل أو ضعفه في نفسه.
وفي الفوائد: «أنّها ليست من أسباب الجرح وضعف الحديث على رواية المتأخّرين. نعم، هي من أسباب المرجوحيّة معتبرة في مقامها»(87).
وذكر أيضاً: « أنّه فرق بين «ضعيف» وقولهم: «ضعيف في الحديث» فالحكم بالقدح فيه أضعف، وسيجيء في سهل بن زياد.
وقال جدّي(ره): الغالب في إطلاقاتهم أنّه ضعيف في الحديث، أي: يروي عن كلّ أحد، فتأمّل»(88).
قلت: وفي هذا نوع اعتراف بما مرّ من ظهور إطلاق الضعيف في قدح الرجل حيث إنّه لم يدّع الغلبة هناك.
ومنها: «مخلّط» و «مختلط».
ففي منتهى المقال عن بعض(89) أجلّاء عصره: أنّه ظاهر في القدح، لظهوره في فساد العقيدة»(90) ثمّ تَنَظَّرَ فيه به «أنّ المراد بأمثال هذين اللفظين مَنْ لايبالي عمّن يروي وممّن يأخذ، يجمع بين الغثّ و (السمين و العاطل و)(91)الثمين»(92).
ثمّ استشهد على مختاره بما لا يشهد له إذ غايته إطلاق ذلك على غير فاسد العقيدة، ولا مجال لإنكاره، وأين هذا من ظهور الإطلاق؟ كما أنّ كون المبدأ الخلط الذي هو المزج لايقتضي ما ذكره، فإنّ استعمال التخليط في فساد العقيدة أمرٌ عُرفيّ لاينكر.
ولا ينافيه كون أصل وضع اللغة على خلافه، مع أنّه لامخالفة؛ إذ فساد العقيدة ربّما يكون بتخليط صحيحها بسقيمها، بل الغالب في المرتدّين عن الدين أو المذهب كذلك؛ لبُعْد الرجوع عن جميع العقائد.
وبالجملة، فالمرجع ظهور اللفظ في نفسه ثمّ ملاحظة الخارج.
ومنها: «ليس بذاك».
ففي الفوائد: «قد أخذه خالي ذمّاً، ولا يخلو من تأمّل؛ لاحتمال أن يُراد أنّه ليس بحيث يُوثق به وثوقاً تامّاً وإن كان فيه نوع وثوق من قبيل قولهم: ليس بذلك الثقة، ولعلّ هذا هو الظاهر، فيُشعر على(93)نوع مدح، فتأمّل»(94).
قلت: هذا منه كما سبق، فأيّ منافاة لاحتمال خلاف الظاهر في الظهور ثمّ ترجّي ظهور الخلاف، فإن كان مجرّد الترجّي، فلا كلام، وإلّا فالظاهر خلافه؛ لظهور النفي المزبور في نفي المعتبر من الوثوق والاعتماد.
نعم، لو قيّده بالثقة بقوله: «ليس بذاك الثقة» كان كما ذكره، وهو واضح.
ومنه قولهم: «ليس حديثه بذلك النقيّ» لأنّه أضعف في ذمّ الحديث من «ليس بنقيّ الحديث» وأمّا القدح بهما في العدالة فلا فيهما، كما مرّ.
ومنها: «كاتب الخليفة» أو «الوالي» أو «من عمّاله» أو «كان عاملاً من قِبَل فلان» ونحو ذلك، فإنّ ظاهرها القدح، كما اعترف به العلّامة في ترجمة حذيفة حيث إنّه قيل في حقّه: «إنّه كان والياً من قِبَل بني أُميّة» فقال العلّامة: «يبعد انفكاكه عن القبيح»(95).
ويؤيّد ذلك ما رووه في أحمد بن عبداللَّه الكرخيّ أنّه كان كاتب إسحاق بن إبراهيم فتاب وأقبل على تصنيف الكتب، إلّا أنّ المرويّ عنه غير معلوم، أو طاهر بن محمّد بن عليّ بن بلال.
قال في الفوائد: «لم نَرَ من المشهور التأمّل من هذه الجهة، كما في يعقوب بن يزيد وحذيفة بن منصور وغيرهما».
قال: «ولعلّه لعدم مقاومتهما التوثيق المنصوص أو المدح المنافي، باحتمال كونهما بإذنهم أو تقيّةً، حفظاً لأنفسهم أو غيرهم، أو باعتقادهم الإباحة أو غير ذلك من الوجوه الصحيحة»(96).
قلت: نعم،ولكنّه لاينافي ظهور الإطلاقفيما مرّ،وهو(ره) أيضاً ليسفي مقام دفعه.
ومنها: أن يروي الراوي عن الأئمّة(ع) على وجه يظهر منه أخذهم(ع) رواةً لاحججاً، كأن يقول: «عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن عليّ(ع)» أو «عن الرسول(ص)» فإنّه مظنّة عدم كونه من الشيعة، إلّا أن يظهر من القرائن كونه منهم، مثل أن يكون ما رواه موافقاً لمذهب الشيعة ومخالفاً لمذهب العامّة أو غيرهم، أو أن يكثر الرواية عنهم(ع) غاية الإكثار، أو أن يكون غالب رواياته مُفتى بها عند الأصحاب، بل يرجّحونها على ما رواه الشيعة أو غير ذلك، فيحمل كيفية روايته على التقيّة أو تصحيح مضمونها عند المخالفين أو ترويجه فيهم، سيّما المستضعفين وغير الناصبين منهم، أو تأليفاً لقلوبهم واستعطافاً لهم إلى التشيّع أو غير ذلك، وقد نصّ على كلّ ذلك في الفوائد(97).
وهنا جملة أُمور يستفاد منها القدح، مذكورة في محالّها، ككون الراوي في الرأي أو الرواية موافقاً في الغالب للعامّة، وكإكثار المذمومين - خصوصاً أرباب المذاهب الفاسدة - الروايةَ عنه على وجه يظهر كونه منهم، ونحو ذلك.
وهي كثيرة، ولنقتصر في هذا المختصر على إشارة إجماليّة إلى بعضها، بذكر أرباب المذاهب الفاسدة، فنقول:
منهم: الإسماعيلية. وهُم المنتهون بالإمامة إلى مولانا الصادق(ع) ثمّ إلى ابنه إسماعيل.
وفي التعليقة: «ببالي أنّهم فِرَقٌ»(98).
ومنهم: البتريّة.
ففي التعليقة: «البتريّة - بضم الباء. وقيل بكسرها - منسوبون إلى كثير النوى؛ لأنّه كان أبتر اليد.
وقيل: إلى المغيرة بن سعيد.
والبتريّة والسليمانيّة والصالحيّة من الزيديّة يقولون بإمامة الشيخين، واختلفوا في غيرهما.
وأمّا الجاروديّة فلا يعتقدون إمامتهم.
وفي بعض الكتب: أنّهم لايعتقدون إمامتهما، لكن حيث رضي عليّ(ع) بهما ولم ينازعهما أُجريا مجرى الأئمّة في وجوب الطاعة»(99).
وعن الاختيار: «هُمْ أصحاب كثير النوى والحسن بن صالح بن حيّ وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عُتَيْبَة وسَلَمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحدّاد، وهُم الذين دعوا إلى ولاية عليّ(ع) ثمّ خلطوها بولاية أبيبكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتهما، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع بطون ولد عليّ بن أبيطالب(ع)، ويثبتون لكلّ مَنْ خرج منهم عند خروجه الإمامة»(100).
ومنهم: البزيعيّة.
فعن تأريخ أبي زيد البلخيّ أنّهم أصحاب بزيع الحائك، أقرّوا بنبوّته، وزعموا أنّ الأئمّة(ع) كلّهم أنبياء، وأنّهم لايموتون، ولكنّهم يُرفَعون.
وزعم بزيع أنّه صعد إلى السماء، وأنّ اللَّه مسح على رأسه ومَجَّ في فيه، فإنّ الحكمة تثبت في صدره.
وفي التعليقة: «أنّهم فرقة من الخطّابية يقولون: الإمام بعد أبي الخطّاب بزيع، وإنّ كلّ مؤمن يُوحى إليه، وإنّ الإنسان إذا بلغ الكمال لايقال له: ماتَ بل رفع إلى الملكوت، وادَّعوا معاينة أمواتهم بُكرة وعشيّة.
وكان أبو الخطّاب يزعم أنّ الأئمّة أنبياء ثمّ آلهة، والآلهة نور من النبوّة ونور من الإمامة، ولا يخلو العالم من هذه الأنوار، وأنّ الصادق(ع) هو اللَّه، وليس المحسوس الذي يرونه، بل إنّه لمّا نزل إلى العالم لبس هذه الصورة الإنسانية، لئلّا ينفر منه، ثمّ تمادى الكفر به إلى أن قال: إنّ اللَّه تعالى انفصل من الصادق(ع) وحَلَّ فيه، وأنّه أكملُ من اللَّه تعالى»(101).
ومنهم: البيانية.
فعن التأريخ المزبور: أنّهم أقرّوا بنبوّة بيان، وهو رجل من سواد الكوفة تَأَوَّل قول اللَّه عزّوجلّ: (هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ)(102) أنّه هو، وكان يقول بالتناسخ والرجعة فقتله خالد بن عبداللَّه القسريّ».
ومنهم: الجاروديّة، ويقال لهم: السرحوبيّة أيضاً؛ لنسبتهم إلى أبي الجارود زياد بن المنذر السرحوب، وهم القائلون بالنصّ على عليّ(ع) وكفر الثلاثة، وكلّ مَنْ أنكره، وتقدّم ذكرهم في البتريّة. نصّ على ذلك فيالتعليقة(103).
وفي مجمع البحرين: «هُمْ فرقة من الشيعة يُنسبون إلى الزيديّة وليسوا منهم، نُسبوا إلى رئيس لهم من أهل خراسان يقال له: أبو الجارود زياد بن المنذر.
وعن بعض الأفاضل: أنّهم فرقتان: زيديّة وهُمْ شيعة، وفرقة بتريّة، وهُمْ لا يجعلون الإمامة لعليّ(ع) بالنصّ، بل عندهم هي شورى، ويجوّزون تقديم المفضول على الفاضل»(104).
ومنهم: الحروريّة. «هُم الذين تبرّؤوا من عليّ(ع) وشهدوا عليه بالكفر لعنهم اللَّه، نسبة إلىحروراء موضعبقرب الكوفة كانأوّل مجمعهمفيه» كذا في منتهى المقال(105).
وأمّا الخطّابية فقد قدّمناهم في البزيعيّة والسرحوبيّة في الجاروديّة، والسليمانية في البتريّة.
ومنهم: السمطيّة.
في التعليقة: «هُم القائلون بإمامة محمّد بن جعفر الملقّب بديباجة دون أخيه موسى(ع) وعبداللَّه، نُسِبوا إلى رئيس لهم يقال له: يحيى بن أبي السمط»(106).
ومنهم: العلياويّة.
عن الاختيار: «أنّهم يقولون: إنّ عليّاً(ع) رَبٌّ، وظهر بالعلويّة الهاشميّة، وأظهر أنّه عبده، وأظهر وليّه من عنده ورسوله بالمحمّديّة، ووافق أصحاب أبي الخطّاب في أربعة أشخاص: عليّ وفاطمة والحسن والحسين(ع)، وإنّ معنى الأشخاص الثلاثة: فاطمة والحسن والحسين(ع) تلبيس، والحقيقة شخص عليّ(ع)؛ لأنّه أوّل هذه الأشخاص في الإمامة. وأنكروا شخص محمّد، وزعموا أنّ محمّداً(ص) عبدُ عليّ، وعليّاً(ع) هو ربّ. وأقاموا محمّداً(ص) مقام ما أقامت المخمّسة سلمان، وجعلوه رسولاً لمحمّد(ص)، فوافقوهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ، والعلياوية تسمّيها المخمّسة عليائيّة. وزعموا أنّ بشاراً الشعيريّ لمّا أنكر ربوبية محمّد(ص) وجعلها في عليّ(ع) وجعل محمّداً(ص) عبدَ عليٍّ(ع) وأنكر رسالة سلمان مُسِخ على صورة طير يقال له: عَليا، يكون في البحر، فلذلك سمّوهم العليائية.
وفي ترجمة محمّد بن بشير: وزعمت هذه الفرقة والمخمّسة والعلياوية وأصحاب أبي الخطّاب أنّ كلّ مَن انتسب إلى أنّه من آل محمّد(ص) فهو مبطل في نفسه مفترٍ على اللَّه كاذب، وأنّهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم: إنّهم يهود ونصارى في قوله: (وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصَارى نَحنُ أَبناءُ اللَّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُل فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَل أَنتُم بَشَرٌ مِمَّن خَلَقَ)(107) محمّد في مذهب الخطّابية وعليّ في مذهب العلياويّة. فهُمْ ممّن خلق هذان، كاذبون فيما ادّعوا من النسب، إذ كان محمّد(ص) عندهم وعلي(ع) هو ربّ لايلد ولا يولد ولم يستولد، اللَّه جلّ وتعالى عمّا يصفون وعمّا يقولون علوّاً كبيراً»(108).
ومنهم: الفطحيّة.
في منتهى المقال: «أنّهم يعتقدون إمامة الأئمّّة الاثني عشر صلوات اللَّه عليهم مع عبداللَّه الأفطح، ويدخلونه بين الصادق والكاظم(ع)، قال: وعن الشهيد(ره) في (المسالك)(109): بين الكاظم والرضا(ع)(110) فتأمّل»(111) انتهى.
وعن الاختيار: «أنّهم القائلون بإمامة عبداللَّه بن جعفر بن محمّد(ع)، وسمّوا بذلك لأنّه قيل: إنّه كان أفطح الرأس. وقال بعضهم: إنّه كان أفطح الرِجْلَين.
وقال بعضهم: إنّهم نُسبوا إلى رئيس لهم يقال له: عبداللَّه بن فطيح من أهل الكوفة، والذين قالوا(بإمامته)(112) عامّة مشايخ العصابة، وفقهاؤنا قالوا بهذه المقالة، فدخلت عليهم الشبهة، لما روي عنهم(ع): أنّهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام، ثمّ منهم مَنْ رجع عن القول بإمامته لمّا امتحنه بمسائل من الحلال والحرام لم يكن عنده جواب، ولما ظهر منه من الأشياء التي لاينبغي أن تظهر من الإمام.
ثمّ إنّ عبداللَّه مات بعد أبيه بسبعين يوماً، فرجع الباقون - إلّا شذاذاً منهم - عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى(ع)، ورجعوا إلى منتهى الخبر الذي روي أنّ الإمامة لاتكون في الأخوين بعد الحسن والحسين(ع)، وبقي شذاذ منهم على القول بإمامته، وبعد أن مات قالوا بإمامة أبي الحسن موسى(ع)»(113) انتهى.
ومقتضى ما سمعت صدراً وذيلاً ما سمعته من المنتهى، لا ما ذكره الشهيد(ره).
ومنهم: القدرية. وهُمْ كما في التعليقة:«منسوبون إلى القدر، قائلون: إنّ كلّ أفعالهم مخلوقة لهم، وليس للَّه فيها قضاء ولا قدر. وفي الحديث: لا يدخل الجنّة قدريّ(114). وهُم الذين يقولون: لا يكون ما شاء اللَّه ويكون ما شاء إبليس. وربّما فُسِّر القدريّ بالمعتزليّ»(115). انتهى.
وروى الكشيّ في ترجمة عبداللَّه بن عباس حديثاً طويلاً فيه: «أنّ القدريّة هُم الذين ضاهؤوا النصارى في دينهم فقالوا: لاقدر» الخبر(116).
قلت: حيث إنّ التفسير المزبور مأخوذ من الخبر ومن حكاية الناقل المعتبر فاللازم التزام السكوت، وإلّا فتسمية منكر شيء بما أنكره كما ترى، بل كان المناسب حينئذٍ تسميتنا بالقدريّ، لكن كيف مع الذمّ.
ومنهم: الكيسانيّة. وهُم القائلون بالإمامة إلى الحسين(ع)، ثمّ محمّد بن الحنفيّة، وأنّه حيّ غاب في جبل رَضوى.
وربّما يجتمعون في ليالي الجمعة في الجبل ويشتغلون بالعبادة على ما سمعت، وهُمْ أصحاب المختار بن أبي عُبيدة.
ويقال: إنّ لقبه كان كيسان، وببالي أنّ منشأه كان في حجر عليّ(ع) وهو طفل فقال له: «يا كيّس يا كيّس كذا في التعليقة(117).
وذكر الكشّيّ في ترجمة المختار أنّ الكيسانيّة هُم المختاريّة، وكان لقبه كيسان، ولقّب كيسان لصاحب شرطته(المكنّى)(118) أبا عمرة وكان اسمه(كيسان)(119).
وقيل: إنّه سمّي كيسان بكيسان مولى عليّ بن أبيطالب(ع)، وهو الذي حمله على الطلب بدم الحسين(ع) ودلّه على قتله، وكان صاحب سرّه والغالب على أمره.
ومنهم: المخمّسة.
في التعليقة: «أنّهم فرقة من الغلاة يقولون: إنّ الخمسة: سلمان وأباذرّ والمقداد وعمّاراً وعمرو بن أميّة الضمريّ هُم الموكّلون بمصالح العالم من قِبَل الربّ»(120).
قال في منتهى المقال: «إنّ الربّ عندهم عليّ»(121).
قلت: يلاحظ ما مرّ في العلياوية.
ومنهم: المرجئة.
في التعليقة «هُم المعتقدون بأنّ مع الإيمان لاتضرّ المعصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سمّوا بذلك لاعتقادهم أنّ اللَّه تعالى أرجأ تعذيبهم، أي أخّره عنهم.
وعن أبي قتيبة هُم الذين يقولون: الإيمان قول بلاعمل.
وفي الأخبار: المرجئ يقول: مَنْ لم يصلّ ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة، ونكح أُمّه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل.
وقيل: هُم الذين يقولون: كلّ الأفعال من اللَّه.
وربما فسّر المرجئ بالأشعري.
وربّما يُطلق على أهل السنّة؛ لتأخيرهم عليّاً(ع) عن الثلاثة»(122).
ومنهم: المغيريّة.
وهُمْ - كما في التعليقة: «أتباع المغيرة بن سعيد، قالوا: إنّ اللَّه تعالى جسمٌ على صورة رجل من نور، على رأسه تاج من نور، وقلبه منبع الحكمة.
وربّما يظهر من التراجم كونهم من الغلاة، وبعضهم نسبوهم إليهم»(123).
ومنهم: المفوّضة.
في التعليقة: «هُم القائلون بأنّ اللَّه تعالى خلق محمّداً(ص) وفوّض إليه أمر العالم، فهو الخلّاق للدنيا وما فيها.
وقيل: فوّض ذلك إلى عليّ(ع). وربّما يقولون بالتفويض إلى سائر الأئمّة(ع) كما يظهر من بعض التراجم»(124).
قلت: ذكر في الفوائد معاني للتفويض: أحدها: ما سمعت.
والثاني: تفويض الخلق والرزق إليهم، قال: «ولعلّه رجع إلى الأول، و ورد فساده عن الصادق والرضا(ع).
والثالث: تفويض تقسيم الأرزاق. ولعلّه ممّا يطلق عليه.
والرابع: تفويض الأحكام والأفعال بأن يثبت ما رآه حسناً ويردّ ما رآه قبيحاً، فيجيز اللَّه تعالى إثباته وردّه، مثل إطعام الجدّ السدس، وإضافة الركعتين في الرباعيات، والواحدة في المغرب، والنوافل أربعاً وثلاثين، وتحريم كلّ مسكر عند تحريم الخمر، إلى غير ذلك»(125).
قال: «وهذا محلّ إشكال عندهم؛ لمنافاته ظاهر (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى)(126) وغير ذلك، لكنّ الكلينيّ(ره) قائل به، والأخبار الكثيرة واردة فيه.
ووُجِّهَ بأنّها ثبتت من الوحي إلّا أنّ الوحي تابع ومجيز، فتأمّل.
والخامس: تفويض الإرادة بأن يريد شيئاً لحسنه ولايريد شيئاً لقبحه، كإرادته تغيير القبلة، فأوحى اللَّه تعالى (إليه)(127) بما أراد.
(و)السادس: تفويض القول بما هو أصلح له وللخلق وإن كان الحكم الأصلي خلافه، كما في صورة التقيّة.
والسابع: تفويض أمر الخلق بمعنى أنّه أوجب عليهم طاعته في كلّ ما يأمر وينهى، سواء علموا وجه الصحّة أم لا ولو كان بحسب ظاهر نظرهم عدم الصحّة، بل الواجب عليهم القبول على وجه التسليم»(128).
قال: «وبعد الإحاطة بما ذكرنا هنا وما ذُكر سابقاً عليه يظهر أنّ القدح بمجرّد رميهم إلى التفويض أيضاً لايخلو عن إشكال»(129).
قلت: نعم، ولكنّ الذي يظهر في إطلاق المفوّضة أنّ المراد منه مَنْ قال بأحد الوجهين الأوّلين، خصوصاً والغالب أنّهم يذكرون ذلك في مقام الذمّ واختصاص الرجل باعتقاد مخصوص، ولا اختصاص للاعتقاد بأكثر المعاني المزبورة ببعض طوائف الشيعة.
ثمّ الظاهر من جملة إطلاقات التفويض والمفوّضة تفويض أفعال العباد إليهم بحيث لا يكون للَّه تعالى مدخل فيه، في مقابل الجبر الذي عليه الأشاعرة، كما أنّ المعتزلة على الأوّل، وأصحابنا على أمرٍ ثالث، وهو ما بين الأمرين؛ لما وصل إليهم عن الأئمّة(ع) بطريق التواتر والاستفاضة أنّه «لاجبر ولاتفويض بل أمر بين الأمرين» فإذا كان بعض الأصحاب من الرواة وغيرهم على طريقة المعتزلة في هذه المسألة الكلاميّة، فهو حينئذٍ من المفوّضة ويكون مذموماً.
ومنهم: الناووسيّة. «و هُم القائلون بالإمامة إلى الصادق(ع) الواقفون عليه، وقالوا: إنّه حيّ لن يموت حتّى يظهر ويظهر أمره، وهو القائم المهديّ.
وفي الملل والنحل(130): أنّ عليّاً مات وستُشَقّ الأرض عنه قبل يوم القيامة، فيملأ الأرض عدلاً.
قيل: نُسبوا إلى رجل يقال له: ناووس. وقيل: إلى قرية تسمّى بذلك» كذا في التعليقة(131).
وذكر الكشّيّ في ترجمة عنبسة: «إنّما سُمّيت الناووسيّة برئيس لهم يقال له: فلان بن فلان الناووس»(132).
قلت: وهذا ربّما يؤيّد ما حُكي عن قائل.
ومنهم: النصيريّة.
في التعليقة «أنّهم من الغلاة أصحاب محمّد بن نصير الفهري لعنه اللَّه، كان يقول: الربّ هو عليّ بن محمّد العسكري(ع)، وهو نبيّ من قِبَله، وأباح المحارم، وأحلّ نكاح الرجال»(133).
قلت: عن الكشيّ: «أنّ فرقة قالوا بنبوّة محمّد بن نصير الفهري النميري»(134).
وعن الغضائري: «إليه تُنسب النصيريّة»(135).
وعن الخلاصة «منه بدء النصيريّة، وإليه ينسبون»(136).
ثمّ لا يخفى أنّ المعروف الآن عند الشيعة - عوامّهم وأكثر خواصّهم لاسيّما شعرائهم - إطلاق النصيريّ على مَنْ قال بربوبيّة عليّ(ع).
وفي بعض الكتب حكاية قتله(ع) لرئيسهم أو جمع منهم، ثمّ إحياؤهم ليرتدعوا عن ذلك، فما نفعهم حتّى فعل بهم ذلك مراراً، بل أحرقهم، ثمّ أحياهم فأصَرُّوا وزادوا في العقيدة المزبورة قائلين: إنّا اعتقدنا بربوبيّتك قبل أن نرى منك إحياءً، فكيف وقد رأيناه.
إلّا أنّ الكتاب المزبور لم يثبت اعتباره وإن كان مسنداً إلى ثاني المجلسيّين، وهو كتاب تذكرة الأئمّة، فلاحِظْ.
وقد اعترف بمعروفيّة الإطلاق الثاني في منتهى المقال(137).
ومنهم: الواقفيّة.
فعن الاختيار: «أنّه حدّثه محمّد بن الحسن البراثيّ، قال: حدّثني أبو علي الفارسيّ، قال: حدّثني أبو القاسم الحسين بن محمّد بن عمر بن يزيد عن عمّه، قال: كان بدء الواقفة أنّه كان اجتمع ثلاثون ألف دينار عند الأشاعثة زكاة أموالهم وما كان يجب عليهم فيها، فحملوها إلى وكيلين لموسى(ع) بالكوفة، أحدهما حيّان السرّاج وآخر كان معه، وكان موسى(ع) في الحبس، فاتّخذوا بذلك دُوراً و عقدوا العقود واشتروا الغَلّات، فلمّا مات موسى(ع) وانتهى الخبر إليهما أنكرا موته، وأذاعا في الشيعة أنّه لايموت؛ لأنّه القائم، فاعتمدت عليهما طائفة من الشيعة، وانتشر قولهما في الناس حتّى كان عند موتهما أوصيا بدفع المال إلى ورثة موسى(ع)، واستبان للشيعة إنّما قالا ذلك حرصاً على المال»(138).
وفي الفوائد: «ربّما يطلق الواقفيّ على مَنْ وقف على غير الكاظم من الأئمّة(ع)، وسنشير إليه في يحيى بن القاسم.
لكنّ الإطلاق ينصرف إلى مَنْ وقف على الكاظم(ع)، ولاينصرف إلى غيرهم إلّا بالقرينة، ولعلّ من جملتها عدم دركه للكاظم(ع)، وموته قبله أو في زمانه(ع)، مثل سماعة بن مهران وعلي بن حنان ويحيى بن القاسم.
لكن سيجيء عن المصنّف(ره) في يحيى بن القاسم جواز الوقف قبله وحصوله في زمانه»(139).
ثمّ حكى عن جدّه(ره): «أنّهم صنفان: صنف منهم وقفوا عليه في زمانه؛ لشبهة حصلت لهم ممّا ورد عنه وعن أبيه أنّه صاحب الأمر، ولم يفهموا أنّ كلّ واحد منهم صاحب الأمر يعني أمر الامامة، ومنهم: سماعة بن مهران، لما نقل أنّه مات في زمانه(ع)»(140).
قال: «وغير معلوم كفر هذا الشخص، لأنّه عرف إمام زمانه، و(لم)(141)يجب عليه معرفة الإمام الذي بعده.
نعم، لو سمع أنّ الإمام بعده فلان ولم يعتقد، صار كافراً»(142).
ثمّ أيّد كلام جدّه به «أنّ الشيعة من فرط حبّهم دولة الأئمّة(ع) وشدّة تمنّيهم إيّاها ونحو ذلك ممّا ذكره كانوا دائماً مشتاقين إلى دولة قائم آل محمّد(ع)، وهُمْ(ع) يسلّون خاطرهم حتّى قيل: إنّ الشيعة تُربى بالأماني»(143).
قلت: فقد ظهر من ذلك أنّ منشأ الوقف ليس خصوص ما مرّ عن الاختيار، كما أنّه ظهر منه أنّه لايبادر إلى قدح الرجل بمجرّد إسناد الوقف إليه خصوصاً، فقد ذكر في الفوائد أيضاً أنّ جمعاً منهم رووا أنّ الأئمّة اثنا عشر، قال: «ويمكن أن يكون نسبة الوقف إلى أمثالهم، من أنّ الواقفة تدّعي كونه منهم، إذ أكثروا من حيث الرواية عنه أو من روايتهم ما يتضمّن الوقف؛ لعدم فهمهم روايته»(144).
ولو أفادت أحدهما، فممّا لايعتنى به إمّا لضعف الإفادة أو المفاد.
فمنها: لفظ «المولى» فكثيراً مّا يقولون في الرجل:«إنّه مولى فلان» ومرّة «إنّه مولى بني فلان» وأُخرى «مولى آل فلان» وقد يقطعونه على الإضافة فيقولون: «مولى» وربّما يقولون: «إنّه مولى فلان ثمّ مولى فلان».
فمن الأوّل: إبراهيم بن محمّد بن أبي يحيى أبو إسحاق مولى أسلم بن قصي، وأحمد بنالحسن بنعليّ بنمحمّد بنفضّال عمر بنأيمن مولى عكرمة بن ربعيّ.
ومن الثاني: أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شُعيب بن ميثم التمّار أبو عبداللَّه مولى بني أسد، وإبراهيم عبدالحميد الأسديّ مولاهم، وإبراهيم بن عربي الأسديّ مولاهم.
ومن الثالث: إبراهيم بن سليمان بن أبي داحة المُزني مولى آل طلحة ابن عبيداللَّه، وإبراهيم بن محمّد مولى قريش.
ومن الرابع: أحمد بن رياح بن أبي نصر السكونيّ مولى، وأيوب بن الحرّ الجعفي مولى، وإبراهيم بن أبي محمود الخراساني مولى، وأحمد بن أبي بشر السراج كوفي مولى.
ومن الخامس: تغلبة بن ميمون مولى بني أسد ثمّ مولى سلامة، وصفوان بن مهران بن المغيرة الأسديّ مولاهم ثمّ مولى بني كاهل، والحسن بن موسى سالم مولى بني أسد ثمّ بني والبة، إلى غير ذلك.
ومجمل الكلام فيه: أنّ له في اللغة معاني كثيرة أشار إليها في القاموس(145) وغيره(146).
قال في الأوّل: «المولى المالك والعبد والمعتِق والمعتَق والصاحب والقريب، كابن العمّ ونحوه، والجار والحليف والابن والعمّ والنزيل والشريك، وابن الاُخت والولي والربّ والناصر والمنعِم والمنعم عليه، والمحبّ والتابع والصهر».
وأمّا في اصطلاح أهل الرجال ففي الفوائد «يجيء في إبراهيم بن أبي محمود، وعن الشهيد الثاني(ره) أنّه يطلق على غير العربي الخالص وعلى المعتق وعلى الحليف، والأكثر في هذا الباب إرادة المعنى الأوّل(147)»(148). انتهى.
قال: «والظاهر أنّه كذلك إلّا أنّه يمكن أن يكون المراد منه النزيل أيضاً، كما قاله جدّي في مولى الجعفيّ، فعلى هذا لا يحمل على معنى إلّا بالقرينة، ومع انتفائها فالراجح لعلّه الأوّل؛ لما ذُكر»(149).
قلت: في عوائد الفاضل النراقي ذكر من جملة معانيه باصطلاحهم: الملازم للشخص، قال: «فإنّه يقال لمن يلازم غيره: إنّه مولاه بالملازمة، كما قيل في مَقسم مولى ابن عبّاس؛ للزومه إيّاه. ومنها: المولى بالإسلام، فمن أسلم على يد آخر كان مولاه، يعني بالإسلام».
ثمّ قال: «ذكر هذه المعاني الثلاثة مشيراً بها إليهما مع غير العربي الخالص شيخنا الشهيد الثاني(ره) في شرح الدراية(150)، وقال فيه: والغالب مولى العتاقة. وقال أيضاً: إنّ المولى لغير العربي الخالص أيضاً كثيراً»(151). انتهى.
ولا يخفى ما في النقلين من الاختلاف إن كان المنقول عنه محلّاً واحداً، وإلّا ففي كلام المنقول عنه.
ثمّ الظاهر أنّه بمعنى الملازم المراد بالصاحب الذي هو أحد معانيه في اللغة(152)، مع احتمال التابع الذي هو أيضاً أحدها في قولهم: عبداللَّه بن سنان بن ظريف مولى بني هاشم. ويقال: مولى بني أبي طالب. ويقال: مولى بني العباس بقرينة قولهم فيه: كان خازناً للمنصور والمهدي بعده والهادي والرشيد.
واحتمال إرادة غير ذلك منه هنا بعيد؛ فإنّ الرجل «كوفيّ ثقة من أصحابنا جليل لايطعن عليه في شيء، كما ذكره النجاشي، فتدبّر»(153).
ثمّ إنّه لاينافي حمل إطلاق المولى على بعض ما ذكر من المعاني الاصطلاحيّة أو اللغويّة التعبير عن ذلك المعنى في مقامٍ آخر بلفظٍ آخر صريح فيه أو ظاهر، كما قيل في أبان بن عمر الأسديّ: إنّه ختن آل ميثم، وفي إبراهيم أبي رافع: إنّه عتيق رسول اللَّه(ص)، وفي أحمد بن إسحاق الأشعري: إنّه كان وافد القمّيّين، وفي الصدوق: إنّه كان نزيل الريّ، وفي إبراهيم بن أحمد بن محمّد الحسينيّ الموسويّ الروميّ: إنّه نزيل دار النقابة بالريّ، إلى غير ذلك، وذلك لإرادة التنصيص والظهور في مقامٍ دون آخر.
هذا، وقد ظهر ممّا سمعت من معانيه وإطلاقاته أنّه لا يفيد مدحاً يُعتنى به. نعم، لو أُضيف إلى واحد من المعصومين(ع)، أفاده في الجملة، ولعلّه الباعث على ذكره فيهم.
لكن «في ترجمة معتب ما يشير إلى ذمّ موالي مولانا الصادق(ع)، إلّا أنّ في ترجمة مسلم مولاه ورد مدحه»، نَصَّ على ذلك في الفوائد(154).
ومنه يظهر أنّه لو أُضيف إلى أعدائهم، أفاد الذمّ في الجملة، كما في الحسين بن راشد أو الحسن أنّه مولى بني العباس.
هذا، وأمّا لفظ الغلام فكثيراً مّا يقع استعماله في الرجال، فيقال: إنّ فلان من غلمان فلان، وقد يُستعمل في حقّ بعض الأعاظم، فقد يُتوهّم أنّ المراد به العبد، وهو من خلط اللغتين: العربيّة والعجميّة، وإلّا فلم نقف فيما عندنا من كتب اللغة على هذا المعنى له حتّى في مثل القاموس.
والظاهر أنّ المراد به التلميذ.
فعن مجمع البيان: «الغلام للذكر أوّل ما يبلغ - إلى أن قال -: ثمّ يستعمل فيالتلميذ، فيقال: غلام، فغلب هذا»(155).
وفي منتهى المقال في ترجمة بكر بن محمّد بن حبيب: «يجيء الغلام بمعنى المتأدّب - أي التلميذ - في عبائر القوم أكثر كثيراً»(156) ثمّ أَمر بملاحظة جملة من التراجم، فلاحِظْها وتأمّل.
ومنها: قولهم: «له أصل». ولنذكر هنا قولهم: «له كتاب» و «له مصنّف» و «له نوادر» مضافة إلى باب من العلم كالمناقب والمثالب أو تهذيب الأخلاق وعمل يوم وليلة، أو بجعل ما ذُكر ظرفاً لها، كقولهم: «له أصل - أو - كتاب في كذا» وهكذا، أو إلى شخص كابن عيسى وغيره، وهو الغالب في استعمال الكتاب، أو موصوفة بوصف الحسن أو الاعتبار أو غير ذلك.
ولنذكر أوّلاً ما وقفنا على معاني مفرداتها مع النسبة بين بعضها مع بعض، ثمّ إفادتها المدح أو العدم.
فنقول في الأول: المعروف في أَلسِنة العلماء بل كتبهم أنّ الأُصول أربعمائة جُمعت في عهد مولانا الصادق أو في عهد الصادقين(ع).
لكن حكى في فوائد التعليقة عن ابن شهر آشوب: «أنّه في معالمه نقل عن المفيد(ره) أنّ الإماميّة صنّفوا من عهد أمير المؤمنين إلى زمان العسكري(ع) أربعمائة كتاب تسمّى الأُصول(157)».
ثمّ قال - بعد الحكاية -: «لايخفى أنّ مصنّفاتهم أزيد من الأُصول، فلابدّ من وجه تسمية بعضها أُصولاً دون البواقي.
فقيل: إنّ الأصل ما كان مجرّد كلام المعصوم(ع)، والكتاب: ما فيه كلام مصنّفه أيضاً، وأُيّد ذلك بما ذكره الشيخ(ره) في زكريّا بن يحيى الواسطي: له كتاب الفضائل وله أصل».
قال: «وفي التأييد نظر، إلّا أنّ ما ذكره لايخلو من قرب وظهور»(158).
قلت: إنّما يُستفاد من ذلك أنّهما مختلفان عند القائل، وأمّا وجه الاختلاف فلا يستفاد منه أصلاً فكيف بأنّه ما ذكره!؟
ويستفاد هذا أيضاً ممّا في الفهرست في ترجمة الحسين بن أبي العلاء: «له كتاب يُعَدّ في الأُصول»(159) وإن كان في التعليقة الاستشهاد بذلك على إطلاق الكتاب على الأصل، كاستشهاده عليه بما في ترجمة الحسن بن رباط وجمعٍ آخر(160).
وفيه تأمّل؛لأنّ إطلاق الكتاب في أمثال ذلك من النجاشيّ، والأصل من الشيخ.
ولعلّ وجهه اختلافهما في الاصطلاح أو في استحقاق ما اختلفا فيه لإطلاق أحد اللفظين.
ومن ذلك أيضاً ما في ترجمة هشام بن سالم، فذكر النجاشي أنّ له كتاباً(161)، والشيخ أنّ له أصلاً(162).
وكذا ما في ترجمة هشام بن الحكم، وترجمة سعد بنأبي خلف، وذريح بن محمّد بن يزيد، وحميد بن المثنّى العجليّ الكوفي، وحفص بن سالم، وحفص بن البختريّ، والحسين بن غندر، والحسن بن موسى بن سالم، والحارث بن محمد بن النعمان، وجميل بن درّاج، إلى غير ذلك ممّا يظهر أنّ المستعمل فيه «كتاب» واحد.
بل الذي يظهر بالتتبّع اختصاص إطلاق الأصل في الغالب بالشيخ حتّى أنّ غيره ممّن تأخّر عنه إذا أطلقه فهو ممّا أخذه منه(ره) وإن ندر أخذه عن غيره مع احتمال وقوعه على إطلاق الشيخ في موضعٍ آخر، فإنّه قد يطلق الأصل على ما يطلق عليه الكتاب، كما يظهر من ترجمة زيد الزرّاد وزيد النرسيّ(163).
وإنّما قلت: في الغالب؛ إذ قد وقفت على إطلاق النجاشيّ(164) في الحسن بن أيّوب - على حكاية نقد الرجال - أنّه قال: «له كتاب أصل» وكذا عن الوجيزة(165) والبلغة(166) «له أصل» وفي نقلٍ آخر عن الوجيزة(167) كذلك.
وعن الشيخ(ره): «له كتاب» وأُخرى: «له كتاب النوادر»(168).
وبالجملة، فالذي يظهر اختصاص هذا الاصطلاح بالشيخ(ره) وهو في الغالب يوافق النجاشيّ في إطلاق الكتاب، ومخالفته معه في إطلاقه الأصل، فيطلق الشيخ في مقامه الكتاب أقلّ قليل.
والذي يظهر اختلاف معنى الأصل مع الكتاب عند الشيخ.
ويؤيّده - بعد ما سمعت - ما ذكره في حميد بن زياد من أهل نينوى: «أنّه كثير التصانيف، روى الأُصول أكثرها، له كتب كثيرة على عدد كتب الأُصول»(169).
ويختلفان في إطلاق الكتاب والنوادر أيضاً، كما في منصور بن العباس والحسن بن راشد، فقال النجاشي: «لهما كتاب نوادر»(170) والشيخ: «كتاب»(171) وفي الحسن بن ظريف. النجاشي: «له نوادر»(172) والشيخ: «له كتاب»(173).
ثمّ إنّه(ره) - بعد حكاية الفرق المزبور مع تأييده المذكور، ونقل عليه اعتراضين وردّهما، فقال:«واعترض بأنّ الكتاب أعمّ» - قال: «وهذا الاعتراض سخيف؛ إذ الغرض بيان الفرق بين الكتاب الذي هو ليس بأصل ومذكور في مقابله، وبين الكتاب الذي هو أصل، وبيان سبب قصر تسميتهم الأصل في الأربعمائة».
قال: «واعترض أيضاً بأنّ كثيراً من الأُصول فيه كلام مصنّفه، وكثيراً من الكتب ليس فيه، ككتاب سُليم بن قيس».
قال: «وهذا الاعتراض - كما تراه - ليس إلّا مجرّد دعوى، مع أنّه لايخفى بُعْدُه على المطّلع بأحوال الاُصول المعروفة.
نعم، لو ادّعي ندرة وجود كلام المصنّف فيها، فليس ببعيد، ويمكن أن لايضرّ القائل أيضاً، وكون كتاب سُليم بن قيس ليس من الأُصول من أين؟ إذ بملاحظة كثير من التراجم يظهر أنّ الأُصول ما كانت بجميعها مشخّصةً عند القدماء».
ثمّ قال: «ويظهر من كلام الشيخ(ره) في أحمد بن محمّد بن نوح أنّ الاُصول رُتّبت ترتيباً خاصّاً.
وقيل في وجه الفرق: إنّ الكتاب ما كان مبوَّباً ومفصَّلاً، والأصل مجمع أخبار وآثار.
ورُدَّ بأنّ كثيراً من الأُصول مبوَّبة».
قال: «أقول: ويقرب في نظري أنّ الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنّفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم(ع) أو عن الراوي، والكتاب والمصنَّف لو كان فيهما حديث معتمد، لكان مأخوذاً من الأصل غالباً، وإنّما قيّدنا بالغالب؛ لأنّه ربّما كان بعض الروايات وقليلها يصل معنعناً ولا يؤخذ من أصل، وبوجود مثل هذا فيه لايصير أصلاً، فتدبّر»(174).
قلت: فهذه في الظاهر أقوال ثلاثة في المراد بالأصل والفرق بينه وبين الكتاب.
والذي يظهر أنّ مرجعها إلى أمر واحد خصوصاً في تفسير الأصل، ومنشؤ ظهور الاختلاف قصور العبارة، وقد زُعم وفاؤها بانضمام بعض ما عند صاحبها من قرائن والتفاتات خَفِيَت على غيره. ومن هنا وجب على المعبّر فرض نفسه مستفيداً من العبارة نفسها مع قطع النظر عمّا عنده ممّا يفارق العبارة ولا يصاحبها.
والمتحصَّل: أنّ الأصل مجمع أخبار وآثار جُمعت لأجل الضبط والحفظ عن الضياع لنسيان ونحوه، ليرجع الجامع وغيره في مقام الحاجة إليه، وحيث إنّ الغرض منه ذلك لم ينقل فيه في الغالب ما كتب في أصل أو كتاب آخر لحفظه هناك، ولم يكن فيه من كلام الجامع أو غيره إلّا قليل ممّا يتعلّق بأصل المقصود، وهذا بخلاف الكتاب؛ إذ الغرض منه أُمور، منها: تحقيق الحال في مسألة. ومنها: سهولة الأمر على الراجع إليه في مقام العمل، فيأخذ منه ما يحتاج إليه، ولذا ينقل فيه من كتابٍ أو أصلٍ آخر ما يتعلّق بذلك ويبوّب ويفصّل، ويذكر فيه من كلام الجامع ما يتعلّق بردّ وإثبات وتقييد وتخصيص وتوضيح وبيان، وغير ذلك ممّا يتعلّق بالغرض المزبور.
ونظير القسمين عندنا موجود أيضاً، فمرّة نكتب في أوراق أو مجموعة ما نسمعه من صريح كلام فاضل أو غيره، أو نستنبطه من فحواه أو إشاراته، أو نلتفت إليه بأفكارنا وسيرنا في المطالب، سواء كان ذلك مطلباً مستقلاًّ أو دليلاً على مطلب أو إيراداً و نقضاً على خيال أو نكتة ودقيقة أو سرّ أو علّة لمقصود، إلى غير ذلك، فنسرع إلى جمعه في مقام ليكون محفوظاً إلى وقت الحاجة. وربّما ننقل فيه من كتاب وقفنا عليه مع زعم صعوبة وصولنا إليه بعد ذلك. وأُخرى نكتب تصنيفاً لتحقيق مطالب ومقاصد بالاستدلال الكامل أو غيره، أو لجمع مهمّات المطالب لرجوع الغير إليه، كما في الرسائل العمليّة ونحوها، أو تأليفاً لجمع ما شتّت من أخبار أو لغة أو رجال أو حكايات لغرض سهولة الأمر على الراجع وكفايته بمقصوده، كان من المستنبطين أو الوعّاظ أو الزهّاد أو نحو ذلك. فالقسم الأوّل كالأصل، والثاني كغيره من الكتب.
وممّا يؤيّد ما ذكرناه - بعد ما سمعت من تصريح الجماعة - أنّه لم نقف في التراجم على أن يقال: لفلان أصلان أو أُصول، أو مع الوصف بالكثرة، وكذا: إنّ له أصلاً في كذا.
وهذا كلّه بخلاف الكتاب والمصنَّف، لمكان الدواعي إلى تكثّرهما، وجَعْل كلّ قسم في مطلب أو باب من العلم، بخلاف الأصل، فكلّ ما وصل إليه من الأخبار، وعنده أنّه ليس في مكتوب محفوظ أو أنّه فيما لاتَصل الأيادي إليه، يكتبه في مجموعة واحدة، ولعدم اتّحاد ما فيه مقصداً لايقال له: إنّه في كذا.
وهذا بخلاف النوادر؛ فإنّه وإن شارك الأصل فيما ذكرناه إلّا أنّ المجتمع فيه قليل من الأحاديث غير المشتبه في كتاب، فمرّة هي من سنخ واحد، فيقال: إنّه نوادر الصلاة أو الزكاة مثلاً، وأُخرى من أصناف مختلفة، فيقتصر على أنّه نوادر أو كتاب نوادر.
فعن روضة المتّقين: النوادر هي أخبار متفرّقة لايجمعها باب، ولا يمكن لكلِّ منها ذكر باب، فتجمع وتسمّى بالنوادر.(175)
وفي الوافي: هي الأحاديث المتفرّقة التي لايكاد يجمعها معنى واحد حتّى تدخل معاً تحت عنوان.(176)
قلت: قيد القلّة محتاج إليه للتميّز عن الأصل، ولعلّ في الأوّل إشارةً إليه في أخير كلامه.
ولقد نصّ عليها في فوائد التعليقة، قال: «وأمّا النوادر فالظاهر أنّه ما اجتمع فيه أحاديثلاتنضبط في باب؛لقلّته بأن يكون واحداً أو متعدّداً، لكن يكون قليلاً جدّاً، ومن هذا قولهم في الكتب المتداولة: نوادر الصلاة ونوادر الزكاة وأمثال ذلك».
قال: «وربّما يُطلق النادر على الشاذّ، ومن هذا قول المفيد(ره) في رسالته في الردّ على الصدوق، في أنّ شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقص: إنّ النوادر هي التي لا عمل عليها(177)، مشيراً إلى رواية حذيفة.
والشيخ(ره) في التهذيب قال: لايصلح العمل بحديث حذيفة؛ لأنّ متنه لايوجد في شيء من الأُصول المصنّفة، بل هو موجود فيالشواذّ من الأخبار(178).
والمراد من الشاذّ عند أهل الدراية ما رواه الراوي الثقة مخالفاً لما رواه الأكثر، وهو مقابل المشهور(179).
قلت: هو المستفاد من رواية الأخذ بالشهرة دون الشاذّ النادر.
وحيث عرفت المفردات عرفت النسبة بينها، فالكتاب أعمّ من الجميع مطلقاً بحسب اللغة بل العرف إلّا عُرف مَن اصطلح الأصل في نحو ما ذُكر، والكتاب في مقابله كما عرفت، فمتباينان، كظهور تباين الأصل مع النوادر بل الجميع حتّى التصنيف والتأليف في العرف المتأخّر وإن كان أحياناً يُطلق بعضهإ؛ على بعض إمّا للمناسبة أو بناء على خلاف الاصطلاح المتجدّد، فلاحِظ الموارد وتدبّر.
ونقول في الثاني: إنّ المحكيّ عن البُلغة(180) استفادة الحُسن من قولهم: له أصل.
وفي التعليقة في ترجمة عليّ بن أبي حمزة البطائني - بعد نقل تضعيفه عن المشهور -: «قيل بكونه موثّقاً؛لقولالشيخ في العدّة: عملت الطائفة بأخباره، ولقوله في الرجال: له أصل، ولقول ابن الغضائري في ابنه الحسن: أبوه أوثق منه»(181).
وذكر في فوائدها: «أنّ الظاهر أنّ كون الرجل صاحب أصل يُفيد حُسناً لا الحسن الاصطلاحي، وكذا كونه كثير التصنيف، وكذا جيّد التصنيف وأمثال ذلك، بل كونه ذا كتاب أيضاً يشير إلى حسنٍ مّا، ولعلّ ذلك مرادهم ممّا ذكروا»(182).
قلت: يحتمل أن يريد به أنّ هذا المقدار من الحسن مراد مَنْ ذكر استفادته ممّا ذكر، وقد قدّم حكاية ذلك عن خاله بل وجَدِّه قائلاً: «على ما هو ببالي»(183).
وعن المفيد أنّه قال في مدح جماعة في رسالته في الردّ على الصدوق: «هُمْ أصحاب الأُصول المدوّنة»(184).
ويحتمل أن يريد به أنّ هذا المقدار مراد مَنْ ذكر هذه الألفاظ في الرجال.
وعلى كلّ حال يظهر من تأمّله فيما حكاه عن جدّه وخاله - بعد ملاحظة ما سمعته منه مع تعليله بأنّ كثيراً من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأُصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وبعضهم متروك العمل بما يختصّ بروايته - أنّه فهم منهما إرادة الحسن المصطلح. وعليه كانت الأقوال ممّن أثبت الإفادة ثلاثة:
أحدها: إفادته التوثيق، وهو ظاهر القول المحكيّ في ترجمة البطائنيّ، مع احتمال إرادته التوثيق من مجموع ما ذكره، وليس ببعيد.
والثاني: الحسن المطلق.
والثالث: الحسن المصطلح.
والمستفاد من منتهى المقال نفي الإفادة رأساً، ففي فوائدها: «لايكاد يُفهم حُسنٌ من قولهم: له كتاب أو أصل أصلاً»(185).
وفي الردّ على القول المحكيّ في ترجمة البطائنيّ: «لايخفى أنّ له أصل لايفيد مدحاً أصلاً».
قال: «وصرّحوا(186) بأنّ كون الرجل ذا أصل لايخرجه عن الجهالة مطلقاً»(187).
قلت: مِن هذا يظهر أنّ النفي مذهب الأكثر، ولعلّه الأظهر إنّ أُريد بالحسن ما هو أعلى من مطلق المدح، وإلّا بأن أُريد منه مطلق المدح، فالظاهر نعم؛ لوضوح أنّه ليس ممّا يفيد الذمّ، كوضوح أنّ الإكثار منه و من إثبات كتاب أو كتب أو أصل ونحوه لشخص في مقام المدح والقدح ليس عبثاً، فالظاهر إرادتهم منه الإشارةَ إلى مدح فيه، بل هو أولى من المولى، فيستفاد منه نوع مدح متفاوت المراتب بتفاوت القرائن والتعبيرات، مثل أن يقال: له كتاب، أو: أصل جيّد، أو: رواه جماعة، أو: فلان، وهو لايروي الضعاف.
وكالشهادة بأنّه صحيح، كما ذكر النجاشيّ في الحسن بن عليّ بن النعمان: «له كتاب نوادر، صحيح، كثير الفوائد»(188) وفي الحسن بن راشد: «له كتاب نوادر، حسن كثير العلم»(189).
وذكر الشيخ أنّ حفص بن غياث عامّيّ المذهب، له كتاب معتمد(190)، فعن منهجالمقال أنّه «ربّما يجعل مقام التوثيق من أصحابنا»(191).
وذكر أيضاً أنّ طلحة بن زياد عامّي المذهب، إلّا أنّ كتابه معتمد(192).
وفي التعليقة: «حَكَمَ خالي بكونه كالموثّق، ولعلّه لقول الشيخ: كتابه معتمد»(193).
ومن ذلك إذا قالوا: إنّ كتابه في أُمور تدلّ على حسن حاله، كفضائل الأئمّة أو أحدهم(ع)، أو الأعمال المستحبّة والزيارات، أو الردّ والنقض على المخالفين والمبطلين من فِرَق الشيعة، ونحو ذلك.
ومنها: قولهم: «قريب الأمر» أو «مضطلع بالرواية» أو «سليم الجنبة».
والمراد بالأوّل(194) إمّا أنّه قريب العهد إلى التشيّع، أو يقرب أمر قبول روايته، أو قريب المذهب إلينا، أو غير ذلك.
ولايخفى أنّ شيئاً ممّا ذُكر لايوجب مدحاً معتبراً، وإن أخذه أهل الدراية مدحاً، فلعلّهم أرادوا مطلقه.
وبالثاني(195) أنّه قويّ - أو عالٍ - عليها، أو(مالك)(196) منها، والمدح المستفاد منه أقوى من غيره ممّا ذُكر.
وبالثالث(197) أنّه سليم الأحاديث أو سليم الطريقة.
ولايخفى أنّه أقوى من غيره، لكن حيث لم يثبت أحد التفاسير فلايمكن البناء على حسن حال الرجل.
نعم، استفادة مطلق المدح من ذلك معلوم.