في تقسيمه باعتبار ما يرجع إلى ذات الرواة وأوصافهم من حيث مدخليّة ذلك في اعتبار الحديث وعدمه، وهذا البحث بالرجال والأُصول أنسب؛ لما مرّ مفصَّلاً في المقدّمة، بخلاف علم الدراية الباحث عن أحوال الحديث، الظاهرة فيما يعرضه بملاحظة نفسه وإن عمّمت إلى ما يعرضه مطلقاً.
وكذا البحث الثاني؛ إذ في كيفيّة التحمّل مدخل تامّ في اعتبار الحديث وعدمه وقوّته وضعفه، فيراعى مطلقاً، ولا أقلّ في مقام التعارض والترجيح.
نعم، البحث الثالث أنسب بالدراية وإن كان لبعض أقسامه مدخل فيما ذُكر.
وبالجملة، هذا هو الباعث على تعرّضنا وتعرّض كثير من الأُصوليّين لهذه المباحث في مثل المقام والأُصول.
فنقول: قسّمه المتأخّرون بهذا الاعتبار إلى أقسام: الصحيح والموثّق والحسن والقويّ والضعيف، وهذه أُصول الأقسام عندهم، فقد يُزاد في التقسيم بتقسيم كلِّ إلى أعلى وغيره، وقد يُزاد على الأدنى بأنّه كالأعلى، فيقال مثلاً: الحسن كالصحيح، أو كالموثّق والقويّ كالحسن، ونحو ذلك.
ويظهر من المتقدّمين أيضاً تقسيمه إلى أقسام منها: الصحيح، ولذا مرّ قولهم: «لفلان كتاب صحيح» وقولهم: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن فلان» وقول الصدوق: «وكلّ ما صحّحه شيخي فهو عندي صحيح»(1).
ومنها: المعمول به. وقد مرّ أنّ الطائفة عملت بما رواه فلان، وسكنوا إلى روايات فلان، ولفلان كتاب يعمل به.
ومنها: الشاذّ والنادر(2).
ومنها: الضعيف. وفي عبائرهم: فلان ضعيف، أو ضعيف الحديث، أو مختلطة، أو غير نقيّة، ونحو ذلك.
ومن هنا يظهر اندفاع ما أورده كثير من الأخباريّين القاصرين على تقسيم المتأخّرين بأنّه اجتهاد منهم وبدعة، والأوّل طريقة العامّة والثاني في الضلالة، وقد مرّ بجوابه في المقدّمة.
ونزيد عليه هنا: أنّ أصل الاصطلاح كان موجوداً عند القدماء، والصادر من المتأخّرين تغييره إلى ما هو أضبط وأنفع، فإن كان مجرّد التغيير بدعةً، فالأخباريّون أيضاً من أهلها؛ لتغييرهم كيفيّة البحث والاستدلال والتصنيف والتأليف وغير ذلك، مع أنّ أصل عروضه عند القدماء أيضاً بدعة، مضافاً إلى منع كلّيّة الكبرى؛ لما ورد في تقسيم البدعة، واختصاص بعض أقسامها بالضلالة.
ولتطويل الكلام معهم محلّ آخر، إنّما الكلام هنا في معرفة الأقسام المزبورة.
فنقول: أمّا الصحيح فالمراد به عند المتأخّرين: ما كان جميع سلسلة سنده إماميّين ممدوحين بالتوثيق مع اتّصال السند إلى المعصوم(ع)(3).
ومع التعدّد في مرتبة أو أزيد كفى اتّصاف واحد منهم بما ذُكر.
وعن جمهور العامّة اعتبار أن لايكون شاذّاً ولا معلّلاً فيه.
وفيه: أنّ اعتبار ذلك إنّما هو في اعتباره دون التسمية، والأخير إذا كان في السند وإن نافى التسمية؛ إذ المراد به الإرسال فيما ظاهره الاتّصال، إلّا أنّ اعتبار عدمه مستفاد ممّا ذُكر؛ لفرض اتّصاف جميع السند بما ذُكر، فالساقط إن كان متّصفاً بذلك،فلا إشكال، وإلّا لم يصدق اتّصاف الجميع به.
وأمّا إذا كان في المتن فبأحد الاصطلاحين - وهو ما اشتمل على علّة الحكم - غير مضرّ قطعاً، وبالآخر - وهو ما كان في متنه عيب قادح - فإنّما يقدح في الاعتبار لا في التسمية.
ثمّ إنّ هذا القسم ينقسم عند جماعة إلى أقسام ثلاثة: أعلى وأوسط وأدنى.
فالأعلى: ما كان اتّصاف الجميع بما ذُكر بالعلم أو بشهادة عدلين، أو في البعض بالأوّل و فيالآخر بالثاني(4).
والأوسط: ما كان اتّصاف الجميع بما ذكر بقول عدل يفيد الظنّ المعتمد، أو كان اتّصاف البعض به بأحد الطرق المذكورة في الأعلى.
والأدنى: ما كان اتّصاف الجميع أو بعضهم - مع كون الباقين من أحد القسمين الأوَّلين - بالوصف المعتبر في الصحّة بالظنّ الاجتهادي.
وهل يجري هنا ما يجيء في البواقي من زيادة الأقسام بتشبيه الأدنى من نوع بنوع أعلى منه، فيشبه الأدنى هنا بأعلى منه مع اتّحاد النوع، بل في البواقي أيضاً، فيقال: الصحيح الأوسط كالصحيح الأعلى، والأدنى كالصحيح الأوسط أو الأعلى، والموثّق الأوسط كالموثّق الأعلى وهكذا، بل بتشبيه الأعلى في نوعٍ بالأدنى فيه، بل الأعلى من نوعٍ بنوع أدنى إشارة إلى كونه من أدنى مراتبه، فيقال: الصحيح الأعلى كالصحيح الأوسط أو الأدنى، أو الصحيح كالموثّق أو كالحسن وهكذا، أم لا؟ (لم)(5) أقف عَلى مَنْ نصّ عليه ولا على مَن استعمله، ولا ريب في إمكانه، فلا بأس به لو فعل، وعليه فتكثر الأقسام إلى ما ترى.
ولا يخفى اختلاف القوّة والضعف باختلاف المراتب المزبورة وغيرها.
مثلاً: في الصحيح الأدنى باختلاف الظنون الاجتهادية قوّةً وضعفاً، خصوصاً حيث اختصّ التوثيق بالظنّ المزبور بواحد من سلسلة السند وكان من أقوى الظنون، فربّما يقوى هذا الأدنى على الأوسط حيث كان توثيق غير الموثّق بالظنّ المزبور بما في الصحيح الأعلى، إلى غير ذلك ممّا لايخفى على المتأمّل، خصوصاً إذا انضمّ إلى ذلك بعض القرائن الخارجيّة الموجبة للقوّة أو الضعف.
وهذا يثمر عند التعارض، وكذا في مراتب الاطمئنان، فربّما يجترأ في القويّ على مخالفة جمع بل الأكثرين، ولا يجترأ في غيره.
وبالجملة، هذا باب واسع لاينبغي للفقيه المستفرغ بل الفارغ أن يغفل عنه.
وأمّا الموثّق: فالمراد به عندهم: ما كان جميع سلسلة سنده ممدوحين بالتوثيق الأعمّ الشامل للمقيّد بالجوارح، مع كون الجميع أو البعض من غير الإماميّة، مع اشتراط الاتّصال السابق، فإنّه معتبر في الجميع عدا الضعيف.
وله أيضاً أقسام ثلاثة: أعلى وأوسط وأدنى، وأقسام أُخر باعتبار التشبيه تعرف - كتعدّد المراتب واختلافها قوّةً وضعفاً - بمقايسة ما مرّ، وهذا قد يسمّى بالقويّ أيضاً.
وأمّا الحسن: فالمراد به عندهم: ما كان جميع سلسلة سنده إماميّين ممدوحين بما لم يبلغ حدّ الوثاقة مطلقاً، فإن بلغ حَدَّها، ففي البعض خاصّةً، وله أيضاً أقسام ومراتب تُعرف بملاحظة ما مرّ.
ثمّ إنّك قد عرفت من التعميم في هذين القسمين أنّ كلّاً منهما على قسمين:
أحدهما في الأوّل: كون الجميع من غير الإماميّة.
والثاني منه: كون البعض خاصّةً منهم.
والأوّل من الأخير: عدم بلوغ مدح واحد من السلسلة إلى حدّ التوثيق.
والثاني منه: اختصاص ذلك ببعضهم.
وأمّا القويّ(6) فالمراد به عندهم بمعناه الأعمّ: ما يدخل فيه جميع ما خرج عن الأقسام الثلاثة المزبورة، ولم يدخل في الضعيف.
وله أيضاً ما مرّ من الأقسام بالاعتبارين، وكذا المراتب المختلفة، ويُعرف الجميع بملاحظة ما مرّ.
وله زيادةً على ذلك أقسام:
منها: ما كان جميع سلسلة سنده إماميّين لم ينصّ في أحدهم على مدح ولا ذمّ، هكذا قيل.
وينبغي تقييده بعدم استفادة أحد الأمرين فيهم من أُمور أُخر كالظنون الاجتهاديّة، وإلّا كان مرّةً من أقسام الصحيح، وأُخرى من الحسن، وثالثةً من الضعيف، ولا يحسن جعله في مقابل الجميع، وكأنّه مراد الجميع.
ومنها: ما اتّصف بعض رجال سنده بما في الموثَّق مع كونه من غير الإماميّة، ومَن عداه بما في الحسن. وهذا الذي اختلف في إلحاقه بأحدهما.
ومنشؤ الاختلافِ الاختلافُ في كون الموثّق أقوى من الحسن أو بالعكس، فكلٌيلحقه بالأضعف؛ لتركّب السند منهما، والنتيجة تَبَعٌ لأخسّ مقدّمتيها، وحيث إنّ عمدة أسباب الاعتبار تدور مدار الظنّ بالصدور فالموثّق من هذه الجهة أقوى فالإلحاق بالحسن وإن كان من أعلى مراتبه.
ومنها: ما كان جميع سنده من غير الإماميّ، لكن مدح الجميع بما لم يبلغ حدّ الوثاقة.
ومنها: ما تركّب سنده من إماميّ موثّق وغير إماميّ ممدوح.
ومنها: ما تركّب منهما، لكن مع مدح الجميع بما دون الوثاقة.
ومنها: ما كان الجميع من غير الإماميّ، لكن مع توثيق بعض ومدح آخرين.
فهذا أحد عشر قسماً.
وهنا عشرة أُخرى بتركيب أوّل أقسام القويّ مع بواقيها، ومع الخمسة السابقة عليه، بأن يكون بعض السند من إماميّين مسكوتٍ عن أحوالهم، وبعضه من سائر الأقسام.
وإذا لُوحِظ مع ذلك انقسام كلٍّ منها إلى الثلاثة الجارية في كلٍّ وإن لم يذكروه - وهي كون كلٍّ أعلى وأوسط وأدنى - بلغت الأقسام إلى ثلاثة وستّين قسماً.
ولو لُوحِظ مع ذلك الانقسام إلى اعتبار تشبيه بعض ببعض في جهة القوّة بل الضعف وإن لم يذكروا إلّا بعضه، زادت إلى ما لايخلو ضبطه من تعسّر.
كما أنّه مع ملاحظة اختلاف المراتب قوّةً وضعفاً بما أشرنا إليه تبلغ ما يقرب إلى التعذّر، كما لا يخفى.
وأمّا الضعيف:(7) فالمراد به ما لم يدخل في أحد الأقسام السابقة، بجرح جميع سلسلة سنده بالجوارح أو بالعقيدة، مع عدم مدحه بالجوارح أو بهما معاً، أو جرح البعض بأحدهما أو بهما، أو جرح البعض بأحد الأمرين وجرح البعض الآخر بالأمر الآخر أو بهما، أو مع جرح بعض بالأمر الآخر وبعض آخر بهما معاً، و هكذا، سواء كان الجرح من جهة التنصيص عليه أو الاجتهاد أو من جهة أصالة عدم أسباب المدح والاعتبار، سواء جعلنا الأصل هو الفسق والجرح أو قلنا: لا أصل في البين.
ولا فرق في صور اختصاص الجرح بالبعض بين كون الباقي أو بعض الباقي من أحد أقسام القويّ أو الحسن أو الموثّق بل الصحيح بل أعلاه؛ لما مرّ من تبعيّة النتيجة لأَخسّ مقدّمتيها.
ومن أقسام الضعيف ما انتفي فيه شرط الاتّصال المعتبر في جميع ما مرّ، كما أشرنا إليه، وذلك بعروض مطلق سقوط بعض الرجال من السند الشامل للقطع والرفع والإرسال.
وربّما يدخل بعض أقسام القويّ بل جميعها في الضعف، كما إذا بنينا على اختصاص الحجّيّة والاعتبار بالصحيح والموثّق خاصّةً، أو بالصحيح وخصوص الحسن.
ومن هنا يظهر أنّ أقسامه أيضاً كثيرة، كما تتكثّر أيضاً باختلاف مراتب الضعف حسب ما مرّ. وتثمر في مقام التعارض حيث كان مؤيّداً أو حجّةً، كما في موارد التسامح.
وينبغي أن يدخل أيضاً في أقسام الضعيف ما انتفي في جميع السند أو بعضه شرط الضبط بغلبة السهو والنسيان عليه، بل بتساوي الأمرين؛ لأنّ شرط الضبط معتبر في جميع الأقسام السابقة.
واقتصارهم على ذكره في الصحيح لايوجب الاختصاص، كما أنّ اقتصارهم على ذكر شرط الاتّصال لم يوجبه.
وبملاحظة عموم بعض أدلّة ثبوته - كما مرّ - يندفع توهّم الاختصاص بالصحيح باختصاص بعض أدلّته بما يفيد الوثاثة. مضافاً إلى أنّ مع هذا يعمّ الموثّق أيضاً.
وبالجملة، فالوجه عموم اعتباره، ففاقده من الضعيف.
بقي شيء، وهو: أنّ ما مرّ من التفاسير في الأقسام الثلاثة المتقدّمة بل الرابع إنّما هو مع إطلاق الألفاظ المزبورة، كقولهم:«في الصحيح» «في الموثّق» وهكذا.
وكذا إذا كان مع التقييد بكلمة المجاوزة المتعلّقة بالمعصوم(ع)، كقولهم: «في الصحيح عن أبي عبداللَّه(ع)» ونحو ذلك، أو مع الإضافة إلى الراوي الناقل عنه(ع)، كقولهم: «في صحيح زرارة» مثلاً.
وأمّا إذا كانت كلمة المجاوزة متعلّقةً ببعض السند أو كانت بالإضافة إلى غير أخير السند، كقولهم: «في الصحيح عن صفوان» أو «في صحيحه» فالمراد المستفاد حينئذٍ اتّصاف السند إلى الرجل المذكور بالوصف المزبور، فمرّة بخروج الغاية، وهو الرجل المذكور، كما في المثال الأوّل، وأخرى بدخوله أيضاً في الصنف المتّصف، كما في المثال الثاني.
فإن كان الوصف المزبور أَخسَّ مراتب أوصاف السند في الاعتبار كالقويّ، كان بقيّة السند من أقسام الضعيف.
وإن كان ممّا هو فوق الأخسّ، احتمل كون البقيّة ممّا هو أخسّ منه ومن الضعيف.
و من هنا يتكثّر الاحتمال إن كان الوصف المزبور من أعلى المراتب في الاعتبار، كالصحيح أو الأعلى من أقسامه، وحيث يقوم في الجميع احتمال الضعيف ما لم تكن قرينة على نفيه أُلْحِقَ الجميع بالضعيف؛ لما مَرَّ مراراً من تبعيّة النتيجة لأخسّ المقدّمات.
وربّما تقع الغفلة عن ذلك فيُظَنّ من كلماتهم تصحيح السند أو توثيقه بنحو ما سمعت، ومنشؤها عدم الاطّلاع على ما ذكرنا من الاصطلاح أو قلّة التأمّل، فاجعل ذلك نصب عينيك، ولاتغفل ولاتتوهّم أنّ من أقسام الضعيف جملةً من أقسام ما أُطلق عليه الصحّة، كما كثر في كلام العلّامة حيث إنّ رواته كلاًّ أو بعضاً غير موثّقين في كتب الرجال، وذلك لما أشرنا إليه في أقسام الصحيح من أنّ منها ما يكون التوثيق لجميع سنده أو بعضه بطريق الظنون الاجتهادية.
وأمثال هذا الإطلاق ناظر إلى ذلك إن أمكن، وإلّا فمبنيٌّ على الغفلة والاشتباه، وهو على فرض تحقّقه أقلّ قليل.
ثمّ إنّ الظاهر المصرَّح به في كلمات جمع أنّ الباعث للمتأخّرين على التقسيم المزبور والاصطلاح المذكور ضبطُ طريق اعتبار الرواية وعدمه من جهة رجال السند، مع قطع النظر عن النظائر الخارجة بضابط حيث اندرست الأمارات بتطاول العهد، وسقطت أكثر قرائن الاعتبار، لاحصر اعتبار الرواية وعدمه فيما ذكروه على الإطلاق.
ومن هنا تراهم كثيراً مّا يطرحون الموثَّق بل الصحيح، ويعملون بالقويّ، بل بالضعيف، فقد يكون ذلك لقرائن خارجة، منها: الانجبار بالشهرة روايةً أو عملاً. وقد يكون لخصوص ما قيل في حقّ بعض رجال السند، كالإجماع على تصحيح ما يصحّ عنه، أو على العمل بما يرويه على أحد الاحتمالين فيه، أو قولهم: «إنّه لايروي - أو - لا يرسل إلّا عن ثقة»، ونحو ذلك، فالنسبة بين الصحيح عندهم والمعمول به عمومٌ من وجه.
وقد يسمّى المعمول به من غير الصحيح والموثّق بل الحسن بما وصفناه.
وقد يسمّى بالمقبول، ومنه مقبولة عمر بن حنظلة عند الأكثر، وإن كان هو عند ثاني الشهيدين(ره) من الثقات(8)، وليس ببعيد.
وهذا أمر لايخصّ بنوعه بالمتأخّرين، فإنّ المتقدّمين أيضاً اصطلحوا الصحيح - على ما صرّح به جماعة منهم: الفاضل البهبهانيّ(ره) في فوائد التعليقة(9) - فيما وثقوا بكونه من المعصوم(ع) أعمّ من أن يكون منشؤ وثوقهم كون الراوي من الثقات أو أمارات أُخر، ويكونوا يقطعون أو يظنّون بصدوره عنه(ع)».
ومنه يظهر أنّ اشتراطهم العدالة أيضاً؛ لما قدّمناه في...(10) والمعمول به عندهم لايخصّ بذلك، بل النسبة بينهما باصطلاحهم أيضاً عموم من وجه على تأمّلٍ مّا من الفوائد حيث قال: «إنّ بين صحيحهم والمعمول به عندهم لعلّه عموم من وجه؛ لأنّ ما وثقوا بكونه من المعصوم(ع) الموافق للتقيّة صحيح غير معمول به عندهم»(11).
قال: «وببالي التصريح بذلك في أواخر فروع الكافي. وما رواه العامّة عن أميرالمؤمنين(ع) - مثلاً - لعلّه غير صحيح عندهم ويكون معمولاً به كذلك؛ لما نقل عن الشيخ(ره) أنّه قال في عدّته(12) ما مضمونه هذا: رواية المخالفين في المذهب عن الأئمّة(ع) إن عارضها رواية الموثوق به، وجب طرحُها، وإن وافقتها، وجب العمل بها، وإن لم يكن ما يوافقها ولا ما يخالفها ولا يعرف لها قول فيها، وجب أيضاً العمل بها؛ لما روي عن الصادق(ع): «إذا نزلت بكم حادثة لاتجدون حكمها فيما روي عنّا، فانظروا إلى ما رووه عن عليّ(ع) فاعملوا به»(13).
ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح ابن درّاج والسكوني من العامّة عن أئمّتنا(ع)، ولم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه. انتهى، فتأمّل. وما ذُكر غير ظاهر عن كلّ القدماء»(14). انتهى.
وأمّا النسبة بين صحيح القدماء وصحيح المتأخّرين فعموم مطلق بأعمّيّة الأوّل كذلك، كذا في الفوائد(15).
قلت: لايبعد أن يكون بينهما عموم من وجه؛ إذ وثاقة الرواة لاتلازم الوثوق بالصدور عن المعصوم(ع) وإن كان كذلك في الغالب، فغير الموثوق بصدوره عنه(ع) مع صحّة سنده غير صحيح عندهم.
وأمّا المعمول به عند الفريقين فالظاهر أنّه لا مغايرة بحسب المفهوم وإن تغايرت أسباب جواز العمل عندهم، وكان مؤدّياً إلى التغاير في المصداق بل المفهوم، كما لا يخفى.
وأمّا النسبة بين الضعيف بالاصطلاحين فالظاهر العموم المطلق؛ لأنّ كثيراً من ضعاف المتأخّرين معمول به عند القدماء، وهُمْ يخصّون الضعيف - على ما يظهر منهم - بما يغاير الصحيح والمعمول به عندهم.
ويحتمل العموم من وجه بناءً على طرحهم لبعض الصحاح عند المتأخّرين بضعف الأصل المأخوذ منه عندهم ونحو ذلك.
وحيث إنّه لاثمرة معتدّاً بها في اختلاف الاصطلاحين ومعرفة كيفيّته فالاقتصار على هذا المقدار خصوصاً في هذا المختصر أَولى، وإنّما المهمّ معرفة اصطلاح المتأخّرين وأقسام ما عندهم، وقد بينّاه بما يناسب هذا المختصر وزيادة.
وله بهذا الاعتبار أقسام يعمّ أكثرها عندي بل جميعها المتحمّل عن المعصوم(ع) وغيره.
وعند الأكثر اختصاص أكثرها بالأخير.
فلنذكرها أوّلاً في غيره(16)، ونشير بعده إلى جريانها في الأخذ عنه(ع) أيضاً، فنقول:
منها: السماع عن المرويّ عنه. وهو أعلاها، وله وجوه:
أحدها: أن يقرأها الشيخ من كتاب مصحّح على خصوص الراوي عنه بأن يكون هو المخاطب المُلقى إليه الكلام.
وثانيها: قراءته منه مع كون الراوي أحد المخاطبين.
وثالثها: كذلك مع كون الخطاب إلى غيره، فيكون هو مستمعاً أو سامعاً صرفاً.
والرابع والخامس والسادس: ما ذُكر مع كون قراءته من حفظه.
وأعلى هذه الوجوه أوّلاً ثمّ ثانيها، مع احتمال ترتيب الاعتبار على ترتيب الذكر.
ووجهه قلّة احتمال الخطإ في الأوّل بالنسبة إلى غيره، لمكانه من الحافظة بالذهول والنسيان بالقراءة من الحفظ، بخلافه في القراءة من الكتاب وعروضه من البصر المختصّ بالقراءة من الكتاب وإن كان ممكناً، إلّا أنّه أبعد من نحو النسيان المختصّ بالقراءة من الحفظ، وكذا قلّة اعتناء السامع، بل المستمع الخارج عن الخطاب، بل الداخل فيه ممّن اختصّ به.
وعلى كلّ حال فعبارة السامع بل المستمع: «سمعت فلاناً يقول» أو «روى» أو «حدّث» أو «أخبر» ونحو ذلك، أو «سمعته يروي» أو «يحدّث» ونحوه.
ولا يقول السامع غير المخاطَب: «حدّثني» ولا «حدّثنا» ونحو ذلك. والوجه واضح.
ويجوز الجميع لمن عداه وإن كان بعضه أولى من بعض لبيان المرتبة.
ففي الأوّل يقول: «أقرأني - أو - عَلَيَّ من كتابه» أو «من كتاب كذا» أو «فلان» أو «أخبرني» أو «حدّثني منه».
وعلّل الشهيد الثاني(ره) في درايته كون مطلق السماع أعلى ممّا يجيء «بأنّ الشيخ أعرف بوجوه ضبط الحديث وتأديته. ولأنّه خليفة رسول اللَّه(ص) وسفيره إلى أُمّته، والأخذ منه كالأخذ منه. ولأنّ النبيّ(ص) أخبر الناس أوّلاً وأسمعهم ما جاء به، والتقرير على ما جرى بحضرته أَولى. ولأنّ السامع أربط جأشاً وأوعى قلباً، وشغل القلب وتوزّع الفكر إلى القارئ أسرع»(17).
قلت: وهذا كلّه لابأس به، إلّا أنّه استند في ذلك أيضاً إلى رواية عليها تأمّل.
ومنها: القراءة على الشيخ.
في الدراية: «يسمّى عند أكثر قدماء المحدّثين العَرْض»(18).
قلت: هذا إذا أُطلق، وأمّا مع التقييد فالقراءة تسمّى عرض القراءة، والمناولة كذلك، بل الظاهر جواز ذلك في الجميع.
وله أيضاً وجوه:
أحدها: قراءة الراوي عليه من كتاب في يده، وبيد الشيخ أيضاً مثله مع الصحّة، ثمّ يعترف بالموافقة وبكونه روايته.
ولاخفاء في أنّه أعلاها؛ لما مرّ كلاًّ أو بعضاً. ويتفاوت ما عداه من الوجوه أيضاً، كقراءة الراوي من حفظه حيث تحمّله وحفظه بما دون ذلك من المراتب، بل بما لا اعتبار به أصلاً، كحفظه من لسان كذّاب وضّاع، فأراد الاعتبار أو كماله وتمامه، فيعرضه على المرويّ عنه الثقة أو غيره ليعترف به، وكقراءة غيره مع سماعه وسماع الشيخ، كانت القراءة من كتاب أو الحفظ أو مع مقابلة الشيخ بما في حفظه من غير كتاب بيده أو مع ظهور الاعتراف منه لاصريحه.
وفي القوانين: «والظاهر أن يكون السكوت مع توجّهه إليه وعدم مانعٍ عن المنع والردّ من غفلة أو إكراه أو خوف وانضمام القرائن بالرضا كافياً»(19). انتهى.
ووجه التفاوت بزيادة طريق الغفلة والنسيان في بعض دون آخر، وبانضمام المتعدّد منه وغير ذلك ظاهر بالتأمّل.
والعبارة حينئذٍ «قرأت عليه» أو «عرضت عليه» أو «قرأ» أو «عرض عليه فأقرّ به» أو «أظهره» وأمثال ذلك ممّا لاخفاء في إفادته المدّعى من غير لزوم كذب أو تدليس، أو التكلّم بظاهر وضعاً أو غيره وإرادة خلافه.
والظاهر أنّ مثله لو عبّر بما هو مجاز في المعنى الواقع من القراءة أو ظاهر في غيره أو غير دالّ عليه، فحينئذٍ ينصب قرينة عليه، كقوله: «أخبرنا» أو «حدّثنا قراءة منّي» أو «من فلان عليه، مع سماعه واعترافه».
بل عن جماعة كفاية إطلاق الإخبار والتحديث مع عدم التقيّد بالقراءة عليه.
ولعلّ وجهه: أنّ إعلام الشيخ على الخبر والحديث بالنحو المزبور يدخل في مطلق إخباره وتحديثه خصوصاً في الاصطلاح؛ إذ لا ريب في صدق المحدّث - مثلاً - على الشيخ المقروء عليه.
قلت: هو وإن كان كذلك إلّا أنّ الإطلاق ظاهر في غيره بحيث لايصرف إلى غيره إلّا بقرينة.
وهذا الظهور لم يكن بهذا النحو في غير المقام، كمحاورات أهل العرف، ولذا لو قيل لبريد:«هل مات فلان» ونحوه، أو «أنّك أخبرت بموته؟» فقال: نعم، يُقال على الإطلاق: «أخبر بريد بموت فلان» لكنّه في خصوص المقام كذلك.
وربّما يشهد له ما حكي عن السيّد المرتضى بالمنع عنه مقيّداً أيضاً، محتجّاً بأنّه مناقضة، قائلاً: لأنّ معنى الإخبار والتحديث هو السماع منه، وقوله: «قراءة عليه» يكذّبه، وإن كان هو كما ترى؛ لأنّ جميع المجازات وكثيراً من المشتركات المعنويّة بل اللفظيّة كذلك، حيث إنّ معانيها مع فقد القرينة تغايرها معها.
في الدراية «اختلفوا في أنّ القراءة على الشيخ مثل السماع من لفظه في المرتبة أو فوقه أو دونه. فالأشهر ما تقدّم»(20) أي الأخير. ونقل الأوّل عن علماء الحجاز والكوفة»(21).
ومنها: الإجازة. ولها أيضاً وجوه مترتّبة في القوّة والاعتبار؛ لأنّها مرّة بالقول الصريح منه لرواية معيّنة أو روايات كذلك لشخص حاضر أو أشخاص كذلك، وأُخرى به لعدّة روايات أو كتب، ككتب فلان أو كتبه في كذا.
وقد يزاد على هذا الإجمال، كقوله: «لجميع رواياتي» أو «مسموعاتي عن فلان» أو «عن كلّ أحد».
وثالثةً به لعدّة أشخاص يدخلون في عنوان، كقوله: «أجزتُ لعلماء كذا صنفاً» كعلماء العرب، أو قيداً في العلم، كعلماء الفقه، أو مكاناً، كبلد كذا، وهكذا لو قال: «أجزتُ للرواة».
وقد يزاد على هذا، كقوله: «أجزت لجميع علماء - أو - رواة العصر» ونحو ذلك.
وقد استجاز الشهيد(ره) عن شيخه السيّد تاج الدين بن معيّة لأولاده ولجميع المسلمين ممّن أدرك جزءاً من حياته جميع مرويّاته، فأجازهم ذلك بخطّه، حكاه في الدراية(22).
ورابعةً بالمركّب من مواقع الإجمال أو منها ومن الزائد فيه أو من محض الزيادات فيه. هذا كلّه في قوله الصريح.
وقد يكون بقوله الظاهر أو بقوله المقدّر حيث أجاب بقوله: «نعم» عند السؤال عنه بقول: «أجزتني» أو «أجزت فلاناً» أو «أجزني» أو «أجزه» وهكذا، وكذا بالإشارة، وفي ثالث بالكتابة.
ثمّ إنّ هذا كلّه في الإجازة لموجود، وقد تكون لمعدوم معيَّن عند الوجود، كأوّل ما يولد له أو لفلان، أو أكبر ما يولد له، أو معيّن بعنوان، كأولاد فلان، أو العلماء المتجدّدين من نسل فلان أو في بلد فلان أو في سنين كذا. أو غير معيّن ك' «أجزتُ لكلّ أحد» وقد يضمّ الموجود إلى المعدوم.
ويظهر بالتأمّل فيما ذكرناه أنّ صور هذا القسم كثيرة جدّاً، فيعبّر عن كلّ صورة بما يفيدها ولا يكون ظاهراً في غيرها، حذراً عن الكذب أو التدليس أو الخروج عن قواعد الاستعمال، فيقول: «أجازني» أو «أجاز لي» أو «عنه إجازةً» أو «حدّثني - ونحوه - إجازة».
وفي القوانين: «وعبارته الشائعة: أنبأنا ونبّأنا، ويجوز: حدّثنا وأخبرنا أيضاً، والأظهر عدم الجواز على الإطلاق إلّا مع القرينة»(23).
قلت: أسند الإطلاق في الدراية إلى بعضهم، بل حكى عن قوم أنّهم خصّصوها بعبارات لم يسلموا فيها من التدليس، كقولهم في الإجازة: أخبرنا أو حدّثنا مشافهةً،إذا كان قد شافهه بالإجازة لفظاً(24).
وكيف كان فالمشهور المنع، فمراده من جعل عبارته الشائعة ما مرّ أنّها شائعة في الجملة مع قطع النظر عن الاقتصار على إطلاقها أو تقييدها بقرينة.
وفي الدراية أيضاً: أنّه «لايزول المنع من إطلاق أخبرنا وحدّثنا في الإجازة، بإباحة المجيز لذلك، كما اعتاده قوم من المشايخ من قولهم في إجازاتهم لمن يجيزون له: إن شاء قال: حَدَّثنا، وإن شاء قال: أخبرنا»(25).
وعلّل المنع بأنّ الإذن لايفيد الجواز بعد فرض عدم الدلالة(26).
ثمّ إنّ أكثر ما ذكر إنّما يتّجه على كون الإجازة إذناً ورخصةً لامحادثةً، كما هو أحد القولين.
وفي أصل جوازها والرواية بها خلاف، فعن الشافعي في أحد قوليه وجماعة من أصحابه المنع، والمشهور بل في الدراية «ادّعى جماعة الإجماع عليه»(27)(أي)(28) الجواز.
وعلى الجواز اختلفوا في ترجيح السماع عليها وبالعكس، والتفصيل بين عصر السلف والمتأخّرين، فالأوّل في الأوّل والثاني في الثاني(29).
والحقّ الأوّل.
ومنها: المناولة. وهي أن يدفع الشيخ مكتوباً فيه خبر أو أخبار - أصلاً كان أو كتاباً، له أو لغيره - إلى راوٍ معيَّن أو إلى جماعة، أو يبعثه إليه أو إليهم برسول، بل يمكن في المعدوم بأن يوصي بالدفع إليه كلّ ذلك، مع تصريح أو غيره بما يفيد أنّه روايته وسماعه.
كلّ ذلك مع تجويزه للمدفوع إليه أو لغيره أيضاً في أن يرويه عنه بطريق الإجازة له أو بغيره، فمرّة يقول: «أجزتك في روايته» وأُخرى يقول: «اروِه عنّي» وإن كانا عند التحقيق من باب واحد لو لم يكن الأخير أولى، أو مع الاقتصار عليه، فيقول: «هذا سماعي - أو - روايتي».
وفي القوانين: «والأكثر على عدم جواز الرواية عنه بذلك حينئذٍ»(30).
قلت: لا نعقل للمنع وجهاً، وأيّ مدخل لإذن الشيخ بعد إذن الإمام(ع)، بل أمره وأمر اللَّه تعالى برواية الأحاديث، بل ضبطها ونشرها بين الشيعة وفي المجالس؟.
ومنه يظهر أنّه لايلتفت إلى منعه لو منع أيضاً ما لم يكن منشؤه خللاً في نقله أو ضبطه، كما أنّ منه يظهر أنّ المنع في إجازة المعدوم في القسم السابق أو هنا إذا فرض الوصول بوصايته لا وجه له أصلاً.
والعجب من الدراية(31) أنّه مع مصيره إلى المنع من غير ذكر وجهه روى عن الكافي بإسناده إلى أحمد بن عمر بن الحلّال قال: قلت لأبي الحسن الرضا(ع): الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول: اروِه عنّي، يجوز لي أن أرويه عنه؟ قال: فقال: «إذا علمت أنّ الكتاب له فاروِه عنه»(32).
قلت: من أخيره ظهر وجه ما اعتبرناه من ثبوت كونه روايته وقانون التعبير عن هذا القسم على ما عرفته في غيره، فيقول: «ناولني» مع بيان أنّه سماعه، و«أمرني» أو «رخّصني» أو «أجازني روايته» ويجوز «حدّثني» أو «أخبرني» مع القيد.
ومنها الكتابة، بأن يكتب(33) - بنفسه أو بأمره لثقة، أو مع ملاحظته المكتوب - روايته أو سماعه إلى غائب أو حاضر.
ولايخفى أنّ هذا قد يجامع ما قبله، كما إذا ناوله بنفسه أو أمَر أو أوصى به فوصل مع إبلاغ قوله: «إنّه روايتي» أو «سماعي إليه» بغير هذا المكتوب.
وقد يفارقه كما إذا وجده المكتوب إليه من غير مناولة أو من غير ضمّ «هذا سماعي» وإن كان مكتوباً فيه ذلك.
ومفارقة السابق عنه واضحة، فالنسبة بينهما عموم من وجه ولو بحسب المورد.
وأمّا اعتبار مورد الجمع أو قوّته فيتبع الأقوى، لفرض ثبوت أكمل الوجودين الذي لا ينافيه إلّا نقص، وهو في الحقيقة مجمع أسباب الاعتضاد والاعتبار فيكون أكمل، وهذا غير موارد التبعيّة للأضعف، فإنّها حيث انتفت القوّة في بعض المراتب والمقدّمات، والفرق واضح.
وأمّا في موارد الافتراق فالظاهر - خصوصاً بملاحظة تعبيراتهم من جهة الترتيب الذكري وغيره - أنّ المناولة أقوى؛ لوضوح استفادة كونه روايته وإذنه لغيره في الرواية عنه بما هو منتفٍ في الكتابة، فإنّ الخطّ غايته إفادة المظنّة في الغالب، ولهذا أجمعنا على عدم إجازة الأحكام للقضاة وغيرهم بالكتابة دون المناولة مع قوله: إنّه حكمه.
نعم، قد يقوى الأخير بملاحظة حصول الاهتمام حيث كان بخطّه - وهو قليل - رواية واحدة أو روايات، وكأنّ المناولة لكتاب غيره لاسيّما مع الكبر والتعدّد.
وفي القوانين: «فإن انضمّ ذلك بالإجازة وكَتَبَ: فاروه عنّي، أو أجزتُ لك روايته، فلم ينقل خلاف في جواز الرواية بشرط معرفة الخطّ والأمن من التزوير، وإن خلا عن ذكر الإجازة، ففيه خلاف»، والأكثر على الصحّة، وهو الأظهر»(34).
في الدراية: «الأشهر بينهم جواز الرواية بها، لتضمّنها الإجازة معنىً»(35).
قلت: لاوجه للمنع وإن لم نقل بتضمّنها الإجازة؛ لما عرفت من عدم دوران الجواز مدارها، فالمتّجه جوازها بعد فرض معرفة الخطّ وأمن التزوير، خصوصاً وبناءُ المسلمين بل مطلق الناس عليه وعلى الاعتبار. ومكاتبات الأئمّة(ع) إلى مواليه في الأحكام الشرعيّة فوق الكثرة، وهُمْ(ع) كانوا عالمين بعملهم عليها، بل كانوا يكتبون لذلك، ولم ينقل عن أحدٍ التأمّل من هذه الجهة. فإذا كان هذا طريقاً لإثبات المكتوب، فالرواية عنه بأدلّة نقل الأحاديث والأخبار، فلايتصوّر للمنع سوى عدم إذن الشيخ، ومقتضاه أن يمنع هنا كلّ مَنْ منع في المناولة لذلك، بل وزيادة؛ لفرض ضعف الكتابة، لا أن يعكس كما هو قضيّة نقل القوانين، فلاحِظْ وتأمّل.
والعبارة على وفق ما مرّ فيقول: «كاتبني» أو «كتب إليّ» أو «عنه مكاتبة إليّ» أو «إلى فلان» أو «أخبرني مكاتبة».
وفي الدراية(36) حكاية جواز ذلك على الإطلاق عن قائل.
ومنها: الإعلام، بأن يُعلم شخصاً أو أشخاصاً بقوله الصريح أو الظاهر أو المقدّر أو الإشارة أو الكتابة: أنّ ما كتب في كتاب كذا من مرويّاته أو مسموعاته، وهذا يتّفق عند المسافرة أو الموت أو زعم أحدهما، ولا يأذن في الرواية بإجازة أو مناولة أو غير ذلك.
والعبارة على وفق ما مرّ، إلّا أنّ ذكر الإخبار والتحديث ولو مع قيد الإعلام لا يخلو عن شيء؛ لكونه أبعد عمّا تقدّم في صدق التحديث ولو مجازاً.
ثمّ إنّ الحاجة إلى هذا القسم بل إلى أكثر ما مرّ إنّما فيما لم يعلم كونه رواية الشيخ إلاّ بقوله، والمدار مع ذلك على قوله: إنّه روايته أو سماعه، ولا مدخل لإجازته ومناولته وإذنه في الرواية عنه على ما أشرنا إليه.
نعم، عند مَنْ يعتبر فيها إذنه - كما هو ظاهر أكثر القدماء على ما عرفت - فالحاجة إليهما معاً.
وعليه فالإعلام المجرّد غير نافع، كالمناولة المجرّدة ونحوها، كما لا ينفع مجرّد الإذن في نقل جميع رواياته ومسموعاته مع عدم ثبوت أنّ هذا منها بغير خلاف.
وقس على هذا حال الوجادة، فعلى هذا عدم الاعتبار بها مطلقاً، وعلى التحقيق ما لم يُعلم كونه من الشيخ المراد روايته عنه.
وفي الدراية - بعد أن حكى قولين في جواز الرواية مع إطلاق الإعلام، ووجّه المنع - مع اختياره له - بعدم الإذن، والجواز باستفادته منه - قال: «وفي قولٍ ثالث: له أن يرويه عنه بالإعلام المذكور وإن نهاه»(37).
قلت: قد عرفت أنّ المتّجه جواز ذلك مطلقاً.
ومنها: الوِجادة(38) بأن يجد المرويَّ مكتوباً بخطّ الشيخ الذي هو راويه، أو في تصنيفه بخطّه أو بخطّ غيره، معاصراً كان الشيخ للواحد أم لا.
في القوانين: «لم يجوّزوا الرواية بمجرّد ذلك، بل يقول: وجدت أو قرأت بخطّ فلان، وفي جواز العمل به قولان»(39).
قلت: ظاهره بل صريحه المنع عن التعبير بالإخبار أو التحديث أو الرواية عنه ولو بقوله: «عنه» سواء أطلق ذلك أو قيّده بقيد الوجادة ونحوه، وأنّه الذي لم يجوّزوه. والظاهر أنّه كذلك؛ لبُعْد المتجوّز عنهما هنا جدّاً.
وأمّا جواز الرواية بها: ففي الدراية: «لاخلاف بينهم في منعها»(40) بعد أن حكى قولين في العمل بها، وهو كما ترى وإن كان مراده العمل بنفس ما يجده العامل.
والحقّ الجواز حيث علم أنّه من الشيخ المزبور بتواتر وغيره من أسباب العلم.
وعلى هذا عمل الأكثر بل الجميع في زماننا هذا من غير حاجة إلى ضمّ غيره ممّا مرّ، إلّا أنّ المتعارف - كما في كثير من الأزمنة السالفة - ضمّ الإجازة إلى هذا القسم، ولا أعرف في أصحابنا مصنّفاً بل ولا مؤلّفاً يخلو عن ذلك، فقد كثرت في أزماننا وإن كانت قبل ذلك أكثر، إلّا أنّها لمّا اشتبهت عند العوامّ بل وكثير من الخواصّ؛ لقصور الأفهام أو لتدليس كثير من أُولي الأغراض والأمراض بتصديق الفقاهة والاجتهاد أو الحكم بذلك، فجعلوها على الإطلاق من الأخير، فأثبتوا بها اجتهاد جمّ غفير ممّن لم يُشَمّ منه رائحة ولم يقف منه إلّا في ناحية، فالأولى سدّ هذا الباب إلّا في حقّ مَنْ هو أهل الفقاهة والاجتهاد بلاشكّ وارتياب.
بقي شيء هو: أنّه لو وجدنا كتاباً من كتب الأخبار، سواء ذكر فيه أنّه تأليف فلان أو رواية فلان أو لم يذكر، ولم يكن لنا علم بأنّه لفلان، لكن شهد عندنا عدلان بذلك، فهل يثبت ذلك بشهادتهما فيجوز لنا العمل به والرواية عنه ولو بقولنا: «روى فلان» أو بإضافة «في كتابه» أو «في كتاب كذا» وإن لم نقل: «أخبرنا» أو «عنه» وغير ذلك؟ وكذا لو شَهِدا بأنّه من الإمام(ع) بخطّه الشريف أو بغيره أو لا؟ الظاهر ذلك ما لم نعلم أو نظنّ بأنّ شهادتهما أو شهادة أحدهما من باب الاجتهاد أو العلم بالأمارات.
أمّا في الأوّل: فلما حقّقناه في غير موضع من عموم العمل بالبيّنة.
وأمّا في الثاني - فبعد خروجه عن عنوان الشهادة ودخوله فيالفتوى أو مطلق البناء - أنّ الأصل عدم الثبوت والاعتبار، وأنّ لازمه جواز التقليد للمجتهد ورجوعه إلى مثله في الفتيا والأحكام للمقلّدين له ولغيرهم، بأن يجعله كسائر أدلّة الأحكام؛ إذ لا فرق بين ما ذُكر وبين شهادة عدلين منهم على أنّ حكم اللَّه في هذه المسألة كذا،أو أنّ الصلاة أو الصوم أو البيع وغير ذلك من الموضوعات المستنبطة وغيرها ذلك، وبطلان اللازم - كالملازمة - من الواضحات، والأوّل مجمع عليه.
وأيضاً فالشهادة الاجتهادية إمّا بطريق الظنّ، وهو الغالب في الاجتهاد، أو بطريق العلم غير المستند إلى الحسن؛ إذ لو استند إليه لم تكن من باب الاجتهاد.
والأُولى غير مسموعة؛ لاعتبار العلم فيها.
والثانية فيها كلام إن لم يكن الأظهر عدم السماع، خصوصاً في أمثال هذه الأُمور العظيمة العامّة.
ومن هنا يظهر عدم سماع شهادة الواحد حيث كانت بطريق الاجتهاد والأخذ بالأمارات بطريق أولى، (والمشتهر في هذه الأزمان بالفقه الرضوي)(41)، وقد صار جمع إلى اعتباره من هذا الباب.
مضافاً إلى أمارات أُخر لنا ممّا وجدنا في نفس الكتاب المزبور - بعد تتبّعه من أوّله إلى آخره - وغيره على نفي كونه منه(ع)، وليس هنا محلّ تفصيل الكلام فيه.
ولا يلزم ما ذكرناه نفي حجّيّة الواحد إذا كان بطريق النقل والرواية المعتبر فيه شرائطه، التي منها صدق الأخذ من المرويّ عنه والرواية عنه ولو من كتابه مع اعترافه بأنّه روايته أو كتابه أو ثبوته بطريق يجري في حقّ الجميع، فتدبّر ولا يختلط عليك الأمر.
فلو قال الواحد: قال فلان أو روي عن فلان بطريق وقوفه على ذلك، قبلناه.
ولو قال: ظننت أو علمت عاديّاً أو غيره أنّ فلاناً الذي لم يلاقه ذكر ذلك أو روى كذا - كلّ ذا بطريق اجتهاده - ما قبلناه منه.
وعندي أنّ الفرق بينهما واضح، فتأمّل تعرف.
إذا عرفت أقسام التحمّل والرواية من غير الإمام(ع)، فاعلم أنّ التحقيق جريانها في التحمّل عنه(ع) أيضاً، بل أكثرها واقع.
أمّا السماع: فواضح، بل هو الأغلب فيه، كما هو واضح.
وأمّا القراءة: فإمكانها(42) فيه أيضاً معلوم. وأمّا وقوعها: فالظاهر أنّه كذلك في بعض الروايات، مثل ما ورد أنّه سأله(ع) عن صدق بعض الروايات، فقال(ع): «نعم،هو كذلك في كتاب عليّ(ع)» فالمقابلة بينه وبين محفوظه(ع)(واقعة)(43) وإن لم يكن ذلك بقصد المقابلة.
وكذلك قراءته(ع) أشياء كثيرة على الرواة، مثل ما نقله لهم من خطّ علي(ع) وإملاء الرسول(ص)، أو من خطّ وإملاء غيره كالصحيفة السجّادية، فذكر راويها أنّه أملى عَلَيَّ أبو عبداللَّه(ع) الأدعية.
وكذا ما قرأه(ع) عليهم بطريق الرواية عن أبيه عن آبائه(ع)، كما في أكثر روايات السكوني وأضرابه.
وأمّا الإجازة: فقد أَذِنُوا(ع) لشيعتهم، بل أمروهم بنقل ما ورد منهم وما يصدر لأمثالهم بقوله: «الرواية لحديثنا تثبت به قلوب شيعتنا»(44).
وفي الكافي بإسناده إلى أبي خالد قال: قلت لأبي جعفر الثاني(ع): جعلت فداك إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبداللَّه(ع) وكانت التقيّة شديدةً، فكتموا كتبهم فلم تُرْوَ عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا فقالوا(45): «حدّثوا بها فإنّها أحقّ»(46).
وقد تقدّم خبر آخر في المناولة، والأخبار في هذا الباب تبلغ إلى حدّ يعسر الإحصاء.
ومن هنا يظهر أنّ إجازة الرواية لنا ولأمثالنا حاصلة من أئمّتنا(ع)، فأيّة حاجة بَعْدُ إلى إجازة الغير وإن كانت حاصلة لنا أيضاً؟
الّلهم إلّا على المنع من الإجازة للمعدوم، وهو - مع ضعفه - مندفع بإجازة إمام عصرنا عجّل اللَّه فرجه، التي أجازها قبل وجودنا واستمرّ عليها إن لم يحدّوها بعد تأهّلنا لذلك، ونعوذ باللَّه من رجوعه(ع) عن ذلك.
وبالجملة، نحن نأخذ بالظاهر ممّا ورد منهم(ع) في حقّ أمثالنا، واللَّه يتولّى السرائر.
وأمّا الكتابة: فوقوعها منهم(ع) بلغ إلى حيث جعل المكاتبة من أقسام الأخبار، فيقولون: في مكاتبة فلان ونصّ عليها علماء الدراية والرجال والأُصول وغيرهم.
وأمّا الإعلام: فقد وقع بالنسبة إلى كثير من الكتب، ككتاب يونس في عمل يوم وليلة، وكتاب عبيداللَّه بن عليّ بن أبي شعبة الحلبيّ، فإنّه عُرِض على الصادق(ع) فصحّحه واستحسنه، وهو أوّل كتاب صنّفه الشيعة، إلى غير ذلك.
وأمّا الوجادة: فالظاهر وقوعها أيضاً، كما في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا(ع)، حيث وجده القاضي أمير حسين(47) عند جماعة من شيعة قم، الواردين إلى مكّة المباركة، وهو كجمع من المتأخّرين بنوا على اعتباره؛ لثبوت النسبة عندهم بقطعٍ عاديّ أو بقطع الاعتبار وإن كُنّا - كالمشهور - خالفناهم؛ لأُمور مرّ الإشارة إلى بعضها.
وهذا لاينافي كونه من قسم الوجادة؛ لما عرفت في بيانها من اختصاص الاعتبار ببعض أقسامها.
وصرّح الصدوق(ره) في مواضع من كتبه وكذا بعض مَنْ قاربه في الزمان أو سبقه بوجود جملة من مكاتبات الأئمّة(ع) وتوقيعاتهم عندهم، ومن المستبعد أن لا يكون وقوفهم على بعض ذلك بطريق الوجادة ولو في كتب مَنْ قاربهم أو سبقهم.
وكيف كان فلاينبغي التأمّل فيما ذكرناه من عدم اختصاص الأقسام المزبورة بالتحمّل عن غير الإمام(ع) وإن كان بعضها أدون من بعض في معلوميّة الثبوت أو ظهوره، فلاحِظْ وتأمّل.
غير ما مرّ وإن دخل بعض ما مرّ في ذلك كما يظهر.
واعلم أنّ ما يجيء من الأقسام ليس جميعها بالنظر إلى اعتبار واحد، بل جمع منها باعتبار وطائفة منها باعتبار آخر، على ما سبق.
والغرض أنّها ليست أقساماً متغايرة متقابلة، بل في الغالب أو دائماً يكون أمر واحد مصداقاً ومجمعاً لعدّة أقسام، يُسمّى بكلّ ما فيه من الاعتبارات باسم.
مثلاً: باعتبار إفادته القطع بسبب كثرة رواته ونحوها - ممّا ذكر في محلّه - يسمّى متواتراً وآحاداً، وباعتبار اتّصال سنده وعدمه يسمّى متّصلاً ومنقطعاً.
وقد يختصّ بسبب اعتبار باسم ولم يُسَمّ بمقابلة من الاعتبار باسم، كالمستفيض على ما تكثّرت سلسلة رواته، وليس لمقابله اسم خاصّ. وكالغريب والمعلّل، إلى غير ذلك.
وحيث إنّ وضع الرسالة على الاختصار - مع أنّ هذه المطالب في الحقيقة ليست من مسائل علم الرجال، بل ولا الأصول، وإنّما أردنا الأَتَمّيّة والأنفعيّة بعدم إخلائها عنها - فالمناسب الاقتصار في ذلك، وجمع جميع الأقسام في مقام واحد، فإنّه أسهل لمن إليه رجع، وأضبط له وأنفع، فنقول: من أقسامها:
المتواتر. وهو ما بلغت رواته في الكثرة في كلّ طبقة مبلغاً أحالت العادة بها كونه كذباً، وليس المراد هنا الكشف التامّ حتّى يورد علينا بطرد أو عكس، بل المعرفة في الجملة، لحصول غرض معرفة الأقسام على نحو الإجمال بها.
ثمّ إنّ التواتر قد يكون في معنى من المعاني فقط، كما إذا تعدّدت الألفاظ مع اتّحاد المعنى مطلقاً أو في الجملة، ويسمّى بالتواتر المعنوي.
وقد يكون فيه وفي اللفظ أيضاً حيث اتّحد لفظ الرواية في جميع الطرق، وهذان واقعان متداولان، بل مشهوران.
وأمّا اختصاصه باللفظ فقط فلم نقف عليه وإن أمكن حيث كان اللفظ مجملاً ولو بعارض من اشتراك لفظيّ مع فقد قرينة معيّنة لبعض المعاني، ونحو ذلك، فإنّ المعنى حيث جُهل لم يصدق التواتر على نقله.
ومنها: الآحاد. وهو ما لم يجمع ما في المتواتر.
ومنها: المستفيض، من فاض الماء يَفِيض فيضاً وفيضوضةً وفَيَضاناً: كثر حتّى سالَ كالوادي.
وفي القاموس: النهي عن بنائه للمفعول إلّا مع ذكر صلته، وجعله مع عدمها لُغَيَّة(48).
والمراد: الخبر المتكثّر رواته في كلّ مرتبة، فعند الأكثر اعتبار زيادتهم عن ثلاثة، وعند بعضهم عن اثنين(49).
ثمّ الظاهر من أكثر العبائر اختصاص ذلك باتّحاد لفظ الجميع، والمستفاد من إطلاق آخرين وصنيع جماعة منهم صاحب الرياض: عدم الاختصاص، فيتحقّق مع تعدّد الألفاظ لكن مع اتّحاد المعنى، وعليه فهو كالمتواتر ينقسم إلى: مستفيض اللفظ والمعنى، ومستفيض المعنى فقط، بل مستفيض اللفظ كذلك على ما عرفت.
وهل هو من أقسام الآحاد خاصّةً أو يجري في المتواتر أيضاً؟ ظاهر إطلاق التعاريف: الأخير، واستظهره في القوانين عن الحاجِبِي والعَضُدي(50).
والأظهر - كما عليه الشهيد الثاني(ره) في درايته(51) - الأوّل.
ولا نمنع حصول العلم منه كما لا نمنعه في مطلق الواحد، فلابدّ من تغاير سببه فيه وفي المتواتر.
وفي الدراية: «يقال له: المشهور أيضاً... وقد يغاير بينهما بتعميم الأخير إلى متعدّد الراوي ولو في مرتبة من المراتب، بل ربّما يطلق على ما اشتهر في الألسن وإن اختصّ بإسناد واحد، بل ما لايوجد له إسناد أصلاً»(52).
وهذا القسم من الشهرة هو الذي يختصّ به غير علماء الحديث بل مطلقاً، والأوّلان يجري فيهما الاختصاص والتعميم.
وهل يدخل الجميع في قوله(ع) «خُذْ بما اشتهر بين أصحابك»(53) أم الأوّل أو مع الثاني خاصّةً؟ لاريب أنّ الوسط أوسط بل أحوط في الجملة، إلّا أنّ الأظهر الأخير. وأمّا الأوّل فمشكل جدّاً حتّى على شمول الخبر للشهرة في الفتوى أيضاً.
ومنها: الغريب. والغرابة قد تكون في السند، وقد تكون في المتن، وتارة فيهما معاً.
والأوّل: ما تفرّد بروايته واحد عن مثله، وهكذا إلى آخر السند، مع كون المتن معروفاً عن جماعة من الصحابة أو غيرهم، وظاهرهم اعتبار أن لاينتهي إسناد الواحد المنفرد إلى أحد الجماعة المعروف عنهم الحديث.
والثاني: ما تفرّد واحد برواية متنه، ثمّ يرويه عنه أو عن واحد آخر يرويه عنه جماعة كثيرة، فيشتهر نقله عن المتفرّد.
وقد يعبّر عنه - للتميّز - بالغريب المشهور و بالغريب في خصوص المتن، كمايعبّر عن الأوّل بالغريب في السند.
وأمّا الثالث: فهو ما كان راويه في جميع المراتب واحداً مع عدم اشتهار متنه عن جماعة. وهذا هو المراد من إطلاق الغريب.
وقد يطلق الغريب على غير المتداول في الألسنة والكتب المعروفة، بل قد يطلق في عرف العلماء وغيرهم على ما اشتمل متنه على بيان أمر أو حكم أو طرز (أو)(54) وتفصيل غريب.
وربّما يطلق حتّى في عرف العلماء وغيرهم على ما اشتمل متنه على لفظ غامض بعيد عن الفهم؛ لقلّة استعماله في الشائع من اللغة.
قال في الدراية: «وهو فنّ مهمّ من علوم الحديث يجب أن يُتَثَبَّتَ فيه أشدّ تثبّت؛ لانتشار اللغة وكثرة معاني الألفاظ الغريبة، فربّما ظهر معنى مناسب للمراد، والمقصود غيره ممّا لم يصل إليه، وقد صنّف فيه جماعة من العلماء.
قيل: أوّل مَنْ صنّف فيه النَضْرُ بن شُمَيل. وقيل: أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنّى. وبعدهما أبو عبيد(55) القاسم بن سلاّم، ثمّ ابن قتيبة ثمّ الخطّابي، فهذه أُمّهاته. ثمّ تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد، كابن الأثير، فإنّه بلغ بنهايته النهاية، ثمّ الزمخشري ففاق في الفائق كلَّ غاية، والهرويّ فزاد في غريبيه غريبَ القرآن مع الحديث، وغيرِ مَنْ ذُكِرَ من العلماء شكر اللَّه تعالى سَعْيَهُم»(56).
قلت: قد زاد عليهم بجمع ما أهملوه شيخنا الشيخ الطُرَيحي النَخَعيّ في مجمع البحرين.
وربّما يطلق على الغريب اسم المفرد؛ لتفرّد راويه ووحدته، فإن كان جميع السند كذلك فهو المفرد المطلق، وإلّا فالمفرد النسبي، أي بالنسبة إلى تفرّد البعض.
وقد يطلق عليه أيضاً اسم الشاذّ، والمشهور المغايرة بينهما.
فنقول: منها الشاذّ. وهو ما يرويه الثقة مخالفاً لما رواه الأكثر، وظاهرهم - إن لم يختصّ باختلافهم في نقل لفظ الرواية، فيشمله مع ما كان اختلافهم في المستفاد منها والأكثر، كما يُعلم بالتتبّع - الاختصاص بالأخير.
وكيف كان فيقال لمقابله الذي هو المشهور: المحفوظ، فإن كان راوي المحفوظ في كلّ مرتبة أحفظ أو أضبط أو أعدل من راوي الشاذّ، فذاك شاذّ مردود، وإلّا فلا يردّ بل يرجّح.
ومنهم مَنْ ردّه مطلقاً، ومنهم مَنْ قَبِله كذلك.
وإن لم يكن راوي الشاذّ ثقةً، فهو حينئذٍ منكر ومردود، ولعلّ الغرض اختصاص اجتماع اللفظين بذلك كاختصاص لفظَيِ «الشاذّ» و«المردود» بما مرّ، وإلّإ؛غغ فالمردود أعمّ، فافهم.
وقد يُطلق «المردود» على مطلق ما لم يترجّح صدق المخبر به ولو لبعض الموانع، فيشمل المشتبه حاله، وهذان أيضاً من مصطلحاتهم فلا تغفل.
ثمّ إنّ المشهور كما قد يُطلق على ما اشتهر الفتوى به وإن لم يشتهر نقله، كذا الشاذّ قد يُطلق على ما يندر الفتوى به وإن اشتهر نقله.
ومن هنا يظهر أنّه لو شمل قوله(ع): «خُذْ بما اشتهر بين أصحابك»(57) ما اشتهر في النقل والفتوى أيضاً، كذا الشاذّ يشمل ما شذّ نقله والفتوى به.
والظاهر - كما يظهر من الرواية أيضاً اتّحاد - الشاذّ والنادر.
ومنه يظهر أنّ للشاذّ معنىً آخر سبق إليه الإشارة في الفرق بين الأصل والكتاب والنوادر(58).
ومنها: العزيز. وهو ما لايرويه أقلّ من اثنين، سمّي عزيزاً؛ لقلّة وجوده، أو لكونه عَزَّ، أي قوي، لمجيئه من طريقٍ آخر، كذا في الدراية(59).
والظاهر إرادة ذلك في جميع المراتب حتّى يقرب إلى عزّة الوجود في الجملة بل إلى القوّة.
ومنها: المقبول. وهو ما تَلَقَّوه بالقبول والعمل به من غير التفات إلى الصحّة وعدمها، فيكون منشؤ القبول شيئاً آخر، فلايدخل فيه الصحيح، خلافاً لدراية الشهيد(60).
نعم، على تفسيره له في موضعٍ آخر «يجب العمل به عند الجمهور»(61) يدخل فيه ذلك، إلّا أنّه خلاف ما هو المشهور بينهم الآن.
والوجه ما هو سارٍ في جميع الموارد، وهو أنّ التسمية تتبع للوصف الأخصّ في الخبر لا الأعمّ، فإذا كان الخبر صحيحاً مستفيضاً يعبّر عنه بالمستفيض وكذا مع التواتر، ولذا لايكتفى بالتعبير بمطلق الخبر والحديث حيث كان فيه وصف موجب للاعتبار.
ومنها: المعتبر. وهو ما عمل الجميع أو الأكثر به، أو أُقيم الدليل على اعتباره لصحّة اجتهاديّة أو وثاقة أو حسن.
ومنها: المسند. وهو ما اتّصل سنده، بأن يذكر جميع رجال سنده في كلّ مرتبة إلى أن ينتهي إلى المعصوم(ع) أو غيره إذا كان هو صاحب الخبر المنقول، كالإخبار عن قول أو فعل بعض الصحابة أو الرواة أو غيرهم، بناءً على إدخال ذلك كلّه في الخبر والحديث والرواية في الاصطلاح.
قال في الدراية: «وأكثر ما يستعمل فيما جاء عن النبيّ(ص)»(62).
قال: «وربّما أطلقه بعضهم على المتّصل مطلقاً، وآخرون على ما رُفِعَ إلى النبيّ(ص) وإن كان السند منقطعاً»(63).
ومنها: المتّصل. ويقال له: الموصول أيضاً، وهو ما اتّصل سنده على نحو ما مرّ، إلّا أنّه لا يخصّ بالانتهاء إلى المعصوم(ع) ومَنْ هو صاحب الخبر والحديث، بل يعمّه والمرفوع والموقوف.
قال في الدراية: «وقد يختصّ بما اتّصل إسناده إلى المعصوم(ع) أو الصحابيّ دون غيرهم، هذا مع الإطلاق، أمّا مع التقييد فجائز مطلقاً وواقع، كقولهم: هذا متّصل الإسناد بفلان، ونحو ذلك»(64).
ومنها: المُرسَل. وهو بمعناه العامّ يشمل المرفوع والموقوف والمعلّق والمقطوع والمفصَّل، وبمعناه الخاصّ ما سقطت رواتها أجمع أو من آخرهم واحد أو أكثر وإن ذكر الساقط بلفظ مبهم ك' «بعض» و«بعض أصحابنا» دون ما إذا ذُكر بلفظ مشترك وإن لم يميّز.
وفي الدراية: «وقد يختصّ المرسل بإسناد التابعيّ إلى النبيّ(ص) من غير ذكر الواسطة، كقول سعيد بن المسيّب: قال رسول اللَّه(ص) كذا، وهذا هو المعنى الأشهر له عند الجمهور.
وقيّده بعضهم بما إذا كان التابعيّ المرسِل كبيراً، كابن المسيَّب، وإلّا فهو منقطع.
واختار جماعة منهم معناه العامّ الذي ذكرناه»(65).
ومنها: المعَلَّق. وهو ما سقط من مبدأ إسناده واحد أو أكثر.
في الدراية: «لم يستعملوه فيما سقط وسطُ إسناده أو آخرُهُ، لتسميتهما بالمنقطع والمرسل»(66).
قلت: ظاهره عدم اختصاص المنقطع - كالمرسل - بما إذا كان الساقط واحداً، فيشمل المعضل، إلّا أنّ ظاهره اختصاصه بساقط الوسط، لكن صرّح في موضعٍ آخر باختصاصه - كالمقطوع - بسقوط واحد، وظاهره هنا عدم اختصاصه بسقوط الوسط.
وفي لبّ اللباب(67) اختصاصه بالأمرين، وحدّه الساقط وكونه في الوسط.
والظاهر إرادة مطلق غير الطرفين منه، لا الحقيقيّ بل ولا العرفيّ.
وأمّا المعضل فصريحه(68) كالدراية في الموضع الأخير اختصاصه بسقوط أكثر من واحد من السند(69)، إلّا أنّ صريحه كونه في الوسط مع اعتبار عدم اشتماله على لفظ الرفع بخلاف الدراية.
وفي القوانين اختصاص المعضل بما تعدّد الساقط منه من غير اختصاصه بكونه في الوسط، وتفسير المقطوع والمنقطع بالموقوف على التابعي ومَنْ في حكمه.
ثمّ قال: «وقد يُطلق على الأعمّ من ذلك، فيشمل المعلّق والمرسل والمنقطع الوسط وغير ذلك»(70).
قلت: المعروف من إطلاق المقطوع والمنقطع ما مرّ، وما ذكره(ره) إنّما هو في إطلاقه الآخر، كما أنّ إطلاقه على الأعمّ كما ذكره إطلاق ثالث، فلاحظ الدراية(71) وحينئذٍ فالاقتصار على بعض إطلاقاته موهماً أنّه معناه ممّا لاينبغي.
وهذا وارد على الكتاب المتقدّم حيث إنّ ظاهره الاختصاص بالمعنى السابق.
والمراد ب«مَنْ في حكم التابع» تابعُ مصاحِب الإمام(ع).
وفي الدراية(72) حكاية إكثار الفقهاء إطلاق المقطوع على ما مرّ من المعنى العامّ.
ومنها: المقطوع والمنقطع والمعضَل. وقد عُلِم تفسير الجميع.
ومنها: المرفوع. وله إطلاقان:
أحدهما: ما سقط من وسط سنده أو آخره واحد أو أكثر مع التصريح بلفظ الرفع، كأن يقال: روى محمد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، رفعه عن أبي عبداللَّه(ع). وهذا داخل في أقسام المرسل بالمعنى الأعمّ.
والثاني: ما أُضيف إلى المعصوم(ع) من قول أو فعل أو تقرير، أي وصل آخر السند إليه(ع) في مقابل الموقوف، سواء اعتراه قطع أو إرسال في سنده أم لا، وهذا يغاير المرسل تبايناً جزئيّاً.
ومنها: الموقوف.
في الدراية: «هو قسمان: مطلق ومقيّد.
فإن أخذ مطلقاً فهو ما روي عن مُصاحِب المعصوم، من نبيّ أو إمام، من قول أو فعل أو غيرهما، متّصلاً كان مع ذلك سنده أم منقطعاً.
وقد يُطلق في غير المُصاحِبِ للمعصوم(ع) مقيّداً. وهذا هو القسم الثاني منه، مثل «وَقَفَهُ فلان على فلان» إذا كان الموقوف عليه غير مصاحِب.
وقد يُطلَق على الموقوفِ الأَثرُ إذا كان الموقوف عليه صحابيّاً للنبيّ(ص)، ويطلق على المرفوع الخَبَرُ، والمفصِّل كذلك بعض(73) الفقهاء.
وأمّا أهل الحديث فيطلقون الأثر عليهما، ويجعلون الأثر أعمّ منه مطلقاً»(74).
وهذه الأقسام بأجمعها أو أكثرها من المرسل، فإن علم الساقط بشخصه، فهو في معنى المسند، وإلّا ففي اعتباره خلاف معروف بين الاُصوليّين والمحدّثين من الخاصّة والعامّة.
والأقرب - كما عند أكثر متأخّري المتأخّرين - التفصيل بين كون المرسل ممّن لا يرسل أو لايروي إلّا عن ثقة وبين غيره. والفرق بينه وبين تصحيح الغير الذي في الغالب بطريق اجتهاده واضح، وتفصيل الكلام في محلّه.
ومنها: المضمر. وهو ما يطوى فيه ذكر المعصوم(ع) عند انتهاء السند إليه، كأن يقول صاحبه أو غيره: سألته أو دخلت عليه فقال، لي أو عنه.
وبالجملة، يعبّر عنه(ع) في المقام المزبور بالضمير الغائب إمّا للتقيّة أو سبق ذكر في اللفظ أو الكتابة، ثمّ عرض القطع لما اقتضاه.
ومنها: المكاتب. وهو ما حكى كتابة المعصوم(ع)، سواء كتبه(ع) ابتداءً لبيان حكم أو غيره أو في مقام الجواب.
وهل يخصّ بكون الكتابة بخطّه الشريف؟ظاهر بعض العبائر وصريحُ آخر: الاختصاص(75). والتعميم غير بعيد.
ومنها: المعنعن مأخوذ من العنعنة، مصدر جعليّ مأخوذ من تكرار حرف المجاوزة، وله نظائر كثيرة، ولتحقيق محتملاته محلّ آخر.
والمراد به ما ذكر في سنده عن فلان عن فلان إلى آخر السند، ومثله إذا قال في غير الأوّل: وهو عن فلان، وهو عن فلان وهكذا.
كلّ ذا حيث لم يذكر متعلّق الجار من رواية أو تحديث أو إخبار أو سماع أو نحو ذلك.
واختلفوا في أنّه متّصل حيث أمكن ولم يكن ما يصرف عنه، أو منقطع ومرسل ما لم يكن ما يعيّن الاتّصال؟ والصحيح الأوّل.
وقد أسنده في الدراية إلى جمهور المحدّثين قال: «بل كاد أن يكون إجماعاً»(76).
ومنها: المسمّى برواية الأقران. وذلك حيث توافق الراوي والمرويّ عنه أو تقاربا في السنّ أو في الأخذ عن(الشيخ )(77).
وحينئذٍ إن روى كلٌّ منهما عن الآخر، فهو النوع المسمّى بالمدبّج،(78) مأخوذ من التدبيج، المراد به بذل كلٍّ منهما ديباجة وجهه عند الأخذ للآخر.
وفي الدراية هو أخصّ من الأوّل(79).
قلت: لولا اختصاص الاصطلاح، كان مقتضى التسمية شموله لغير الأوّل أيضاً، حيثما روى المرويّ عنه عن الراوي من غير اعتبار الاقتران المتقّدم، وأمّا إذا كان الراوي دون المرويّ عنه في السنّ أو الأخذ أو المقدار من علم أو إكثار رواية ونحو ذلك، فهذا - لكثرته وشيوعه؛ لأنّه الغالب في الروايات - لم يخصّ باسمٍ خاص.
نعم، عكسه - لقلّته - هو المسمّى برواية الأكابر عن الأصاغر.
في الدراية «وقع منه رواية العبادلة وغيرهم عن كعب الأحبار»(80).
وكتب في الحاشية: «أنّهم أربعة: عبداللَّه بن عباس وعبداللَّه بن عمر وعبداللَّه بن زبير وعبداللَّه بن عمرو بنالعاص».
قال: «ومنه - أي من هذا القسم، وهو أخصّ من مطلقه - رواية الآباء عن الأبناء. ومنه - من الصحابة - رواية العبّاس بن عبدالمطلب عن ابنه الفضل أنّ النبيّ(ص) جمع بين الصلاتين بالمزدلفة»(81).
قلت: وأمّا العكس - وهو رواية الأبناء عن الآباء فلكثرته وشيوعه وخلوّه عن الغرابة مطلقاً غير مسمّى باسم، وله أقسام كثيرة باعتبار تعدّد الأب المرويّ عنه، فمرّة يروي ابن عن أبيه وهو عن أبيه، وأُخرى يزيد العدد. والممكن منه ومن صور وجود ذلك في الصدر أو الذيل أو الوسط أو المركّب من اثنين أو ثلاثة، وكذا من صور تخلّل المختلف لرواية الابن عن الأب - كرواية ابن عن أبيه وهو عن أجنبيّ وهو عن أبيه - إلى غير ذلك يقرب إلى تعسّر الضبط.
وأمّا الواقع من الأوّل في الذيل - أي المسلسل في ذيله بالآباء - فأغرب ممّا وقع منه - لكثرة الآباء الراوي بعضهم عن بعض - ما بلغوا إلى أربعة عشر وخمسة عشر بانضمام الابن الراوي عنهم.
قال في الدراية: «هو ما رواه الحافظ أبو سعيد بن السمعانيّ، قال: أخبرنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن البسطاميّ الإمام بقراءتي، قال: حدثّنا السيد أبو محمد الحسن بن عليّ بن أبي طالب - من لفظه ببلخ - حدّثني سيّدي ووالدي أبوالحسن عليّ بن أبي طالب سنة ستّ وستّين وأربعمائة، حدّثني أبي أبوطالب الحسن بن عبيداللَّه سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، حدّثني والدي أبو علي عبيداللَّه بن محمّد، حدّثني أبي محمّد بن عبيداللَّه، حدّثني أبي عبيداللَّه بن علي، حدّثني أبي علي بن الحسن، حدّثني أبي الحسن ابن الحسين، حدّثني أبي الحسين بن جعفر - وهو أوّل مَنْ دخل بلخ من هذه الطائفة - حدّثني أبي جعفر الملقّب بالحجّة، حدّثني أبي عبيداللَّه، حدّثني أبي الحسين الأصغر،حدثّني أبي عليّ بن الحسين بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه عليّ(ع)، قال: قال رسول اللَّه(ص): ليس الخبر كالمعاينة»(82).
وهنا نوع آخر مسمّى باسم السابق واللاحق، وهو ما اشترك اثنان في الأخذ عن شيخ، ويتقدّم موت أحدهما على الآخر.
وأمّا المتّفق والمفترق: فهو ما اشترك بعض مَنْ في السند واحداً كان أو أكثر مع غيره في الاسم، اختصّ الاشتراك بالأبناء أو مع الآباء أو مع الأجداد أيضاً.
وما ربما يظهر من الدراية من إخراج الاشتراك في أسماء الأبناء فقط من ذلك ليس على ما ينبغي.
ووجه التسمية أنّ مَنْ في السند مع غيره متّفق في الاسم مختلف في الشخص.
وأمّا المؤتلف والمختلف: فهو ما اتّفقت الأسماء خطّاً واختلفت نُطقاً.
ولايخفى أنّ العجمة والتشديد خارجان عن أصل الخطّ، فالمختلف بأحدهما - دون جوهر الكلمة - في الكتابة - كجرير بالجيم والراء المهملة وحريز بالحاء والزاي المعجمة وحنّان وحيّان داخل في المذكور.
والمتشابه: ما اتّفقت الأسماء خطّاً ونُطقاً واختلف الآباء نطقاً مع الائتلاف خطّاً، أو بالعكس باختصاص الاتّفاقالمزبور بالآباء والاختلافالمذكور بالأبناء، كمحمد بن عقيل بفتح العين لشخص وضمّها لآخر في الأوّل، وشُريح بن النعمان وسُريج بن النعمان، بإعجام الأوّل وإهمال الأخير في الأوّل وفي الثاني بالعكس.
واللازمفي الجميعالرجوع إلىالمميّزات الرجالية،وقد قدّمناها بما لامزيد عليه.
ومنها: المسلسل. وهو ما توافق رجال الإسناد فيه في صفة أو حالة قولية أو فعلية أو فيهما معاً، كان ذلك في حال تحمّل الرواية في الراوي أو المروّي عنه، فالقول كالحلف والأمر بالحفظ عن غير الأهل، والفعل كالتشبيك بالأصابع والقيام أو الاتّكاء حال الرواية وغير ذلك(83).
وقد يكون التسلسل بغير ذلك، كتوافق الرواة في الاسم كمحمّد عن محمّد، أو في الكنى أو في الألقاب أو في البلدان، أو في اسم الآباء كأحمد بن عيسى عن محمّد بن عيسى، أو كناهم أو ألقابهم أو بلادهم ونحو ذلك.
ثمّ التسلسل قد يعمّ جميع السند، وهو المسمّى به على الإطلاق، وقد يختصّ ببعضه في المبدأ أو في المنتهى أو فيهما أو في الوسط، وهذا إنّما يفيد مزيّة التحفّظ والضبط حتّى ضبط الحالة الواحدة فيما قبلهم.
ومنها: المصحَّف. وهو ما غُيّر بعض سنده أو متنه بغيره.
والأوّل كتصحيف بُريد - بالباء الموحّدة المضمومة والراء المهملة والياء المثنّاة من تحت والدال المهملة - بيزيد - بالياء المثنّاة من تحت والزاء المعجمة ثمّ المثنّاة من تحت والدال المهملة - وتصحيف حَريز بجرير بإهمال أوّل الأوّل وإعجام أخيره بعكس الأخير.
والثاني كتصحيف «شيئاً» - بإعجام أوّله ثمّ المثنّاة التحتانية ثمّ الهمزة - به«ستّاً» - بإهمال أوّله ثمّ المثنّاة من فوق - في حديث«مَنْ صام رمضان وأتبعه شيئاً من شوّال» أو «ستّاً منه»(84) وتصحيف خزف - بالفاء وإعجام الوسط - بخرق - بالقاف وإهمال الوسط.
وفي القوانين: «أنّه كثير»(85) وفي الدراية: «صحّف العلّامة في كتب الرجال كثيراً من الأسماء، مَنْ أراد الوقوف عليها فليطالع الخلاصة وإيضاح الاشتباه في أسماء الرواة، وينظر ما بينهما من الاختلاف»(86).
قال: «وقد نبّه الشيخ تقيّ الدين بن داود على كثير من ذلك»(87).
ثمّ التصحيف في الأغلب في اللفظ، والمعتبر فيه تغيير المعنى والمراد، وبه يمتاز عن النقل بالمعنى إذا كان في المتن.
وقد يكون في المعنى فقط، كما حكى في الدراية(88) عن أبي موسى محمّد بن المثنّى العَنَزِي أنّه قال: «نحن من قوم لنا شَرَف نحن من عنزة صلّى إلينا رسول اللَّه(ص)» يريد بذلك ما روي أنّه صلّى إلى عَنَزة، وهي حَربة تُنصب بين يديه سُترة، فتوهّم أنّه صلّى إلى قبيلتهم بني عنزة، وهو تصحيف معنويّ عجيب.
وقد يطلق على المصحّف: المحرّف(89).
وفي لبّ اللباب اعتبر في الأوّل أن يكون التصحيف بما يناسب الأصل خطّاً وصورةً، وعمّم الثانيّ، إلّا أنّه خصّ الغرض فيه بأن يكون مطلباً فاسداً، وخصّ الثالث بالسند. والظاهر خلافه، فراجع.
ومنها: المقلوب. وهو - على ما يظهر من أمثلتهم له، وهو المناسب للتسمية - ما قُلِب بعض ما في سنده أو متنه إلى بعض آخر ممّا فيه لا إلى الخارج عنهما. وحاصله ما وقع فيه القلب المكاني.
ففي السند أن يقال: محمّد بن أحمد بن عيسى، والواقع أحمد بن محمّد بن عيسى، أو يقال: محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى، والواقع أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه محمّد بن يحيى، إلى غير ذلك.
وفي المتن كما في حديث السبعة الذين يظلّهم اللَّه في عرشه: «فقيه، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لايعلم يمينه ما ينفق شماله...»(90).
قال في الدراية: «وإنّما هو: حتّى لاتَعلم شماله ما تُنفق يَمِينُه، كما ورد في الاُصول»(91) انتهى.
لكن أطلق في الدراية(92) والقوانين(93) تفسيره بأن يُروي بطريق فيغيّر الطريق أو بعضه لِيُرْغَبَ فيه.
وعلى هذا لم يبق فرقٌ معتدّ به بينه وبين المصحّف، وأمّا على ما ذكرناه فالفرق واضح.
ويمكن إرجاع إطلاق الأخير إلى ما ذكرناه، بخلاف الأوّل، فإنّه قال: «هو حديث ورد بطريق فيروى بغيره»(94) وظاهره أنّ الآخر مغاير للأوّل مطلقاً، لا في خصوص الترتيب، وإن منع الظهور المزبور، كان كالأخير.
ومنها: المَزيد. وهو ما يروى بزيادة على ما رواه غيره في السند أو المتن.
ففي الأوّل ما إذا أسنده وأرسلوه، أو وصله وقطعوه، أو رفعه إلى المعصوم(ع) ووقفوه على غيره، أو كان سندهم مشتملاً على رجلين أو ثلاثة، وسنده على ما زاد على ذلك بواحد أو أكثر.
وفي الأخير كما في حديث: «جُعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً»(95).
وفي الدراية: «هذه الزيادة تفرّد بها بعض الرواة، ورواية الأكثر لفظها: جُعِلَت لي(96) الأرض مسجداً وطهوراً»(97).
ومنها: المضطرب. وهو ما اختلف في متنه أو سنده، وقع الاختلاف من رواة متعدّدين أو واحد، أو من المؤلّفين أو الكتاب كذلك بحيث يشتبه الواقع منه فلا يعلم به.
ثمّ إنّ الاختلاف المذكور قد يوجب اختلاف الحكم في المتن والاعتبار في السند، وقد لايوجب، وعلى الأوّل بل مطلقاً قد يترجّح أحد الحديثين أو السندين على الآخر بمرجّح معتبر، وقد لايترجّح، فهل الاتّصاف بالاضطراب المزبور مختصّ بما أوجب اختلاف الحكم أو الاعتبار ولا ترجيح أو يعمّ غيره؟ صريح الدراية:(98) الأوّل، ويؤيّده ظاهر التسمية، وظاهر القوانين(99) ولبّ اللباب(100): الأخير، فالمراد مطلق الاضطراب بدويّاً كان أو استمراريّاً، أو أنّه اصطلاح، فعندهم ينقسم الاضطراب إلى قادح وغيره، ولا مشاحّة في الاصطلاح، إلّا أنّ الظاهر الأخير.
ويؤيّده وصفهم بالاضطراب مع عملهم. ممّا هو من هذا الباب.
ثمّ موارد الاختلاف في السند كثيرة، ومن الاختلاف في المتن رواية اعتبار الدم عند اشتباه الحيض بالقُرحَة بخروجه من الجانب الأيمن والأيسر، فالثاني كما في الكافي(101) وكذا في جملة من نسخ التهذيب، وفي أُخرى منها بالعكس.
هذا، وأمّا تسمية صاحب البشرى مثل ذلك تدليساً، ففي الدراية: «هو سهو أو اصطلاح غير ما يعرفه المحدّثون»(102).
ومنها: المُدْرَج(103). وهو على أقسام ثلاثة يجمعها درج الراوي أمراً في أمر.
أوّلها: ما أُدرج فيه كلام بعض الرواة فيظنّ أنّه من الأصل، والغالب بل هو الظاهر منهم كون هذا في المتن، وقع منه في مَنْ لا يحضره الفقيه كثيراً.
وقد يكون في السند كأن يعتقد بعض الرواة أنّ فلان الواقع في السند لقبه أو كنيته أو قبيلته أو بلده أو صنعته أو غير ذلك كذا، فيصفه بعد ذكر اسمه بذلك، أو يعتقد معرفة مَنْعبّر عنه في السند به«ببعض أصحابنا» ونحوه، فيعبّر مكانه بما عرفه من اسمه.
وثانيها: ما إذا كان متنان بإسنادين، فيندرج أحدهما في الآخر، فينتقل أحد المتنين خاصّةً بالسندين والمتنين بسندٍ واحد.
وثالثها: ما إذا كان حديث واحد مرويّ عن جماعة مختلفين في سنده، بأن رواه كلٌبسند أو اختلفوا أو خصوص راوٍ في وجوده في السند وعدمه، أو في تعيينه بأن اختلفوا أنّ ثالثاً في السند مثلاً فلان أو فلان، أو في متنه بأن اختلفوا في وجود لفظ فيه وعدمه، أو في أنّ الموجود هذا أو غيره، كما مرّ في رواية اعتبار الدم.
وإدراجه بأن يسقط موضع الاختلاف مع مجيئه بالسندين، أو يذكره مع السندين بما كان أحدهما يختصّ به.
ومنها: المعلّل. وله إطلاقان:
فعند متأخّري المتأخّرين يطلق على حديث اشتمل على ذكر علّة الحكم وسببه تامّةً كانت العلّة - كما في موارد يتعدّى بها إلى غير المنصوص؛ لوجودها فيه كإسكار الخمر - أو ناقصةً، وهي المسمّاة بالوجه والمصلحة، كرفع أرياح الآباط في غسل الجمعة، ونحوه ممّا يقرب إلى حدّ تعذّر الضبط.
وعند غيرهم بل عند الجميع على(104) حديث اشتمل على أمرٍ خفيّ في متنه أو سنده قادح في اعتباره.
والظاهر المصرّح به في الدراية(105) والقوانين(106) كفاية ظنّ ذلك، بل التردّد فيه من غير ترجيح في التسمية، بل في السقوط عن الحجّيّة، كما مرّ في تفسير الصحيح عند المتأخّرين عن جمهور العامّة اعتبارهم في التسمية بالصحيح انتفاء كونه معلّلاً، فظاهرهم اعتبار انتفاء الاحتمال المساوي أيضاً لفرض كفايته في تسميته بالمعلّل المعتبر انتفاؤه في التسمية بالصحيح.
والحقّ عدم كفاية التردّد في وجوده في المتن في السقوط عن الحجّيّة؛ لعموم أدلّة حجّيّة خبر الواحد وخصوص الصحيح من أقسامه.
في الدراية: «واعلم أنّ هذه العلّة توجد في كتاب التهذيب متناً وإسناداً بكثرة»(107).
قلت: فعليه لايجوز التعويل على ما فيه إلّا بعد فحص موجب للظنّ بانتفاء ذلك، ولعلّهم لايلتزمون به.
ومنها: المدَلَّس. وهو ما أخفي عيبه الذي في السند، كعدم سماعه من المرويّ عنه، فيرويه على وجه يوهم سماعه منه، أو وجود رجل ضعيف أو صغير السنّ في السند، فيسقطه، ليحسن الحديث بذلك.
وعلى التقديرين يحافظ في التعبير على ما لايدخل معه في الكذب وإن كان نفس التدليس أخ الكذب، كما قيل.
وقد يكون التدليس بإيجاد عيب في السند، كتجهيل شيخه أو غيره من الرواة، بأن يعبّر عنه باسم أو كنية أو لقب هو غير معروف بذلك، وكما إذا نسبه إلى قرية أو بلد أو قبيلة غير معروف بها.
في الدراية: «أنّه أخفّ ضرراً من الأوّل» وعلّله به«أنّ ذلك الشيخ مع الإغراب به إمّا أن يُعرف فيترتّب عليه ما يلزمه من ثقة وضعف، أو لا يُعرف، فيصير الحديث مجهول السند فَيُرَدّ»(108).
قلت: محصّله: أنّه لا يترتّب عليه أحكام غير صحيحة بخلاف الأوّل.
وفيه: أنّ كثيراً مّا يكون لمثل الخبر الأخير مدخل في الحكم، بحيث لولاه لم يحكم بالحقّ الذي فيه إمّا لانحصاره أو لاعتباره في الترجيح، فمع ردّه يقع الحكم بغير الحقّ.
ثمّ إنّ في قبول خبر مَنْ عرف بذلك في غير ما عُلِم فيه ذلك منه أقوالاً، ثالثها: التفصيل بين ما إذا صرّح بما يقتضي الاتّصال - ك' «حدّثنا» و «أخبرنا» - فالقبول حيث (أَضرَّت) شرائطه، والتدليس ليس كذباً بل تمويهاً غير قادح في العدالة، وبين غيره، فلا؛لحصول الريبة في إسناده، فلا يظنّ الاتّصال، فيكون من التعليل القادح في الحجّيّة وإن لم يقدح في التسمية بالصحيح، كما مرّ آنفاً.
ولا ريب في تحقّق التدليس بإخباره عن نفسه، وبجزم عالم ثقة مطّلع عليه.
وهل يكتفى فيه بوقوع زيادة راوٍ في بعض الطرق؟ في الدراية: «لا؛ لاحتمال أن يكون من المزيد»(109) معارضة بأصالة الاتّصال في الآخر، فلا أصل في البين، ولازم ذلك وإن كان سقوط الخبر عن الاعتبار حيث انتفى شرطه في الزائد إلّا أنّ الغرض عدم ثبوت التدليس بذلك.